|
|
شخصية الضحية المزمنة: بين قناع الضعف وحقيقة الاستنزاف
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 20:06
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
في هذه الحياة، لا نخسر حين نُحب، ولا حين نُعطي، ولا حتى حين نُسامح أكثر مما ينبغي؛ نحن نخسر فقط حين نكتشف متأخرين أن ما قدمناه كان يُفهم بطريقة مختلفة تمامًا. أن الطيبة التي ظنناها جسرًا، كانت تُستخدم كطريقٍ سهل للعبور نحونا، لا للوصول إلينا. وأن الثقة التي منحناها دون حساب، لم تكن تُرى كقيمة، بل كفرصة.
في لحظةٍ ما، لا توقيتها واضح، تقف أمام نفسك وتسأل: كيف تحوّل العطاء إلى عبء؟ وكيف أصبح التسامح استنزافًا؟ وكيف وجدت نفسك تبرر ما لا يُبرر، وتفهم ما لا يُفهم، وتبقى حيث كان عليك أن تنسحب منذ وقتٍ طويل؟
عند تلك الحافة تحديدًا، حافة الوعي لا الذكرى، تبدأ الوجوه بالظهور. لا كحنين، بل كحقيقة. تتأمل من مرّوا في حياتك، فتجد أن بعضهم منحك دفئًا حقيقيًا لا يُنسى، دفئًا لا يحتاج إلى تفسير لأنه كان صادقًا، بينما تركك آخرون تنزف بصمت، لا لأنك كنت ضعيفًا، بل لأنك كنت صادقًا في عالم لا يكافئ الصدق دائمًا.
وهنا، تبدأ المفارقة التي لا نحب الاعتراف بها: الطيبة ليست ضعفًا، لكنها تصبح كذلك حين تقع في يد من لا يرى فيها إلا وسيلة. حين تتحول إلى طُعمٍ سهل لشخصية لا تُتقن سوى حيلة واحدة، لكنها كافية لتشويه كل ما هو جميل فيك: حيلة الضحية.
إن أشدّ ما يؤلم في هذه الحياة ليس أن نُخذل، فالخذلان، مهما كان قاسيًا، يمكن أن يُفهم كجزء من هشاشة البشر، كزلّة، كضعف عابر، كلحظة لم يكن فيها الإنسان على قدر ما ظنناه. لكن الألم الحقيقي، ذلك الذي لا يهدأ بسهولة، يبدأ حين نكتشف متأخرين أن من اعتبرناه أقرب الناس، لم يكن يومًا كذلك، وأن القرب الذي عشناه لم يكن مشتركًا، بل كان طريقًا باتجاه واحد، كنا نحن نسير فيه وحدنا، بينما الطرف الآخر يكتفي بالوقوف في المنتصف، يأخذ دون أن يعبر.
أن من شاركناه لحظاتنا ودموعنا، لم يكن يعيشها معنا كما ظننا، بل كان يصغي بطريقة مختلفة، يصغي ليخزّن، ليراقب، ليفهم كيف تُبنى الحكايات، لا ليشعر. تتذكر الآن كيف كان يهدأ فجأة حين تبدأ أنت بالكلام، كيف كان يترك لك المساحة لتفرغ، ثم يعود لاحقًا ليعيد صياغة كل ما قلت، لكن بنسخة تخدمه هو، لا الحقيقة. لم يكن يكذب صراحة، بل كان يختار من كلامك ما يناسبه، ويترك ما يكشفه.
القسوة هنا لا تأتي فقط من الفعل، بل من انهيار الصورة التي بنيتها بصدق، من ذلك السقوط البطيء للقناع الذي ظننته وجهًا حقيقيًا. ليس سقوطًا صاخبًا، بل تآكل تدريجي، تبدأ معه تلاحظ أشياء صغيرة لم تكن تعني لك شيئًا في السابق: نبرة صوت تغيّرت، اهتمام مشروط، تعاطف يظهر حين يحتاجك ويختفي حين تحتاجه. حتى تصل إلى لحظة لا يمكنك فيها تجاهل التناقض، لحظة تدرك فيها أن ما كنت تراه انسجامًا، لم يكن إلا أداءً متقنًا لدورٍ محفوظ.
أحيانًا لا تصدق أن الإنسان قادر على هذا الكم من الادّعاء، ليس لأنك ساذج، بل لأنك لم تعتد أن ترى العلاقات كمساحات للمناورة، بل كأماكن للأمان. لم يخطر ببالك أن هناك من يجلس معك لا ليكون معك، بل ليجمع ما يكفي ليبقى في موقع الضحية متى احتاج.
لكن بعد التجربة، لا تعود الأسئلة بريئة. تبدأ بالتساؤل، لا بحثًا عن إجابة بقدر ما هو محاولة لترميم ما تصدّع فيك: كيف لم ألاحظ؟ متى بدأ كل هذا؟ هل كانت تلك اللحظة التي شعرت فيها بعدم الارتياح حقيقية، أم أقنعت نفسي أنها مبالغة؟ هل كنت مغفّلًا… أم كنت فقط وفيًّا لصورة أردت لها أن تبقى؟
وهنا، لا تأتي الحقيقة كصفعة، بل كضوء بطيء، يتسرّب إلى التفاصيل التي حاولت تجاهلها طويلًا، حتى يصبح من المستحيل إنكاره: لقد كنت تتعامل مع شخص لا يُجيد شيئًا كما يُجيد لعب دور الضحية، شخص لا يحتاج أن يكون صادقًا بقدر ما يحتاج أن يكون مُقنعًا، ولا يحتاج أن يكون مظلومًا بقدر ما يحتاج أن يبدو كذلك.
في الحياة، سنقابل هؤلاء في كل مكان، لا لأنهم نادرون، بل لأن هذا النمط لا يأتي بملامح واضحة يمكن الحذر منها، بل يتخفّى بسهولة داخل العلاقات اليومية، ويتشكّل بحسب السياق الذي يوجد فيه. قد تلتقي به في العمل في صورة الزميل الذي يبدو مظلومًا دائمًا، وفي العائلة في هيئة القريب الذي يحمل ماضيه كوثيقة تبرير دائمة، وفي الحب كإنسان يبدو مكسورًا يحتاج إلى احتواء، وفي الصداقة كشخص “حساس” لا يحتمل القسوة. الأشكال تختلف، لكن الجوهر واحد، يتكرر بطريقة تكاد تكون متطابقة لمن يجرّب أكثر من مرة.
هؤلاء لا يعلنون أنفسهم، بل يُبنون تدريجيًا في وعيك. في البداية، تشعر تجاههم بشيء يشبه التعاطف الفوري، كأن هناك قصة ناقصة تريد أن تسمعها. يتحدثون عن الألم بطريقة تجعلك تقترب، لا بطريقة تجعلك تتساءل. يشاركونك حكاياتهم، لكن ليس كلها، بل الأجزاء التي تجعلهم دائمًا في موقع المتلقي للضرر. لا يكذبون بشكل مباشر، بل ينتقون، يختارون ما يُقال وما يُحذف، حتى تتشكل أمامك صورة واضحة: هم ضحايا، والآخرون قساة.
ومع الوقت، يبدأ التحول الذي لا تنتبه له. تجد نفسك أنت من يبادر بالسؤال، أنت من يتفقد، أنت من يعرض المساعدة دون أن تُطلب منك. وإذا لم تفعل، يتسلل شعور خفي بالذنب، كأنك قصّرت في شيء لم يُطلب منك أصلًا. هنا تبدأ أولى مراحل الاستنزاف: ليس حين تعطي، بل حين تشعر أنك مُلزم بالعطاء.
ثم يتعمق الأمر أكثر. كلما اقتربت، كلما زادت التفاصيل، لكن ليس بهدف الوضوح، بل بهدف تثبيت الدور. تبدأ تلاحظ أن كل قصة لها نفس النهاية: هم مظلومون، دائمًا. لا يوجد موقف واحد يقولون فيه: “ربما أخطأت”. لا يوجد اعتراف حقيقي، فقط تفسيرات، تبريرات، وإعادة صياغة تجعلهم في كل مرة على الجانب الصحيح من الألم.
الأخطر من ذلك، أنهم لا يطلبون منك أن تتحملهم بشكل مباشر، بل يجعلونك تصل إلى هذه النتيجة بنفسك. أنت من يعرض الاستماع، وأنت من يمد الوقت، وأنت من يعتذر حين يتوترون، وأنت من يحاول إصلاح ما لا علاقة لك به. ومع كل ذلك، لا تشعر أنك تفعل أكثر من اللازم، بل تشعر أنك لا تفعل ما يكفي.
