أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - بين القبول والنفور: جسور العلاقات البشرية















المزيد.....

بين القبول والنفور: جسور العلاقات البشرية


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:56
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


في عمق كل علاقة إنسانية، ثمة خيط غير مرئي يشدّنا نحو بعضنا، وخيط خفيّ آخر يدفعنا بعيدًا. وبين هذين الخيطين يتشكّل «جسر القبول والنفور»، ذلك الجسر الذي نعبره مرارًا: أحيانًا بثقة، وأحيانًا بارتباك، وأحيانًا دون أن نعلم إن كنا سنصل إلى الطرف الآخر أم سنسقط في منتصف المسافة.

هذا الجسر ليس ثابتًا، بل يتبدّل مع كل تجربة، ومع كل خيبة، ومع كل محاولة صادقة لفهم الآخر. نحن لا نعبره مرة واحدة، بل نعود إليه في كل علاقة، وكأن الحياة تعيد طرح السؤال ذاته بصيغ مختلفة: هل تستطيع أن تقبل دون أن تفقد نفسك؟ وهل تستطيع أن ترفض دون أن تهدم كل شيء؟

تلاقي النقصين

العلاقات، في جوهرها، ليست لقاء كمالين، بل تلاقي نقصين يحاولان أن يتفاهما دون أن يبتلعا بعضهما. لا أحد منا مكتمل، ولا أحد ممتلئ بالعيوب. نحن مزيج هشّ من الضوء والظل، من الرغبة والخوف، من التوق والانسحاب. نحمل في داخلنا تناقضات لا نجرؤ دائمًا على الاعتراف بها، ثم نبحث عن شخص ينسجم معنا كما لو أننا كيان متماسك لا تشوبه التصدعات.

وربما تكمن المعضلة الكبرى في أننا نبحث عمّن لا يشبهنا في عيوبنا، بينما نرفض أن نعترف بأننا نحمل ذات الشقوق بشكل أو بآخر. نريد من الآخر أن يكون نسخة تُكملنا، لا مرآة تُشبهنا.

«نحن لا نحب الآخر كما هو، بل كما نود أن يكون، وحين يعجز عن أن يصبح صورتنا، نبدأ في الابتعاد عنه.»

بداية الحلم… وانكشاف الواقع

في بداية كل علاقة، يكون القبول واسعًا كسماء صافية. نرى الآخر من خلال نافذة الحلم، لا من خلال مرآة الواقع. نغضّ الطرف عمّا لا يروق لنا، ونُجمّل ما قد يزعجنا، ونمنح العلاقة فرصة أن تولد خفيفة، دون أن نثقلها بوعينا الكامل.

لكن الزمن، ذلك الكاشف الصامت، يبدأ تدريجيًا في إزالة الأقنعة. لا عن الآخر فقط، بل عنا نحن أيضًا. تتساقط الصور المثالية، وتظهر التفاصيل الصغيرة التي كنا نتجاهلها، ونبدأ في رؤية ما كان مخفيًا تحت وهج البدايات.

هنا تبدأ المسافة الحقيقية بالظهور. ليس لأن أحدنا تغيّر، بل لأننا بدأنا نرى بوضوح.

«الحقيقة لا تأتي فجأة، بل تتسلل بهدوء حتى تصبح غير قابلة للتجاهل.»

التوقعات: العدو الخفي

التوقعات تلعب دورًا محوريًا في هذه المرحلة. كلما ارتفع سقفها، ضاقت مساحة الاحتمال. التوقعات المرتفعة ليست دائمًا دليل حب عميق، بل قد تكون انعكاسًا لحاجة داخلية لم تُشفَ بعد. حين نطلب من الآخر أن يكون كل شيء، فإننا في الحقيقة نطالبه بأن يعوّض نقصًا لا يستطيع أحد تعويضه.

نحمّل الآخر مسؤولية أن يكون ملجأً، وطمأنينة، وإثباتًا، ونجاة… وفي لحظة ما، يعجز عن حمل هذا الثقل، لا لأنه لا يريد، بل لأنه بشر.

«حين نرفع سقف التوقعات، فإننا لا نمنح العلاقة فرصة للنمو، بل نحكم عليها بأن تخذلنا.»

الإحباط لا يأتي من العيوب بحد ذاتها، بل من صدمتنا بها. من الفجوة بين ما تخيلناه وما هو كائن. ومن هنا يتحول الحب من شعور إلى محاكمة. نبدأ في محاكمة التفاصيل، ومحاسبة النوايا، وقياس العطاء.

