أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أوزجان يشار - مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر















المزيد.....

مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 21:17
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


حين يصبح الخطر بوابة المعنى

الحياة، كما قيل، إما أن تكون مغامرة ذات مخاطر جسيمة أو لا شيء على الإطلاق. هذه العبارة لا تُقرأ كدعوة للتهور بقدر ما تُفهم كنداء عميق لاستعادة المعنى في زمنٍ يتآكل فيه الشغف تحت وطأة الأمان الزائف. وكأنها تهمس في داخل الإنسان بما قالته هيلين كيلر يومًا: “الأمان وهم… الحياة إما مغامرة جريئة أو لا شيء.”

فالمخاطرة ليست انزلاقًا نحو الخطر، بل اقترابٌ محسوب من المجهول، حيث تختبر الذات حدودها وتعيد اكتشاف قدرتها على الصمود والتكيّف. الإنسان الذي لا يخاطر، لا يخطئ، لكنه أيضًا لا يتعلم؛ يعيش داخل دائرة ضيقة من التكرار، حيث الزمن يمضي دون أن يترك أثرًا يُذكر. وكما عبّر جون إف كينيدي: “الذين يجرؤون على الفشل بشكل كبير، يمكنهم تحقيق إنجازات عظيمة.”

في هذا السياق، لم تعد المخاطرة خيارًا فلسفيًا يُناقش في كتب التأمل، بل تحولت إلى مهارة عملية تتداخل مع كل قرار نتخذه، سواء كان شخصيًا أو مهنيًا. نحن نعيش في عالم يتغير بوتيرة لم يعرفها التاريخ من قبل؛ أسواق تتقلب، وظائف تختفي وتولد أخرى، أزمات صحية تعبر القارات خلال أسابيع، وتقنيات تعيد تشكيل مفهوم العمل ذاته. في هذا العالم، لا يكفي أن تكون ذكيًا أو مجتهدًا، بل يجب أن تكون قادرًا على قراءة المخاطر والتعامل معها بوعي.



ماهية إدارة المخاطر… بين التعريف والوعي

إدارة المخاطر، في جوهرها، ليست سوى محاولة الإنسان لفهم المجهول قبل أن يفاجئه. هي عملية منظمة تبدأ بتحديد ما قد يعرقل الطريق، ثم تحليل احتمالات حدوثه، وتقدير أثره، وأخيرًا اتخاذ قرار واعٍ: هل نواجه، أم نتجنب، أم نتحايل، أم نقبل؟

المعيار الدولي ISO 31000 قدّم تعريفًا تقنيًا لهذه العملية بوصفها نشاطًا منسقًا لتوجيه وإدارة المخاطر داخل المؤسسات. يركز هذا المعيار على ثلاثة عناصر أساسية: المبادئ، الإطار، والعملية. فالمبادئ تؤكد أن إدارة المخاطر تخلق وتحمي القيمة، وتكون جزءًا لا يتجزأ من جميع العمليات التنظيمية، ويجب أن تكون منظمة وشاملة ومخصصة حسب احتياجات المنظمة. أما الإطار فيوفر الهيكل لدمج إدارة المخاطر في الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، بينما العملية تشمل تحديد المخاطر، تحليلها، تقييمها، معالجتها، مراقبتها، وتواصلها.

لكن هذا التعريف التقني، رغم دقته، لا يلامس العمق الإنساني للمفهوم. فإدارة المخاطر ليست حكرًا على الشركات أو الهيئات الكبرى؛ إنها حاضرة في أبسط تفاصيل حياتنا. حين يختار شاب تخصصه الجامعي، أو تقرر عائلة الانتقال إلى مدينة جديدة، أو يفكر شخص في بدء مشروع، فإنهم جميعًا يمارسون إدارة المخاطر، سواء أدركوا ذلك أم لا.

والمخاطر ليست كيانًا واحدًا، بل طيف واسع يتشكل من أوجه متعددة. هناك مخاطر مالية تتقلب مع الأسواق، وتشغيلية تنبع من داخل الأنظمة، واستراتيجية ترتبط بسوء التقدير أو تغير الاتجاهات، وخارجية تأتي من الطبيعة أو السياسة، وأخرى شخصية تمس الصحة والعلاقات والعمل. هذا التعدد يجعل من إدارة المخاطر مهارة مركبة، تتطلب رؤية شمولية وقدرة على الربط بين العوامل المختلفة.

