أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أوزجان يشار - صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة















المزيد.....

صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 11:40
المحور: قضايا ثقافية
    


لا تبدأ الكوارث عادةً بصوتٍ عالٍ.
لا تأتي على شكل انفجار مفاجئ أو انهيار درامي واضح.
غالبًا ما تبدأ بجملة صغيرة تُقال بخفة، ثم تُنسى، ثم تعود لتتكرر حتى تصبح جزءًا من الهواء الذي نتنفسه. جملة تبدو عادية، منطقية، وربما رحيمة أحيانًا. لكنها، مع التكرار، تتحول إلى قاعدة خفية تعيد ترتيب العلاقة بين الخطأ والضرورة، بين الضمير والبقاء.
أنا لا أخاف من الكارثة حين تقع.
أنا أخاف منها حين تصبح مألوفة قبل أن تقع.
حين تتحول إلى فكرة بعيدة، نظرية، لا تخصّنا.
حين تُختزل في كلمة واحدة:
«مجرد».

قرأتُ هذه الفكرة لأول مرة بوضوح جارح في قصة قصيرة لأنطون تشيخوف نُشرت عام 1885 بعنوان «الجاني» (The Malefactor). لم تكن القصة عن جريمة كبرى أو شرّ متعمد، بل عن صامولة واحدة. صامولة تثبّت قضبان السكة الحديدية.
يُقتاد فلاح روسي نحيل إلى مكتب التحقيق. اسمه دينيس غريغورييف. يقف أمام المحقق بلا حذاء، بثياب رثة، بوجه مغطّى بشعر كثّ، وعينين لا تحملان تمردًا ولا ندمًا، بل تعبًا قديمًا متراكمًا – تعب رجل عاش طويلًا تحت ضغط الضرورة حتى صار الخطر بالنسبة إليه فكرة بعيدة، نظرية، لا تُرى ولا تُلمس.

يسأله المحقق بهدوء رسمي:
— دينيس غريغورييف، وُجدت عند الميل الحادي والأربعين تفكّ صامولة تثبّت قضبان السكة الحديدية. لماذا؟
يرد الرجل دون تحدٍّ أو خوف:
— لأربط بها شبكة الصيد.
يحاول المحقق أن يشرح له الخطر: انقلاب قطار، موت ركّاب، كارثة.
ينظر إليه دينيس، ثم يقول الجملة التي لا تزال تتردد في رأسي منذ قرأتها:
«إنها مجرد صامولة.»
جملة قصيرة. لكنها ليست قصيرة في معناها.
نحويًا، تبدو بسيطة: «إنَّها» حرف توكيد، «مجرد» خبر، «صامولة» نكرة.

لكن دلاليًا، يحدث شيء أعنف من النحو: يُختزل نظام كامل من الأرواح والمصائر في قطعة معدنية صغيرة. يُختزل خطر هائل في كلمة «مجرد».
دينيس لا يرى نفسه مجرمًا. هو صياد فقير. الصامولة ثقيلة، فيها ثقب، جاهزة للاستخدام. القرية كلها تفعل ذلك: يفكّون صامولة ويتركون أخرى. توازن هشّ، لكنه يعمل. حتى العمدة يستخدم هذه الصواميل لإصلاح أقفال مبنى الشرطة، والشرطة لا تسأل عن المصدر. المهم أن يستمر كل شيء… أو ما يشبه الاستمرار.

هنا فهمت أن القصة ليست عن صامولة. إنها عن ما يحدث حين تعيش جماعة بشرية طويلًا داخل الضرورة. حين يصبح البقاء أهم من الدقة الأخلاقية. حين يتحول الخطأ من استثناء إلى وسيلة عيش، ثم إلى عادة، ثم إلى ثقافة.

