|
|
الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 10:23
المحور:
الادب والفن
ليست الكتابة لحظة برقٍ ساطع يهبط من السماء فجأة، ولا كائنًا غامضًا يقتحم الوعي كلصٍّ في الليل بلا استئذان. إنها، في أعماقها الأشدّ ظلامًا ونورًا، علاقة طويلة، ملتوية كأفعى النيل، متعبة أحيانًا كحمل الجبال على الظهر، بين الكاتب ونفسه التي تتمرّد، وبين قلبه الذي ينبض بالعالم، وبين اللغة التي تتوسّل وما تعجز الحياة عن قوله مباشرة، عن صراخها الخفيّ، عن دموعها التي لا تُرى.
أخطر ما في فكرة «الوحي» أنها توحي بأنه حدث نادر كالكوكب المتساقط، يزور المختارين فقط في لياليهم المقدسة. لكن حين ننظر إلى حياة الكتّاب بصدق الطفل الذي يفتح عينيه على الدنيا لأول مرة، نجد أن الوحي أقرب إلى الإصغاء الطويل كصوت المطر على السطح، إلى الاحتكاك اليومي بالعالم كيدٍ تمسح التراب عن وجه حجر، إلى الاستفزاز الذي لا يهدأ كشوكة في القدم، إلى تلك الرعشة الخفية التي تجعل الإنسان غير قادر على الصمت، كأنّ صدره يضيق بالكلام حتى ينفجر.
الكتابة، إذن، ليست هبةً سماوية تُمنح للقلة، بل استجابة بشرية تُفرض على الكثيرين. ليست امتلاكًا لسرٍّ مغلق، بل انكشافًا عليه كالستار الذي يُسحب عن نافذة. والسؤال الحقيقي ليس «ماذا كتبوا؟» بل «كيف عاشوا حتى اضطروا إلى الكتابة؟». ما الذي كان يوقظهم في الفجر كصيحة الديك في قرية نائمة؟ ما الذي كان يطاردهم في الليل كظلّ يمشي خلفهم في الزقاق؟ أيّ جرحٍ عميق جعل الحبر ضرورة كالدم الذي يسيل من الجرح، وأيّ دهشةٍ طفلية جعلت اللغة ملاذًا كالكهف الذي يحمي من العاصفة؟
وربما أخطر ما في الكتابة أنها لا تبدأ حين نريد، بل حين لا نستطيع أن نؤجّلها. كأنّ شيئًا في الداخل، خفيًّا ومُلحًّا، يرفض أن يهدأ. فكرةٌ تتسلّل إلى الرأس كما يتسلّل الماء من شقٍّ في جدار قديم، لا تُرى في البداية، لكنّها مع الوقت تُغرق الغرفة كلها. والكاتب، في تلك اللحظة، لا يكون سيّد اللغة، بل أسيرها. لا يكتب لأنه يريد أن يقول شيئًا، بل لأنه لم يعد قادرًا على تحمّل ما لا يُقال.
أليست الكتابة، في جوهرها، محاولةً لتخفيف ثقل الوجود؟ أليست طريقةً بدائيةً وأنيقةً في آنٍ واحد لنقل الألم من الجسد إلى الورق؟ لماذا يشعر الكاتب، أحيانًا، أن جملة واحدة قد تنقذه من السقوط؟ ولماذا يشعر، في أحيانٍ أخرى، أن ألف صفحة لا تكفي لتقول ما يختنق في صدره؟
ثم من أين يأتي هذا الصوت الداخلي الذي يدفع الإنسان إلى أن يكتب؟ هل هو ذاكرة قديمة لم تلتئم؟ أم خوف من الزوال؟ أم رغبة في أن يترك أثرًا، علامةً صغيرةً تقول: «كنت هنا»؟
ولماذا يبدو بعض الكتّاب وكأنهم مطاردون بنصوصهم؟ كأن الأفكار لا تزورهم، بل تحاصرهم؟ كأن الكتابة ليست خيارًا، بل قدرًا؟ هناك من يكتب لأنه يحب اللغة، وهناك من يكتب لأنه لا يستطيع أن يعيش بدونها، وهناك من يكتب لأن الصمت بالنسبة له شكلٌ آخر من أشكال الاختناق.
ربما لهذا السبب تحديدًا، ظلّ كثير من الكتّاب يتحدثون عن الوحي بصفته قوةً غامضة، لا تُرى لكنها تُحسّ. ليس لأنها سماوية بالضرورة، بل لأنها تأتي من منطقة لا يمكن تحديدها بدقة: بين الذاكرة والخيال، بين الجرح والدهشة، بين الرغبة في الاعتراف والخوف منه. منطقة رمادية، ضبابية، لكنها حيّة كنبضٍ في المعصم.
في تلك المنطقة، تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل الكاتب هو من يكتب النص، أم أن النص هو من يكتب الكاتب؟ هل نحن من نبحث عن الجملة، أم أن الجملة هي التي تبحث عنّا؟ ولماذا تأتي بعض الأفكار كزائرٍ خفيف، بينما تأتي أخرى كاقتحامٍ عنيف لا يترك لنا خيارًا إلا أن نجلس ونكتب؟
ربما لأن الكتابة ليست فعلًا واحدًا، بل سلسلة من الاستجابات: استجابة لذكرى قديمة لم تجد طريقها إلى النسيان، استجابة لمدينةٍ تضجّ بالحكايات، استجابة لظلمٍ لا يُحتمل، أو حتى لفرحٍ صغير يخشى أن يضيع إن لم يُكتب.
