أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أوزجان يشار - حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي المصري بين الابتزاز وسوء التقدير















المزيد.....

حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي المصري بين الابتزاز وسوء التقدير


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 22:39
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس الدول بحجم جيوشها أو تاريخها السياسي فحسب، بل بقدرتها على قراءة اللحظة، واتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب. فالأزمات ليست مجرد اختبار للقوة، بل اختبار للوعي السياسي، وحسن إدارة المصالح، واحترام العلاقات الاستراتيجية. وما حدث في المشهد المصري خلال إحدى الأزمات الإقليمية الأخيرة يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المقاربة التي اعتمدتها الحكومة المصرية، والتي بدت في كثير من مراحلها أقرب إلى مقامرة سياسية منها إلى إدارة دولة بحجم مصر وتاريخها.

منذ اندلاع الحرب، بدا الموقف المصري وكأنه يختار الصمت والترقب، متجنبًا الانخراط المباشر أو اتخاذ موقف حاسم. قد يُفهم هذا الحذر في البداية كنوع من التوازن أو محاولة لقراءة المشهد قبل التحرك، لكن ما تلا ذلك كشف أن الأمر لم يكن مجرد حياد، بل استراتيجية قائمة على انتظار طلب التدخل، وكأن القاهرة كانت تراهن على أن الأطراف الخليجية ستجد نفسها مضطرة لطلب الدعم المصري بشروط تُفرض لاحقًا.

هذا الانتظار لم يكن سلبيًا بالكامل، بل تزامن مع استعدادات عسكرية وإعلامية، وتكهنات حول إعداد ما يمكن وصفه بـ”قائمة مطالب” أو أوراق تفاوضية، تُستخدم في حال طلب التدخل. وهنا تبدأ الإشكالية؛ إذ تحوّلت الأزمة من فرصة لتأكيد التضامن العربي إلى مساحة للمساومة، حيث بدا أن الدعم مشروط، وأن التوقيت يُدار وفق حسابات المكاسب لا وفق مقتضيات الأمن الإقليمي.

ومع مرور الأيام، لم يصل الطلب المنتظر. لم تتجه دول الخليج إلى استدعاء الدور المصري بالشكل الذي توقّعته القاهرة، بل تعاملت مع الأزمة وفق حساباتها الخاصة، ما أدى إلى أول تصدع في هذه الاستراتيجية. هنا بدأت قائمة “المطالب” تتقلص، ومعها تقلصت مساحة المناورة.

في الداخل، انعكست هذه الحسابات على قرارات اقتصادية متسرعة، كان أبرزها إيقاف تصدير بعض البضائع إلى الخليج، في خطوة بدت وكأنها محاولة ضغط غير مباشرة. لكن هذه الخطوة سرعان ما ارتدت عكسيًا؛ إذ تكدست البضائع، وتكبد التجار خسائر كبيرة، دون أن تحقق أي أثر سياسي يُذكر. لم يكن هناك تجاوب خليجي، ولا حتى إشارات اهتمام.

بعد نحو ثمانية عشر يومًا من الترقب، بدأ الخطاب الإعلامي المصري يتغير. خرجت تصريحات خجولة، حملت نبرة تذكير غير مباشر بالدور المصري، لكنها لم تلقَ صدى. الإعلام الموالي للحكومة، الذي كان في البداية يتحدث بثقة عن “ثقل مصر” و”حتمية العودة إليها”، بدأ يخفف من لهجته، وينتقل تدريجيًا من خطاب القوة إلى خطاب التبرير.

ومع استمرار التجاهل، تحركت الدبلوماسية المصرية، فتم إرسال وزير الخارجية في جولات لم تحقق النتائج المرجوة. لم تُفتح الأبواب كما كان متوقعًا، ولم تُترجم الزيارات إلى مكاسب سياسية أو اقتصادية. هنا، تحوّل الخطاب من محاولة فرض شروط إلى ما يشبه طلب الدعم، وهو تحول يكشف حجم الفجوة بين التقدير الأولي للواقع وبين ما حدث فعليًا.

عودة المسؤولين دون نتائج ملموسة كانت مؤشرًا واضحًا على فشل المقاربة. ومع تصاعد الضغوط، اضطر رأس السلطة إلى التدخل المباشر، لكن حتى هذه الخطوة لم تُحدث الفرق. فقد جاء التحرك متأخرًا، بعد أن تكونت قناعات لدى الأطراف الأخرى بعدم جدوى التعويل على هذا الدور.

في هذه المرحلة، أصدرت مصر بيانات مؤيدة، لكنها بدت أقرب إلى رد فعل متأخر، لا إلى موقف استراتيجي. فالبيانات التي تأتي بعد فوات الأوان لا تُعيد بناء الثقة، بل تؤكد فقدان المبادرة.

الإعلام، الذي كان في البداية أداة للتعبئة، تحول لاحقًا إلى منصة للتصعيد، حيث بدأت بعض الأصوات في مهاجمة الأطراف الخليجية، في محاولة لتعويض الفشل السياسي بخطاب شعبوي. لكن هذه الاستراتيجية لم تنجح، بل قوبلت بردود فعل حادة، زادت من تعقيد المشهد.

في الداخل، لم يكن الوضع أفضل حالًا. إذ انعكست الأزمة على المواطنين بشكل مباشر، من خلال ارتفاع الأسعار، وانقطاعات الكهرباء، وتراجع القدرة الشرائية. بدلًا من مراجعة السياسات، بدا أن السلطة اختارت تحميل الشعب كلفة الفشل، في مشهد يعكس اختلال الأولويات.

ومع تضاؤل الخيارات، عادت القاهرة إلى طلب الدعم من حلفائها التقليديين، لكن هذه المرة بشروط أكثر صرامة. المساعدات لم تعد تُمنح كما في السابق، بل أصبحت مشروطة بإصلاحات، وضمانات، وربما تنازلات. حتى محاولات الانفتاح على دول أخرى، مثل ليبيا، لم تحقق النجاح، حيث قوبلت بالرفض أو الحذر.

أما على صعيد التمويل، فقد واجهت مصر صعوبات في الحصول على قروض جديدة، في ظل تراكم الديون السابقة، وتراجع الثقة في قدرتها على السداد. هذا الوضع يعكس نتيجة طبيعية لسياسات قصيرة النظر، لم تأخذ في الاعتبار توازنات الاقتصاد العالمي، ولا حدود القدرة على المناورة.

إن ما حدث لا يمكن اختزاله في فشل تكتيكي، بل هو إخفاق استراتيجي في قراءة المشهد، وإدارة العلاقات، وتقدير التوقيت. فالعلاقات المصرية الخليجية ليست مجرد علاقات مالية أو ظرفية، بل هي شبكة معقدة من المصالح التاريخية، والسياسية، والأمنية. أي خلل في إدارتها ينعكس على الجميع، لكن كلفته تكون أكبر على الطرف الذي يفتقد إلى البدائل.

الإعلام الحكومي لعب دورًا سلبيًا في هذا السياق، حيث ساهم في تضخيم التوقعات، وتقديم صورة غير واقعية عن موقع مصر في المعادلة، ثم انتقل إلى التبرير والتصعيد عندما لم تتحقق هذه التوقعات. هذا النمط من الخطاب يضر بالمصداقية، ويجعل من الصعب إعادة بناء الثقة لاحقًا.

أما السؤال الأهم، فهو: كيف يمكن تجاوز هذا الإخفاق؟

الإجابة تبدأ بإعادة تقييم شاملة للسياسات، تقوم على الاعتراف بالأخطاء، لا إنكارها. فالدول التي لا تعترف بأخطائها محكوم عليها بتكرارها. كما أن إعادة بناء العلاقات مع دول الخليج تتطلب خطابًا جديدًا، يقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، لا على الابتزاز أو التلميح به.

كذلك، يجب فصل الإعلام عن الاستخدام السياسي المباشر، وإعادة توجيهه نحو خطاب مهني، يعكس الواقع، لا يصنع أوهامًا. فالإعلام المسؤول يمكن أن يكون جسرًا لإعادة الثقة، لا أداة لهدمها.

اقتصاديًا، تحتاج مصر إلى إصلاحات حقيقية، تقلل من الاعتماد على المساعدات، وتعزز الإنتاج المحلي، وتعيد الثقة في بيئة الاستثمار. فالدول لا تُحترم لأنها تطلب، بل لأنها تنتج وتُبادر.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن السياسة ليست ساحة للمناورات قصيرة الأمد، بل هي فن إدارة المصالح على المدى الطويل. وما لم تُدرك القاهرة ذلك، فإنها ستظل تدفع ثمن أخطاء يمكن تجنبها، وتفقد تدريجيًا موقعها الذي صنعته عبر عقود من التاريخ والتضحيات.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر
- اضطراب ثنائي القطب: حين لا يكون الألم صاخباً… لكنه لا يتوقف
- شخصية الضحية المزمنة: بين قناع الضعف وحقيقة الاستنزاف
- ترامب والسياسة كمسرح عبثي: لو لم يكن رئيساً… لكان نجم “ستاند ...
- الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة
- زواج القاصرات في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية في اتهام الإس ...
- اليوم التالي من الحرب: كيف يعيد العالم والشرق الأوسط كتابة م ...
- الغرفة التي تسكنني
- نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف


المزيد.....




- ستارمر يكشف عن ما بحثه هاتفيا مع ترامب بشأن دول الخليج وإيرا ...
- ترامب يتهم إيران بـ- ابتزاز العالم- ويهدد بشن هجمات جديدة ضد ...
- من هي الأسماء الأمريكية والإيرانية التي ستشارك في مفاوضات إس ...
- كيف ينظر الإسرائيليون إلى وقف إطلاق النار مع إيران؟
- هكذا تنظر الصين إلى مفاوضات باكستان بشأن حرب إيران
- كاتب ببلومبيرغ: إيران تلقِّن ترمب درسا قاسيا لكنه لن يتعلم أ ...
- لوّح به ترمب.. ماذا يعني سحب القوات الأمريكية من أوروبا؟
- الجيش الكويتي يعلن تدمير 7 مسيّرات بآخر 24 ساعة.. وبيان للحر ...
- إسرائيل: صاروخ من حزب الله ينطلق من لبنان ويصيب صفد ويجرح عد ...
- إيران تربط المفاوضات بلبنان والأصول المجمّدة.. وترامب: سنمزّ ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أوزجان يشار - حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي المصري بين الابتزاز وسوء التقدير