أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 11:40
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
دروس من السافانا
في سهول جنوب أفريقيا، حيث تلتحم الحياة بالموت في سباق يومي للبقاء، تدور معركة صغيرة الحجم لكنها كبيرة المعنى. النمس سريع خاطف، ذو أنياب حادة وغرائز صيادة متطورة، يحدق في فريسته المفترضة: خنفساء صغيرة لا يتجاوز حجمها حبة زيتون، بطيئة الحركة، تبدو وكأنها وجبة سهلة لا تستدعي حتى تخطيطاً معقداً.
ينقض النمس بثقة المتعجّل نحو نصر محسوم، ولكن فجأة — وفي لحظة التحام المصيرين — ترفع الخنفساء نفسها وتطلق من طرف بطنها الخلفي رذاذاً كيميائياً حاراً وحارقاً في تأثيره يشبه الأسيد، يصيب المهاجم في عينيه وأنفه، محولاً المشهد من غنيمة سهلة إلى هزيمة مذلّة.
هذه اللوحة الطبيعية البسيطة تحمل في ثناياها أعقد دروس إدارة المخاطر التي تهم الإنسان المعاصر. فالهزيمة لم تأتِ من تفوق الخنفساء في القوة أو الحجم أو السرعة، بل جاءت من سوء تقدير النمس للموقف، ومن افتراضه أن الانتصار محسوم بناءً على مقارنة سطحية للأحجام والقدرات الظاهرة.
القصة تختزل إشكالية إدارة المخاطر في عصرنا: نحن نميل إلى قياس التحديات والمخاطر بناءً على ما نراه فقط، لا بما هو خفي. نسقط خبراتنا السابقة على واقع جديد، ونفترض أن ما نجح بالأمس سينجح اليوم، وأن ما يبدو صغيراً وضعيفاً لن يحمل في داخله قدرة على قلب الموازين.
هذه القصة ليست عن الطبيعة فحسب، بل عن السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والحياة اليومية. إنها عن تلك اللحظة التي يندفع فيها طرف قوي نحو ما يظنه نصراً سهلاً، ليكتشف متأخراً أن خصمه الصغير كان يحمل سلاحاً غير مرئي. في عالم تتسارع فيه التغيرات وتتقاطع فيه الأنظمة، يصبح الخطر الحقيقي في سوء التقدير أكثر من كونه في نقص القوة.
⸻
وهم المعرفة والثقة الزائدة
الخريطة ليست الأرض
بدأت كثير من الهزائم التاريخية بثقة لا تستند إلى معرفة دقيقة، بافتراض أن الخريطة التي في الأذهان تطابق الأرض التي تحت الأقدام. يقول الفيلسوف البريطاني ألفرد نورث وايتهيد:
“ليس هناك خرافة أكثر خطورة من فكرة أن العادات المحددة والعقلية التي ارتبطت بالنجاح في فترة زمنية معينة، هي مناسبة لفترة تالية”.
تخيل قادة الإمبراطورية الرومانية وهم يشاهدون القبائل الجرمانية على حدودهم، مقتنعين بأن تفوقهم الحضاري والعسكري يحصنهم من أي تهديد. لم يدركوا أن هذه القبائل التي تبدو مفككة تحمل في داخلها مرونة ديناميكية وقدرة على التكيف ستتفوق في النهاية على جمود نظام راسخ.
في عالم الأعمال الحديث، تكررت القصة نفسها مع شركة نوكيا. كانت تملك في ذروة مجدها حصة هائلة من سوق الهواتف المحمولة العالمية، وكانت خبرتها الطويلة تمنحها ثقة كبيرة في نموذجها الصناعي. وعندما بدأت الهواتف الذكية بالظهور، رأت فيها تطوراً جانبياً لا يهدد جوهر أعمالها. كانت ترى جهازاً جديداً في السوق، لكنها لم ترَ النظام البيئي الرقمي الذي كان يتشكل حوله. الخطر لم يكن في المنتج بحد ذاته، بل في التحول الكامل في طريقة استخدام التكنولوجيا.
متلازمة الخبرة المعيقة
الخبرة السابقة، رغم قيمتها، يمكن أن تتحول إلى عائق عندما تصبح نظارة ثقيلة تعيق رؤية المستجدات. عالم النفس المعرفي دانيال كانيمان يصف هذا بالتحيز التأكيدي: الميل إلى تفسير المعلومات الجديدة بما يتوافق مع القناعات الراسخة.
شركة كوداك تقدم مثالاً كلاسيكياً. فقد كانت من أوائل الشركات التي طورت التصوير الرقمي، لكنها بقيت أسيرة نجاحها التاريخي في الأفلام الفوتوغرافية. رأت التحول الرقمي بوضوح، لكنها لم ترَ سرعته ولا عمق تأثيره على سلوك المستخدمين. الثقة المتراكمة من عقود من النجاح تحولت إلى عامل إعاقة في رؤية الخطر الحقيقي. لم تكن المشكلة في نقص المعلومات، بل في تفسيرها من خلال عدسة الماضي.
⸻
المخاطر الخفية — ما لا نراه أهم مما نراه
الجبل الجليدي للمخاطر
قال مارك توين:
“ليس ما لا تعرفه هو الذي يوقعك في المشاكل، بل ما أنت متأكد من معرفته ولكنك في الحقيقة مخطئ فيه”.
هذه العبارة تلامس جوهر المخاطر الحقيقية: ليست في المجهول الذي نعترف بجهلنا به، بل في المعروف الزائف الذي نعتقد أننا نفهمه.
في الأزمة المالية العالمية عام 2008، كانت المخاطر التي تختبئ خلف منتجات مالية معقدة تبدو محدودة الأثر. لكنها حملت في داخلها قدرة على شل النظام المالي العالمي. الخطر لم يكن في الأدوات نفسها، بل في الاعتقاد السائد بأنها آمنة.
خطر التقارب التكنولوجي
أحد أكثر أشكال المخاطر الخفية إثارة هو خطر التقارب التكنولوجي: أن تتجمع عدة تطورات صغيرة، كل منها يبدو غير حاسم بمفرده، لكنها حين تجتمع تنتج تحولاً ثورياً. تطور الهواتف الذكية جاء نتيجة تقارب شاشات اللمس، والمعالجات الدقيقة، والكاميرات الرقمية، والاتصالات اللاسلكية. كل عنصر بدا تقدمياً، لكن اجتماعها غيّر صناعات بأكملها.
⸻
الواقعية كفن بين الحقائق والقيم
عندما سُئل جندي فرنسي قائده نابليون بونابرت:
“هل الله مع الكاثوليك أم مع البروتستانت؟”
كانت إجابته المباشرة: “الله مع من يملك مدافع أطول”.
كثيراً ما تُقرأ هذه العبارة كدعوة إلى القوة المجردة، لكنها في سياق إدارة المخاطر تشير إلى فكرة أعمق: الواقعية. نابليون لم يكن ينكر دور المعنويات أو القيم، بل كان يؤكد أن أي رؤية للعالم لا بد أن تُسند بفهم مادي للقدرات والاحتمالات.
في معركة أوسترليتز عام 1805، واجه نابليون تحالفاً روسياً نمساوياً متفوقاً عدداً. لم يعتمد على القوة وحدها، بل على فهم الأرض والطقس واحتمالات تحرك الخصم. استخدم الضباب كحليف، وأدار توقيت الهجوم بدقة، فحوّل التفوق العددي للخصم إلى عبء عليه. هذه ليست قصة قوة، بل قصة إدارة مخاطر واقعية: قراءة الظروف كما هي، لا كما نرغب أن تكون.
فن حساب الاحتمالات
القائد العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز كتب في كتابه الشهير “في الحرب”:
“الحرب هي مملكة الاحتمالات. ثلاثة أرباع العوامل التي تقف وراء العمل العسكري مغمورة في ضباب عدم اليقين”.
يشير كلاوزفيتز إلى مفهوم الاحتكاك: تلك القوى الصغيرة غير المتوقعة التي تحول الخطط المحكمة إلى فوضى في الميدان. الطقس، سوء التواصل، إرهاق الجنود، أخطاء التقدير، كلها عوامل لا تظهر في الخطط الأولية لكنها تغير النتائج.
إدارة المخاطر الفعالة لا تعني وضع خطة مثالية، بل بناء خطة مرنة تقبل التعديل، وتفترض منذ البداية أن الواقع سيختلف عن التوقعات. الفرق بين خطة صلبة وخطة مرنة هو الفرق بين مؤسسة تنهار عند أول صدمة وأخرى تتكيف معها.