وفي كل مرة نحاول فيها فهم الوحي، نكتشف أنه أقلّ قداسةً مما تخيّلنا، وأكثر إنسانيةً مما ظننا. ليس شعاعًا نازلًا من الأعلى، بل توتّرٌ صاعد من الداخل. ليس معجزةً، بل احتكاك. ليس لحظةً خارقة، بل تراكم لحظات صغيرة، عادية، لكنّها حين تجتمع، تخلق تلك الشرارة التي تجعل الكاتب يجلس إلى الطاولة، كما لو أنه يستجيب لنداء لا يسمعه أحد سواه.
فمن أين يأتي هذا النداء؟ ولماذا يزور البعض أكثر من غيرهم؟ ولماذا يترك بعض الكتّاب سالمين، بينما يترك آخرين منهكين، مستنزفين، كأنهم
في سياقنا العربي، تبدو هذه الأسئلة مألوفة كرائحة القهوة في الصباح. نجيب محفوظ جعل من الكتابة روتينًا يوميًا يشبه الصلاة، يقوم بها في الخامسة صباحًا، يمشي في حارات القاهرة القديمة، يستمع إلى أصوات الباعة والنساء والأطفال، حتى تتحول الحياة نفسها إلى رواية تتنفّس. كان يقول: «الكتابة استسلام، إنها شيء يشبه الحكاك، نؤديه لأنه يسبب لذة غامضة».
نجيب محفوظ لم يكن كاتبًا ينتظر الوحي؛ كان يعيش بحيث لا يترك له خيارًا سوى أن يأتي. لم يتعامل مع الكتابة كحادث استثنائي، بل كطقسٍ يوميّ له إيقاع الجسد والتنفس. يستيقظ في الخامسة صباحًا كما لو أن المدينة نفسها توقظه، لا لأن لديه فكرة جاهزة، بل لأن هناك موعدًا غير مرئي بينه وبين الصفحة. كان يعرف أن الفكرة لا تُستدعى بالصراخ، بل تُستدرج بالصبر، وأن الجملة الأولى لا تأتي لمن ينتظرها متوترًا، بل لمن يجلس بهدوء ويبدأ.
كان يمشي في شوارع القاهرة لا بوصفه عابرًا، بل بوصفه منصتًا. يستمع إلى وقع الأقدام، إلى أصوات الباعة، إلى ضحكات النساء من الشرفات، إلى حوارات المقاهي، إلى همسات الأزقة. لم يكن يجمع «مواد» للرواية بالمعنى التقني، بل كان يسمح للحياة أن تتراكم داخله حتى تصبح اللغة هي الطريق الوحيد لتفريغها. القاهرة عند محفوظ لم تكن خلفية للأحداث، بل كائنًا حيًا يتنفس داخل نصوصه. الحارة لم تكن مكانًا، بل عالمًا كاملاً من الطبقات الإنسانية: السلطة، الفقر، الحلم، الخيبة، الصبر، والانتظار الطويل.
كان يقول إن الكتابة «استسلام»، وإنها تشبه «الحكاك» الذي لا يؤديه الإنسان لأنه مفيد، بل لأنه لا يستطيع أن يتوقف عنه. في هذا التشبيه البسيط يكمن سرّ تجربته: الكتابة ليست قرارًا عقلانيًا، بل حاجة جسدية تقريبًا. شعور داخلي بأن شيئًا ما لا يهدأ إلا إذا تحوّل إلى كلمات. لذلك لم يكن ينتظر لحظة صفاء مثالية. كان يكتب حتى في الأيام التي لا يريد فيها الكتابة، لأن الرغبة ليست الشرط الوحيد. أحيانًا يكون الجلوس إلى الطاولة هو ما يستدعي الرغبة، لا العكس.
لم يكن محفوظ كاتب ومضات مفاجئة بقدر ما كان كاتب تراكم. يؤمن بأن الصفحة اليومية، مهما بدت صغيرة، قادرة مع الوقت على بناء عالم كامل. كان يكتب صفحة أو صفحتين، يراجع، يتوقف، يعود في اليوم التالي، كأن الكتابة عنده تشبه المشي الطويل: خطوة بعد خطوة، دون استعجال، ودون ثقة زائدة في الإلهام اللحظي. كان يعرف أن الوحي قد يأتي، لكنّه لا يراهن عليه وحده؛ يراهن على الحضور اليومي، على الجلوس، على الإصغاء، على أن تكون موجودًا حين تمرّ الفكرة.
في مقهاه المعتاد، بين أصدقاء وقرّاء وصحفيين، كان يبدو كأنه جزء من نسيج المدينة. لم يعش منعزلاً تمامًا، ولم يذب في الضجيج تمامًا. حافظ على مسافة دقيقة: قريبة بما يكفي ليرى، وبعيدة بما يكفي ليفهم. هذه المسافة هي التي سمحت له بأن يكتب عن الإنسان لا كرمز، بل ككائن معقّد، متناقض، يسير في الحياة بخطى مترددة، لكنه يستمر.
الوحي عند محفوظ لم يكن صوتًا صاخبًا يقتحم عليه يومه، بل إيقاعًا هادئًا يتكوّن مع الزمن. كان يشبه ماءً يتجمع ببطء في بئر عميق. قد لا تراه يتدفق في كل لحظة، لكنك تعرف أنه هناك، في العمق، ينتظر أن تنزل إليه بالدلو. لذلك لم يكن يخشى الجفاف كثيرًا؛ كان يعرف أن العمل نفسه هو الطريق إلى الماء.
