أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أوزجان يشار - زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإسلام بالهمجية وازدواجية المعايير في النقد التاريخي الديني















المزيد.....

زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإسلام بالهمجية وازدواجية المعايير في النقد التاريخي الديني


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 23:56
المحور: قضايا ثقافية
    


كلما طُرح موضوع زواج النبي محمد ﷺ من السيدة عائشة رضي الله عنها، يظهر خطاب متكرر يصف الإسلام بالهمجية والتخلف، ويُقدَّم هذا الزواج بوصفه دليلاً على انعدام القيم الإنسانية في المجتمع الإسلامي المبكر. غير أن هذا الخطاب غالبًا ما يتجاهل سؤالًا جوهريًا: هل كان الزواج المبكر ظاهرة خاصة بالإسلام، أم أنه كان جزءًا من البنية الاجتماعية الطبيعية في معظم المجتمعات القديمة؟ عندما يُقرأ التاريخ قراءة متأنية، يتضح أن الزواج في سن مبكرة كان ممارسة شائعة في حضارات متعددة، وأن القوانين التي تجرّم هذا النوع من الزواج ظهرت في التاريخ الحديث فقط، أي بعد آلاف السنين من تلك النصوص والأحداث التي تُنتقد اليوم.

في التراث اليهودي نجد مثالًا يثير الانتباه في قصة زواج إسحاق من رفقة. يذكر العهد القديم في سفر التكوين أن إسحاق كان في الأربعين من عمره عندما تزوج رفقة، لكن النص لا يحدد عمرها. لاحقًا، حاولت التقاليد التفسيرية اليهودية، وخاصة المدراش المعروف باسم “تكوين راباه”، حساب عمر رفقة بالاستناد إلى تسلسل الأحداث التوراتية، وخلصت بعض هذه التفسيرات إلى أنها كانت في الثالثة من عمرها عند الخطبة، وأن انتقالها للعيش مع إسحاق حدث لاحقًا عندما بلغت نحو سبع سنوات. هذه التفسيرات لا تظهر بوصفها فضيحة أخلاقية في التراث اليهودي، بل باعتبارها جزءًا من القراءة التقليدية للنصوص الدينية. وجود مثل هذه الروايات في التراث التفسيري يشير إلى أن فكرة الزواج المبكر لم تكن صادمة للمجتمع القديم الذي أنتج هذه النصوص.

في التراث المسيحي المبكر يظهر مثال آخر. فالنص المعروف باسم “إنجيل يعقوب” أو “البروتوإيفانجيليوم”، وهو نص يعود إلى القرن الثاني الميلادي ويتناول طفولة مريم العذراء، يذكر أن مريم كانت في الثانية عشرة من عمرها عندما خُطبت ليوسف النجار. وتذكر بعض التقاليد المسيحية اللاحقة أن يوسف كان رجلًا متقدمًا في العمر، وقد نُقل في بعض الروايات أنه كان يقارب التسعين. ورغم أن هذا النص لا يُعد من الأناجيل القانونية في الكنيسة، فإنه ظل عبر قرون طويلة مصدرًا مهمًا في تشكيل السرد الديني الشعبي حول حياة مريم. مرة أخرى، لا نجد في التراث المسيحي القديم حالة من الصدمة الأخلاقية تجاه هذه الروايات، بل تُعرض ضمن السياق الاجتماعي الذي كان يعتبر الزواج المبكر أمرًا طبيعيًا.

أما في التراث الإسلامي، فتذكر بعض الأحاديث الواردة في صحيح البخاري أن السيدة عائشة رضي الله عنها خُطبت للنبي محمد ﷺ وهي في السادسة من عمرها، وأن انتقالها إلى بيت النبي كان في التاسعة. هذه الروايات تُعد من أشهر النصوص التي يستند إليها النقاد في اتهام الإسلام. غير أن حقيقة أساسية غالبًا ما يتم تجاهلها في النقاشات العامة، وهي أن القرآن الكريم لا يذكر عمر عائشة إطلاقًا. ولذلك فإن النقاش حول عمرها يعتمد على الروايات التاريخية في كتب الحديث، وليس على النص القرآني نفسه.

لفهم هذه الروايات، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي الواسع الذي كانت تعيش فيه المجتمعات القديمة. في معظم الحضارات القديمة، لم يكن العمر الرقمي هو المعيار الأساسي للزواج، بل كان المعيار هو البلوغ الجسدي والاجتماعي. في أوروبا المسيحية، على سبيل المثال، كان القانون الكنسي الذي حكم المجتمعات لقرون طويلة يحدد الحد الأدنى للزواج باثنتي عشرة سنة للفتيات وأربع عشرة سنة للذكور. هذه القاعدة استمرت عمليًا حتى العصور الحديثة. وفي روما القديمة كان سن الزواج القانوني للفتيات أيضًا اثنتي عشرة سنة. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الزواج في سن مبكرة كان شائعًا في المجتمعات الزراعية القديمة حيث كان تكوين الأسرة المبكر جزءًا من البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.

حتى في أوروبا الحديثة نسبيًا، لم تظهر قوانين صارمة لتحديد سن الزواج إلا في القرن العشرين. ففي بريطانيا صدر قانون مهم عام 1929 يعرف باسم “قانون سن الزواج”، والذي منع الزواج لمن هم دون السادسة عشرة. وقبل هذا القانون كانت القواعد القانونية أكثر مرونة وتعتمد إلى حد كبير على موافقة الأسرة والكنيسة. وفي نفس الفترة تقريبًا صدر في الهند قانون يعرف باسم “قانون تقييد زواج الأطفال” عام 1929، وهو من أوائل التشريعات الحديثة التي حاولت تنظيم هذه المسألة، حيث حدد الحد الأدنى للزواج بأربع عشرة سنة للفتيات وثماني عشرة سنة للذكور، قبل أن يتم رفع هذه الأعمار لاحقًا.

بعد الحرب العالمية الثانية بدأ المجتمع الدولي لأول مرة في إدخال قضايا الزواج ضمن إطار حقوق الإنسان. ففي عام 1948 صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ونصت المادة السادسة عشرة منه على أن الزواج يجب أن يتم برضا كامل من الطرفين. ومع ذلك لم يحدد الإعلان عمرًا أدنى للزواج، ما يعكس أن العالم في تلك المرحلة لم يكن قد وصل بعد إلى توافق عالمي حول هذه المسألة. أول محاولة دولية لمعالجة موضوع سن الزواج جاءت في عام 1962 عندما اعتمدت الأمم المتحدة اتفاقية الرضا بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل عقود الزواج، والتي دعت الدول إلى تحديد حد أدنى قانوني للزواج وإلزامية تسجيله رسميًا. غير أن الاتفاقية لم تفرض عمرًا محددًا عالميًا، وتركت ذلك لتقدير الدول.

في عام 1979 حدث تحول مهم عندما اعتمدت الأمم المتحدة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة اختصارًا بـ CEDAW. هذه الاتفاقية دعت الدول إلى اتخاذ إجراءات لمنع زواج الأطفال وتحديد سن قانوني للزواج. ومنذ التسعينيات بدأت فكرة تحديد سن الثامنة عشرة كحد أدنى للزواج تنتشر تدريجيًا في التشريعات الوطنية حول العالم. وفي عام 2013 تبنت الأمم المتحدة قرارًا يصف الزواج المبكر والقسري بأنه انتهاك لحقوق الإنسان، وهو القرار الذي جعل القضية تدخل بقوة في الخطاب الدولي المعاصر.

كل هذه التطورات تظهر حقيقة تاريخية مهمة: القوانين التي تعتبر الزواج المبكر جريمة اليوم هي نتاج قرن واحد تقريبًا من التطور القانوني الدولي. أما النصوص الدينية التي تُنتقد اليوم فهي تنتمي إلى عصور تعود إلى آلاف السنين، حيث كانت المعايير الاجتماعية مختلفة تمامًا. إن قراءة أحداث التاريخ القديم وفق القوانين الحديثة دون أخذ السياق التاريخي في الاعتبار تمثل نوعًا من الإسقاط الزمني الذي يحذر منه المؤرخون عادة.

من هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول الدفاع عن الماضي أو إدانته بمعايير معاصرة، بل حول فهمه في سياقه التاريخي. عندما ننظر إلى التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية معًا، نجد أن الزواج المبكر لم يكن ظاهرة فريدة في أي منها، بل كان انعكاسًا لواقع اجتماعي مشترك في العالم القديم. وإذا كانت المجتمعات الحديثة قد طورت معايير قانونية مختلفة لحماية الأطفال وتنظيم الزواج، فإن ذلك يعكس تطورًا تاريخيًا طبيعيًا في فهم المجتمعات لحقوق الإنسان، وليس دليلًا على أن الحضارات القديمة كانت “همجية” بطبيعتها.

إن وصف الإسلام بالهمجية اعتمادًا على رواية تاريخية عن زواج عائشة، مع تجاهل الأمثلة الموجودة في التراث الديني الآخر وتجاهل السياق التاريخي العام، لا يقدم قراءة علمية للتاريخ بقدر ما يعكس انتقائية في استخدام المعايير. فإما أن يُقرأ التاريخ كله ضمن سياقه الحضاري، أو أن تُطبق المعايير الحديثة على جميع الحضارات والنصوص دون استثناء. أما اختيار مثال واحد فقط من التاريخ الإسلامي وتضخيمه مع تجاهل بقية التاريخ الإنساني، فذلك لا يشكل بحثًا تاريخيًا موضوعيًا بقدر ما يعكس موقفًا أيديولوجيًا.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليوم التالي من الحرب: كيف يعيد العالم والشرق الأوسط كتابة م ...
- الغرفة التي تسكنني
- نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
- لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
- ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق ...
- صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي ...
- كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
- العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق ...
- الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت ...


المزيد.....




- منظمة: 17 سفينة على الأقل تعرضت لهجمات في الخليج ومضيق هرمز ...
- ترامب: -دول كثيرة- سترسل سفنا لحماية الملاحة مضيق هرمز
- رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أحد أبرز مفكري العصر
- تطبيع للعلاقات ونزع لسلاح حزب الله.. فرنسا تطرح صفقة شاملة ب ...
- مُطلة على -الأقصى- المغلق.. معلمة مقدسية تجيز طالبة من البحر ...
- مروان المعشر: إسرائيل الرابح الأكبر وما بعد الحرب أخطر مما ق ...
- مسؤول أمني لـCNN: هجوم بمسيرتين على السفارة الأمريكية في بغد ...
- إسرائيل تهدد بضرب سيارات الإسعاف في لبنان وتوضح السبب
- مسؤول برلماني إيراني: أوكرانيا أصبحت متورطة فعليًا في الحرب ...
- ترامب يطلب مساهمة دولية في تأمين مضيق هرمز وإيران تحذرّ


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أوزجان يشار - زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإسلام بالهمجية وازدواجية المعايير في النقد التاريخي الديني