⸻
أمثلة تاريخية في إدارة المخاطر
حين تخدع القوة أصحابها
في أواخر عام 1979، دخل الاتحاد السوفياتي أفغانستان بثقة قوة عظمى تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً واضحاً. افترضت القيادة أن العملية ستكون محدودة وسريعة، وأن السيطرة على الأرض مسألة وقت قصير. الحسابات الأولية بُنيت على مقارنة تقليدية للقوة: جيش نظامي متطور في مواجهة مجموعات مقاتلة غير متكافئة في العتاد.
لكن ما بدا تدخلاً قصير الأمد تحول إلى حرب استنزاف طويلة. البيئة الجغرافية الوعرة، وطبيعة المجتمع المحلي، وشبكات الدعم الخارجي للمقاومة، كلها عوامل لم تُقدَّر بما يكفي في الحسابات الأولية. القوة التقليدية لم تكن كافية لحسم صراع غير تقليدي. الخصم لم يسعَ إلى مواجهة مباشرة، بل إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف الموارد.
لم يكن الخطر في ضعف القوة السوفياتية، بل في سوء فهم طبيعة الميدان نفسه. التفوق في العتاد لم يعوّض نقص الفهم للسياق الاجتماعي والثقافي والجغرافي. انتهت الحرب بعد سنوات بتكاليف بشرية واقتصادية ومعنوية عالية، وأصبحت مثالاً على أن القوة حين تُستخدم دون تقدير كافٍ للمخاطر الخفية قد تتحول إلى عبء.
الاقتصاد يعيد القصة بصيغة أخرى
في عالم الأعمال، تتكرر الأنماط نفسها بوجوه مختلفة. شركة نوكيا كانت تهيمن على سوق الهواتف المحمولة عالمياً، مدفوعة بخبرة طويلة وثقة عالية في نموذجها الصناعي. عندما بدأت الهواتف الذكية بالظهور، رأت فيها منتجاً جانبياً لا يهدد موقعها المركزي. كانت ترى جهازاً جديداً، لكنها لم ترَ التحول في طريقة استخدام التكنولوجيا ولا النظام البيئي الرقمي الذي كان يتشكل حوله.
شركة كوداك واجهت مفارقة مشابهة. كانت من أوائل من طوروا تقنيات التصوير الرقمي، لكنها بقيت أسيرة نجاحها في الأفلام الفوتوغرافية. رأت التحول، لكنها لم ترَ سرعته ولا عمق تأثيره على السوق. الثقة المتراكمة من عقود من النجاح تحولت إلى عائق في رؤية المخاطر القادمة.
هذه الأمثلة، العسكرية والاقتصادية، تلتقي عند فكرة واحدة: الخطر الحقيقي لا يأتي دائماً من الخصم الأقوى أو التحدي الأكبر، بل من سوء تقدير طبيعة التغيير نفسه. ما يبدو صغيراً أو قابلاً للاحتواء قد يحمل في داخله قدرة على إعادة تشكيل الميدان بالكامل.
كما في مواجهة النمس مع الخنفساء، فإن الحكم على الموقف من خلال الحجم أو القوة الظاهرة وحدها قد يقود إلى قرارات واثقة لكنها غير دقيقة.
⸻
أدوات عملية لتحديد المخاطر وإدارتها
التحليل الرباعي للمخاطر
من المفيد عند التعامل مع المخاطر أن نفهم أنها ليست نوعاً واحداً، بل طيف واسع يتطلب أدوات مختلفة في التقدير والإدارة. يمكن تصنيف المخاطر إلى أربعة أنواع رئيسية، لكل منها خصائصه وأساليب التعامل معه:
1. المخاطر المعروفة-المعروفة:
وهي المخاطر التي ندرك وجودها ونستطيع قياسها نسبياً. مثل تقلبات أسعار العملات في التجارة الدولية أو احتمال تعطل آلة في خط إنتاج. هذه المخاطر يمكن إدارتها عبر التأمين أو التنويع أو وضع خطط احتياطية واضحة.
2. المخاطر المعروفة-المجهولة:
نعلم بوجودها لكننا لا نعرف توقيتها أو حجمها. مثل الزلازل في مناطق نشطة أو الأزمات الاقتصادية الدورية. هنا يصبح التخطيط قائماً على الاحتمالات والسيناريوهات، لا على اليقين.
3. المخاطر المجهولة-المعروفة:
وهي مخاطر موجودة في الواقع لكننا نتجاهلها أو نقلل من شأنها. مثل التحولات التكنولوجية البطيئة التي تبدو في البداية هامشية. كثير من المؤسسات ترى إشارات التغيير لكنها لا تتعامل معها بجدية كافية.
4. المخاطر المجهولة-المجهولة:
وهي المفاجآت الحقيقية التي لا نعلم أننا لا نعلمها. هذه الفئة هي الأكثر خطورة، لأنها لا تظهر في الحسابات ولا في الخطط. التعامل معها يعتمد على بناء المرونة والقدرة على التكيف السريع.
فهم هذا التصنيف يساعد في توجيه الانتباه نحو ما لا نراه، لا فقط نحو ما نراه. فالمخاطر الأكثر تأثيراً في كثير من الأحيان هي تلك التي تقع خارج نطاق التوقعات المباشرة.
⸻
تقنيات عملية لرصد المخاطر الخفية
إدارة المخاطر لا تقتصر على التحليل النظري، بل تتطلب أدوات عملية يمكن تطبيقها في المؤسسات والحياة اليومية.
أولاً: تحليل السيناريوهات المتطرفة.
طرح سؤال “ماذا لو؟” في ظروف غير مريحة. ماذا لو انخفضت الإيرادات إلى النصف فجأة؟ ماذا لو توقف مورد أساسي عن العمل؟ التفكير في السيناريوهات القصوى لا يعني التشاؤم، بل الاستعداد.
ثانياً: البحث عن الإشارات الصغيرة.
كثير من الأزمات الكبرى تبدأ بإشارات صغيرة. في قطاع الطيران، يتم التحقيق في أصغر الأعطال بحثاً عن أنماط قد تشير إلى خلل أكبر. الفكرة ليست في تضخيم المخاطر الصغيرة، بل في فهم ما قد تحمله من دلالات.
ثالثاً: التفكير عبر التناقضات.
البحث المتعمد عن معلومات تتعارض مع الافتراضات القائمة. المؤسسات الناجحة لا تكتفي بتأكيد ما تعرفه، بل تبحث عمّا قد يثبت خطأها. التناقض ليس عائقاً، بل أداة لفهم أعمق.
رابعاً: المراجعات الخارجية.
الاستعانة بآراء من خارج المؤسسة أو الدائرة المغلقة. ثقافة المجموعة قد تعمي الرؤية، بينما يوفر النظر من الخارج زاوية مختلفة.
بناء المناعة المؤسسية
إدارة المخاطر لا تعني القضاء على جميع المخاطر، فهذا مستحيل. الهدف هو بناء مناعة تمكن المؤسسة أو الفرد من التعافي عند وقوع الصدمات. مفهوم المرونة أصبح محورياً في الفكر الإداري الحديث.
المؤسسات المرنة لا تفترض أن الخطط ستنجح دائماً، بل تفترض أن بعضها سيفشل. لذلك تبني أنظمة قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف معها. اللامركزية في اتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، وتشجيع التجريب المدروس، كلها عناصر تعزز هذه المناعة.
المرونة لا تعني الفوضى، بل القدرة على التعديل دون انهيار. الفرق بين نظام هش ونظام مرن هو أن الأول يعتمد على الاستقرار الدائم، بينما الثاني يفترض التغير الدائم.
⸻
الأبعاد النفسية والأخلاقية لإدارة المخاطر
التواضع المعرفي
الفيلسوف اليوناني سقراط قال: “أعرف أني لا أعرف”.
هذا الاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً، بل أساس الحكمة. التواضع المعرفي هو نقطة البداية لأي إدارة مخاطر فعالة.
حين يعتقد الأفراد أو المؤسسات أنهم يفهمون كل شيء، يصبحون أكثر عرضة للأخطاء. الاعتراف بوجود ما لا نعرفه يفتح الباب للتعلم والمراجعة والتصحيح.
المسؤولية الأخلاقية
إدارة المخاطر ليست مسألة تقنية فقط، بل مسؤولية أخلاقية أيضاً. القرارات التي تنطوي على مخاطر قد تؤثر في حياة أفراد ومجتمعات كاملة. حين يتخذ قادة الشركات أو الدول قرارات عالية المخاطر، فإنهم يتحملون مسؤولية نتائجها.
القدرة على التأثير الواسع تخلق واجباً في التفكير في العواقب البعيدة، لا فقط في المكاسب القريبة. الإدارة الحكيمة للمخاطر توازن بين الجرأة والحذر، بين الابتكار والمسؤولية.
⸻
مستقبل إدارة المخاطر في عالم معقد
المخاطر النظامية في عالم مترابط
نعيش في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً، حيث يمكن أن تبدأ أزمة صغيرة في جزء محدود من النظام لتتحول إلى موجة صدمة تمتد عبر العالم كله. لم تعد المخاطر محصورة في حدود جغرافية أو قطاعية، بل أصبحت مترابطة بشكل يجعل من الصعب عزلها أو احتواؤها سريعاً.
جائحة كوفيد-19 كانت مثالاً واضحاً على هذا النوع من المخاطر النظامية. فيروس صغير في مدينة واحدة تحوّل خلال أشهر إلى أزمة عالمية أثرت في الصحة والاقتصاد وسلاسل الإمداد والعلاقات الدولية. الخطر لم يكن في الفيروس وحده، بل في الترابط الشديد بين الأنظمة العالمية.
الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر
يقدم الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة لتحليل كميات هائلة من البيانات والكشف عن أنماط خفية قد لا يلاحظها البشر بسهولة. يمكن لهذه التقنيات أن تساعد في التنبؤ بالأزمات أو رصد إشارات مبكرة لمخاطر ناشئة.
لكن هذه الأدوات نفسها تخلق مخاطر جديدة. الاعتماد الزائد على الأنظمة الآلية قد يؤدي إلى إهمال الحكم البشري، والقرارات المبنية على خوارزميات غير شفافة قد تحمل تحيزات غير مرئية. كما أن سرعة التطور التقني قد تتجاوز قدرة الأطر التنظيمية على مواكبته.
المخاطر الوجودية للبشرية
يطرح بعض المفكرين والعلماء فئة جديدة من المخاطر تُعرف بالمخاطر الوجودية، وهي تلك التي تهدد بقاء الحضارة الإنسانية أو قدرتها على الاستمرار. تغير المناخ، والأسلحة ذات القدرة التدميرية الشاملة، والتقنيات غير المنضبطة، كلها أمثلة على مخاطر تمتد آثارها إلى أجيال طويلة.
إدارة هذا النوع من المخاطر تتطلب تعاوناً دولياً ورؤية طويلة المدى تتجاوز الحسابات الضيقة.
⸻
العودة إلى السافانا
لنعد إلى مشهدنا الأول في سهول جنوب أفريقيا. النمس الذي هاجم الخنفساء دون تقدير كافٍ للمخاطر تعلّم درساً قاسياً. الطبيعة لا تكافئ الأقوى دائماً، ولا الأسرع، ولا الأكبر. الطبيعة تكافئ الأكثر تكيفاً، والأكثر فهماً للواقع، والأكثر استعداداً للمفاجآت.
في حياتنا الشخصية والمهنية والاجتماعية، نواجه يومياً “خنافس” صغيرة قد نستهين بها: تغيير محدود في السوق، منافس ناشئ يبدو ضعيفاً، تقنية جديدة تبدو هامشية، فكرة مختلفة تبدو غير عملية. الخطر ليس في هذه العناصر بذاتها، بل في الثقة الزائدة التي تمنعنا من رؤية ما تحمله في داخلها.
فن إدارة المخاطر، في جوهره، هو فن التواضع أمام تعقيد العالم، والشجاعة في مواجهة المجهول، والحكمة في التمييز بين المخاطر التي يجب تجنبها والمخاطر التي تستحق المغامرة.
كما قالت الكاتبة الأمريكية هيلين كيلر:
“الأمان مجرد خرافة. الحياة إما مغامرة جريئة، أو لا شيء.”
لكن هذه المغامرة تكون أجدى وأكثر حكمة عندما نتعلم درس النمس والخنفساء: أن ننظر بعينين مفتوحتين، وعقل متسائل، قبل أن ننقض. أن نفحص ما يبدو بسيطاً، وأن نتساءل عمّا قد يخفيه من احتمالات. وأن نتذكر دائماً أن الحكم على المخاطر من خلال ظاهرها فقط قد يقود إلى قرارات واثقة لكنها غير دقيقة.
في النهاية، الإدارة الحكيمة للمخاطر لا تهدف إلى القضاء على المخاطر تماماً — فهذا غير ممكن — بل إلى اختيارها بعناية، وفهمها بعمق، والتعامل معها بمرونة. وهي الفنون التي تفصل بين من يقرأ التحولات متأخراً، ومن يستعد لها قبل أن تتحول إلى مفاجآت قاسية.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