أحد الأطراف يشعر بالدونية، لأنه يُقارن بصورة مثالية لا يستطيع بلوغها. والطرف الآخر يشعر بالإرهاق، لأنه يحاول أن يرقى إلى توقعات لا نهاية لها. وتتآكل العلاقة ببطء، لا بخطأ واحد كبير، بل بتراكمات صغيرة لم تُفهم ولم تُحتوَ.

متى يكون الانسحاب شجاعة؟

ليس كل علاقة يجب أن تستمر. هذه حقيقة قد تبدو قاسية، لكنها صادقة. فهناك لحظات يصبح فيها الانسحاب ضرورة، لا هروبًا. حين تتسع المسافة بين نقاط التلاقي إلى حدّ يستحيل معه العبور، وحين تتحول المحاولة إلى استنزافٍ صامت، وحين يصبح البقاء عبئًا على الروح لا إضافة لها.

في تلك اللحظة، لا يكون الرحيل خيانة، بل حماية. لا يكون ضعفًا، بل وعيًا بأن الاستمرار لم يعد شكلًا من أشكال الحب.

«الانسحاب ليس دائمًا نهاية، بل أحيانًا بداية لنجاة مؤجلة.»

الانسحاب، في بعض الأحيان، ليس إعلان فشل، بل اعتراف بأننا حاولنا بما يكفي. وأن بعض العلاقات لا تُنقذ بالمزيد من الصبر، بل بالمزيد من الصدق.

القبول الناضج: فن الاحتضان دون الاستسلام

كثير من العلاقات تنتهي ليس لأنها لا تستحق، بل لأننا لم نمنحها الوعي الكافي. لم نتعلم كيف نقبل دون أن نفقد ذواتنا، ولم نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم ما بيننا. نخلط بين القبول والتغاضي، وبين التفاهم والتبرير، وبين الحب والتعلق.

القبول لا يعني أن نصمت عن كل شيء، بل أن نفهم ما يمكن تغييره وما يجب احتضانه كما هو. أن نعرف متى نطلب، ومتى نتفهم، ومتى نقف عند حدودنا دون أن نحول العلاقة إلى ساحة صراع.

في علم النفس، يتحدث كارل روجرز عن «التقدير الإيجابي غير المشروط»، أي القدرة على رؤية الآخر وقبوله دون شروط مسبقة. وهذه الفكرة لا تعني التسليم بكل شيء، بل تعني أن نفصل بين قيمة الإنسان وسلوكه.

كما تذكّرنا نظرية التعلق أن معظم جراحنا في العلاقات لا تبدأ من الحاضر، بل من الطفولة. من الطريقة التي تعلّمنا بها الحب، والخوف، والاقتراب، والانسحاب. نحن لا نحب فقط، بل نعيد تمثيل أنماط قديمة بوجوه جديدة.

«نحن لا نختار شركاءنا فقط، بل نختار معهم قصصنا القديمة لنعيشها مرة أخرى.»

في العلاقات الناضجة، لا يكون الهدف هو العثور على شخص بلا عيوب، بل على شخص يمكن التعايش مع عيوبه دون أن تفقد نفسك. شخص لا يجعلك تشعر بأنك مشروع إصلاح دائم، ولا يدفعك إلى أن تكون نسخة معدّلة من ذاتك.

«حين نحاول أن نربح الجدال، قد نخسر العلاقة.»

التعود: لحظة الحقيقة

مع مرور الوقت، يأتي التعود. وهو ليس ضعفًا كما يُشاع، بل مرحلة أعمق من الفهم. حين نعتاد على الآخر، نراه بوضوح أكبر، ونتعامل معه دون زخرفة أو مبالغة. هنا، تسقط الأقنعة بالكامل، وتبقى الحقيقة كما هي.

وهنا يظهر السؤال الحاسم:

«هل نحن مع الشخص لأننا نريده، أم لأننا اعتدنا عليه فقط؟»

هذا السؤال لا يطلب إجابة سريعة، بل يتطلب شجاعة. لأن بعض العلاقات تستمر لا بسبب الحب، بل بسبب الخوف من الفراغ. والخوف، مهما بدا مبررًا، لا يبني علاقة صحية.

التعود يكشف: هل ما بيننا حيّ، أم أنه مجرد بقايا شعور؟

النفور: رسالة يجب سماعها

أحيانًا يأتي النفور تدريجيًا. لا يطرق الباب بصوت عالٍ، بل يتسلل بهدوء: ملل، صمت، فتور، عدم رغبة في الحديث. هذه الإشارات ليست دائمًا إعلان نهاية، لكنها دعوة للفهم.

دعوة لإعادة النظر، لا في الآخر وحده، بل في أنفسنا أيضًا.

«كل شعور بالنفور يحمل في داخله رسالة، لكننا غالبًا نختار تجاهلها حتى تصبح صرخة.»

ربما المشكلة ليست في الشخص، بل في توقعاتنا منه. وربما ليست في التوقعات، بل في عدم وضوحها. كم من علاقة انهارت لأن أحد الأطراف كان ينتظر شيئًا لم يُقل؟ وكم من قلب امتلأ بالخيبة لأنه بنى آمالًا على صمت؟

التواصل، ذلك الجسر المنسي، هو ما يحفظ التوازن بين القبول والنفور. حين نتحدث بصدق، نقلل من مساحة التأويل. وحين نصمت، نترك المجال واسعًا للخيال… وغالبًا ما يكون الخيال أكثر قسوة من الحقيقة.

الخاتمة: مرايا الذات

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: لا أحد كامل، ولا علاقة كاملة. ما يجعل العلاقة تستمر ليس خلوها من العيوب، بل قدرتها على احتوائها. ليس غياب الخلاف، بل كيفية التعامل معه. وليس التطابق التام، بل التفاهم الكافي.

نحن لا نلتقي لأننا متشابهون تمامًا، بل لأن هناك مساحة مشتركة تسمح لنا بأن نكون مختلفين دون أن نفترق. مساحة نختار فيها أن نبقى، لا لأن كل شيء مثالي، بل لأن ما هو موجود يستحق.

«العلاقة التي تنجح ليست التي تخلو من العيوب، بل التي تجد طريقة للعيش معها دون أن تتحول إلى جرح.»

وهنا، عند هذا الحد الفاصل بين القبول والنفور، نقف أمام أنفسنا قبل أن نقف أمام الآخر. نسأل بصدق: هل هذه العلاقة تضيف لنا، أم تستنزفنا؟ هل نحن فيها لأننا نحب، أم لأننا نخاف؟

العلاقات ليست محطات للنجاح أو الفشل، بل مرايا نرى فيها أنفسنا بوضوح أكبر. وكلما نظرنا إلى هذه المرآة بصدق، زادت قدرتنا على بناء جسور لا تهتز مع أول ريح.

وهذا الوضوح، رغم قسوته أحيانًا، هو ما يقودنا في النهاية إلى علاقات أكثر صدقًا، وأكثر أمانًا، وأكثر حرية. علاقات لا تُبنى على إصلاح الآخر، بل على احتضان ما نحن عليه — بكل ما فينا من نقصٍ جميل، وتصدعات تشبهنا، وإنسانية لا تكتمل… لكنها تستحق أن نعيشها.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي ...
- مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر
- اضطراب ثنائي القطب: حين لا يكون الألم صاخباً… لكنه لا يتوقف
- شخصية الضحية المزمنة: بين قناع الضعف وحقيقة الاستنزاف
- ترامب والسياسة كمسرح عبثي: لو لم يكن رئيساً… لكان نجم “ستاند ...
- الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة
- زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإس ...
- اليوم التالي من الحرب: كيف يعيد العالم والشرق الأوسط كتابة م ...
- الغرفة التي تسكنني
- نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور


المزيد.....




- أثناء اعتقالهم برفح.. أطفال تعرضوا لانتهاكات صادمة على أيدي ...
- إيران تعلن وفاة مستشار المرشد -متأثراً بجراحه جراء غارة-
- محادثات -تحت النار-.. نتنياهو يعطي تعليماته لبدء -مفاوضات مب ...
- كيف خسرت عائلة ترامب مليار دولار في معاملات البيتكوين؟
- ماذا نعرف عن وفديْ أمريكا وإيران في مفاوضات إسلام آباد؟
- عصر الخوارزميات القاتلة.. كيف تغير المسيرات -ثالوث الحرب-؟
- ولي عهد البحرين: اعتداءات إيران تستدعي اتخاذ مواقف حازمة
- الكويت تندد بهجمات شنتها إيران ووكلاؤها على منشآت حيوية
- كالاس: يجب أن يشمل أي اتفاق مع إيران برنامجها الصاروخي
- ترامب يحذّر إيران من فرض رسوم على ناقلات النفط في مضيق هرمز ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - بين القبول والنفور: جسور العلاقات البشرية