وحين ننظر إلى تجربته كاملة، ندرك أن ما يبدو «روتينًا» في ظاهره كان في الحقيقة شكلًا من أشكال الوفاء للكتابة. وفاءً يوميًا، صامتًا، بلا ادّعاء. كأن الكتابة عنده لم تكن انفجارًا مفاجئًا، بل نبضًا مستمرًا. نبضًا يتكرّر كل صباح، حتى صار مع السنوات قلبًا آخر ينبض داخل كتبه، ويترك للقارئ إحساسًا بأن هذه النصوص لم تُكتب في لحظة وحي واحدة، بل في حياة كاملة عاشت بجوار الورق
أما الطيب صالح، فلم تكن الكتابة عنده روتينًا منضبطًا كساعةٍ سويسرية، ولا حرفةً تُمارس بانتظامٍ يوميّ فحسب، بل غوصًا في منطقة داخلية مضطربة، منطقة لا تخضع لقوانين واضحة، ولا تستجيب لنداءٍ خارجيّ مباشر. كان يتحدّث عن «ينبوع داخلي» عميق، ينبوعٍ لا صفاء فيه ولا هدوء، بل فوضى تتراكم في الأعماق حتى تضغط على السطح. يقول: «مشاكلي النفسية مرتبطة بعملية الكتابة فقط، لأنني أغرق في ينبوع داخلي عميق، وهذا الينبوع هو منطقة الفوضى. الفوضى هي أن يصبح كل شيء محتملاً».
هذه الفوضى لم تكن خللًا، بل مادة أولية. لم يكن يهرب منها، بل كان ينزل إليها كما ينزل غواصٌ إلى قاع نهرٍ معتم، يعرف أنه قد لا يرى بوضوح، لكنه يعرف أيضًا أن اللؤلؤ لا يوجد على السطح. الكتابة عنده لم تكن ترتيبًا للعالم، بل مواجهةً له في أكثر حالاته التباسًا: بين الشمال والجنوب، بين القرية والعالم، بين الذاكرة والواقع، بين الانتماء والاقتلاع.
كان يحمل في داخله نهرين: نهر الطفولة الأولى في القرى السودانية، حيث الطمي والهدوء والإيقاع البطيء للحياة، ونهر العالم الواسع الذي اكتشفه لاحقًا، بكل تناقضاته وصداماته وأسئلته الثقيلة. وبين هذين النهرين، كانت الكتابة تتكوّن. لم تكن مجرد حكاية تُروى، بل محاولة لفهم هذا التمزّق الهادئ الذي يسكن الإنسان حين يعيش بين أكثر من عالم، وأكثر من زمن، وأكثر من ذاكرة.
لم يكن الوحي عند الطيب صالح ومضةً سريعة، بل حالة غمر. فكرةٌ لا تأتي لتُكتب فورًا، بل لتبقى، لتتخمّر، لتختلط بذكريات أخرى، بأصواتٍ بعيدة، بروائح الأرض، بوجوهٍ مرّت منذ زمن. وحين تنضج، لا تخرج كجملة واحدة، بل كنهرٍ كامل، يحمل في مجراه الطين والضوء والظلال معًا. لذلك تبدو نصوصه كأنها مكتوبة ببطء، لا لأن الكاتب بطيء، بل لأن الداخل كان ممتلئًا أكثر مما تحتمل الصفحة.
كان يرى أن الفوضى ليست عائقًا أمام الكتابة، بل شرطًا لها. أن يصبح كل شيء محتملًا، يعني أن الحدود تذوب، وأن الشخصية يمكن أن تكون أكثر من شيء في الوقت نفسه: بريئة ومذنبة، عاشقة وقاسية، قريبة وبعيدة. هذا الاتساع في الاحتمال هو ما يمنح النص عمقه. فالكتابة، عنده، ليست بحثًا عن إجابة نهائية، بل قبولًا بالأسئلة المفتوحة، بالمساحات الرمادية، بالإنسان كما هو: متناقضًا، هشًّا، وقادرًا على أن يكون أكثر من شيء في لحظة واحدة.
ولعلّ أهم ما في تجربته أن الكتابة لم تكن خلاصًا كاملاً من هذا الينبوع، بل استمرارًا في الغوص داخله. لم تكن وسيلة للهروب من الفوضى، بل طريقة للنظر إليها من الداخل، لإعطائها شكلًا يمكن احتماله، يمكن مشاركته مع الآخرين. كأن النص عنده هو الحافة التي يقف عليها بين الغرق والنجاة، بين الصمت والكلام.
وهكذا، لم يكن الوحي عند الطيب صالح صوتًا يهمس من الخارج، بل ماءً يصعد من الأعماق. ماءً عكرًا أحيانًا، صافياً أحيانًا أخرى، لكنه في كل الأحوال حيّ. وحين يكتب، لا يفعل ذلك لأنه امتلك الإجابة، بل لأنه لم يعد يستطيع أن يحتفظ بكل هذا الداخل في صمت
وغادة السمان لم تتعامل مع الكتابة كصنعةٍ تُمارس في أوقات محددة، ولا كحرفةٍ يمكن فصلها عن الحياة اليومية، بل كاعترافٍ دائم لا يحتمل التأجيل. كانت الكتابة عندها أقرب إلى نزفٍ مُنظَّم، أو إلى وردةٍ حمراء تُفتح كلما لامسها الضوء، حتى لو كان الضوء مؤلمًا. لم تكتب لأنها أرادت أن تصبح كاتبة، بل لأنها لم تجد طريقة أخرى للنجاة من ثقل ما تشعر به. كانت تقول إن الصمت قد يتحول أحيانًا إلى خيانة، وإن الكلمات، مهما كانت ناقصة، تظل أقل قسوة من الصمت الطويل.
كتبت في الطائرة، في الفنادق، في المدن البعيدة، في المنفى الذي لم يكن مجرد مكان جغرافي، بل حالة نفسية ممتدة. كانت تحمل أوراقها كما يحمل المسافر حقيبةً خفيفة لكنها ممتلئة بكل ما لا يمكن تركه خلفه. كانت الكتابة عندها وطنًا متنقلاً، غرفةً داخلية لا تُغلق، تستطيع أن تدخلها في أي لحظة لتقول ما لم يُقل، لتواجه ذاكرةً ترفض أن تهدأ، أو حبًا لا يقبل أن يختفي بهدوء.
لم تكن تخشى الاعتراف. على العكس، كانت ترى فيه جوهر الكتابة. الاعتراف عندها ليس استعراضًا للعاطفة، بل محاولة لفهمها، لتفكيكها، لإعطائها شكلًا لغويًا يمكن احتماله. كتبت عن الحبّ كما يُكتب عن جرحٍ مفتوح، وعن الفقد كما يُكتب عن مدينةٍ غارقة في الضباب. في نصوصها، تبدو اللغة وكأنها تتحرك على حافةٍ دقيقة بين الشعر والنثر، بين الرسالة واليوميات، بين البوح والستر. كأن كل جملة تُكتب على عجل، لا لأن الوقت ضيق، بل لأن الشعور نفسه لا يحتمل الانتظار.
كانت الكتابة بالنسبة لها وسيلةً للحفاظ على ما يوشك أن يضيع. الذكريات، الوجوه، العلاقات، المدن التي غادرتها أو غادرتها هي. كل ذلك كان يجد طريقه إلى الصفحة، لا بوصفه أرشيفًا للماضي، بل بوصفه محاولة لإبقائه حيًا في الحاضر. لذلك تبدو نصوصها مشبعة بالحركة، بالسفر، بالانتقال من مكان إلى آخر، وكأن الكتابة نفسها قطار لا يتوقف.
الوحي عند غادة السمان لم يكن صوتًا خارجيًا يزورها في لحظة صفاء، بل حالة داخلية مستمرة، توترًا عاطفيًا لا يهدأ إلا حين يتحول إلى كلمات. لم تنتظر لحظة مثالية، ولم تنتظر هدوءًا كاملاً. كتبت وسط الضجيج، وسط الرحيل، وسط التغيّر. كأن الكتابة عندها ليست فعلًا منفصلًا عن الحياة، بل طريقة لعيشها بكثافة أعلى، وبحساسية لا تسمح بمرور الأشياء دون أن تترك أثرها.
وهكذا، لم تنتظر الوحي كزائرٍ كريم يطرق الباب بلطف. عاشت بحيث صار الوحي جزءًا من يومها، من سفرها، من وحدتها، من حبّها، من خوفها. صار العيش بدونه مستحيلاً، كالنبتة التي تشرب من التراب اليابس حتى تزهو، لا لأنها تملك ماءً وفيرًا، بل لأنها تعرف كيف تستخرج الحياة من أكثر الأماكن قسوة
لكن إذا أردنا أن نرى الوحي في أكثر صوره شفافية وجرأة، فلا بد أن نتوقف طويلًا عند عزيز نسين، الكاتب التركي الذي كان أكثرهم صراحة حين سمّى الوحي: عفاريت وجنّ. لم يقصد الغيب والأساطير، بل تلك القوى المزعجة التي تطرق ذهن الكاتب حين يرى ظلمًا أو تناقضًا أو سخافة بشرية لا تُحتمل.
في مذكراته، يصفها كعشرات العفاريت والساحرات التي تتسلق على ظهره، لا على كتفه بل على ظهره كله، تُثقله بالدم والدموع، تُصرخ في أذنه: «أكتب! أكتب! لا تتوقف! استمر بالكتابة! لماذا تتوقف؟ هل لك الحق في أن تنام؟ أنت؟ استيقظ- لا تجلس هكذا! انهض بسرعة، لن تمرض جراء الكتابة. بسسسست، تعال هنا أكتب!»
هذه العفاريت ليست نورًا هادئًا ينير الطريق، بل إزعاج أخلاقي يلسع كالنار. فكرة تلسعك ككلاب شرسة، نكتة تكشف مأساة كالسيف الذي يقطع اللحم، مشهد يوميّ يرفض أن يمرّ بلا كتابة، كالطفل الذي يبكي في الشارع ويطلب منك أن تروي قصته.
عنده، الكتابة ليست راحة، بل مقاومة، وسيلة لمواجهة الواقع الفظّ، لفضح النفاق، لتحرير اللغة من التجميل الكاذب. كتب لأنه لم يستطع أن يتحمّل الصمت، لأن الواقع كان يصرخ في وجهه، ولأن العفاريت لن تتركه وحيدًا، هي حلمه بالليل وخياله بالنهار، العالم كله بالنسبة له.
⸻
الإصغاء: حين يولد الوحي من إنسان آخر
حين نتأمل حكاية كافكا مع الطفلة التي فقدت دميتها، لا نرى مجرد تعاطف عابر، بل نرى أصل الكتابة نفسها في لحظتها الأكثر إنسانية: الخيال حين يتحوّل إلى وسيلة لترميم قلبٍ مكسور. لم تكن تلك الحادثة طرفةً عن كاتبٍ عطوف، بل لحظة كاشفة عن طبيعة الإصغاء التي تسبق الكتابة.
كان يمشي في حديقة برلين عام 1923، في الأربعين من عمره، رجلًا يعيش على هامش العالم تقريبًا، لم يتزوج ولم ينجب، يحمل في داخله قلقًا صامتًا يلازمه. هناك وجد طفلة تبكي لأن دميتها المدلّلة ضاعت. بحث معها عنها طويلًا، لكن الدمية لم تُعثر. كان يمكنه أن يواسيها بكلمة عابرة وينصرف، كما يفعل أيّ عابرٍ في الحديقة. لكنه لم يفعل. اختار أن يخلق لها عالمًا بديلًا، عالمًا يسمح للخسارة بأن تتحوّل إلى حكاية.
قال لها: «لا تحزني، الدمية ذهبت في رحلة لترى العالم، لكنها ستكتب لك رسائل».
وفي اليوم التالي، جاء بأول رسالة بلسان الدمية: «لا تحزني عليّ، لقد ذهبت في رحلة لأرى العالم، وسأكتب لك عن مغامراتي».
لم تكن رسالة واحدة، بل سلسلة رسائل استمرت لأسابيع. كل يوم تقريبًا كانت الطفلة تتلقى رسالة جديدة، تصف فيها الدمية المدن التي زارتها، والوجوه التي قابلتها، والدروس التي تعلّمتها. كأن الخيال لم يكن هروبًا من الواقع، بل طريقة لإعادة صياغته بحيث يصبح قابلاً للاحتمال. حتى جاء اليوم الأخير، فأعطاها دمية جديدة، وقال بهدوء: «لقد تغيّرت الدمية من السفر، صارت أكبر وأحكم».
في تلك اللحظة، لم يكن يكتب قصة للأطفال فحسب، بل كان يمارس جوهر الكتابة: تحويل الخسارة إلى معنى، وتحويل الألم إلى سرد، وتحويل الصمت إلى حكاية يمكن حملها. كان الخيال أداة ترميم، كأن الكتابة هي الدواء الوحيد الذي يمكنه أن يمنح الأشياء المفقودة شكلًا آخر للحضور.
قال كافكا في موضع آخر: «لا ينبغي أن نكتب إلا عندما نشعر أننا سنتمزّق إذا لم نفعل».
هذا التمزّق هو أصل الوحي عنده. ليس فكرة جميلة تطفو على سطح الوعي، بل ضغط داخلي لا يحتمل الصمت. إحساس بأن شيئًا في الداخل يتراكم حتى يصبح عدم الكتابة خطرًا حقيقيًا. لذلك لم يكن يكتب لأن لديه «موضوعًا»، بل لأنه يشعر أن الصمت نفسه صار ثقيلاً. الكتابة عنده لم تكن ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
الإلهام هنا لا يأتي كحدثٍ خارق، ولا كصوتٍ سماويّ يهمس من الأعلى. يأتي من إصغاءٍ كامل للحظة صغيرة: دمعة في عين طفلة، خوفٍ في قلب إنسان، شعورٍ عابر يرفض أن يمرّ دون أن يُفهم. أن ترى تفصيلًا صغيرًا في العالم، وتمنحه مساحةً لغويةً واسعة، هذا هو فعل الكتابة في أكثر صوره نقاءً.
كان كافكا يصغي إلى التفاصيل التي يمرّ بها الآخرون سريعًا. يصغي إلى القلق، إلى العزلة، إلى الهشاشة اليومية التي يعيشها الإنسان دون أن يملك لغةً لها. ثم يمنحها تلك اللغة. كأن النص عنده ليس محاولة لتزيين الواقع، بل لمحاورته، لمرافقة ضعفه، لإعطاء ما لا يُقال شكلًا يمكن مشاركته.
الكتابة، في هذا السياق، ليست صوتًا مرتفعًا، بل إنصات طويل. ليست إعلانًا عن فكرة، بل إقامة داخل الشعور حتى يتكشّف. والوحي ليس ما يهبط فجأة، بل ما يظهر حين يصغي الكاتب بما يكفي. حين يرى ما لا يراه الآخرون، أو يرى الشيء نفسه لكن ببطءٍ أكبر، بحساسية أعلى، وباستعداد لأن يتحوّل هذا المشهد الصغير إلى عالمٍ كامل من الكلمات
⸻
لكن إذا أردنا أن نرى الوحي في أكثر صوره شفافية وجرأة، فلا بد أن نتوقف طويلًا عند عزيز نسين، الكاتب التركي الذي كان أكثرهم صراحة حين سمّى الوحي: عفاريت وجنّ. لم يقصد الغيب والأساطير، بل تلك القوى المزعجة التي تطرق ذهن الكاتب حين يرى ظلمًا أو تناقضًا أو سخافة بشرية لا تُحتمل.
لم يقدّس هذه الحالة، ولم يزيّنها بالزهور، ولم يجعلها ملاكًا هابطًا من السماء. على العكس، وصفها كما يشعر بها في جسده وعقله: عشرات العفاريت والساحرات التي تتسلق على ظهره، لا على كتفه بل على ظهره كله، تُثقله بالدم والدموع، تُصرخ في أذنه بلا رحمة: «أكتب! أكتب! لا تتوقف! استمر بالكتابة! لماذا تتوقف؟ هل لك الحق في أن تنام؟ أنت؟ استيقظ — لا تجلس هكذا! انهض بسرعة، لن تمرض جراء الكتابة. بسسسست، تعال هنا أكتب!»
وفي موضع آخر من مذكراته يعود ليؤكد الفكرة نفسها، لكن بوضوحٍ أشدّ: «ليس لدي عفريت واحد ولا ساحرة واحدة بل لدي العشرات والعشرات. في حالة أن تظهر اثنتان منهما، يصعد إلى ظهري ثلاثة غيرهن».
هذه العفاريت ليست نورًا هادئًا ينير الطريق، بل إزعاج أخلاقي يلسع كالنار. فكرة تلسعك ككلاب شرسة، نكتة تكشف مأساة كالسيف الذي يقطع اللحم، مشهد يوميّ يرفض أن يمرّ بلا كتابة، كالطفل الذي يبكي في الشارع ويطلب منك أن تروي قصته. تتسلق على ظهره، تُثقله، تُصرخ: «أكتب! لا تتوقف!» لا تتركه ينام، لا تتركه يمرض، بل تُجبره على الجلوس إلى الطاولة حتى يهدأ العفريت، كأنه وجد طريقه إلى اللغة أخيرًا.
عنده، الكتابة ليست راحة، بل مقاومة؛ وسيلة لمواجهة الواقع الفظّ، لفضح النفاق، لتحرير اللغة من التجميل الكاذب. كتب لأنه لم يستطع أن يتحمّل الصمت، لأن الواقع كان يصرخ في وجهه، ولأن العفاريت لن تتركه وحيدًا: هي حلمه بالليل وخياله بالنهار، العالم كله بالنسبة له.
لكن الإصغاء وحده لا يكفي. هناك كتّاب لا يكتفون بسماع الحياة، بل يشعرون أن الحياة نفسها تزعجهم حتى يكتبوا، كأنها تطرق بابهم بقبضة حديدية. وهنا يبرز عزيز نسين بوصفه أكثر الكتّاب شفافية في وصف الوحي، لأنه لم يتعامل معه كنعمة شاعرية، بل كحالة اقتحام دائم. لم يرَ فيه زائرًا لطيفًا، بل قوةً ضاغطة، توترًا أخلاقيًا، قلقًا لا يهدأ.
شفافيته تكمن في اعترافه بأن الوحي ليس دائمًا جميلًا كالوردة، بل أحيانًا قلق يعصف بالروح، أو غضب يحرق الصدر، أو ضحك مرير يخفي الدموع. لكنه، في النهاية، طاقة تُحرّك، تُبدع، تُغيّر. طاقة تدفع الكاتب إلى الجلوس، إلى المواجهة، إلى تحويل هذا الاضطراب الداخلي إلى نصّ يمكن احتماله ومشاركته مع الآخرين.
وهنا يلتقي مع العقاد الذي رأى في الكتابة استفزازًا للعقل يوقظ النائمين، ومع غادة السمان التي جعلت من الاعتراف الشخصي مصدرًا للوحي، كأنه دموع تتحوّل إلى حبر. كلّهم يكتبون حين يصبح الصمت مستحيلاً، كالنهر الذي يفيض إذا سُدّ مجراه
⸻
الضغط: حين يصبح الخوف وقودًا
لم يكن دوستويفسكي يكتب في ظروف مريحة كالورد في الحديقة، ولا في عزلة شاعرٍ يتأمل الغروب بطمأنينة. حياته كانت أشبه بممرّ ضيّق تتراكم فيه الظلال: ديون تطارده ككلاب جائعة، نوبات مرض تهاجم جسده بلا رحمة، وسباق دائم مع الزمن كأن كل صفحة يكتبها هي محاولة لتأجيل السقوط. ومع ذلك — أو ربما بسبب ذلك — خرجت من هذا الضغط نصوصٌ تُعدّ من أكثر النصوص الإنسانية توترًا وصدقًا.
كان يكتب أحيانًا تحت تهديد مباشر: عقود نشر قاسية، مهل نهائية قصيرة، خوف من الإفلاس، خوف من السجن، خوف من الفقدان. كأن الكتابة عنده لم تكن ترفًا، بل وسيلة للبقاء. لم يكن ينتظر لحظة صفاءٍ مثالية، بل كان يكتب داخل العاصفة نفسها. كأن الصفحة عنده لم تكن مساحة هدوء، بل ساحة مواجهة. لذلك تبدو نصوصه مشحونة بطاقةٍ لا تهدأ، بقلقٍ لا يُخفي نفسه، وبشخصياتٍ تتحرك كما لو أنها تحمل في داخلها الصراع نفسه الذي كان يحمله.
قال نيتشه: «إذا أراد الله أن يحرم كاتبًا من موهبته، فكل ما عليه فعله هو منحه حياة سهلة».
هذه العبارة تبدو وكأنها كُتبت عن دوستويفسكي تحديدًا. فالحياة السهلة لا تستفز الكتابة، ولا تدفعها إلى الحافة التي تولد فيها الجملة الأكثر صدقًا. التوتر هو الذي يفعل. الخوف هو الذي يوقظ. واليأس، في لحظاته القصوى، قد يتحول إلى نارٍ تدفع الكاتب إلى أن يكتب لا لأنه يريد، بل لأنه لا يستطيع أن يتوقف.
كان دوستويفسكي يعرف أن الألم لا يكفي وحده، لكنه قد يصبح مادة خامًا إذا تحوّل إلى لغة. لذلك لم يهرب من ضغطه، بل أدخله إلى نصوصه. جعل شخصياته تعيش ذلك التوتر نفسه: الصراع بين الإيمان والشك، بين الخطيئة والخلاص، بين الرغبة في الحياة والخوف منها. كأن الكتابة عنده لم تكن محاولة لتجاوز الألم، بل لفهمه من الداخل، لإعطائه شكلًا يمكن احتماله.
وفي هذا المعنى، يلتقي مع ما قاله الطيب صالح عن غرقه في ينبوع داخلي مضطرب. فالكتابة عند كليهما لم تكن صفاءً هادئًا كبحيرةٍ ساكنة، بل غوصًا في عمقٍ متحرك، في أمواجٍ لا تهدأ. الإلهام هنا لا يأتي كراحة تُمنح للكسول، بل كقلقٍ مُنتج يحوّل الألم إلى فن، والضغط إلى إبداع. كأن النص هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه تحويل هذا الثقل إلى شيء قابل للحياة.
⸻
الروتين: الإلهام الذي يحبّ المواعيد
قد يبدو الروتين نقيضًا للوحي، كالسجن للطائر، لكنه في الحقيقة حاضنته، الباب الذي يدخل منه العفريت. فحتى أكثر الكتّاب توترًا وقلقًا عرفوا أن الإلهام، مهما بدا مفاجئًا، يحتاج إلى مكانٍ يجده حين يأتي.
تولستوي كتب يوميًا في الصباح الباكر، ومحفوظ كتب يوميًا في مقهاه، وستيفن كينغ يكتب يوميًا ألفي كلمة كأنه يصلّي. حتى عزيز نسين، الذي تحدّث عن العفاريت، كان يجلس إلى الطاولة كل صباح، يعرف أن العفريت لا يأتي لمن لا يعمل، بل لمن ينتظره بصبر الزارع.
