أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - من ثنائية سوسير إلى ثلاثية بيرس: هل أُسيء فهم اعتباطية العلامة أم أُعيد تأويلها؟ قراءة إبستمولوجية في بنية العلامة السيميائية














المزيد.....

من ثنائية سوسير إلى ثلاثية بيرس: هل أُسيء فهم اعتباطية العلامة أم أُعيد تأويلها؟ قراءة إبستمولوجية في بنية العلامة السيميائية


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 08:49
المحور: الادب والفن
    


ليست قضية اعتباطية العلامة عند فردينان دو سوسير مجرد مسألة تعريف اصطلاحي داخل اللسانيات الحديثة، بل هي واحدة من أكثر النقاط التي ولّدت التباساً إبستمولوجياً في تاريخ السيميائيات المعاصرة. فالتصور الشائع يقرر أن العلامة السوسيرية ثنائية، تتكوّن من دال ومدلول، في مقابل العلامة البيرسية التي تُعدّ ثلاثية البنية، تضمّ الممثل (Representamen) والموضوع (Object) والمؤوِّل (Interpretant). غير أن قراءة دقيقة لنصوص سوسير تكشف أن هذا التقابل الحاد بين الثنائية والثلاثية ربما نشأ من تبسيط لاحق أكثر مما نشأ من جوهر مشروع سوسير نفسه.
لقد استبدل سوسير مفهومي “الصوت” و”الفكرة” بمصطلحي الدال والمدلول، لا بوصفهما عنصرين منفصلين، بل باعتبارهما وجهين لكيان نفسي واحد هو العلامة. فالدال ليس الصوت الفيزيائي، بل الصورة الأكوستيكية؛ والمدلول ليس الشيء في العالم، بل المفهوم الذهني. بهذا المعنى، فالعلامة عنده ليست علاقة بين مادة وفكرة، بل علاقة داخل الوعي اللغوي ذاته. غير أن الإشكال يبدأ عند حديثه عن الرابط بينهما، الذي وصفه بالاعتباطي.
الاعتباطية هنا لم تكن نفياً للعلاقة، بل نفياً لضرورتها الطبيعية. أي أن الرابط موجود، لكنه غير مبرَّر طبيعياً. وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن وجود علاقة غير مبرَّرة لا يعني غيابها، بل يعني أنها مؤسسة اجتماعياً وتاريخياً. ومن هنا يظهر السؤال: إذا كان الرابط جزءاً ضرورياً لوجود العلامة، فلماذا لا يُعدّ مكوّناً ثالثاً فيها؟
الجواب التقليدي يرى أن سوسير لم يمنح العلاقة استقلالاً أنطولوجياً؛ فهي ليست عنصراً قائماً بذاته، بل مبدأ تنظيمي داخلي. غير أن هذا الجواب نفسه يفتح باباً لإعادة التفكير: فالرابط، حتى وإن لم يُصنَّف عنصراً مستقلاً، يؤدي وظيفة تأويلية فعلية، لأنه ما يجعل الدال يحيل إلى مدلول دون غيره. وهنا تقترب العلامة السوسيرية، وظيفياً على الأقل، من البنية الثلاثية عند بيرس.
إن الفرق الحقيقي بين المشروعين لا يكمن في عدد العناصر بقدر ما يكمن في موضع التأويل. فبيرس يجعل المؤوِّل مكوّناً صريحاً من مكونات العلامة، ويطلق سيرورة لا نهائية من التأويلات (semiosis)، بينما يحاول سوسير ضبط العلامة داخل نسق اللغة بوصفها نظاماً من الفروق. لكن paradox المشروع السوسيري يظهر حين نقرأ تمييزه بين اللغة (langue) والكلام (parole)؛ إذ يضع النظام في الأولى، ويترك الفعل الاستعمالي في الثانية. وهنا تحديداً ينفلت الرابط من الصرامة النسقية، لأن تحقق العلاقة بين الدال والمدلول لا يحدث إلا في الاستعمال، أي في الكلام والأسلوب والسياق.
بهذا المعنى، فإن ما يبدو ثنائية في مستوى النسق يتحول عملياً إلى بنية ثلاثية في مستوى الإنجاز. فالدال والمدلول لا يلتقيان إلا عبر فعل تحقق، وهذا الفعل هو ما يمكن اعتباره مكافئاً وظيفياً للمؤول البيرسي، وإن لم يسمّه سوسير كذلك. إن سوسير لم ينف المؤول، بل أخفاه داخل آلية الاشتغال اللغوي.
ومن هنا يمكن فهم عبارته الشهيرة التي تبدو متناقضة ظاهرياً: فحين يؤكد أن الدال ليس أمراً صوتياً بل كياناً مجرداً قائماً على الفروق، فإنه ينزع عن العلامة ماديتها المباشرة ليجعلها علاقة اختلافية داخل نظام. غير أن الاختلاف نفسه لا يعمل إلا عبر إدراك واعٍ، أي عبر عملية تأويل مستمرة. فالعلامة لا تُعرّف بما هي عليه، بل بما ليست عليه، وهذا التعريف السلبي يستدعي دائماً وعياً ينجزه.
إن الإشكال إذن لا يعود إلى تناقض عند سوسير، بل إلى انتقال نصوصه عبر وسائط تعليمية اختزلت مشروعه في صيغ مدرسية. فـ«دروس في اللسانيات العامة» لم يكتبها سوسير بنفسه، بل جُمعت من ملاحظات طلبته، وهو ما جعل كثيراً من دقائقه النظرية عرضة لإعادة التنظيم والتبسيط. وهكذا تحولت الثنائية السوسيرية إلى عقيدة تفسيرية، بينما كانت في الأصل استراتيجية منهجية لعزل موضوع اللسانيات، لا وصفاً نهائياً لطبيعة العلامة.
أما الآنية والتاريخية، فلم يقصد بهما سوسير حصر النص داخل لحظته الزمنية، بل الفصل التحليلي بين مستويين: دراسة النظام كما يعمل في لحظة معينة، ودراسة تحوله عبر الزمن. هذا الفصل كان إجرائياً لا أنطولوجياً، لكنه فُهم لاحقاً بوصفه إقصاءً للتاريخ، وهو ما عمّق سوء الفهم ذاته الذي فصل الثنائية عن بعدها الديناميكي.
يمكن القول في النهاية إن العلامة عند سوسير ليست ثنائية خالصة ولا ثلاثية صريحة، بل بنية ثنائية من حيث التعريف، ثلاثية من حيث الاشتغال. فالدال والمدلول يكوّنان وحدة نظرية، لكن الرابط الذي يجمعهما يتحقق عبر فعل استعمالي وتأويلي لا يمكن تجاهله. ومن هنا يبدو التقابل بين سوسير وبيرس أقل حدّة مما اعتادت السيميائيات المدرسية تصويره؛ فكلاهما كان يسعى إلى فهم كيفية إنتاج المعنى، غير أن أحدهما بدأ من بنية النسق، بينما بدأ الآخر من دينامية التأويل.
وهكذا لا يكون السؤال: هل أخطأ سوسير أم ناقض نفسه؟ بل: هل قرأنا سوسير عبر اختزال بنيوي لاحق حجب أفق مشروعه الأوسع؟ وربما يكون التصحيح الحقيقي هو إعادة النظر في العلامة لا باعتبارها معادلة عددية لعناصر، بل باعتبارها حدثاً معرفياً يتولد عند نقطة التقاء النظام بالفعل، والبنية بالتأويل، واللغة بالحياة.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من المحايثة إلى السميوز: نحو فهم سيميائي لسيرورة إنتاج المعن ...
- من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة ا ...
- جدلية الصمت والتأويل: الوظيفة الإبستمولوجية للنقد في مساءلة ...
- أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بن ...
- الشِّعر بوصفه سلطة جمالية متعالية على الأشكال - مقاربة نقدية ...
- بيان نحو نظرية عالمية للأدب: تجاوز المركزية وبناء الأفق الإن ...
- نحو نظرية عالمية للأدب: من مركزية النموذج الغربي إلى أفق إنس ...
- الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم ال ...
- النقد الثقافي: حين يصير النص مرآةً للسلطة الخفية في الحياة.
- نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف ...
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...
- غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -ف ...


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - من ثنائية سوسير إلى ثلاثية بيرس: هل أُسيء فهم اعتباطية العلامة أم أُعيد تأويلها؟ قراءة إبستمولوجية في بنية العلامة السيميائية