ومن المهم هنا التمييز بين “الخطر” و”المخاطرة”. الخطر هو المصدر المباشر للضرر، أما المخاطرة فهي احتمال وقوع هذا الضرر. هذا الفرق الدقيق هو ما يحوّل الخوف إلى حساب، والانفعال إلى قرار. وكما كتب بيتر بيرنشتاين: “فهم المخاطر هو ما حرر البشرية من الخضوع الأعمى للقدر.”



من الضرورة إلى الفلسفة

في الماضي، كان بالإمكان تجاهل بعض المخاطر والاعتماد على الحدس أو الخبرة المتراكمة. أما اليوم، فإن تجاهل المخاطر قد يعني ببساطة الخروج من اللعبة. المؤسسات التي لم تستوعب هذا التحول دفعت الثمن باهظًا، ليس فقط ماليًا، بل في سمعتها واستمراريتها.

أما الأفراد، فقد أصبحوا مطالبين أكثر من أي وقت مضى بتطوير هذه المهارة. فالموظف الذي يفهم المخاطر يُنظر إليه كقائد محتمل، لأنه لا يكتفي بتنفيذ المهام، بل يفكر في العواقب ويستعد لها. ورائد الأعمال الذي يقرأ المخاطر جيدًا لا ينجو فقط من الفشل، بل يحول التحديات إلى فرص.

وكما يشير Institute of Risk Management، فإن إدارة المخاطر لا تهدف فقط إلى تقليل الخسائر، بل إلى تعظيم القيمة وتقليل عدم اليقين في تحقيق الأهداف.

لكن التحول الأعمق لا يكمن فقط في استخدام أدوات إدارة المخاطر، بل في تبني عقلية جديدة تجاهها. فالمؤسسات المتقدمة لا تسأل فقط: كيف نقلل المخاطر؟ بل تسأل: أي نوع من المخاطر يستحق أن نخوضه؟ وهنا يتردد صدى ما قاله وارن بافيت: “المخاطرة تأتي من عدم معرفة ما تفعله.”



هندسة القرار… ما بين المنهج والحدس

حين ننتقل من الفكرة إلى التطبيق، نجد أن إدارة المخاطر تمر بمسار واضح، وإن بدا في ظاهره بسيطًا. تبدأ العملية بتحديد المخاطر، وهي مرحلة تتطلب خيالًا واسعًا بقدر ما تحتاج إلى معرفة دقيقة. ثم يأتي التقييم، حيث تُقاس احتمالية الحدوث وتأثيره، في محاولة لترتيب الأولويات باستخدام مصفوفة المخاطر.

بعد ذلك، تدخل العملية في مرحلة المعالجة، وهنا تظهر فلسفة القرار. أحيانًا يكون التجنب هو الخيار الأكثر حكمة، وأحيانًا يكون التقليل كافيًا، وفي حالات أخرى يمكن نقل المخاطر أو حتى قبولها إذا كانت جزءًا لا مفر منه من الطريق وكانت الفائدة تفوق التكلفة.

لكن ما يجعل هذه العملية حيّة هو المراقبة المستمرة. فالمخاطر ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن والظروف، ما يتطلب مراجعة دائمة واستعدادًا للتعديل. ويبقى التواصل عنصرًا حاسمًا، لأن إدارة المخاطر لا تنجح في العزلة، بل تحتاج إلى مشاركة الرؤية مع الآخرين.

وهنا يظهر الفرق بين من يطبق الخطوات، ومن يفكر بها. الأول يتبع إطارًا، أما الثاني فيبني عقلية. وكما قال ناسم طالب: “الأمر لا يتعلق بتجنب المخاطر، بل ببناء القدرة على الاستفادة منها.



الأدوات، التجارب، وحدود السيطرة

حين تتطور إدارة المخاطر من فكرة إلى ممارسة، تظهر الحاجة إلى أدوات تساعد على تحويل الغموض إلى شيء يمكن التعامل معه. لم تعد المسألة مجرد حدس أو خبرة متراكمة، بل أصبحت علمًا مدعومًا بمنهجيات وتقنيات تتطور باستمرار.

لم تعد إدارة المخاطر تعتمد فقط على الخبرة البشرية، بل أصبحت مدعومة بأدوات وتقنيات متقدمة. من مصفوفات بسيطة تُرسم على الورق، إلى تحليلات معقدة تستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها. هذه الأدوات لا تلغي دور الإنسان، لكنها تمنحه رؤية أوسع وقدرة أعلى على الاستباق.

تحليل PESTLE، على سبيل المثال، يسمح برؤية شاملة للعوامل الخارجية، من السياسة إلى الاقتصاد، ومن المجتمع إلى التكنولوجيا والبيئة والقانون. هذه الأداة لا تقدم إجابات جاهزة، لكنها تكشف السياق الذي تتحرك فيه المخاطر، وتُظهر أن أي قرار لا يُفهم بمعزل عن بيئته.

وفي مستوى أعمق، تأتي تقنيات مثل “الخمسة لماذا”، التي تحاول اختراق سطح المشكلة للوصول إلى جذورها. فالمخاطر، في كثير من الأحيان، ليست في الحدث الظاهر، بل في الأسباب الخفية التي أدت إليه. وهنا يتجلى الفرق بين من يعالج الأعراض، ومن يفهم المرض.

أما البرمجيات الحديثة، فقد نقلت إدارة المخاطر إلى مستوى جديد. لم يعد الأمر مجرد تقارير دورية، بل أصبح تتبعًا لحظيًا، وتحليلًا مستمرًا للبيانات، واكتشافًا للأنماط قبل أن تتحول إلى أزمات. ومع ذلك، تبقى التقنية أداة، لا بديلًا عن العقل البشري. فالبيانات قد تخبرك بما يحدث، لكنها لا تمنحك دائمًا القدرة على اتخاذ القرار الصحيح.

وهنا يعود الإنسان إلى الواجهة. الحدس، الذي يتشكل من التجربة والتأمل، يظل عنصرًا لا يمكن استبداله. وكما أشار بيتر بيرنشتاين، فإن رحلة الإنسان مع المخاطر لم تكن مجرد تطور رياضي، بل تحوّل في طريقة التفكير: من التسليم للقدر إلى محاولة فهمه، دون أن نزعم السيطرة الكاملة عليه.



بين النجاح والانهيار: حين تتكلم الوقائع

إذا أردنا أن نفهم إدارة المخاطر بعمق، فلا يكفي أن ندرسها نظريًا، بل يجب أن ننظر إلى التجارب الواقعية، حيث تتجسد القرارات وتظهر نتائجها.

من أبرز أمثلة النجاح نظام الإنتاج في شركة Toyota، الذي لم يكن مجرد أسلوب صناعي، بل فلسفة متكاملة لإدارة المخاطر التشغيلية. في هذا النظام، يُمنح العامل الحق في إيقاف خط الإنتاج عند ملاحظة أي خلل، وهو قرار يبدو مكلفًا في لحظته، لكنه يمنع تضخم المشكلة لاحقًا. هذه الفلسفة تعكس فهمًا عميقًا للمخاطر: التعامل معها في بدايتها، لا بعد أن تتحول إلى أزمة.

في المقابل، يقف انهيار Lehman Brothers كواحد من أكثر الأمثلة قسوة في التاريخ المالي الحديث. لم يكن السقوط مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة تراكم طويل من تجاهل المخاطر. الاعتماد المفرط على الرافعة المالية، والتوسع في أدوات مالية عالية الخطورة، وتجاهل التحذيرات الداخلية… كلها كانت إشارات واضحة، لكنها لم تُؤخذ بجدية. وكما وصفها بعض المحللين لاحقًا: لم يكن الانهيار بسبب وجود المخاطر، بل بسبب إنكارها.

وفي الحياة الشخصية، تتكرر القصة بصيغ مختلفة. هناك من استشعر التحولات مبكرًا، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، فانتقل إلى التجارة الإلكترونية أو طوّر نموذج عمله، وهناك من تمسك بالوضع القائم حتى وجد نفسه خارج السوق. الفارق بين الاثنين لم يكن الحظ، بل القدرة على قراءة الإشارات قبل أن تتحول إلى صدمات.