الروتين لا يقتل الإلهام؛ يخلق له بابًا يدخل منه. يخفف رهبة البداية، يمنح الكاتب استقرارًا يحميه من العواصف، ويحوّل تلك الطاقة المتوترة، المقلقة، القادمة من الداخل، إلى صفحات يمكن أن تبقى بعد أن يهدأ كل شيء
⸻
الدقّة: حين يقول الصمت أكثر
في عالم تشيخوف، الوحي لا يأتي كصاعقةٍ لغوية تهزّ الصفحة، ولا كفيضٍ خطابيّ يسيل بلا ضابط، بل كتركيزٍ حادّ يشبه طرف إبرة يدخل القماش دون ضجيج. لم يكن يرى في الكتابة استعراضًا للبلاغة، بل بحثًا عن اللحظة التي تلمع فيها الحياة في تفصيلٍ صغير، يكاد يمرّ دون أن يُلاحظ.
قال: «لا تقل لي إن القمر يلمع، أرني بريق الضوء على الزجاج المكسور».
هذه الجملة ليست نصيحة تقنية فحسب، بل رؤية كاملة للكتابة. فالعالم، في نظره، لا يُفهم من خلال الشعارات الكبرى، بل من خلال التفاصيل الهامشية التي تحمل الحقيقة في داخلها. ضوء القمر قد يكون عامًا ومجرّدًا، لكن انعكاسه على قطعة زجاج مكسور يختصر مأساة كاملة، أو لحظة إنسانية مكثّفة، دون أن يرفع صوته.
تشيخوف، الطبيب الذي اعتاد الإصغاء إلى نبض المرضى كما يصغي إلى نبض اللغة، كان يرى أن الإنسان لا يكشف نفسه في خطابات طويلة، بل في حركة صغيرة، في نظرة عابرة، في جملة غير مكتملة. لذلك جاءت كتابته مقتصدة، هادئة، لكنها مشحونة بما لا يُقال. كأن النص عنده لا يقول كل شيء، بل يفتح بابًا للقارئ كي يدخل ويكمل ما ينقصه.
الدقّة عنده لم تكن ترفًا أسلوبيًا، بل شكلًا من أشكال الصدق. فكلما اقترب الكاتب من التفصيل، اقترب من الحقيقة. وكلما خفّف من الشرح، منح القارئ فرصةً لأن يرى بنفسه. كان يؤمن أن اللغة حين تُبالغ في التفسير تفقد قوتها، وأن الجملة القصيرة قد تحمل ما لا تحمله صفحات طويلة من الشرح.
الوحي، في هذا العالم، ليس اندفاعًا صاخبًا، بل انتباهٌ طويل. قدرة على رؤية ما يمرّ به الآخرون دون أن يتوقفوا عنده. قدرة على تحويل لحظةٍ عادية إلى لحظة مكثّفة، وعلى التقاط ما يختبئ خلف الكلمات اليومية البسيطة. كأن الكاتب، في لحظة الكتابة، يضع أذنه على صدر الحياة ليستمع إلى نبضها الخافت.
وهكذا تصبح الدقّة شكلًا من أشكال الرحمة بالقارئ. لا تفرض عليه المعنى، بل تترك له مساحة ليكتشفه. لا تملأ الصفحة بالضجيج، بل تترك فيها فراغاتٍ تتنفس. فالصمت، عند تشيخوف، ليس غيابًا للكلام، بل حضوره الأكثر نقاءً. وفي تلك المساحة بين الجملة وما لا يُقال، يولد الوحي بهدوء، ويستمرّ النص في الحياة داخل القارئ حتى بعد أن ينتهي
⸻
الجسد والعزلة والمنفى
الكتابة ليست عقلًا فقط، بل جسدًا يعيشها بكل ما فيه من إيقاعٍ وتعبٍ وصبر. ليست فكرةً تولد في الرأس وحده، بل حالة كاملة يمرّ بها الكائن: غرفة تُغلق، باب يُوارَب، خطوات تُقاس، صمت يُحرس، ووقت يُنتزع من ضجيج العالم. فالوحي، مهما بدا ذهنيًا، يحتاج إلى مكانٍ يقيم فيه، إلى جسدٍ يحتمله، وإلى عزلةٍ تسمح له بأن يتكوّن دون أن يتبدّد.
فيرجينيا وولف رأت أن للكاتب غرفة تخصّه، لا بوصفها رفاهية، بل ضرورة؛ مساحة صغيرة يستطيع فيها أن يسمع صوته دون أن يبتلعه الخارج. موراكامي جعل الجري جزءًا من الكتابة، يركض كي يهدأ الرأس، كي ينتظم التنفّس، كي يصبح النص ممكنًا بعد أن يستقرّ الجسد. درويش حمل المنفى في قلبه لا كفقدٍ فقط، بل كلغةٍ بديلة، كجرحٍ ينزف شعرًا، وكأن الابتعاد عن المكان الأول فتح له مساحةً جديدة للكلام.
أما غابرييل غارسيا ماركيز، فقد جعل من العزلة مختبرًا كاملاً للكتابة. لم تكن العزلة عنده انسحابًا من العالم، بل طريقة أخرى للدخول إليه. حين كتب «مائة عام من العزلة»، لم يكن يدوّن حكاية عائلة فحسب، بل كان يعيد بناء عالمٍ كامل من الذاكرة والأسطورة والحنين. أغلق على نفسه الباب أشهرًا طويلة، لا لأنه يرفض الحياة، بل لأنه يحتاج إلى مسافة تسمح للخيال بأن يتكثّف. كانت الغرفة تتحوّل إلى قرية كاملة، والطاولة إلى مركز كونٍ صغير، والوقت إلى نهرٍ بطيء يسمح للذاكرة بأن تستعيد تفاصيلها واحدةً تلو الأخرى. لم يكن الوحي عنده ومضة، بل مناخًا يُبنى بالصبر، وبالاستقرار في مكانٍ واحد، حتى يبدأ العالم المتخيَّل في الظهور كما لو أنه أكثر واقعية من الخارج.
وفي جهةٍ أخرى، يقف راي برادبري، الذي لم يكتب من عزلة ثقيلة فقط، بل من دهشةٍ لا تنطفئ. كان يرى في الكتابة امتدادًا لطفولةٍ لم تنتهِ، وفي الخيال مساحةً للحفاظ على حرارة العالم. لم يكن ينتظر الفكرة في صمتٍ طويل دائمًا، بل كان يطاردها بفرحٍ حقيقي، كأن الكتابة لعبةٌ جادّة، أو مغامرة يومية. كان يجلس إلى الآلة الكاتبة كما يجلس طفلٌ إلى لعبةٍ يحبها، يكتب بسرعة، بشغف، بثقة أن النص يولد من الحركة نفسها. لم يرَ الوحي كقوةٍ ثقيلة تضغط على الكاتب، بل كشرارة يمكن أن تشتعل من كتابٍ يُقرأ، أو ذكرى تُستعاد، أو صورةٍ عابرة. ومع ذلك، لم يكن الفرح عنده سطحًا خفيفًا، بل طاقة مقاومة، وسيلة لحفظ الحساسية في عالمٍ يزداد قسوة. كأن الكتابة عنده لم تكن فقط تعبيرًا عن الدهشة، بل طريقة لحمايتها من الانطفاء.
بين عزلة ماركيز التي تبني عالمًا كاملاً في غرفةٍ مغلقة، وفرح برادبري الذي يفتح النوافذ للخيال، تتجلّى حقيقة واحدة: الإلهام لا يتكوّن في الذهن وحده. يتلوّن بثقافة صاحبه، وبجسده الذي يتحرّك أو يستقرّ، وبالمكان الذي يحتضنه أو ينفيه. فالوحي ليس فكرةً مجرّدة، بل حالة كاملة يعيشها الكاتب: مكان، وزمن، وجسد، وذاكرة، وعزلة أو حركة تسمح لكل ذلك بأن يتحوّل إلى نصّ
كلّهم يثبتون أن الإلهام يتلوّن بثقافة صاحبه، وبجسده الذي يتحرّك، وبمكانه الذي يحتضنه أو ينفيه.
⸻
خلاصة: ما الذي يجعلهم يكتبون؟
ليس الجنّ وحدهم. وليس الملائكة وحدها. بل ذلك التوتّر الخلّاق الذي لا يُرى، لكنه يُحسّ في الأعماق:
نفسٌ حسّاسة كوترٍ يرتجف عند أول لمسة، واقعٌ يستفز كريحٍ عاتية لا تسمح بالوقوف طويلًا، ثقافةٌ تُغذّي الخيال كما تُغذّي التربةُ الجذور، وانضباطٌ يوميّ يحوّل الشرارة العابرة إلى أثرٍ يبقى بعد أن يهدأ كل شيء.
الكتابة ليست مهنة يُتقنها البعض ويتركها آخرون، بل طريقة في العيش. طريقة في أن يعيش الإنسان حياته مرتين: مرةً وهو يمرّ بها، ومرةً وهو يعيد النظر إليها من داخل اللغة. ليست فعلًا منفصلًا عن الحياة، بل شكلًا من أشكالها الأكثر وعيًا، والأكثر هشاشة، والأكثر صدقًا في آنٍ واحد.
هي استعداد دائم لاستقبال ذلك «العفريت» الذي قد يأتي في هيئة فكرةٍ تلسع، أو ذكرى تؤلم، أو جرحٍ ينزف، أو ضحكةٍ مريرة تخفي دمعة. وحين يأتي، لا نملك إلا أن نجلس ونكتب، كما لو أننا نفتح نافذة في غرفةٍ مكتومة، أو كما لو أن الأم تُرضع طفلها في الظلام كي يهدأ بكاؤه. الكتابة، في تلك اللحظة، ليست قرارًا، بل استجابة.
ثم يغيب. ثم نكتب. ثم يعود — لأنه يعود دائمًا — لكن في شكلٍ مختلف: فكرةٍ أكثر صدقًا، نبرةٍ أكثر هدوءًا، قدرةٍ أعمق على الإصغاء لما يدور في الداخل وفي الخارج معًا.
وهكذا تستمرّ الكتابة، لا كمعجزةٍ مفاجئة تهبط من السماء، بل كحياةٍ تُعاش مرتين: مرّة في الواقع بما فيه من ألمٍ وفوضى واحتمال، ومرّة في اللغة بما تمنحه من معنى، ومن اتساع، ومن شفاءٍ لا يُلغي الجرح، لكنه يجعله قابلًا لأن يُروى.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
-
صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
-
ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
-
ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
-
تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي
...
-
شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
-
فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
-
لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
-
ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق
...
-
صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي
...
-
كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
-
العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق
...
-
الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت
...
-
عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم
...
-
نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال
...
-
على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران
...
-
سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
-
الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ
...
-
قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني
-
من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
المزيد.....
-
14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما
...
-
الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
-
غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون
-
-صوت هند رجب- يسقط الأقنعة في مهرجان برلين السينمائي
-
80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة
...
-
أكثر من 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين تجاه الإباد
...
-
80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة
...
-
الوداع الأخير للجسد: حوارية لو بروتون حول الكلمة والوجه في -
...
-
-سمبوزيوم- جمعية التشكيليين الأول: خلية نحل تعيد صياغة المشه
...
-
الفنانة زينة تُعلن نسبها للنبي محمد ونقابة الأشراف تعلق
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|