وعندما يتعبون، أو يفشلون، أو ينسحبون، يحدث التحول الأكثر إيلامًا: تُعاد كتابة القصة، لكن هذه المرة… أنت جزء منها. فجأة، تصبح الشخص الذي “لم يفهم”، أو الذي “تغير”، أو الذي “خذلهم في لحظة كانوا فيها بحاجة”. لا يُقال ذلك بشكل مباشر دائمًا، لكنه يُلمّح، يُزرع في المساحات بين الكلام، حتى تبدأ أنت بمراجعة نفسك، لا لأنك أخطأت، بل لأنك اعتدت أن تكون المسؤول.
يمتلكون قدرة مذهلة على إعادة ترتيب الرواية، ليس بالكذب الصريح، بل بإعادة توزيع الضوء والظل داخل الحكاية. يضيئون ما يخدمهم، ويُعتمون ما يكشفهم، حتى تبدو الصورة متماسكة لمن يسمعها لأول مرة. وكأنهم كتبوا قصة حياتهم بعناية، وقرروا فيها دورهم منذ البداية: البطل المجروح الذي لا يُفهم، والذي يتكرر ظلمه من الجميع.
وكل من يقترب منهم، لا يدخل كإنسان كامل، بل كدور في هذا النص. تُمنح مساحة، تُعطى أهمية، تُشعر أنك مختلف عن الآخرين، أنك “تفهمهم” بطريقة لم يفهمهم بها أحد. لكن هذه المساحة ليست ثابتة، بل مؤقتة، تنتهي حين تتغير موازين الدور، أو حين تبدأ أنت بوضع حدود، أو حين لا تعود تلبي الحاجة غير المعلنة.
عندها، يُسحب منك الدور بهدوء، أو يُنتزع بطريقة مؤلمة، وتُلقى خارج المسرح، لا لأنك أخطأت بالضرورة، بل لأنك لم تعد مناسبًا للنص.
ما هي شخصية الضحية المزمنة نفسيًا؟
ليست مجرد صفة، ولا حالة عابرة، ولا حتى ضعفًا مؤقتًا يمكن تجاوزه بقرار. هي طريقة عيش كاملة، طريقة في تفسير العالم، وفي فهم الذات، وفي توزيع المسؤوليات بين “أنا” و”الآخرين”. هي عدسة قديمة، تشكّلت ببطء، حتى التصقت بالعين، فلم يعد صاحبها يراها… بل يرى من خلالها كل شيء.
صاحب هذا النمط لا يقول لنفسه: “أنا أختار أن أكون ضحية”، بل يعيش قناعة أعمق بكثير، قناعة تبدو له منطقية تمامًا: أن ما يحدث له دائمًا يحدث عليه، لا بسببه. أن الحياة لا تُدار من داخله، بل تُفرض عليه من الخارج. وأنه، مهما حاول، سيبقى في نفس الدائرة، لأن المشكلة ليست فيه أصلًا.
لو جلست معه طويلًا، لن تسمع جملة واحدة صريحة يقول فيها: “أنا أخطأت”. ستسمع بدلًا من ذلك شبكة كاملة من التفسيرات: ظروف، ناس، ماضٍ، حظ، سوء توقيت، خذلان متكرر… كل شيء حاضر، إلا مسؤوليته. ليس لأنه يكذب بالضرورة، بل لأنه لا يرى نفسه داخل المعادلة أصلًا.
هو لا يتذكر ماضيه كأحداث، بل كأدلة. كل موقف سيء مرّ به، لا يُستعاد كذكرى، بل كبرهان مستمر على أن العالم مكان غير عادل، وأن ما يحدث الآن ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لما حدث سابقًا. لذلك، لا يرى في التغيير فرصة، بل يرى فيه خطرًا، لأن التغيير يعني الاعتراف الضمني بأن هناك شيئًا يمكن فعله… وهو لا يؤمن بذلك من الأساس.
وهنا تحديدًا تكمن العقدة: الألم عنده ليس تجربة مرّت، بل هوية يعيش بها. لم يعد يقول “تألمت”، بل، دون أن يصرّح، يعيش كأنه يقول: “أنا هذا الألم”. ومن هنا، لا يعود يبحث عن الشفاء، لأن الشفاء سيأخذ منه التعريف الوحيد الذي يعرف نفسه من خلاله.
بدلًا من ذلك، يبحث عن التأكيد. عن أشخاص يرون قصته كما يراها، يصدقونها، يتعاطفون معها، ويعيدون له نفس الشعور بأنه مظلوم. ليس لأنه يريد أن يتألم، بل لأنه لا يعرف نفسه خارج هذا الإطار.
وهنا، حين تدخل حياته، لا تدخل كإنسان كامل، بل كدور. قد تكون المستمع الذي يُفرغ عليه كل شيء، أو المبرر الذي يخفف عنه شعوره، أو الداعم الذي يُبقيه واقفًا دون أن يتحرك، أو حتى المتهم حين يحتاج إلى تفسير جديد لفشله. أنت لا تُرى كما أنت، بل كما تحتاجه قصته.
ولذلك، لا يكون الخطر في ألمه، بل في الطريقة التي يستخدم بها هذا الألم. لأنه، دون أن يشعر، يحوّله إلى مركز يدور حوله كل شيء، إلى نقطة جذب تستدعي الآخرين ليكملوا ما لا يريد هو مواجهته. فيصبح وجودك بجانبه، بدل أن يكون مشاركة إنسانية، جزءًا من آلية تُبقيه في نفس المكان.
الأمر ليس دائمًا ناتجًا عن خبث، وهذه نقطة تحتاج إلى إنصاف حقيقي، لا مجرد ذكر عابر. لأن أسهل ما يمكن فعله هو أن نُصنّف هذه الشخصية كسيئة النية، فنرتاح من محاولة فهمها. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، وأقل راحة. كثير من هؤلاء لم يستيقظوا يومًا وقرروا أن يكونوا مستنزفين للآخرين، بل تشكّلوا تدريجيًا داخل بيئات لم تعلّمهم كيف يواجهون أنفسهم دون خوف، أو كيف يتحملون مسؤوليتهم دون أن يشعروا بالانكسار.
أحيانًا، تبدأ القصة في بيتٍ كان فيه الألم يُكافأ بالاهتمام، بينما يُقابل الصمت أو القوة بالتجاهل. طفلٌ يتعلم، دون أن يُقال له ذلك صراحة، أن الطريق الأسرع للحصول على الحب هو أن يكون في حالة ضعف، أن يشكو، أن يُظهر أنه متأذٍ. ومع الوقت، لا يعود هذا سلوكًا مؤقتًا، بل يتحول إلى لغة، إلى طريقة تواصل، ثم إلى هوية كاملة. وأحيانًا، تكون الجراح أعمق من ذلك، تجارب خذلان أو قسوة أو إهمال لم تُفهم ولم تُعالج، فاختار صاحبها، دون وعي، أن يعيش داخلها، لأنها على قسوتها، مألوفة أكثر من المجهول خارجها.
لكن المشكلة لا تبدأ من هنا، بل من اللحظة التي يتوقف فيها هذا النمط عن كونه آلية دفاع، ويصبح أسلوب حياة. حين لا يعود الألم شيئًا يريد صاحبه تجاوزه، بل شيئًا يحتاجه ليُعرّف نفسه. هنا، لا يكون التغيير صعبًا فقط، بل غير مرغوب فيه، لأن التغيير يعني التخلي عن الدور الوحيد الذي يعرفه.
وبغض النظر عن البدايات، يبقى الأثر واحدًا تقريبًا على من يقترب: استنزاف بطيء، لا يحدث دفعة واحدة، بل يتراكم حتى تجد نفسك في مكان لم تختره.
هذا الاستنزاف لا يأتي بشكل مباشر أو فج، بل يتسلل عبر سلوكيات تبدو في ظاهرها عادية، بل وحتى إنسانية. تبدأ بالشكوى المستمرة، لكن ليست شكوى تبحث عن حل، بل شكوى تُعاد بنفس التفاصيل، بنفس النبرة، وكأن الهدف ليس الفهم، بل البقاء داخل القصة. تلاحظ أنك، في كل مرة تحاول أن تقترح حلًا، يُقابل اقتراحك إما بالتجاهل، أو بالتقليل، أو بجملة جاهزة: “جربت، وما نفع”، دون أن يكون هناك فعل حقيقي جُرّب.
ثم يأتي الجانب الأكثر تعقيدًا: إعادة صياغة الأحداث. لا يُقال لك “أنا مظلوم” بشكل مباشر، بل تُروى لك القصة بطريقة لا تترك لك خيارًا آخر إلا أن تصل لهذه النتيجة بنفسك. تُحذف أجزاء، تُضخّم أخرى، تُعاد ترتيب التفاصيل بحيث يصبح من الطبيعي أن تتعاطف، بل أن تنحاز. ومع الوقت، تكتشف أن كل القصص، مهما اختلفت، تنتهي بنفس النتيجة: هو الضحية.
أما المسؤولية، فهي دائمًا مؤجلة، أو مُعاد تعريفها. لن تسمع “أنا أخطأت”، بل ستسمع “الظروف أجبرتني”، “لو كانوا تعاملوا معي بشكل مختلف لما حصل ذلك”، “أنا كنت أنوي الخير”. هي ليست إنكارًا ساذجًا، بل نظام كامل من التبرير يحمي الصورة من أي تصدّع.
والأكثر إرباكًا، هو رد الفعل حين تُقدّم مساعدة حقيقية. تتوقع أن يُقابل ذلك بالارتياح، لكن ما يحدث غالبًا هو العكس: توتر، انزعاج، أو حتى غضب غير مبرر. كأن الحل لا يُنقذهم، بل يهددهم، لأنه يقترب من منطقة لا يريدون الاقتراب منها: منطقة المسؤولية.
لكن، رغم كل هذه العلامات، تبقى الإشارة الأصدق ليست فيما يقولونه، بل فيما يحدث لك أنت. تبدأ تلاحظ أنك تخرج من الحديث مثقلًا، ليس لأن الموضوع صعب، بل لأنك حملت أكثر مما يجب. تبدأ بالتشكيك في ردود أفعالك، في كلماتك، في نواياك. تعتذر عن أشياء لم تفعلها، فقط لأن الجو العام يجعلك تشعر أنك ربما قصّرت. تعود إلى نفسك لتسأل: هل أنا قاسٍ؟ هل كان يجب أن أتحمل أكثر؟
وهنا تحديدًا تكمن الحقيقة التي لا تخطئ: هذا ليس تعاطفًا متوازنًا، هذا دخول تدريجي في دائرة استنزاف. دائرة لا يُطلب منك فيها أن تعطي فقط، بل أن تُعيد تعريف نفسك داخلها، حتى تتماشى مع دور لم تختره.
في العائلة، يتضاعف التعقيد، لأن العلاقات ليست اختيارية بالكامل، ولأن العاطفة تختلط بالواجب. قد يكون أبًا، أو أمًا، أو أخًا، يستخدم ماضيه كوثيقة مفتوحة لا تنتهي صلاحيتها. كل قرار حالي يُربط بحدث قديم، كل تقصير يُعاد تفسيره من خلال جرح سابق.
تسمع جملًا مثل: “أنا عانيت أكثر منكم، فلا تطلبوا مني الآن”، أو “أنتم لا تعرفون ماذا مررت به”. وفي كل مرة تحاول أن تضع حدًا، لا يُقابل ذلك كنقاش، بل كنوع من القسوة أو الجحود. تبدأ تشعر أنك أمام معادلة خاسرة: إن ساعدت، لا يتغير شيء، وإن لم تساعد، تصبح أنت الظالم.
وهنا تتشكل تلك المنطقة الرمادية الثقيلة، حيث لا تعرف إن كنت تتصرف بدافع الحب أم بدافع الذنب. تبقى، لا لأنك مقتنع، بل لأنك لا تريد أن تُحسب ضمن قائمة من “خذلوه”. لكن مع الوقت، تكتشف أن بقاءك لا يخفف عنه، بل يثبت له أن طريقته في التعامل مع الحياة ناجحة.
في الصداقة، يكون الأمر أكثر هدوءًا، لكنه أكثر خداعًا. صديق يكرر دائمًا أنه لا يؤذي أحدًا، أنه صادق، أنه “واضح”. لكنك تلاحظ مع الوقت أن هذه الصورة لا تتطابق مع ما يحدث فعليًا. ينقل الكلام، يعلّق على تصرفاتك أمام الآخرين، يفسّر نواياك بطريقة تجعلك تبدو قاسيًا أو متغيرًا.
وحين تواجهه، لا ينكر بشكل مباشر، بل يتحول فورًا إلى موقع المتأذي: “أنا قلت هذا لأني كنت زعلان منك”، أو “أنت تعرفني، أنا حساس، لا تتحملني زيادة”. فجأة، تجد نفسك أنت من يهدّئ، أنت من يشرح، أنت من يحاول إصلاح ما لم يبدأه.
الألم هنا ليس فقط في الفعل، بل في التناقض المستمر بين الصورة التي يقدّمها لنفسه، والواقع الذي تعيشه معه. تشعر أنك في علاقة تحتاج فيها أن تراقب كلماتك أكثر مما تشعر بالأمان.
أما في العلاقات العاطفية، فإن هذا النمط يصل إلى أقصى درجات تأثيره، لأنه يتغذى على أعمق ما فيك: التعاطف، الحماية، والرغبة في الاحتواء. قد تبدأ العلاقة بشعور نبيل، بأن هذا الشخص “مرّ بالكثير”، وأنك تستطيع أن تكون له مساحة مختلفة، أكثر أمانًا، أكثر فهمًا.
في البداية، يبدو ذلك جميلًا. تشعر أنك تُحدث فرقًا، أنك تُخفف شيئًا من ألمه. لكنه، دون أن تنتبه، يتحول تدريجيًا إلى اعتماد كامل عليك. كلما حاولت أن تقترب من التوازن، يعود الحديث إلى الماضي: الطفولة، الخذلان، الجراح القديمة. ليس كذكرى، بل كأداة.
تسمع جملًا مثل: “أنت الوحيد الذي يفهمني، لا تتركني مثلهم”، أو “لو كنت تحبني فعلًا، كنت ستتحملني أكثر”. ومع الوقت، يتحول الحب إلى اختبار مستمر: كلما أعطيت، طُلب منك أكثر، وكلما تعبت، قيل لك إنك لم تفهم بعد.
وعندما تصل إلى لحظة تقول فيها “كفى”، لا تُقابل هذه الكلمة كحد صحي، بل كخيانة. تُعاد كتابة العلاقة بالكامل، وتصبح أنت فجأة الشخص الذي لم يصبر، الذي لم يحتوِ، الذي “ترك في أصعب وقت”.
وقد لخّصت إحدى القصص ذلك بصدق مؤلم حين قالت امرأة: “كنتُ أظن أنه يحتاجني، حتى فهمت أنه لا يحتاج سوى أن أبقى صامتة أمام أكاذيبه، وأن أبرر له كل شيء. كنت أظن أن حبي له سيُشفيه، لكنني اكتشفت أن حبي كان الشيء الذي يسمح له أن لا يتغير. وعندما قلت لا، لم يخسرني فقط… بل خسر القصة التي كان يعيشها من خلالي.”
لكن ثمة بُعدًا أخطر، وأكثر التباسًا، يختبئ أحيانًا تحت غطاء يبدو بريئًا، بل وقد يبدو مغمورًا بالإيمان والرضا، وهو ما يمكن تسميته بالاستجداء الديني، حيث لا تُبرَّر الأفعال بلغة نفسية فحسب، بل تُعاد صياغتها بلغة دينية تمنحها حصانة يصعب اختراقها، فلا يعود الخطأ خطأً بل “قسمةً ونصيبًا”، ولا يُرى التجاوز تجاوزًا بل “رزقًا ساقه الله في وقته”، ولا يُنظر إلى التعدي على حق الغير بوصفه فعلًا يستدعي المراجعة بل كتعويض إلهي عن ظلم سابق، وتُقال عبارات تبدو في ظاهرها تسليمًا لكنها في جوهرها تهرّب، كأن يُقال إن ما حدث ما هو إلا تعويض من الله، أو أن ما وصل لم يكن ليُرد لأنه جاء في لحظة حاجة، وهنا تحديدًا لا يعود النقاش حول السلوك ممكنًا بسهولة، لأن أي محاولة للمساءلة تُفسَّر ضمنيًا كأنها اعتراض على القدر ذاته، فتُرفع الأفعال من مستوى المراجعة الإنسانية إلى مستوى يوهم بأنه فوق المساءلة، وهذه هي النقطة التي يتحول فيها المعنى من إيمان صادق إلى درعٍ يحجب المواجهة.
هذه الشخصية لا تكذب بالضرورة، بل تعيد تفسير الواقع بطريقة تحميها من أي مواجهة داخلية، فهي لا تقول إنها أخذت ما لا يخصها، بل ترى أن ما وصلها جاء في وقته، ولا ترى نفسها مدينة لأحد لأن كل ما يأتيها يُعاد تعريفه كأنه عطاء مباشر من السماء حتى وإن مرّ عبر جهد بشر وتعبهم، وهنا يغيب الامتنان الحقيقي، ليس عن قصدٍ صريح، بل لأن الفضل لم يعد يُرى بوصفه فعلًا إنسانيًا، بل كجزء من ترتيب كوني يجب أن يحدث، وكأن الحياة مدينة لها بشيء، وما تأخّر منها إنما يعود الآن في صورة استحقاق لا فضل فيه.
ومن داخل هذا الإطار تتشكل محكمة خفية، لا تُعلن ولكنها حاضرة في كل حكم، يكون فيها الشخص القاضي والضحية في آن واحد، يحدد ما يُغتفر وما لا يُغتفر، ويُقصي كل مرآة قد تعكس له صورة مختلفة، لأن تلك المرآة إن بقيت، ستفرض عليه أن يرى ما لا يريد رؤيته، ولذلك يُعاد تأويل كل نقد بوصفه قسوة، وكل مواجهة بوصفها عدم فهم، حتى يستمر التوازن الداخلي دون تصدّع، وقد قيل إن أخطر أنواع الخداع ليس ما يمر عبر الكذب، بل ما يُبنى على حقيقة أُسيء استخدامها، وهذا تحديدًا ما يحدث هنا.
أما حين نحاول استخراج الحقيقة من هذا النمط، فلا يكفي أن نصغي إلى الكلمات، لأن الكلمات نفسها قد أُعيد تشكيلها لتخدم الرواية، بل ينبغي أن نراقب ما يتكرر، لأن الحقيقة لا تسكن ما يُقال بل ما يُعاد، في الفجوة بين الرواية والسلوك، في التفاصيل التي لا تُذكر، وفي التشابه الذي يتكرر رغم تغيّر الأشخاص والظروف، وحين تسأل نفسك إن كان هذا الشخص يعترف بخطأ واحد دون أن يُتبعه بتبرير، أو يقبل أن يُرى من زاوية لا تريحه، أو يتغير ولو ببطء، فإن الإجابة لا تأتي من لحظة واحدة بل من تكرار طويل، ولهذا يصبح التدوين أحيانًا ضرورة، لا لإدانة أحد، بل لحماية الذاكرة من أن تُعاد صياغتها لاحقًا، فتكتب لتتذكر كما حدث، لا كما أُريد لك أن تتذكر.
وفي بعض اللحظات، يكفي سؤال واحد، بسيط في ظاهره عميق في أثره، وهو ماذا لو كنت مسؤولًا عن جزء يسير مما يحدث، فهذا السؤال لا يبحث عن نسبة بقدر ما يكشف عن استعداد، فإن قوبل بتفكير أو تردد فثمة مساحة وعي، أما إن قوبل برفض قاطع مصحوب بإعادة توجيه اللوم إلى الخارج، فأنت أمام نمط لا يرى نفسه داخل القصة أصلًا.
وحين يتحول هذا الفهم إلى وعي، لا يبقى مجرد تحليل، بل يصبح حدًا فاصلاً في قرارات الحياة، فتدرك في العلاقات أن الانسحاب ليس قسوة بل حماية، وفي العمل أن البقاء في بيئة تستنزفك ليس وفاءً بل تجاهل لذاتك، وفي العائلة أن وضع الحدود لا يُنقص من الحب بل يحفظه من التآكل، وهذه القرارات لا تأتي بسهولة، لكنها في كثير من الأحيان هي الفارق بين الاستمرار في الدور أو الخروج منه.
ليس المطلوب أن تتوقف عن التعاطف، بل أن تعيد تعريفه، أن تدرك أن الاستماع لا يعني الذوبان، وأن الاحتواء لا يعني التلاشي، وأن الحزم لا يناقض الرحمة بل يحميها من أن تتحول إلى استنزاف، وأن تفهم أن بعض الناس لا يريدونك أن تتغير لأن بقاءك كما أنت يمنحهم مبررًا دائمًا لعدم التغيير.
نحن لا نختار دائمًا من نلتقي، لكننا نختار، في لحظة ما، متى نتوقف، ولا شيء يُلزمك بالبقاء في علاقة تُستهلك فيها نفسك وعاطفتك مهما كان اسمها أو مدى قربه منك، فكل من لا يتحمل مسؤوليته عن حياته سيجد دائمًا من يتحملها عنه، ولن يُقدّر تعبك إلا حين تختار أن تقف. وهنا تكمن الحرية الحقيقية، ليست في الصراخ، ولا في مواجهة الآخرين بعنف، بل في وضوح داخلي هادئ، في لحظة صادقة تقول فيها لنفسك وللعالم: أنا أراك وأفهمك، لكنني لن أكون ضحيتك، وحين تقول ذلك، تدرك أن الانسحاب ليس هروبًا، بل اختيار واعٍ، وأن الحفاظ على نفسك ليس أنانية، بل ضرورة، وأن من حقك أن تحمي قلبك وطاقتك من استنزاف لا ينتهي.
وفي تلك اللحظة، ربما، وببطء لكنها صادقة، تدرك أنك لم تكن مخطئًا حين انسحبت، وأنك لم تُقصّر أبدًا، بل أنك منحت أكثر مما يُمنح، وأحببت أكثر مما يُحتمل، لكنك، في النهاية، اخترت أن تستيقظ، وأن تقول لا لمَن لا يرى سوى نفسه، وأن تقول نعم لنفسك التي طالما أُهملت. واستيقاظك هذا ليس خسارة، بل خلاص، فالنجاة من دراما “الضحية المزمنة” ليست قسوة، بل ولادة ثانية، لحظة تتجاوز كل ما جرّبته من ألم، لتعيد إليك السيطرة على حياتك وكرامتك، لتعرف أنك حر في اختيار من يبقى، ومن يغادر، وأنك وحدك من يقرر مقدار ما ستتحمله، ومقدار ما ستحتفظ به من قلبك ووقتك وعاطفتك، وهذه الحرية… هي أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ترامب والسياسة كمسرح عبثي: لو لم يكن رئيساً… لكان نجم “ستاند
...
-
الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة
-
زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإس
...
-
اليوم التالي من الحرب: كيف يعيد العالم والشرق الأوسط كتابة م
...
-
الغرفة التي تسكنني
-
نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
-
ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
-
معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا
...
-
الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
-
الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
-
النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
-
صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
-
ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
-
ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
-
تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي
...
-
شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
-
فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
-
لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
-
ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق
...
-
صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي
...
المزيد.....
-
هكذا رد ترامب على صحفي ياباني حول سبب عدم إبلاغ أمريكا بلاده
...
-
حفلات عيد الفطر في الرياض وجدة وأبوظبي
-
هجوم في وضح النهار.. مشهد صادم لشخص يعتدي على منظم عبور أمام
...
-
ترامب: قلت لنتنياهو ألا يهاجم منشآت الطاقة في إيران.. ولن يف
...
-
-في مدرسة الديكتاتورية-: كتاب مصور عن ما عاشه السوريون تحت ح
...
-
الجزيرة نت ترصد رؤية الشارع الإيراني للحرب على طهران
-
صواريخ متشظية وحريق بمصفاة حيفا.. ماذا تخفي إسرائيل عن خسائر
...
-
شاهد.. هجوم إيراني يصيب مصفاة نفط في حيفا
-
6 دول تعلن استعدادها لتأمين مضيق هرمز
-
رئيس وزراء لبنان: نرفض منطق الساحات المفتوحة وأولويتنا وقف ا
...
المزيد.....
-
عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو
...
/ بندر نوري
-
الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج
/ توفيق أبو شومر
-
كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
كأس من عصير الأيام الجزء الثاني
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|