أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - تفكيك الحضور وإرجاء المعنى: قراءة في مقولة -لا شيء خارج النص- عند جاك دريدا














المزيد.....

تفكيك الحضور وإرجاء المعنى: قراءة في مقولة -لا شيء خارج النص- عند جاك دريدا


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 08:46
المحور: الادب والفن
    


لم يكن قول جاك دريدا: "ليس هناك شيء خارج النص" إعلانًا عدميًا بقدر ما كان تفكيكًا جذريًا لوهمٍ استقر طويلًا في الوعي الفلسفي الغربي؛ وهمُ أن المعنى كامنٌ في جوهرٍ صافٍ، سابقٍ على اللغة، وأن الكلمات ليست سوى وسائط شفافة تنقل هذا الجوهر دون أن تمسّه. غير أن دريدا، في مشروعه التفكيكي كما يتبدّى في "في علم الكتابة"، يقوّض هذا التصور من أساسه، ليضعنا أمام حقيقة أكثر إرباكًا: نحن لا نصل إلى المعنى، بل ندور حوله داخل شبكة لا نهائية من العلامات.
ليست اللغة، في هذا الأفق، أداةً نستخدمها فحسب، بل هي الشرط الذي يجعل الفهم ممكنًا أصلاً. إن كل تجربة، مهما بدت مباشرة أو حسية، لا تُدرك إلا وقد مرت عبر بنية لغوية تُشكّلها وتؤطرها. وهنا يتهاوى الحلم القديم بـ"الحضور"؛ ذلك الاعتقاد بأن هناك معنى حاضرًا بذاته، مكتملًا، يمكن الإمساك به خارج اللغة أو قبلها. فالحضور، عند دريدا، ليس سوى أثر—ظلّ لمعنى مؤجل، لا يُعطى دفعة واحدة، بل يتفلت كلما اقتربنا منه.
بهذا المعنى، تصبح الكتابة—التي طالما اعتُبرت ظلًا للكلام—هي الأصل، لا بوصفها حبرًا على ورق، بل بوصفها بنية الاختلاف التي تُنتج الدلالة. إن ما نتصوره "حقيقة" ليس إلا نتيجة لتشابك نصوص، حيث كل نص يحيل إلى آخر، في سلسلة من الإرجاءات التي لا تنتهي. وهنا يظهر مفهوم "الاختلاف" (Différance)، لا كفارقٍ بسيط، بل كقوة تؤجل المعنى وتباعده، فتمنعه من الاستقرار في نقطة نهائية.
إن العالم، وفق هذا التصور، لا يُلغى، لكنه يُعاد التفكير فيه: ليس بوصفه معطًى جاهزًا، بل بوصفه نصًا مفتوحًا، تتقاطع فيه التأويلات، وتتنازع فيه القراءات. فكل قراءة ليست كشفًا عن معنى كامن، بل إنتاجٌ لمعنى جديد، محكومٌ بزاوية نظر القارئ، وبالشبكة النصية التي يتحرك داخلها. ومن هنا نفهم لماذا لا توجد "قراءة بريئة"؛ لأن كل قراءة هي، في جوهرها، تدخلٌ في النص، وإعادة كتابته.
غير أن هذا التأجيل المستمر للمعنى لا يقود إلى العبث، بل إلى مسؤولية أعمق: مسؤولية الوعي بأن ما نملكه ليس الحقيقة، بل إمكانات لا نهائية للاقتراب منها. فالمعنى لا يُعطى، بل يُصنع؛ لا يُكتشف، بل يُؤوَّل. وهنا، يتحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك في إنتاج الدلالة، ومن باحث عن يقين إلى ساكنٍ في أفق الاحتمال.

في هذا الأفق التفكيكي، لا يعود النص بنية مغلقة، بل فضاءً مفتوحًا على اللانهائي، حيث لا بداية حاسمة ولا نهاية مكتملة، بل حركة دائمة من الإرجاء والاختلاف. وهكذا، لا نغادر النص أبدًا—ليس لأن العالم غائب، بل لأننا لا نصل إليه إلا عبر اللغة، أي عبر نصٍ آخر، وأثرٍ آخر، وتأويلٍ آخر.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من ثنائية سوسير إلى ثلاثية بيرس: هل أُسيء فهم اعتباطية العلا ...
- من المحايثة إلى السميوز: نحو فهم سيميائي لسيرورة إنتاج المعن ...
- من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة ا ...
- جدلية الصمت والتأويل: الوظيفة الإبستمولوجية للنقد في مساءلة ...
- أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بن ...
- الشِّعر بوصفه سلطة جمالية متعالية على الأشكال - مقاربة نقدية ...
- بيان نحو نظرية عالمية للأدب: تجاوز المركزية وبناء الأفق الإن ...
- نحو نظرية عالمية للأدب: من مركزية النموذج الغربي إلى أفق إنس ...
- الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم ال ...
- النقد الثقافي: حين يصير النص مرآةً للسلطة الخفية في الحياة.
- نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف ...
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...


المزيد.....




- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - تفكيك الحضور وإرجاء المعنى: قراءة في مقولة -لا شيء خارج النص- عند جاك دريدا