أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:07
المحور:
كتابات ساخرة
في زمنٍ أصبح فيه الفرق بين السياسة والعرض التلفزيوني أكثر ضبابية من أي وقت مضى، يبدو أحياناً أن العالم لا يُدار في غرف القرار بقدر ما يُدار على خشبة مسرحٍ مفتوح، حيث تختلط الجدية بالنكتة، والقرار المصيري بجملة مرتجلة.
في هذا المسرح العالمي، يقف دونالد ترامب في موقعٍ فريد: ليس فقط كرئيس سابق للولايات المتحدة، بل كشخصية سياسية تبدو أحياناً وكأنها خرجت مباشرة من عرض “ستاند أب كوميدي” طويل لا يعرف أحد متى يبدأ أو متى ينتهي.
لا أعرف حقاً لماذا أزعج الرئيس دونالد ترامب نفسه بدخول عالم السياسة.
ربما كان الطريق الأسهل — والأكثر انسجاماً مع شخصيته — أن يصبح كوميدياً في عروض “ستاند أب كوميدي”.
فمن يستمع إلى طريقته في الكلام يدرك سريعاً أن الرجل يمتلك موهبة خاصة في خلق حالة من الدهشة والارتباك في آنٍ واحد. يبدأ الحديث في موضوعٍ ما، ثم يقفز فجأة إلى موضوع آخر بلا تمهيد، ثم يعود إلى قصة جانبية لا يعرف المستمع كيف بدأت ولا لماذا انتهت. وبين كل ذلك يواصل حديثه بثقة مطلقة، كما لو أنه يقدم أعظم تحليل سياسي في العالم.
لكن المشكلة أن هذا العرض الكوميدي لا يجري على مسرح صغير في نيويورك، بل يصدر من داخل البيت الأبيض. والجمهور الذي يستمع إليه ليس جمهوراً جاء ليقضي أمسية من الضحك، بل شعوباً بأكملها قد تتأثر حياتها بقرارات تُتخذ بعد مثل هذه الأحاديث.
ربما لهذا السبب أصبح كثير من الأمريكيين يتابعون تصريحات ترامب بطريقة تشبه مشاهدة عروض الكوميديا المرتجلة: ليس لأنهم يفهمون كل ما يقال، بل لأنهم يتساءلون دائماً: ماذا سيقول بعد ذلك؟ غير أن المشكلة الأكبر أن هذا المسرح لم يعد يقتصر على الترفيه، بل بات يهدد بإعادة رسم قواعد السياسة العالمية، تاركاً الجمهور — والمصير — معلقين بين الدهشة والارتباك.
⸻
مكالمة هاتفية أربكت الجميع
في إحدى الأمسيات، أجرى ترامب مكالمة هاتفية مع المذيع برايان كيلمادي ضمن برنامجه الإذاعي The Brian Kilmeade Show الذي يُبث عبر شبكة Fox News.
استمرت المكالمة نحو خمس وأربعين دقيقة.
لكن المشكلة لم تكن في مدتها، بل في طبيعة الحديث نفسه. فخلال تلك الدقائق، انتقل ترامب من الحديث عن الحرب إلى الهجرة، ثم إلى الاقتصاد، ثم إلى روسيا، ثم إلى موضوع بدا غريباً تماماً وسط كل تلك القضايا: الأحذية.
كان الأمر أشبه بمونتاج سريع لأفكار متباعدة، أو كمن يتنقل بعصبية بين قنوات التلفاز أثناء نشرة أخبار جادة، حيث لا يعرف المستمع أبداً ما الرابط بين موضوع وآخر.
في بداية الحوار، طرح كيلمادي سؤالاً حول سلسلة من الهجمات العنيفة التي وقعت داخل الولايات المتحدة، من بينها حادث إطلاق نار في جامعة أولد دومينيون، إضافة إلى حادث دهس بسيارة قرب كنيس يهودي في مدينة ديترويت.
هذه الحوادث ليست أحداثاً عادية. إنها أعمال عنف حقيقية داخل بلد يعيش بالفعل حالة توتر سياسي واجتماعي متزايد. وفي عالم السياسة التقليدية، تتطلب مثل هذه الحوادث خطاباً موحداً وتعاطفاً صادقاً مع الضحايا، وتحليلاً يطمئن المواطنين. لكن مع ترامب، يتحول كل شيء بسرعة إلى مادة خام لخطابه الارتجالي.
فقد قال إن بعض الأشخاص الذين يرتكبون هذه الجرائم “لا يملكون الجينات نفسها”.
⸻
كلمات تعيد فتح جراح التاريخ
كانت هذه الجملة القصيرة كافية لإشعال نقاش واسع في الإعلام الأمريكي.
ففكرة تقسيم البشر وفق “الجينات” ليست جديدة في التاريخ، بل ظهرت بقوة في بدايات القرن العشرين ضمن ما عُرف بنظريات تحسين النسل. وقد ادّعت هذه النظريات أن بعض البشر أفضل وراثياً من غيرهم، وأن المجتمع ينبغي أن يشجع تكاثر “المتفوقين” ويحدّ من تكاثر من اعتُبروا “غير مرغوب فيهم”.
وقد استُخدمت هذه الأفكار في عدة دول لتبرير سياسات قاسية، قبل أن تبلغ ذروتها في ظل حكم أدولف هتلر في ألمانيا النازية. ففي تلك المرحلة تحولت هذه النظريات إلى سياسات اضطهاد واسعة النطاق، وهو ما جعل العالم بعد الحرب العالمية الثانية يتعامل بحذر شديد مع أي خطاب يتحدث عن تفوق جيني بين البشر.
لهذا السبب أثارت كلمات ترامب جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب مضمونها، بل أيضاً بسبب الذاكرة التاريخية الثقيلة التي تحملها. فمثل هذا الخطاب — كما يقول المؤرخون — لا يقل خطورة عن السياسات نفسها، لأنه يعيد تطبيع أفكار كانت البشرية قد دفنتها في ماضيها المظلم، ويمنحها شرعية زائفة في الحاضر.
والحقيقة أن الذاكرة التاريخية للبشرية قصيرة. وهذه بالضبط هي النقطة التي تستغلها مثل هذه التصريحات، حين تُحوَّل جراح الماضي إلى مادة للجدل السياسي الرخيص في الحاضر.
⸻
حرب بلا نهاية واضحة
لكن الجزء الأكثر إثارة للدهشة في المكالمة لم يكن هذا التصريح وحده.
فالمذيع طرح سؤالاً بسيطاً يبدو طبيعياً لأي رئيس يقود بلاده في صراع عسكري:
متى ستنتهي الحرب؟
جاء جواب ترامب مفاجئاً.
قال إنه سيعرف أن الحرب انتهت “عندما يشعر بذلك في عظامه”.
في عالم السياسة الدولية، تُدار الحروب عادة وفق أهداف واضحة: نصر عسكري، اتفاق سياسي، أو تسوية دبلوماسية. لكن عبارة “سأشعر بذلك” بدت أقرب إلى حدس شخصي منها إلى خطة استراتيجية لدولة.
بهذه العبارة يتحول قرار الحرب والسلم من مسؤولية دستورية تستند إلى تقارير استخباراتية ومجالس عسكرية، إلى حدس شخصي أقرب إلى “حاسة سادسة” منه إلى سياسة دولة. إنها لحظة تلخص تحول البيت الأبيض إلى ما يمكن تسميته: بيت الحدس.
وعندما سأله كيلمادي إن كان مستشاروه سيشاركون في القرار، قال ترامب إن لديه “أشخاصاً رائعين”، لكنه في النهاية يقنعهم بأن يفعلوا الأمور بطريقته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل يمكن لجيوش بأكملها واقتصادات عالمية أن تنتظر حتى “يشعر” الرئيس بأن الوقت قد حان؟
أم أن العالم أصبح رهينة لمزاج رئيس واحد؟
⸻
تصعيد عسكري في الشرق الأوسط
في الوقت نفسه أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، بقيادة الوزير بيت هيغسيث، إرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط.
ومن بين هذه القوات عناصر من الوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثين لمشاة البحرية، إضافة إلى السفينة الحربية يو إس إس تريبولي.
هذه الوحدات العسكرية ليست مجرد وجود رمزي. فهي مصممة لتنفيذ عمليات قتالية سريعة، تشمل عمليات إنزال برمائي وتدخلات عسكرية مباشرة. ولهذا فإن إرسالها إلى المنطقة يعني أن احتمال التصعيد العسكري ما زال قائماً، وأن المنطقة ما تزال تقف على حافة توازن هش يمكن أن يختل في أي لحظة.
⸻
جزيرة صغيرة وتأثير عالمي
في لحظة أخرى من المقابلة، طرح كيلمادي سؤالاً حساساً حول احتمال استهداف جزيرة خرج.
قد تبدو هذه الجزيرة صغيرة على الخريطة، لكنها في الواقع تلعب دوراً اقتصادياً هائلاً، لأنها المنفذ الذي تمر عبره معظم صادرات النفط الإيرانية إلى العالم. وأي هجوم عليها قد يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وربما يفتح الباب أمام سلسلة من التوترات الاقتصادية والسياسية تتجاوز حدود المنطقة.
ردّ ترامب بغضب واضح، واعتبر السؤال “غبيّاً”.
لكن بعد ساعات نشر تعليقاً على منصته Truth Social قال فيه إن الولايات المتحدة دمرت أهدافاً عسكرية في الجزيرة.
وهنا بدأت التساؤلات تتكاثر:
هل كان الأمر مجرد احتمال نظري طُرح في المقابلة؟
أم أن الخطط كانت موجودة بالفعل في خلفية المشهد السياسي والعسكري؟
⸻
هجوم على المعارضين
لم تخلُ المكالمة أيضاً من الهجمات السياسية.
فعندما ذُكر اسم السيناتور مارك كيلي — وهو طيار مقاتل سابق أيضاً — لم يناقش ترامب انتقاداته للحرب أو ملاحظاته السياسية، بل اختار طريقاً مختلفاً تماماً، إذ وصفه ببساطة بأنه “ليس ذكياً”.
هذا الأسلوب أصبح جزءاً ثابتاً من طريقة ترامب في التعامل مع معارضيه. فبدلاً من الرد على الحجج أو الدخول في نقاش سياسي حول القضايا المطروحة، يتحول الحوار غالباً إلى هجوم شخصي على الخصوم.
وقد يكون هذا الأسلوب فعالاً في الحملات الانتخابية أو في المناخ الإعلامي الحاد، لكنه لا يضيف الكثير إلى النقاش السياسي الحقيقي حول قضايا معقدة تمس الأمن الدولي والسياسات الاستراتيجية.
⸻
قصة الأحذية
لكن ربما أكثر اللحظات غرابة في المقابلة جاءت عندما بدأ ترامب يتحدث عن الأحذية.
قال إنه اشترى أحذية رسمية من شركة فلورشهايم لعدد من أعضاء حكومته، لأنه لا يحب أن يراهم يرتدون أحذية رياضية. وأضاف أن هذه الأحذية كانت “هدية من دونالد ترامب”.
وقد ظهرت لاحقاً صور لوزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس وهما يرتديان تلك الأحذية. غير أن حذاء روبيو بدا أكبر من مقاسه.
وهنا تحولت هذه القصة الصغيرة إلى استعارة سياسية أوسع.
لم تكن قصة الأحذية مجرد حكاية عابرة، بل بدت وكأنها صورة مصغّرة لطبيعة الإدارة بأكملها. فها هم مسؤولو أكبر دولة في العالم يرتدون أحذية “الرئيس” — أحذية لا تناسب مقاساتهم — ويحاولون التحرك بثقل سياسي وعسكري هائل، لكنهم يبدون في بعض الأحيان وكأنهم يتعلمون المشي من جديد.
إنها صورة تختزل فقدان الاستقلالية والخضوع لما يمكن تسميته “الموضة السياسية” التي يفرضها رئيسهم.
فالبعض رأى أن كثيراً من المسؤولين في الإدارة الحالية يشبهون شخصاً يرتدي حذاءً أكبر من مقاسه: يحاول أن يبدو مرتاحاً، لكنه في الحقيقة لا يستطيع التحرك بحرية كاملة.
⸻
ظل روسيا في الخلفية
في جزء آخر من الحديث أشار ترامب إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يكون يقدم مساعدة محدودة لإيران.
مثل هذا التصريح قد يثير توترات دولية كبيرة، لأن روسيا والولايات المتحدة قوتان نوويتان، وأي تداخل في صراعات الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تعقيدات سياسية خطيرة، وربما إلى احتكاكات غير محسوبة بين قوى دولية كبرى.
لكن في زمن الأخبار المتسارعة، تمر كثير من التصريحات المثيرة للجدل بسرعة مذهلة، وكأن العالم أصبح معتاداً على تلقي الصدمات السياسية ثم الانتقال فوراً إلى الخبر التالي.
⸻
السياسة كعرض دائم
ما يميز أسلوب ترامب السياسي أنه يشبه أحياناً عرضاً إعلامياً دائماً. فهو يعرف جيداً كيف يجذب الانتباه، ويعرف أيضاً كيف يبقى حاضراً في العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام.
ما يفعله ترامب هو تحويل السياسة إلى ما يمكن تسميته “السياسة ما بعد الحداثية”، حيث لا توجد حقيقة واحدة بل روايات متعددة، وحيث قد تتساوى أهمية قرار مصيري مع قصة حذاء جديد.
في هذا العالم لم يعد المضمون هو الأساس، بل “الترند” والتفاعل الإعلامي، وعدد المرات التي يُعاد فيها تداول التصريح عبر الشاشات ومنصات التواصل.
لكن السؤال الذي يطرحه كثير من الأمريكيين اليوم هو:
هل يكفي ذلك لإدارة دولة بحجم الولايات المتحدة؟
فالقيادة السياسية ليست مجرد خطابات أو حضور إعلامي، بل هي أيضاً القدرة على وضع خطط طويلة المدى، وإدارة الأزمات بهدوء، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة وتحليلات استراتيجية.
⸻
بصيص أمل من القضاء
وسط كل هذا الجدل، جاء خبر قانوني أعاد بعض التوازن إلى المشهد.
فقد أصدر القاضي الفيدرالي جيمس بواسبرغ حكماً أوقف مذكرات استدعاء كانت موجهة ضد رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، معتبراً أن التحقيق لم يكن مبنياً على أدلة جنائية حقيقية، بل بدا أقرب إلى محاولة ضغط سياسي.
وكتب القاضي عبارة لافتة:
“لم تقدم الحكومة أي دليل على أن باول ارتكب جريمة، سوى أنه أغضب الرئيس.”
⸻
مسرح العبث
ربما يكون الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو قد قال إن المشكلة الفلسفية الحقيقية الوحيدة هي الانتحار.
لكن لو عاش كامو في زمن السياسة المعاصرة، وربما لو تابع نشرات الأخبار اليوم، لربما اكتشف مشكلة فلسفية أخرى لا تقل غرابة:
كيف يمكن للعالم أن يظل جاداً، بينما تتحول السياسة فيه أحياناً إلى عرض عبثي طويل؟
لو كان دونالد ترامب يقف على مسرح كوميدي، لضحك الجمهور ثم عاد إلى منزله دون قلق. فالعروض الساخرة تنتهي دائماً عندما تنطفئ الأضواء.
لكن المشكلة أن الأضواء هنا لا تنطفئ.
فالرجل لا يقدم فقرة ترفيهية، بل يقود دولة تمتلك أكبر اقتصاد في العالم وأقوى جيش فيه. ولذلك فإن كل كلمة يقولها لا تُسمع كجملة عابرة، بل كإشارة سياسية قد تتحول إلى قرار، وقد تتحول إلى أزمة، وقد تتحول أحياناً إلى حرب.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فما يبدو للبعض مجرد عرض ساخر، قد يكون بالنسبة لآخرين أخطر قصة سياسية في عصرنا.
وهذا ما يجعل السؤال الذي بدأنا به أكثر إلحاحاً مما يبدو:
لو لم يكن دونالد ترامب رئيساً…
هل كان سيصبح بالفعل نجم “ستاند أب كوميدي”؟
أم أن المشكلة الحقيقية ليست في الرجل وحده، بل في عالمٍ بات يتعامل مع السياسة أحياناً كما لو كانت عرضاً ترفيهياً لا ينتهي — عرض تُرسم فيه حدود الدول بجملة مرتجلة، وقد تُحدد فيه مصائر الشعوب بنكتة غير موفقة.
وفي هذا المسرح العبثي الكبير، قد لا يكون السؤال الحقيقي من يقف على الخشبة…
بل من يجلس في مقاعد الجمهور.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