بعد سنوات من قراءة تشيخوف، التقيت رجلًا أعاد لي القصة إلى الحياة، لكن في زمننا. اسمه عوني. مهاجر يعمل في وظيفة متواضعة في بلد غريب. خرج من بلده بعد مشكلة مع رجل أمن، اختبأ فترة في مدينة بعيدة، خسر مالًا ووقتًا وأشياء لا تُقاس بالمال. كان يتحدث عن خسائر تكبدها، وعن إحساس دائم بأنه خرج من معركة خاسرة وعليه أن يعوّض.
بعد يومين فقط من وصوله إلى عمله الجديد، وجد محفظة في الطريق. فتحها: مال يكفي لتخفيف عبء ثقيل، بطاقات هوية، بطاقة بنك، رخصة قيادة، تأمين طبي.
سألته: ماذا فعلت؟
قال بثقة هادئة:
— هذا رزق من الله… تعويض.
سألته: وصاحب المحفظة؟
قال:
— أجنبي. رميت البطاقات.
لم يكن يتحدث بوقاحة أو سخرية. لم يكن يشعر بالذنب. كان يتحدث بيقين رجل يرى أن ما حدث إعادة توازن. في منطقه، لم يسرق. بل استعاد حقًا.
وهنا أدركت أن الجملة التي قالها دينيس في قرية روسية بعيدة، والجملة التي قالها عوني في مدينة حديثة، تنتميان إلى البنية الذهنية نفسها:
«إنها مجرد صامولة.»
«هذا مجرد تعويض.»
الجملة تتغير، لكن المنطق واحد.

الفقر الطويل لا يبقى نقصًا في المال. يتحول إلى طريقة في رؤية العالم. كل شيء يُقاس بالحاجة: ما الفائدة؟ ما الكلفة؟ ما البديل؟ إذا كان البديل مكلفًا، يصبح الخطأ مفهومًا. ومع التكرار يصبح مقبولًا. ومع القبول يصبح عادة. ومع العادة يصبح غير مرئي.

هكذا تنشأ «فوضى العادة»: نظام غير مكتوب يقوم على أخطاء صغيرة متبادلة. لا أحد يقصد الكارثة، لكن الجميع يساهمون فيها دون قصد. دينيس لا يرى القطار المنقلب. عوني لا يرى صاحب المحفظة القلق. الخطر بعيد. نظري. غير ملموس.
وهنا يغيب «الخيال الأخلاقي»: القدرة على تخيل أثر الفعل على الآخر، على رؤية السلسلة الطويلة التي تبدأ بصامولة وتنتهي بحادث، أو تبدأ بمحفظة وتنتهي بانكسار ثقة.

حين يتصالح مجتمع كامل مع هذا النوع من التبرير، يتشكل توازن هشّ. لا أحد يريد الكارثة، لكن الجميع يشاركون في بنائها دون قصد. المجتمعات لا تنهار فجأة. إنها تتآكل ببطء، من أطرافها، من تفاصيلها الصغيرة، من الجمل التي تبدأ بكلمة «مجرد»:
مجرد صامولة.
مجرد مال.
مجرد مرة واحدة.
مجرد حل مؤقت.
مجرد تعويض.
ثم تأتي الجملة الأخطر: «لن يحدث شيء.»
نحويًا عادية، لكنها أخلاقيًا جملة انهيار بطيء.

تشيخوف لم يكن يكتب عن فقراء يسرقون صواميل فقط. كان يكتب عن مأزق الضرورة حين تضغط على الأخلاق. عن اللحظة التي يعيد فيها الإنسان – ثم المجتمع كله – تعريف الخطأ لكي يستطيع العيش معه.
الطفل الذي يكبر في قرية تفك صواميل القطار سيتعلم أن هذا أمر عادي. والطفل الذي يكبر في بيئة ترى في المال الضائع رزقًا بلا مسؤولية سيتعلم أن العالم ساحة فرص غير متكافئة، وعليه أن يقتنص ما يستطيع. هكذا يُورَّث التكيّف مع الخطأ، ليس كجريمة، بل كمهارة بقاء.

أنا لا أكتب هذه الحكاية لأدين دينيس ولا عوني. أكتبها لأفهم تلك المسافة الدقيقة بين الضرورة والضمير – المسافة التي نقف فيها جميعًا يوميًا.
أعرف هذا الصوت جيدًا: صوت التبرير الهادئ الذي يهمس داخل الإنسان:
افعلها. لن يحدث شيء. الجميع يفعل ذلك. أنت تحتاج. أنت تستحق.
وهناك صوت آخر، أضعف، أبطأ، لكنه أكثر وحدة:
لا تفعل. حتى لو كنت وحدك.
الصراع بين هذين الصوتين هو ما يحدد شكل المجتمعات، لا القوانين المكتوبة.

ربما الآن، في مكان ما، يقف طفل على حافة سكة حديد. يرى الكبار يفكون الصواميل. فيفعل مثلهم. ليس لأنه شرير، بل لأنه تعلم أن الصامولة… مجرد صامولة.

وربما الآن، في مكان ما، يسقط شخص محفظته. يجدها آخر. يتردد. ثم يسمع الجملة نفسها: مجرد تعويض.
وعندها، حين ينقلب القطار يومًا ما، أو حين ينهار معنى الثقة بين الناس، سنبحث عن المذنب الكبير، وننسى الجملة الصغيرة التي بدأت كل شيء.
المجتمعات لا تنهار فجأة. إنها تتآكل ببطء، من أطرافها، من تفاصيلها الصغيرة. من تلك اللحظات التي يُعاد فيها تعريف الصواب والخطأ تحت ضغط الحاجة. وحين يطول هذا التآكل، يصبح الإصلاح أصعب، لأنه لا يواجه خطأً واحدًا، بل يواجه عادةً كاملة – عادة لها منطقها، تبريراتها، وقصصها التي تُروى لتخفف وطأة الشعور بالذنب.

لذلك، تبدأ المقاومة من مكان صغير جدًا:
من إعادة الحساسية تجاه «الصامولة الصغيرة».
من الاعتراف بأن الأفعال الصغيرة ليست صغيرة دائمًا.

من مقاومة جملة «الجميع يفعل ذلك».
ليس المطلوب مجتمع مثالي – هذا وهم.
لكن المطلوب أن ننتبه للحظة التي يتحول فيها التبرير إلى ثقافة، والانحراف إلى أمر مفهوم إلى درجة أنه يفقد صفة الانحراف.
هناك، بالضبط، تبدأ الكارثة.
لا حين ينقلب القطار.
بل حين تصبح الصامولة… مجرد صامولة.

والحل؟ ليس في الوعظ الأخلاقي وحده، بل في بناء ظروف تجعل الضرورة أقل ضغطًا: تعليم حقيقي ينمي الخيال الأخلاقي، فرص عمل كريمة تخرج الناس من تحت وطأة الحاجة، صناعة تزدهر فلا يضطر صياد إلى فك صامولة ليصنع ثقلًا لشبكته، وعدل يُرى في الشارع لا في الكتب فقط.
لأن الطفل الذي سيولد غدًا، إن نشأ في بيئة لا تبرر الخطأ باسم الضرورة، وذهب إلى مدرسة تعلّمه أن لكل فعل ثمنًا، وكبر ليجد عملًا يكرمه، ورأى بعينيه أن العدل حقيقة وليس نظرية… ذلك الطفل، حتى لو مر بمحفظة ضائعة أو وقف أمام صامولة، لن يقول «مجرد».
لن يقولها.
لأنه لم يُربَّ على أنها عادة.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
- لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
- ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق ...
- صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي ...
- كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
- العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق ...
- الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت ...
- عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم ...
- نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال ...
- على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران ...
- سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
- الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ ...
- قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني
- من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
- ومضات من فن رافائيل سانزيو الرسّام والمعماري الإيطالي
- عام 2025: عام حزين آخر يرحل تاركا العالم على عتبة التحوّل ال ...


المزيد.....




- روسيا وأوكرانيا تعلنان موعد ومكان الجولة القادمة من محادثات ...
- اليمن.. شائعة -شيخ روحاني- عن -كهف ذهب- تدفع فيديو مُضلل للر ...
- مصادر: أمريكا تُرسل حاملة الطائرات -الأكثر تطورا- إلى الشرق ...
- -أسباب واهية-.. قاضية أمريكية تمنع ترحيل مهاجرين من جنوب الس ...
- رئيسة فنزويلا المؤقتة: أقود البلاد دستورياً.. ومادورو يبقى ا ...
- -الأنبياء الجدد-: ماذا يكشف انتشار -مدرّبي الحياة- عن عالمنا ...
- عقوبات ودعوات إلى الاستقالة.. لماذا تحولت فرانشيسكا ألبانيزي ...
- قرعة دوري الأمم الأوروبية: فرنسا في مجموعة واحدة مع إيطاليا ...
- وول ستريت جورنال: جنرال ألماني يُهيئ بلاده للحرب
- ما أبرز التحديات التي تواجهها قمة الاتحاد الأفريقي الـ39؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أوزجان يشار - صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة