أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - الغرفة التي تسكنني















المزيد.....



الغرفة التي تسكنني


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 14:43
المحور: الادب والفن
    


1. البداية: الرحلة إلى المجهول

لم أعرف متى بدأت الرحلة تحديداً. هل كانت ليلة اكتمال القمر حين غفوت وأنا أقرأ تلك القصيدة الصوفية التي كانت تتحدث عن العبور دون عودة؟ أم كانت قبل ذلك بكثير، في طفولة بعيدة، عندما رأيت للمرة الأولى حصاناً أسود يمر من أمام بيتنا كالريح، تاركاً خلفه سؤالاً لم أجد له جواباً، وكأن ظهوره لم يكن مروراً عابراً بل وعداً مؤجلاً؟

كل ما أتذكره أنني كنت جالساً في عربة قديمة تجرّها أحصنة سوداء تركض بسرعة غير طبيعية، كأنها لا تمشي على الأرض، بل على طبقة خفية من الزمن، طبقة لا تراها العين لكنها تشعر بها العظام. كانت حوافرها تضرب أرضاً لا يُسمع لها صوت، وكأن الصوت نفسه سُحب من العالم، وكأن الزمن أصبح ناعماً كالحرير تحت وقعها، مطيعاً، منساباً، بلا مقاومة.

كان السائق رجلاً طويلاً يرتدي معطفاً أسود وقبعة سوداء تخفي وجهه تماماً، كأن الوجه ليس مهماً في هذه الرحلة. لم أرَ منه سوى ظهره، ظهر ثابت كجدار قديم، كأنه لا يحتاج إلى الالتفات ليرى الطريق، لأن الطريق ربما كان يسير نحونا لا نحن نسير إليه. كان ظهره يحمل يقيناً يجعل كل أسئلتي تتساقط الواحدة تلو الأخرى قبل أن أولدها، كأن الأسئلة كانت أوراقاً يابسة في مهب ريح لا ترحم. لم ينطق بكلمة واحدة، ومع ذلك كان واضحاً أنني لستُ من اختار هذه الرحلة. بل لعله كان واضحاً أن لا أحد يختار رحلته كما يهوى، وأننا غالباً نكتشف أننا كنا نسير نحو ما ينتظرنا منذ زمن طويل.



العربة كانت تسير بسرعة جعلت الريح تبدو كحصان عجوز بائس يلهث هو الآخر خلفها، عاجزاً عن اللحاق. كنت أشاهد السحب تتشكل وتتفكك في لحظة، والأشجار تموت وتولد من جديد على جوانب الطريق، كأن الفصول كلها اجتمعت في دقيقة واحدة. شعرتُ أن الطريق يعرفني أكثر مما أعرفه أنا، يعرف خطواتي التي لم أخطها بعد، وأسئلتي التي لم تخطر ببالي، وخيباتي التي لم تأتِ بعد. وأن السائق يعرف الوجهة دون أن يسألني عنها، بل لعله كان يعرفها قبل أن أولد، وكان ينتظرني على هذا الطريق منذ الأزل، كما ينتظر النهر حجراً سيسقط فيه يوماً.



بعد زمن لا يمكن قياسه — ربما دقائق وربما سنوات، ربما عمر كامل أو ومضة عين — توقفت العربة فجأة في سهل واسع مغطى بضباب خفيف. كان الضباب كثيفاً كالحليب، يتحرك ككائن حي، يتنفس ببطء، يبتلع الأشياء ثم يلفظها فتعود كما كانت، أو هكذا يبدو. كان المكان مفتوحاً على اتساعه، لكنه بدا مغلقاً من داخله، كحلم يعرف حدوده دون أن يرسمها. كقلب يعرف جدرانه دون أن يراها، ويخفي في أعماقه ما لم يُكشف بعد.







2. الكوخ والرفيق الصامت



على طرف السهل وقف كوخ صغير بغرفة واحدة. لا سياج، لا طريق واضح، فقط ذلك الكوخ كأنه علامة موضوعة في منتصف اللاشيء، كأنه ينتظرني منذ زمن طويل، أو كأنني أنا من تأخر في الوصول إليه. كانت جدرانه من خشب قديم، تحمل نقوشاً وأشكالاً، خطوطاً متقاطعة كأنها خرائط لرحلات لم تكتمل، أو أسماء محيت ثم كُتبت فوقها أسماء أخرى. بدت الجدران كصفحات من كتاب لم يُكتب بعد، أو كتاب كُتب ثم مُحي نصفه عمداً.



توقفت العربة، ولم يلتفت السائق نحوي. لم يقل “انزل”، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. كانت كل خلية في جسدي تعرف أن هذه هي محطتي ولابد أن أنزل، أن هذا الكوخ الخشبي العتيق ربما هو ما كنت أبحث عنه طوال عمري دون أن أعرف، وربما هو ما كنت أهرب منه أيضاً.



نزلتُ. وما إن وطئت قدماي الأرض حتى انطلقت العربة من جديد واختفت في الضباب، تاركة خلفها صمتاً كثيفاً يشبه الفراغ بعد جملة لم تكتمل، أو بعد اعتراف لم يُقال. وقفت هناك لحظة، أستنشق الهواء الغريب. كان خفيفاً كالهواء في المرتفعات العالية، لكنه ثقيل في الآن ذاته، كأن كل ذرة منه تحمل وزناً خفياً، وزناً لا يدركه الجسد بل تدركه الروح، كما تدرك الروح اقتراب ما لا اسم له.



بدأت أسير نحو الكوخ، وهناك أدركت أنني لست وحدي. كان هناك شخص يسير بجانبي. لم أعرف من أين جاء أو متى جاء، كأنه كان موجوداً قبل أن ألتفت إليه. ربما كان في العربة معي طوال الوقت لكني لم أنتبه له. ربما خرج من الضباب. ربما خرج من خيالي أنا، من تلك الزاوية التي نضع فيها ما لا نريد أن نراه.



كان مألوفاً، بشكل يثير القلق أكثر مما يطمئن. مألوفاً كوجه في المنام نعرف أننا رأيناه من قبل، لكننا لا نستطيع تذكره أبداً. مألوفاً كرؤية قديمة تتكرر من حين إلى آخر، كأنها تذكير بشيء مؤجل، بشيء سيُطلب منا دفع ثمنه في وقت ما.



لم أستطع أن أقرر إن كان صديقاً أو عدواً، رفيقاً أو حارساً أو مجرد ظلّ انفصل عني ثم عاد ليلتحق بي. لم يتحدث. لم ينظر إليّ. كان يسير معي بنفس سرعة الخطوات، كأنه يعرف أن علينا الوصول إلى الباب معاً، وأن هناك أشياء لا يمكن فتحها إلا بحضور اثنين، حتى لو كان الاثنان وجهاً واحداً. كأن وصولي لا يتم إلا بوصوله، وأن رحلتي لا تكتمل إلا برفقته. وفي صمته كان يحمل حواراً طويلاً لم يبدأ بعد، لكنه كان ينتظر لحظة لا مهرب منها.



—————



3. الغرفة: النساء الثلاث



عندما دخلنا الكوخ، كان الباب مفتوحاً، لا كأن أحداً ينتظرنا منذ زمن، بل كأن الانتظار نفسه كان واقفاً خلف هذا الباب، ممتداً في الهواء، لا بداية له ولا نهاية. كان انتظاراً لا يقاس بالوقت، بل بشيء أعمق، بشيء يشبه يقيناً قديماً لا نعرف من زرعه فينا.



داخل الغرفة، كانت الإضاءة خافتة، صادرة من لا مصدر، أو من كل مصدر في آنٍ واحد، كأن الجدران نفسها تتوهّج بذكرى ضوء لا نراه. ورغم الخفوت، كل شيء بدا واضحاً أكثر مما يجب. أكثر مما نطيق. أكثر مما يمكن لعينٍ أن تتحمّل من وضوحٍ حين تُجبر على رؤية ما حاولت طويلاً ألّا تراه.



ثلاث نساء كنّ هناك.

في البداية، لم أستطع أن أحدد إن كنّ حقيقيات أم صوراً أم ظلالاً أو بقايا حضورٍ قديم لم يغادر المكان قط. لكنهن كنّ هناك، في تلك الغرفة التي بدأت أشعر أنها لا تسعني فقط، بل تسكنني أنا أيضاً، كأنها لم تُبنَ حولي بل بُنيت في داخلي منذ زمن بعيد، ثم نسيتُ وجودها حتى الآن.



الأولى، المرأة الشابة، كانت تجلس إلى طاولة خشبية قديمة تغطيها أوراق كثيرة، أوراق متراكمة كطبقات عمرٍ لم يُعش بعد. كانت تكتب بسرعة، بشراسة أحياناً، كأنها تطارد فكرة تحاول الهرب، وتبطئ أحياناً كأنها تمحو حياةً كاملة ثم تعيد رسمها من جديد. لم أستطع أن أحدد إن كانت تكتب أو تحسب أو تراجع سجلاً لا يخصّ أحداً بعينه، لكنه يخص الجميع في الآن ذاته، كأنها تدوّن شيئاً يُكتب منذ بداية الزمن ولا يكتمل أبداً.



فوقها، وعلى الحائط، كانت معلّقة وجوه وأقنعة:

وجوه ضاحكة حدّ الألم، حزينة حدّ السكون، مذهولة كمن رأى ما لا يُحتمل، جامدة كأقنعة طقوس قديمة، مبالغ في تعبيرها كوجوه مهرجانٍ نُسي منذ قرون.



لم تكن الأقنعة معلّقة للزينة، بل كأنها معلّقة لتنتظر.

تنتظر وجوهاً تسكنها.

تنتظر لحظة اختيار.



بدت المرأة كأنها لا تكتب على الورق بقدر ما تكتب على تلك الوجوه المعلّقة فوقها. كل كلمة تكتبها تنحت قناعاً جديداً لوجهٍ ما، كل جملة ترسم ملامح لوجه لم يولد بعد، أو لوجهٍ وُلد ثم أُخفي تحت طبقات من الصمت.



اقتربت منها.

اقترب معي رفيقي الصامت، كأن اقترابي لا يكتمل إلا بحضوره.



رفعت رأسها ببطء شديد، ببطء من كان غارقاً في بحر من الكلمات، ثم قرر أن يطفو للحظة واحدة فقط. كان وجهها يحمل تعباً لا تخطئه العين، تعب الخالقين والحالمين، تعب الذين يحملون أوجاع العالم في صدورهم دون أن يعرفوا لماذا اختيروا لذلك.



سألتها:

“هل لديكِ أقنعة لكل الوجوه؟”



نظرت إليّ طويلاً، نظرة لم تكن تبحث عن جواب، بل كأنها تزن السؤال نفسه، كأن السؤال ليس سؤالاً بل تذكيراً بشيء أعرفه وأنساه في الوقت ذاته. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، حزينة، ابتسامة من يعرف سراً أثقل من أن يُقال.



قالت:

“لدينا أكثر مما تتخيل. أقنعة تكفي لكل وجه، حتى للوجوه التي لم تتشكل بعد، وحتى للوجوه التي ظنّت يوماً أنها لن تحتاج إلى قناع.”



توقفت لحظة، كأنها تستمع إلى صدى بعيد، ثم أضافت بصوت أخفض:

“لكن المشكلة ليست في توفر الأقنعة. المشكلة أن الوجوه الحقيقية تختفي تحتها. تذوب ببطء. تنسى ملامحها. ثم تستيقظ يوماً فلا تجد سوى القناع… فتظن أنه كان وجهها دائماً.”



سألتها:

“وأنتِ؟ أي قناع تلبسين الآن؟”



ضحكت.

كان ضحكها يشبه بكاءً تردّد صداه طويلاً قبل أن يصل.

قالت: بهدوءٍ غامض:

“أنا لا أرتدي القناع… لأنني أصنعها.

ولهذا، ربما أكون وجهاً لكل الأقنعة.

من يصنع القناع لا يحتاج إلى ارتدائه دائماً؛ يكفيه أن يعرف كيف يُولد الوجه تحته، وكيف يختفي.

أحياناً لا أعود أعرف إن كنت أنا الوجه… أم ما بقي بعد أن ارتدتني كل الوجوه.”



في منتصف الغرفة كانت المرأة الثانية.

في منتصف العمر، أو في منتصف شيءٍ لا يقاس بالعمر. ترتدي نظارات سميكة إلى درجة أن عينيها اختفتا خلف العدسات، كأنها تريد ألا ترى، أو ربما رأت أكثر مما ينبغي فاختارت أن تحجب الرؤية. كانت تنظر نحونا بصمت لا يحمل اهتماماً ولا رفضاً. مجرد نظرٍ مستمر، ثابت، كأنها تراقب بلا هدف وبلا مشاعر، أو غاية بلا إعلان.



وقفت أمامها.

انتظرت.

لم تتكلم.



صمتها لم يكن حياداً.

كان صمتاً ثقيلاً، كثيفاً، صمتاً يعرف أشياء لكنه يرفض أن يمنحها صوتاً. صمت الشهود الذين رأوا كثيراً فصار الكلام بالنسبة لهم خيانةً للحقيقة.



اقتربت منها أكثر، حتى كدت ألمس حدود صمتها. همست:

“لماذا لا تتكلمين؟”



انحنت قليلاً، كأنها تصغي إلى صوت بعيد يأتي من داخلها لا من الخارج. ثم فتحت فمها ببطء، وكأن الكلمات تخرج من بئر عميقة:

“لأن الكلام أحياناً ليس إلا ضجيجاً نغطي به صمتنا الحقيقي. وأنا تعبت من الضجيج. أحتفظ بصمتي للأشياء التي تستحق أن تُرى دون أن تُقال.”



سألتها:

“وماذا رأيتِ يستحق؟”



أشارت بيدها ببطء، أولاً نحو الباب المغلق، ثم نحو الأقنعة على الحائط، ثم نحو المرأة العجوز في الزاوية.

وقالت:

“رأيت كيف يتحول الخوف إلى صمت.

كيف يموت الكلام في الحناجر قبل أن يولد.

كيف يرتدي الناس أقنعة الشجاعة وهم يرتجفون من الداخل.

كيف يضحكون وهم يبكون.

كيف يمشون وهم لا يعرفون إلى أين.

رأيت هذا كله… وما زال لدي صمت يكفي لرؤية المزيد.”



أما في الطرف الآخر من الغرفة، قرب شرفة مغلقة بباب خشبي قديم، جلست المرأة الثالثة.

كانت كبيرة في السن، أو أكبر من السن نفسه. وجهها يحمل تجاعيد كخريطة لبلاد بعيدة لم يعد أحد يسافر إليها. كانت تخلع ملابسها ببطء شديد، ببطء طقوسي، لا بدافع العري، بل كأنها تخلع طبقات من الزمن.



خلعت معطفاً، فإذا تحته معطف آخر.

ثم فستاناً، فإذا تحته فستان آخر.

ثم طبقة أخرى… وأخرى…

كل قطعة تخلعها كانت تحتها قطعة أخرى، كأنها تخلع حياة كاملة، ثم حياة أخرى، ثم حياة أخرى لم تُعش بعد.



شعرتُ بانزعاج لا أعرف مصدره.

إحراج؟

خجل؟

أم خوف من أن أرى ما يبقى حين لا يبقى شيء؟



نظرتُ إلى رفيقي كأنني أبحث عن تأكيد لما أشعر به، لكنه بقي صامتاً، ينظر نحو الباب، كأنه يعرف ما سيحدث حين تُنزع الطبقة الأخيرة.



ثم نظرت إليّ المرأة العجوز.

كانت عيناها صافيتين بشكل مدهش، صافيتين كعيني طفلة لم تتعلم بعد كيف تخفي ما ترى. ابتسمت، وقالت بصوت خافت، صوت يشبه نسيم مساء بعيد:



“لا تخف، يا بني. ما أخلعه ليس سوى الوقت.

الملابس التي تظنها تحميك هي التي تخنقك.

تحت كل هذه الطبقات، لا يوجد إلا شيء واحد:

أنت.

وأنت وحدك.”



سألتها بصوت مرتجف:

“وماذا سأجد تحت الجميع؟”



قالت، وكأنها لا تجيبني بل تذكّرني:

“نفس ما تجده فوق الجميع.

الوجه بلا قناع.

الروح بلا جسد.

والحقيقة… حين لا يبقى شيء يخفيها.”







4. الرحيل والمركبة الصفراء



التفتُّ أنا أيضاً نحو الباب.

وفي اللحظة نفسها، اختفت النساء الثلاث.

لم أسمع حركة.

لم أرَ انتقالاً.

فقط لم يعد هناك أحد.



كأنهن كنّ حلماً داخل حلم، أو كأن الغرفة كانت مسرحاً أُطفئت أنواره فجأة.

كان الباب مفتوحاً.



خرجتُ. خرج معي الرجل.

أمامنا كان مرفأ خشبي يمتد فوق بحر هادئ يشبه مرآة واسعة بلا ذاكرة. كانت السماء تنعكس على الماء بدقة مربكة، حتى صار من المستحيل تمييز الأعلى من الأسفل، أو معرفة أيّهما يعكس الآخر. كأننا نقف بين عالمين، أو في نقطةٍ تلتقي فيها كل الاحتمالات قبل أن تختار طريقها.



وفي طرف المرفأ، كانت مركبة صفراء — أشبه بقارب، لكنها كانت تسير على الماء كأنها تطفو في الهواء — تبتعد بسرعة غير متوقعة. في داخلها، النساء الثلاث. لم يلتفتن. لم يودعن. لم يتركن إشارة. فقط رحلن.



ورحيلهن كان كرحيل الأحلام عن ذاكرتنا حين نصحو: لا نعرف متى ذهبت، ولا لماذا، نعرف فقط أنها لم تعد هناك.



مشيتُ فوق الممر الخشبي، كأنني أريد اللحاق بهن، أو أن أفهم إلى أين يذهب ما يتركنا دون تفسير. كان صوت خطاي على الخشب يتردد في الفراغ، كأن المكان كله أذن تصغي.



في منتصف الطريق، رأيت طائراً أبيض يقف على الحافة.

كان أبيض ناصعاً، كأنه قطعة من ضوء سقطت من السماء ونسيها أحد. نظر إليّ لحظة طويلة، لحظة شعرتُ أنها أطول من الزمن نفسه، ثم قفز إلى الماء.



لم يحلق.

لم يتردد.

غاص.



كان الماء صافياً كمرآة، ورأيته يسبح في الأعماق يطارد شيئاً لم أستطع تحديده. لم أرَ أسماكاً، لكن كان هناك شيء يتحرك. شيء لا شكل له، أو ربما له شكل لا تراه العين. بدا المشهد منطقياً على نحوٍ غريب، كأن الطيور خُلقت لتصطاد في الماء منذ البداية، وأن ظننا أنها كائنات هوائية موطنها السماء وربما كنت واهماً، وأن الحقيقة أنها مائية هربت إلى السماء زمناً… ثم عادت إلى الماء.







5. السلاحف والجسر



نظرتُ أسفل المرفأ، فرأيت صخوراً مغطاة بالطحالب، وعلى الصخور سلاحف. كبيرة وصغيرة، ساكنة كأنها لا تعرف الزمن، أو كأن الزمن يمر فوقها دون أن يمسّها. كانت عيونها مغلقة، تتنفس ببطء عميق، كأنها في تأملٍ بدأ قبل وصولي بكثير ولن ينتهي بمغادرتي. بدت ككائنات لا تعيش داخل الوقت، بل تحمله على ظهورها وتمشي به ببطء لا يُرى.



تذكرت مقولة قديمة: “السلحفاة لا تصل إلى وجهتها إلا لأنها تحمل بيتها على ظهرها.” لكن المعنى هنا بدا أعمق، كأنها لا تحمل بيتها فقط، بل تحمل طريقها أيضاً، وتحمل الزمن الذي يسمح للطريق أن يظهر. شعرت بدافع غامض للنزول. لم يكن قراراً واعياً بقدر ما كان استجابة لنداء خافت يأتي من تحت السطح، من مكان لا نسمعه إلا حين نصمت طويلاً. نزلت إلى الماء، وكان دافئاً على نحو غير متوقع، دافئاً كأنني لا أنزل في ماء بل في ذاكرة، في شيء يشبه الحضن الأول الذي لا نتذكره لكن أجسادنا لا تنساه.



اقتربت من السلاحف. لم تهرب. لم تتحرك. كأنها كانت تنتظرني منذ زمن لا أعرفه. أخذت ثلاث سلاحف كبيرة ووضعتها في جيبي الأيمن دون أن أشعر بثقلها كما ينبغي. ثم وجدت سلحفاتين صغيرتين فوضعتهما في الجيب الآخر. شعرت أن الجيوب اتسعت بطريقة غير طبيعية، كأنها كانت تنتظر هذه المهمة منذ زمن طويل، كأنها خُلقت لتحتوي شيئاً أثقل من الأشياء. كان الإحساس غريباً، كأن كل جيب في حياتي كان ينتظر أن يحمل سلحفاة، أن يصبح وعاءً للزمن أو لما تبقى منه.



صعدت إلى المرفأ من جديد. التفتُّ لأبحث عن الرجل الذي كان معي، فلم أجده. اختفى دون أثر، كما تختفي الظلال حين لا يبقى ما يعكسها. شعرت للحظة بوحدة مطلقة، وحدة بلا شاهد ولا صوت، ثم أدركت أن هذه الوحدة ربما هي ما كنت أحتاجه لأرى بوضوح، لأن بعض الطرق لا تُرى إلا حين نسير فيها وحدنا.



عدت نحو الكوخ. دخلت. لم أجد شيئاً. لا طاولة، لا أقنعة، لا نساء، لا أثر لأي حضور. كانت الغرفة خاوية، لكنها لم تكن فارغة. كان فيها شيء أثقل من الفراغ، شيء يشبه الصدى بعد أن يموت الصوت، أو الذاكرة حين تُمحى ويبقى أثرها في الهواء. شعرت أن ما حدث هنا لم يختفِ، بل انسحب إلى مكان لا يُرى، كأنه ينتظر لحظة أخرى للظهور.



خرجت مرة أخرى، فوجدت أمامي نهراً عريضاً لم يكن موجوداً من قبل، أو ربما كان موجوداً ولم أره. كان النهر واسعاً، هادئاً، غامق اللون، لا يعكس السماء بل يبتلعها. يفصلني عن الضفة الأخرى حيث تبدأ غابة كثيفة تبدو قريبة وبعيدة في آنٍ واحد. أدركت أنني لا أستطيع العبور وحدي، وأن العبور لا يحتاج إلى قوة الجسد بقدر ما يحتاج إلى شيء أثقل، شيء يشبه الإيمان أو يشبه الاستسلام لما لا نفهمه.



في تلك اللحظة شعرت بثقلٍ في جيبيّ، بثقلٍ لم أعد واعياً له حتى الآن. تذكرت السلاحف. أخرجتها، وكانت لا تزال حية، تتحرك ببطء في كفي كأنها لم تغادر الماء قط. شعرت بأن عليّ أن أضعها في النهر، لا كمن يعيدها إلى موطنها، بل كمن يعيد شيئاً إلى مكانه الصحيح في ترتيبٍ أكبر منه.



وضعت الثلاث الكبيرة أولاً، واحدة تلو الأخرى. ما إن لامست الماء حتى توقفت عن الحركة وتحولت إلى صخور ثابتة، رمادية، متقاربة، كأنها كانت صخوراً منذ البداية وتنكرت في هيئة سلاحف حتى أصل. ثم وضعت الصغيرتين، فتحولتا بدورهما إلى صخرتين تكملان الامتداد. وقفت هناك أنظر إلى الصخور الخمس، فلم تبدُ جديدة ولا مصنوعة، بل كأنها كانت دائماً هناك تنتظر من يكتشفها، تنتظر من يرى أنها ليست حجارة في النهر بل طريق مخبأ داخله.



فهمت دون أن يُقال لي إن هذا هو الطريق. الطريق لا يُصنع ولا يُبنى، بل يُكشف. يظهر حين نضع في الماء ما كنا نظنه نحمله فقط، حين يتحول الزمن إلى حجر، والحجر إلى خطوة، والخطوة إلى عبور. وقفت لحظة قبل أن أخطو. كنت أعلم أنني إن بدأت العبور فلن يكون النهر كما كان، ولن أكون أنا كما كنت. كان الجسر هناك، واضحاً بما يكفي لأراه… لكن ليس إلى الأبد. كان عليّ أن أعبر قبل أن يختفي.



————



6. الغابة والمقبرة



عبرتُ النهر فوق السلاحف التي تحولت إلى صخور. كان العبور سهلاً على نحوٍ أربكني. لم أتعثر، لكن مع كل خطوة كنت أشعر أن شيئاً يتلاشى خلفي. لم ألتفت. كنت أعلم أنني إن فعلت فلن أرى الجسر، ولن أرى من كنت قبل لحظة. كان العبور يحدث في الأمام والخلف في آنٍ واحد: أنا أتقدم، والطريق ينسحب.



على الضفة الأخرى كانت غابة هادئة أكثر مما ينبغي. جمالها لم يكن مريحاً، بل جمالاً صامتاً، كثيفاً، كأن الأشجار تعرف شيئاً لا تقوله. كانت أشجار السرو والصنوبر، تلك التي تُزرع في المقابر، واقفة باستقامة طويلة كحراس لا ينامون. الضوء كان يصل بصعوبة إلى الأرض، وحين يصل يبدو كأنه تذكّر الطريق متأخراً.



كلما تقدمتُ شعرت أن الأرض تحت قدمي ليست مجرد تراب. كانت مستوية بعناية، مقسمة بانتظام، وكأن المكان رُتّب لأجل شيء محدد. ثم أدركت دون أن أحتاج أن أقولها: لم تكن غابة فقط. كانت مقبرة.



قبور كثيرة بين الأشجار، وكل قبر له شاهد، وكل شاهد يحمل اسماً وصورة، وبعضها يحمل كلمات أطول من العمر الذي عاشه صاحبه. لم أشعر بالخوف، بل بشيء أثقل: شعور بأنني أعرف هذا المكان دون أن أزوره من قبل.



اقتربت من أول قبر.

لم أكن أنا من اختار القبر، بل القبر هو من اختارني.



على شاهده صورة المرأة الشابة التي كانت تكتب. الصورة قديمة، حوافها باهتة، لكن العينين حادتان كما رأيتهما في الغرفة. وتحت الصورة كُتب:

“هنا يرقد غضبك وطموحك وكبرياؤك، وكل الأسماء التي أردت أن تحملها.”







وقفت أمام القبر طويلاً. لم تكن الكلمات على الحجر ثابتة كما بدت، بل كانت تتحرك في داخلي، كأن القبر لا يعرض شيئاً مدفوناً بل يعرض وجوهاً أعرفها جيداً. شعرت أنني لا أنظر إلى شاهد قبر، بل إلى مرآةٍ نُزعت عنها طبقة بعد طبقة حتى بقي ما لا يُرى عادة.



اقتربت أكثر، وقلت بصوتٍ خافت:



“هل هذا قبرك… أم قبري؟”



جاءني صوتها من موضعٍ لا يمكن تحديده، لا من الهواء ولا من الأرض، بل من تلك المنطقة بين الذاكرة والاعتراف:



“هذا ما خلعتَه وأنت تصعد.

وجوهٌ كنت تحتاجها… حتى لم تعد.”



نظرت إلى الصورة.

قلت:

“كنت أظنني وجهاً واحداً.”



قالت:

“لم تكن كذلك.

كنت ترتدي وجوهاً كثيرة، وتبدّلها دون أن تشعر.

وجه الطموح حين أردت أن تُرى.

وجه الغضب حين خفت أن تُهمَّش.

وجه الكبرياء حين احتجت درعاً.

وجه الإحباط حين لم يصفق أحد.

ووجه الخذلان حين اكتشفت أن الطريق لا يعترف بك دائماً.”



سكتُّ.

لم يكن في كلامها اتهام، بل تسمية باردة لما أعرفه.



قلت:

“والطموح؟

أليس هو ما يدفعنا إلى الأمام؟”



قالت:

“نعم.

لكن بعض الطموح لا يصعد وحده.

أحياناً يكون الصعود فوق رقاب الآخرين… وفوق آمالهم أيضاً.

ليس دائماً بقصد.

أحياناً بعجلة.

أحياناً بخوفٍ من أن تكون عادياً.”



شعرتُ بأن الهواء أصبح أثقل.

قلت:

“لم أكن أرى ذلك.”



قالت:

“لهذا دُفن هنا.

الأشياء التي لا نراها في وجوهنا تجد وجهاً آخر لتسكنه… حتى يحين وقت الدفن.”



نظرت إلى الشاهد.

بدا لي أن تحته أكثر من اسم، أكثر من وجه.



قلت:

“وهذه الوجوه… ماتت؟”



قالت:

“لا.

الوجوه لا تموت.

فقط تتوقف عن قيادتك.

تبقى هنا، تحت التراب، هادئة.

لا لتُمحى… بل كي لا تقودك وأنت تمشي.”



مددت يدي نحو الحجر، لا لألمسه، بل لأتأكد أنه حقيقي.

قالت بهدوء:



“لا تحتاج أن تحملها معك بعد الآن.

من أراد العبور… يترك بعض وجوهه هنا.”



تراجعت خطوة.

لم أشعر أنني تركت شيئاً خلفي، بل شعرت أن شيئاً ثقيلاً انفصل عن وجهي بهدوء، واستقر في القبر دون مقاومة.



رفعت رأسي نحو الأشجار، وكان في داخلي فراغ غريب، ليس فراغ فقد، بل فراغ خلعٍ قديم.

كأن وجهاً كنت أرتديه منذ زمن طويل… نُزع أخيراً.

سكتُّ.



كان الصمت هنا اعترافاً لا يحتاج كلمات.



قالت:

“دفنتُ لك ما لم تعد تحتاجه. غضبك الذي كنت تسميه قوة. طموحك الذي كان أحياناً خوفاً من أن تكون غير مرئي. وكبرياءك الذي كان درعاً هشّاً. لا تخف… هذه الأشياء لا تموت، لكنها لم تعد تقودك.”



ابتعدتُ خطوة، وكأنني أترك خلفي شيئاً ثقيلاً لم أكن أعرف أنني أحمله.



انتقلتُ إلى القبر الثاني، حيث يحمل الشاهد صورة المرأة ذات النظارات. في الصورة كانت العدسات أكثر سماكة، كأنها لا تكشف العالم بل تحجبه. وتحتها كُتب:

“هنا يرقد صمتك الطويل، خوفك، كل مرة رأيت فيها شيئاً ولم تتكلم.”



وقفت أمام القبر، ولم أشعر بالحزن أولاً، بل بشيء أقرب إلى الانكشاف.

قلت:

“لم يكن الصمت دائماً ضعفاً.”



جاء صوتها هذه المرة أقرب، وأقل مجاملة:

“صحيح. لكنك لم تكن دائماً صامتاً من أجل الحق.”



قلت:

“كنت أتجنب المواجهة. لم أرد أن أزيد الشر.”



قالت:

“الشر لا يحتاج مساعدتك كي يكبر.

يكفي أن تراه… ولا تسميه شراً.”



سكتُّ.



قالت:

“كم مرة رأيت قسوة وسميتها طبعاً؟

كم مرة رأيت كراهية وقلت: ستمرّ؟

كم مرة رأيت غروراً يطغى وسميته قوة؟

وكم مرة، حين وصل الدور إليك، فضّلت أن تبتسم لأن الكلام كان سيكلفك؟”



قلت:

“كنت أحافظ على السلام.”



قالت:

“كنت تحافظ على صورتك.

السلام الذي يتجاهل الشر ليس سلاماً.

هو هدنة مع ما سيكبر لاحقاً.”



لم أجادل.

لم أستطع.



قالت بعد صمت قصير:

“الصمت ليس خطيئة دائماً.

لكن الصمت المتكرر يصنع أرضاً يقف عليها الشر براحة.

وأنت مشيت على تلك الأرض… أكثر مما تظن.”



قلت أخيراً:

“وهل هذا القبر لي؟”



قالت:

“هذا الجزء منك.

الصمت الذي اخترته لأن الكلام كان سيكلفك.

دفنته هنا كي لا يقودك وأنت تمشي.”



نظرت إلى الشاهد طويلاً.

قلت:

“وهل يكفي أن أراه الآن؟”



قالت:

“الرؤية لا تغيّر ما حدث.

لكنها تمنعك من أن تسميه مرة أخرى باسمٍ أخف.”



لم أشعر بالراحة.

لكن شيئاً ما توقف عن الحركة داخلي.



تراجعت خطوة.

لم يكن الصمت قد اختفى، لكنه لم يعد يقف في مقدمة الطريق.



تقدمتُ نحو القبر الثالث.



كانت صورة المرأة العجوز هادئة، لا تشبه صور الموتى بقدر ما تشبه صور العارفين. في عينيها صفاء طويل، وفي ابتسامتها طمأنينة لا تأتي إلا بعد عبورٍ عميق. لم تكن ابتسامة وداع، بل ابتسامة انتظار، كأنها تعرف أن الوقوف هنا ليس نهاية طريق بل لحظة تذكّر.

وتحت الصورة كُتب:

“هنا ترقد شجاعتك التي أخّرتها، وضميرك حين لم تسمح له أن يقودك، ووجهك الذي تردد في أن يكون بلا قناع.”



وقفت أمام هذا القبر، ولم أشعر بالثقل الذي شعرت به عند القبرين السابقين. كان في المكان هدوء مختلف، هدوء لا يشبه الصمت بقدر ما يشبه الإصغاء. شعرت أنني أقف أمام نفسي دون دفاع، دون أقنعة جاهزة، ودون حاجة إلى تبرير.



قلت بصوت منخفض:

“هل دُفنت شجاعتي هنا… أم جئت لأوقظها؟”



جاءني صوتها دافئًا ثابتًا، لا يخرج من الأرض ولا من الصورة، بل من موضع أعمق في صدري:

“الشجاعة لا تُدفن.

ما يُدفن هو ترددها.

وما يُؤجَّل طويلًا يظن نفسه مات، لكنه ينتظر من يوقظه.”



سكتُّ لحظة.

لم أشعر أن الكلمات تضغط عليّ، بل تفتح لي مكانًا أتنفس فيه.



قالت:

“كنت تسمع ذلك الصوت فيك دائمًا.

في اللحظات التي عرفت فيها أن عليك أن تتكلم.

حين كان الحق واضحًا، والكلمة ثقيلة، والصمت أسهل.

لم تكن تجهل… كنت تؤجل.”



قلت:

“كنت أخشى أن أخسر.”



قالت:

“ومن قال إن الحق لا يكلف؟

الشجاعة ليست أن لا تخسر.

الشجاعة أن تعرف ما يستحق أن تخسره.

قد تخسر رضا وجوه،

وقد تخسر مكانًا،

لكن إن لم تخسر شيئًا، فلن تكسب وتستعيد نفسك.”



شعرت أن ظهري يستقيم من تلقاء نفسه.

لم يكن في كلامها لوم، بل وضوح.



قلت:

“وضميري… أهذا موضع صمته، أم موضع عودته؟”



قالت:

“لم يغب ضميرك.

كنت تسمعه، ثم تخفض صوته.

كنت تعرف الطريق، ثم تقول: ليس الآن.

الضمير لا يموت، لكنه يضعف حين نطلب منه أن ينتظر كل مرة.”



نظرت إلى الشاهد مرة أخرى.

قلت:

“ووجهي الذي تردد في أن يكون بلا قناع؟”



ابتسمت ابتسامة خفيفة:

“الوجه لا يضيع.

فقط يتعب من الاختباء.

حين تمشي بوجهك، تخسر بعض الأمان، لكنك تكسب وضوح الطريق.

وحين تتكلم من دون قناع، تصبح الكلمة أثقل… لكنها تصبح لك.”



كان الهواء حولي أخفّ.

لم يتغير المكان، لكن شيئًا في داخلي عاد إلى موضعه.



قلت:

“وإن مضيت الآن؟”



قالت:

“تمضي أخفّ، لا لأنك بلا أخطاء،

بل لأنك لم تعد تهرب منها.

تمضي وضميرك أمامك لا خلفك.

تمضي والكلمة فيك لا عليك.

تعرف أن الصمت ليس نجاة دائمًا،

وأن الكلمة ليست خسارة دائمًا.”



سكتُّ طويلًا.

لم يكن الصمت هنا هروبًا، بل استقرارًا.



قالت أخيرًا:

“لم أصل بك إلى هنا لأبقيك هنا.

أنا لست قبرًا.

أنا تذكير.

خذ ما استيقظ فيك… وامضِ.”



رفعتُ رأسي نحو الأشجار.

لم أشعر أنني فقدت شيئًا في هذا القبر، بل شعرت أنني استعدت شيئًا كان ينتظر أن أمدّ له يدي.

لم يكن استيقاظًا صاخبًا، بل نبضًا هادئًا يعرف طريقه.



وفي طرف الغابة، تحت شجرة سرو عالية، رأيت الرجل الذي رافقني منذ البداية. كان يحفر قبراً بفأس، ببطءٍ منتظم، كأنه يؤدي طقساً قديماً لا يجوز الإسراع فيه. لم يبدُ متفاجئاً بوجودي. لم يبدُ وكأنه ينتظرني. كان فقط يفعل ما يجب أن يُفعل.



ثم التفت إليّ.



لم يكن وجهه غريباً.

كان مألوفاً على نحوٍ مربك، مألوفاً كوجهٍ في المرآة حين تنظر إليه طويلاً حتى يبدأ بالنظر إليك.

كان وجهي أنا.



—————-



7. المواجهة النهائية



وقف الرجل، مسح العرق عن جبينه بظهر يده. نظر إليّ طويلاً، ثم قال بصوت بدا كأنه يخرج من داخلي أنا، من أعماق لم أكن أعرف أني أمتلكها:



“هنا سترقد أنت أيضاً.”



توقف قليلاً، ثم أشار إلى القبر الفارغ:

“بقي فقط أن تخبرني: كيف تريد تزيين قبرك؟ هل أزرعه بالشوك والصبار؟ أم بالريحان وإكليل الجبل؟”



نظرتُ إلى القبر. كان عميقاً، مظلماً، ينتظر. نظرتُ إلى الغابة، إلى القبور المحيطة، إلى النهر الذي عبرته، إلى الجيوب التي لم تعد ثقيلة. تذكرت الرحلة، العربة، السائق الصامت، النساء الثلاث، الأقنعة، السلاحف، الجسر. تذكرت كل شيء، وكأن حياتي كلها كانت تمر أمامي في لحظة.



سألته:

“من أنت؟”



ابتسم. كانت ابتسامته تشبه ابتسامة من يعرف أن السؤال لا يحتاج إلى جواب.

“أنا أنت. أنا السؤال الذي هربت منه طوال حياتك. أنا الوجه الذي تخفيه تحت الأقنعة. أنا الصوت الذي يسكت كلما هممت بالكلام. أنا الرفيق الذي رافقك منذ البداية، لكنك لم ترني إلا الآن.”



قلت:

“إذا كنت أنا، فلماذا تحفر قبري؟”



قال:

“لأن هذه هي النهاية، وكل النهايات هي بدايات. لأن الموت ليس إلا ولادة أخرى. لأنك لا تستطيع أن تعيش حقاً إلا إذا مت أولاً.”



نظرت إلى القبر من جديد. لم أعد أشعر بالخوف. شعرت فقط بسكينة غريبة، كأنني وصلت أخيراً إلى مكان كنت أبحث عنه دائماً.



“وماذا عن الشوك والريحان؟” سألته.



قال:

“الشوك للذين عاشوا في خوف. الريحان للذين عاشوا في حب. إكليل الجبل للذكرى. أنت وحدك من يختار كيف يتذكرك العالم. لكن الأهم ليس كيف يتذكرك الآخرون، بل كيف تتذكر أنت نفسك. ماذا سيبقى فيك بعد أن تموت؟”



فكرت طويلاً. تذكرت كل لحظات حياتي: الفرح والحزن، النجاح والفشل، الحب والخذلان. تذكرت كل قناع لبسته، وكل وجه أخفيته. تذكرت كل مرة صمت فيها، وكل مرة تكلمت. تذكرت كل شيء.



قلت أخيراً:

“ازرع بالريحان. لكن اترك مكاناً للشوك أيضاً. لأن الحياة لم تكن يوماً سهلة، ولأنني لم أكن دائماً شجاعاً.”



نظر إليّ الرجل، الذي كان أنا، وابتسم ابتسامة عريضة. ثم عاد إلى حفره.



وقفت هناك، تحت شجرة السرو، أنظر إليه وهو يحفر. كنت أعرف أن هذه هي النهاية، وأنه عندما ينتهي سأضطر لأن أرقد هناك. لكني كنت أعرف أيضاً أن هذه ليست النهاية الحقيقية. أن شيئاً ما سيبقى. أن الأقنعة ستموت، والوجوه ستزول، لكن شيئاً واحداً سيبقى: الحقيقة.



الحقيقة التي لا تموت.







8. الخاتمة: المصير



نظرتُ إلى السماء من بين أغصان السرو. كانت السماء صافية، زرقاء، جميلة. كنت أسمع صوت الفأس وهو يضرب الأرض، إيقاعاً منتظماً، كدقات قلب. وفجأة، في تلك اللحظة، بدا لي أن النساء الثلاث لم يكن غريبات. كنّ مرايا، كل واحدة تعكس جزءاً مني. الشابة التي تصنع الأقنعة كانت طموحي الذي لا يشبع، ورغبتي في أن أكون كل شيء. المرأة الصامتة كانت خوفي، ترددي، نظراتي التي رأت الكثير ولم تفعل. العجوز كانت حكمتي المتأخرة، التي تأتي دائماً بعد فوات الأوان.



وبدا أن الرحلة لم تكن إلى مكان، بل إلى داخلي. أن العربة كانت تقلّني إلى نفسي، وأن السائق كان الموت، أو القدر، أو أي اسم نطلقه على تلك القوة التي تقودنا دون أن نسأل.



وبدا أن السلاحف كانت الوقت، الزمن البطيء الذي نحتاجه لنعبر. وأن الجسر كان قراراتي، خطواتي، اختياراتي التي تتحول إلى طرق.



وبدا أن الطائر الأبيض الذي غاص في الماء كان روحي، التي تبحث عن الحقيقة في الأعماق بعد أن تعبت من التحليق في السماء.



وبدا أخيراً أن الغرفة لم تكن تسكنني فقط، بل كنت أنا من يسكنها. كنت أنا الغرفة. بكل جدرانها، وأبوابها، ونوافذها. بكل أقنعتها وصمتها ووقتها.



نظرت إلى القبر للمرة الأخيرة. كان الرجل قد انتهى تقريباً. وقف ينظر إليّ، ينتظر.



اقتربت منه. اقتربت من القبر. نظرت إلى الظلام في الأسفل، فلم أعد أراه ظلاماً. رأيت نوراً خافتاً، بعيداً، لكنه كان هناك. كان يشبه نور الفجر قبل أن تشرق الشمس.



قلت بصوت هادئ، بصوت من عرف أخيراً:

“أنا مستعد.”



ودون أن أنتظر إجابة، خطوت نحو القبر. وفي اللحظة التي بدأت فيها أهبط، شعرت أن الجسد يخف، أن الأقنعة تتساقط، أن الصوت يتحرر، أن الوقت يتوقف. شعرت أنني أتحول إلى شيء آخر، إلى نور، إلى كلمة، إلى سؤال لا يحتاج إلى جواب.



وفي الأعلى، كان الرجل الذي يشبهني يواصل الحفر، لكنه كان يبتسم. كان يعرف أن هذه النهاية ليست نهاية، وأن القبر الذي يحفره ليس قبراً، بل باب.



باب إلى حيث لا يحتاج الإنسان إلى أقنعة.

باب إلى حيث الصمت ليس خوفاً، بل لغة.

باب إلى حيث الوقت ليس ساعة، بل أبدية.

باب إلى حيث أنا، أخيراً، بلا خوف وبلا قناع.







كل ما عرفته في تلك اللحظة

أن الطريق الذي أوصلني إلى هنا

لم يكن طريقاً ورحلة

ولكن ربما كان مصيراً.

أن المصير ليس ما يحدث لنا،

بل ما نكتشف أننا كنا نبحث عنه دائماً.

وأن النهاية ليست نهاية،

بل بداية أخرى،

لحياة لا تحتاج إلى أقنعة،

ولا تخاف من الصمت،

ولا تنتظر السلاحف لتعبر النهر.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
- لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
- ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق ...
- صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي ...
- كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
- العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق ...
- الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت ...
- عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم ...
- نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال ...


المزيد.....




- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
- حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم ...
- 70 عاما فوق المئذنة.. محمد علي الشيخ حارس أذان الجوقة الدمشق ...
- -مجلس السلام- أم هندسة الفصل؟ قراءة في تحوّلات الشرعية والتم ...
- فيلم -اللي باقي منك-: مأساة عائلية تختصر تاريخ فلسطين
- ويلي كولون أسطورة موسيقى السالسا يرحل عن عمر يناهز 75 عامًا ...
- 5 رمضان.. يوم صاغته فتوحات الأندلس وعمّدته دماء اللّد بفلسطي ...
- -ذهبية- برليناله تذهب لفيلم سياسي عن تركيا وجائزتان لفيلمين ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - الغرفة التي تسكنني