التحدي الأكبر: عالم لا يمكن التنبؤ به

لكن رغم كل الأدوات والتجارب، يبقى هناك حد لا يمكن تجاوزه: عالم لا يمكن التنبؤ به بالكامل.

نحن لا نعيش فقط مع مخاطر يمكن قياسها، بل مع حالة مستمرة من اللايقين. هناك أحداث لا يمكن وضعها في نماذج، ولا يمكن توقعها بالطرق التقليدية. وهنا يظهر مفهوم “البجعة السوداء”، الذي قدّمه ناسم نيكولاس طالب، لوصف تلك الأحداث النادرة ذات التأثير الهائل، والتي تبدو بعد وقوعها وكأنها كانت متوقعة.

هذا المفهوم يهز أساس التفكير التقليدي في إدارة المخاطر. فهو لا يدعونا إلى التنبؤ بكل شيء، بل إلى الاعتراف بحدود معرفتنا. وكما يقول طالب: “نحن بارعون في تفسير الماضي، لكننا ضعفاء في توقع المستقبل.”

الدرس هنا ليس في محاولة السيطرة على كل شيء، بل في بناء القدرة على التكيف. بدلاً من السعي إلى اليقين الكامل، يجب أن نبحث عن المرونة. أن نصمم أنظمة قادرة على الصمود، بل وحتى الاستفادة من الصدمات.



الانتقال إلى الداخل: حين تصبح إدارة المخاطر رحلة نفسية

في هذا المستوى، لا تعود إدارة المخاطر مجرد عملية خارجية، بل تتحول إلى تجربة داخلية. لأن كل قرار، في النهاية، يمر عبر النفس.

الخوف، التردد، الطموح، الثقة… كلها عوامل تؤثر في كيفية تقييمنا للمخاطر. قد يرى شخص فرصة في موقف معين، بينما يراه آخر تهديدًا. الفارق ليس في الواقع، بل في طريقة الإدراك.

الشخص الذي يجيد إدارة المخاطر لا يلغي خوفه، بل يفهمه. لا يقمعه، بل يحلله. يسأل نفسه: هل هذا الخوف مبني على واقع أم على تجربة سابقة؟ هل هو تحذير أم عائق؟

وكما قال كارل يونغ: “ما لا نواجهه في داخلنا، سيظهر في حياتنا على شكل قدر.” وهذا ينطبق تمامًا على المخاطر؛ ما لا نفهمه منها، سيفاجئنا.



نحو فهم أعمق: ما وراء الإدارة

وهنا نصل إلى النقطة التي يتجاوز فيها الإنسان مجرد “إدارة المخاطر”، ليبدأ في إعادة تعريف علاقته بها.

المؤسسات المتقدمة لا تكتفي بتقليل المخاطر، بل تختار نوع المخاطر التي تريد تحملها. والأفراد الناضجون لا يبحثون عن الأمان المطلق، بل عن توازن واعٍ بين الأمان والنمو.

من يتقن إدارة المخاطر لا يرى العالم كخيارين: نجاح أو فشل، بل كسلسلة من السيناريوهات. يفكر في الاحتمالات، يستعد للأسوأ، ويأمل في الأفضل، ويتحرك رغم ذلك.

وهنا يتردد صدى فكرة عميقة عبّر عنها ناسم طالب مرة أخرى: “بعض الأشياء لا تكتفي بالصمود أمام الصدمات، بل تتحسن بسببها.” وهذه هي القفزة الحقيقية: من إدارة المخاطر إلى الاستفادة منها



من إدارة المخاطر إلى هندسة الحياة

حين نصل إلى هذه المرحلة من الفهم، يتغير السؤال جذريًا. لم يعد السؤال: كيف ندير المخاطر؟ بل: كيف نعيش معها؟ كيف نحولها من تهديد دائم إلى عنصر طبيعي في معادلة الحياة؟

هنا تبدأ إدارة المخاطر في تجاوز حدودها كأداة مهنية، لتصبح إطارًا ذهنيًا يُعاد من خلاله تفسير كل شيء. القرار لم يعد اختيارًا بين “آمن” و”خطر”، بل بين “نمو” و”ركود”. وبين هذين القطبين، تتشكل حياة الإنسان.

من يتقن هذه المهارة لا يبحث عن الطريق الخالي من المخاطر، لأنه يدرك أن هذا الطريق، إن وُجد، لا يؤدي إلى أي مكان. بل يبحث عن الطريق الذي يستحق المخاطرة. وهنا تتجلى حكمة قالها مارك زوكربيرغ: “أكبر مخاطرة هي ألا تخاطر.”



الابتكار: حين تصبح المخاطرة شرطًا للتقدم

من أعظم التحولات الفكرية التي تفرضها إدارة المخاطر هو فهم علاقتها العميقة بالابتكار. فكل فكرة جديدة هي في جوهرها مخاطرة. كل تجربة هي خروج عن المألوف، وكل خروج يحمل احتمال الفشل.

لكن المفارقة أن الابتكار لا يحتاج إلى غياب المخاطر، بل إلى إدارتها. الشركات التي تقود العالم اليوم لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تجنبت المخاطر، بل لأنها فهمتها. جرّبت، أخطأت، تعلمت، وعدّلت.

وفي هذا السياق، يمكن فهم قول إيلون ماسك: “إذا لم تكن تفشل، فأنت لا تبتكر بما فيه الكفاية.” الفشل هنا ليس نتيجة سيئة، بل مؤشر على أنك تتحرك في مساحة غير مضمونة، وهي المساحة الوحيدة التي يحدث فيها التقدم الحقيقي.

وهذا ما يجعل إدارة المخاطر أداة تحرير، لا قيد. فهي لا تمنعك من التجربة، بل تمنحك إطارًا يجعل التجربة ممكنة دون أن تكون مدمرة.



العقلية المخاطرية: كيف يفكر من يتقدم؟

في هذا المستوى، يظهر الفرق الجوهري بين من يعيش في رد الفعل، ومن يعيش في الفعل.

العقلية التقليدية تبحث عن اليقين قبل القرار، لكنها لا تجده، فتتردد. أما العقلية التي تفهم المخاطر، فهي تدرك أن اليقين الكامل غير موجود، فتتحرك رغم ذلك.

هذه العقلية لا تفكر في النتائج فقط، بل في الاحتمالات. لا تبني قرارها على “ماذا سيحدث”، بل على “ماذا يمكن أن يحدث”. وهذا التحول البسيط في اللغة، هو في الحقيقة تحول عميق في طريقة التفكير.

ومن هنا، يصبح القرار عملية ديناميكية، لا لحظة ثابتة. يتغير مع المعلومات، ويتكيف مع الظروف، ويتطور مع التجربة. وكما قال بيتر دراكر: “كل قرار هو مخاطرة، لكن عدم اتخاذ القرار هو مخاطرة أكبر.”



البعد النفسي العميق: إدارة الذات قبل إدارة الواقع

لكن مهما تطورت الأدوات، ومهما تعمق الفهم، يبقى العامل الحاسم هو الإنسان نفسه.

إدارة المخاطر، في جوهرها، هي إدارة للنفس. لأن كل قرار، مهما كان منطقيًا، يمر عبر مشاعر: خوف، طموح، قلق، ثقة. هذه المشاعر قد تضخم المخاطر، أو تقلل منها، أو تشوّه رؤيتها بالكامل.

هناك من يبالغ في تقدير الخطر فيفقد الفرص، وهناك من يستهين به فيدفع الثمن. وبين الاثنين، يقف من يفهم نفسه، فيرى الأمور بوضوح أكبر.

وكما عبّر دانيال كانيمان، فإن الإنسان ليس عقلًا باردًا، بل كائن مليء بالانحيازات، يتخذ قراراته أحيانًا بدافع الشعور لا التحليل. وهنا تأتي أهمية الوعي: أن تدرك كيف تفكر، قبل أن تقرر ماذا تفعل.



المستقبل: من إدارة المخاطر إلى استباقها

إذا نظرنا إلى الأمام، نجد أن إدارة المخاطر نفسها في حالة تطور. لم تعد تقتصر على الاستجابة، بل تتجه نحو الاستباق.

الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والنماذج التنبؤية، كلها أدوات تعيد تشكيل هذا المجال. لم يعد الهدف فقط تقليل الخسائر، بل اكتشاف الفرص قبل أن يراها الآخرون.

لكن رغم كل هذا التقدم، تبقى الحقيقة الأعمق كما هي: لا يمكن القضاء على المخاطر، ولا يمكن التنبؤ بكل شيء. وهذا ليس ضعفًا، بل طبيعة العالم.

وهنا نعود إلى جوهر الفكرة التي طرحها ناسم نيكولاس طالب: القوة الحقيقية لا تكمن في تجنب الصدمات، بل في القدرة على النمو من خلالها.



حين تصبح المخاطرة اختيارًا واعيًا

الآن، وبعد هذا الامتداد، نعود إلى نقطة البداية، لكن بوعي مختلف.

الحياة ليست اختبارًا لتجنب المخاطر، بل مساحة لاكتشاف أنفسنا من خلالها. المخاطرة ليست نقيض الأمان، بل أحد شروطه. لأن الأمان الحقيقي لا يأتي من تجنب كل شيء، بل من القدرة على التعامل مع أي شيء.

إدارة المخاطر ليست مجرد مهارة تُكتسب، بل طريقة تفكير تُبنى، ثم تتحول إلى أسلوب حياة. إنها ما يحدد كيف نقرر، وكيف نتحرك، وكيف نواجه المجهول.

وكما قال نيلز بور: “التنبؤ صعب… خاصة عندما يتعلق بالمستقبل.” لكن رغم ذلك، نحن لا نتوقف عن التقدم، لأننا لا نبحث عن اليقين، بل عن المعنى.

ابدأ من حيث أنت. انظر إلى قراراتك، إلى مخاوفك، إلى طموحاتك. لا تحاول الهروب من المخاطر، بل افهمها. لا تسعَ إلى إلغائها، بل إلى إدارتها.

ففي النهاية، ليست المخاطر هي ما يحدد مصيرك…
بل كيف قررت أنت أن تواجهها.



المصادر
• ISO 31000: Risk Management Guidelines
• Institute of Risk Management (IRM)
• Against the Gods – Peter L. Bernstein
• The Black Swan – Nassim Nicholas Taleb
• دراسات حالة حول Toyota وLehman Brothers
• Thinking, Fast and Slow – Daniel Kahneman



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اضطراب ثنائي القطب: حين لا يكون الألم صاخباً… لكنه لا يتوقف
- شخصية الضحية المزمنة: بين قناع الضعف وحقيقة الاستنزاف
- ترامب والسياسة كمسرح عبثي: لو لم يكن رئيساً… لكان نجم “ستاند ...
- الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة
- زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإس ...
- اليوم التالي من الحرب: كيف يعيد العالم والشرق الأوسط كتابة م ...
- الغرفة التي تسكنني
- نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
- لقاء من الدهشة مع من يشبهنا


المزيد.....




- صدمة الطاقة العالمية تدفع صادرات السيارات الكهربائية الصينية ...
- الصين تكسر -أقفال- احتياطاتها.. هل بدأت معركة البقاء لتجاوز ...
- بعد 40 يوما من الحرب.. طهران تعود للحياة وسط هدنة هشة وأجواء ...
- لأول مرة منذ سنوات.. الصين تشتري نفط إيران بسعر يفوق خام برن ...
- أبوظبي تستضيف اجتماعات سنوية مالية كبرى في 2029
- بين السيادة وحرية الملاحة.. ماذا يقول القانون الدولي عن المض ...
- تقرير دولي: الاقتصاد العراقي يحتل المرتبة 44 عالمياً بنمو مس ...
- إعادة ترتيب -دوائر الثقة-: الإمارات تفرز الشركاء بمعياري الأ ...
- حرب إيران تهوي بوتيرة تسليم طائرات إيرباص لأقل مستوى منذ 200 ...
- مطارات أوروبا تخشى أزمة في وقود الطائرات خلال 3 أسابيع


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أوزجان يشار - مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر