أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أوزجان يشار - الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة














المزيد.....

الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 23:49
المحور: الصحافة والاعلام
    


في زمن الحرب، لا تُطلق الصواريخ وحدها. تُطلق معها الروايات أيضًا، وتُعاد صياغة الحقائق، وتُدفن الوقائع تحت طبقات كثيفة من التصريحات الرسمية. في تلك اللحظات يصبح الإعلام — في كثير من الأحيان — ساحة معركة موازية، تُدار فيها حرب أخرى لا تقل شراسة: حرب على الحقيقة نفسها. وما يجري اليوم في الخطاب السياسي والإعلامي المحيط بالحرب في إيران يقدّم مثالًا واضحًا على ذلك، حيث تتحول الأحداث الدامية إلى عبارات مختصرة، وتُختزل التوترات العالمية في كلمات عابرة مثل “رحلة صغيرة”.

في هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمراسل موقع Axios خلال إحدى مكالماته العشوائية: “القليل من هذا والقليل من ذاك… في أي وقت أريد أن تنتهي فيه، ستنتهي”، مضيفًا أنه “لم يبقَ تقريبًا شيء يمكن استهدافه”. قد تبدو هذه الكلمات للبعض مجرد تعبير عن الثقة السياسية، لكنها في زمن الحرب تحمل دلالة أعمق، إذ تعكس تصورًا للسلطة يجعل من حرب كاملة — بما فيها من ضحايا وتعقيدات — حدثًا يمكن اختزاله في قرار شخصي.

ومع استمرار الحرب بدأت الفجوات في الرواية الرسمية تظهر تدريجيًا. فقد ذكرت شبكة CBS News أن الإدارة الأمريكية أخفت على ما يبدو الحجم الحقيقي لهجوم بطائرات مسيّرة إيرانية استهدف قاعدة أمريكية في الكويت، حيث تبيّن لاحقًا أن عشرات الجنود أصيبوا بجروح خطيرة، وأن ثلاثين منهم ما زالوا في المستشفى. مثل هذه التفاصيل لا تظهر عادة في اللحظة الأولى، بل تتسرب ببطء مع مرور الوقت، حين يبدأ الواقع في مقاومة الرواية الرسمية.

هذا النمط يتكرر كثيرًا في الحروب. تبدأ القصة دائمًا بعبارات مطمئنة: عملية محدودة، ضربة دقيقة، مهمة ناجحة. لكن خلف هذه الكلمات تختبئ صور أخرى: مدنيون تحت الأنقاض، جنود مصابون، ومدن تتغير ملامحها بصمت. وقد تجلّى ذلك بوضوح عندما خلص تحقيق عسكري — كما كانت التحليلات المستقلة قد أشارت بالفعل — إلى أن الولايات المتحدة كانت مسؤولة عن الضربة الصاروخية التي أصابت مدرسة ابتدائية في إيران وأسفرت عن مقتل 175 شخصًا، معظمهم أطفال. وذكرت صحيفة The New York Times أن السبب المحتمل قد يكون بيانات استهداف قديمة.

في مثل هذه اللحظات ينتظر الناس اعترافًا واضحًا أو تحمّلًا للمسؤولية، لكن عندما سُئل ترامب عن الأمر أثناء وقوفه في حديقة البيت الأبيض، وبالقرب منه المتحدثة كارولاين ليفيت، جاء الرد مقتضبًا: “لا أعرف شيئًا عن ذلك”. أربع كلمات فقط، لكنها تكشف الكثير عن طبيعة الخطاب السياسي في زمن الحرب، حيث يصبح الاعتراف بالأخطاء أمرًا نادرًا، وتتحول اللغة إلى وسيلة للابتعاد عن المسؤولية بدلًا من توضيح الحقيقة.

ومع ذلك لم يتوقف الخطاب عند هذا الحد. ففي زيارة إلى أوهايو وكنتاكي للترويج لما وصفه بنجاحاته الاقتصادية، تحدث ترامب في مصنع Thermo Fisher Scientific في مدينة ريدينغ قائلاً: “لم يكن هناك عام أفضل لرئيس من هذا العام… الاقتصاد مزدهر… كان لدينا مجرد رحلة صغيرة في إيران”. هنا يتكرر النمط ذاته: تقليص حدث خطير إلى وصف خفيف، وكأن الحرب مجرد تفصيل عابر في خطاب سياسي أوسع.

حتى مراسل Fox News بيتر دوسي بدا متحيرًا فسأل ترامب: “قلت إنها رحلة صغيرة وقلت إنها حرب، فماذا هي إذًا؟” فجاء الرد: “إنها الاثنان. إنها رحلة ستُبقينا خارج حرب. بالنسبة لهم هي حرب. بالنسبة لنا كانت أسهل مما توقعنا”. وبينما قد تبدو هذه الجملة مجرد ارتباك لغوي، فإنها في الواقع تعكس الطريقة التي تُدار بها الروايات السياسية في زمن الأزمات، حيث يمكن للحدث نفسه أن يكون حربًا وخلاف ذلك في الوقت ذاته، بحسب زاوية الخطاب.

وفي تجمع سياسي لاحق في كنتاكي، واصل ترامب الحديث بالطريقة نفسها، مؤكدًا أن الأسواق صامدة وأن الأسعار ستنخفض وأن الأمور تسير بشكل جيد، في وقت كانت فيه التقارير تشير إلى اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز بعد تعرض سفن تجارية لهجمات. وعندما سُئل عن ذلك قال ببساطة إن “المضائق في حالة رائعة”، رغم أن التقارير الاقتصادية والبحرية كانت تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

كل ذلك يضع الإعلام أمام مأزق حقيقي. فبين ضغط السلطة وتسارع الأخبار، تتحول بعض المنصات أحيانًا إلى ناقل سريع للتصريحات الرسمية قبل أن تُفحص أو تُدقق، فتتشكل دائرة مغلقة: تصريح رسمي يُنشر، ثم يُعاد تداوله، فيبدو وكأنه حقيقة راسخة. وهكذا تتقدم الرواية السياسية خطوة على الواقع، ولو مؤقتًا.

ومع ذلك فإن التاريخ يعلّمنا درسًا ثابتًا: الحقيقة قد تتأخر، لكنها نادرًا ما تختفي. بعد كل حرب تقريبًا تظهر الوثائق، وتُفتح الأرشيفات، ويبدأ الصحفيون والمؤرخون بإعادة قراءة الأحداث بعيدًا عن ضجيج اللحظة. المشكلة فقط أن هذا يحدث عادة بعد فوات الأوان، بعد أن تتحول حياة البشر إلى أرقام في التقارير.

وسط هذا المناخ المتوتر، لم يخلُ الخطاب السياسي أيضًا من السجالات الشخصية. فقد هاجم ترامب حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم ساخرًا من معاناته مع عسر القراءة، قائلاً إنه لا يريد رئيسًا يعاني “نقصًا إدراكيًا”. وجاء رد نيوسوم مختصرًا لكنه لاذعًا: “متأخر جدًا”.

في النهاية يبقى السؤال الأخلاقي أكبر من كل هذه السجالات: هل يمكن للحروب أن تُدار بصدق؟ وهل يستطيع الإعلام أن يحافظ على دوره كحارس للحقيقة وسط ضغط السلطة والدعاية والخوف؟ قد لا تكون الإجابة سهلة، لكن ما يبدو واضحًا هو أن الأكاذيب لا تُطيل عمر الحروب فقط، بل تُطيل أيضًا عمر الجروح التي تتركها. وعندما يهدأ الضجيج، لا يبقى من الخطابات السياسية الكثير، بينما تظل الحقيقة وحدها تحاول أن تظهر من تحت الركام.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإس ...
- اليوم التالي من الحرب: كيف يعيد العالم والشرق الأوسط كتابة م ...
- الغرفة التي تسكنني
- نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
- لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
- ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق ...
- صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي ...
- كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
- العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق ...


المزيد.....




- خافيير بارديم يهتف في حفل الأوسكار: -لا للحرب.. فلسطين حرة- ...
- اليابان تُعلن أنها لا تُخطط حاليًّا لإرسال سفن عسكرية إلى مض ...
- ولي العهد السعودي يجري اتصالًا برئيس الإمارات.. وهذا ما ناقش ...
- وزيرا خارجية الإمارات ومصر يبحثان اعتداءات إيران الصاروخية
- محمد بن زايد يبحث مع السوداني تطورات الأوضاع في المنطقة
- إسرائيل تعلن استهداف بنى تحتية لحزب الله في بيروت
- ماكرون: يجب استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز بأقرب وقت
- رئيس الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- عبدالله بن زايد يبحث مع وزراء خارجية تطورات الأوضاع بالمنطقة ...
- الإمارات.. السيطرة على حريق في محيط مطار دبي الدولي


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أوزجان يشار - الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة