|
|
-شمس على فمي- انبعاث الذاكرة بين العمى والبصيرة في سرد سمر الكلاس
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 15:31
المحور:
الادب والفن
﷽
مقدمة مثل القاصة سمر الكلاس صوتًا مميزًا في مشهد السرد العربي المعاصر، فهي كاتبة مصرية من أصول سورية، تجمع في خلفيتها الثقافية بين الإرث المشرقي العميق الذي يتغذى من الذاكرة السورية، وبين الحسّ الواقعي والانفتاح الفني الذي يميز المشهد المصري الحديث. حصلت الكلاس على إجازة في العلوم الحيوية ودبلوم دراسات عليا في علم النبات من جامعات جزائرية، وهو تكوين علمي ترك بصمته الواضحة على أسلوبها الإبداعي، حيث تلتقي الدقة العلمية في ملاحظة التفاصيل مع الحسّ الجمالي المرهف في صياغة الصورة السردية. تكتب القصة القصيرة والرواية، وقد صدر لها رواية "وينكسر الطريق"، وتستعد لإصدار رواية "بيت الجدة"، وهما عملان يكرسان مشروعها السردي القائم على استكشاف علاقة الإنسان بالزمن، والذاكرة، والمكان، من منظور إنساني عميق. تتسم كتابات سمر الكلاس بوعيٍ لغويٍّ دقيق يميل إلى التكثيف، وبقدرةٍ على مزج الواقعي بالرمزي في نسيج سردي محكم. إنها تكتب من موقع الذات التي تقف على تخوم الفقد والحنين، بين انتماءين، ومكانين، وذاكرتين؛ ولذلك تأتي نصوصها محمّلة بقلق الهويّة المزدوجة، وتوجّس الغياب، والرغبة في ترميم الذاكرة الفردية عبر اللغة. فهي لا تقدّم الحكاية بوصفها تسلسلًا للأحداث، بل بوصفها وسيلةً لاستعادة الذات من التبعثر، كما لو أن الكتابة نفسها فعل مقاومة ضد النسيان. في هذا الإطار، تمثل القصة القصيرة «شمس على فمي» نموذجًا دالًا على تطور التجربة السردية لدى الكلاس، حيث تمتزج فيها الذاكرة بالحلم، والواقعي بالميتافيزيقي. العنوان ذاته يُعدّ عتبة نصية بالغة الأهمية؛ إذ تتخذ "الشمس" فيه هيئةً رمزيةً للبعث والانبعاث، بينما يأتي "الفم" بوصفه فضاءً للبوح والكلام، في مقابل الصمت الطويل الذي يفرضه الفقد. إنها شمسٌ تتجاوز معناها الفيزيائي لتغدو رمزًا للوعي والدفء الإنساني، وللكلمة التي تُعيد تشكيل العالم بعد أن أنهكته الخسارات. تُبنى القصة على استرجاعٍ داخلي يقوم به الراوي (وسيم) في لحظة مواجهة بين الماضي والحاضر، حيث يتحول الضوء إلى محور بنائيٍّ يحكم حركة السرد وتوتراته. من خلال هذه البنية، يتجلى هاجس الكلاس الأساسي: الحنين بوصفه شكلًا من أشكال الذاكرة، والفقد بوصفه نقطة البدء في رحلة استعادة الذات. ومع ذلك، فإن هذا الحنين لا يُقدَّم في صيغة نوستالجية جامدة، بل في سياق جدلي بين الحياة والموت، بين الغياب والحضور، وبين الجسد والظلّ، وهو ما يمنح النص طاقة رمزية تفتح أفق التأويل. إن قراءة القصة في ضوء السيرة الذاتية للكاتبة تكشف عن حضورٍ عميق للوعي البصري المتأتي من خلفيتها العلمية، حيث يُوظَّف الضوء، والعكاز، والنظارة السوداء بوصفها رموزًا تتجاوز حدود الدلالة المباشرة لتلامس البنية الأنثروبولوجية للأسطورة، وتجسّد رغبة الإنسان الدائمة في الانبعاث من تحت ركام الذاكرة. وبذلك تندمج التجربة الذاتية للكاتبة مع البنية الجمالية للنص في نسيج واحد، يجعل من القصة مختبرًا لعلاقة الأدب بالحياة والذاكرة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة مداخل نقدية رئيسة: · المدخل الأول: تحليل تقنيات السرد، ويُعنى باستكشاف الزمن، والرؤية السردية، والحبكة، والبنية اللغوية للنص، بوصفها العناصر التي تُنتج الدلالة وتكثّف التجربة. · المدخل الثاني: التحليل الرمزي الأنثروبولوجي، الذي يقرأ الرموز المركزية (الضوء، العكاز، النظارة السوداء) بوصفها استعارات للبعث والانبعاث، ولتجدد الحياة في الوعي الجمعي. · المدخل الثالث: التحليل النفسي، الذي يركّز على ثنائية الحنين والفقد، وتمثل الأنوثة الغائبة، وكيفية اشتغال اللاوعي الجمعي في بنية السرد. تسعى الدراسة من خلال هذه المداخل إلى الكشف عن الآليات الجمالية التي تجعل من نص سمر الكلاس منظومة سردية تتجاوز حدود الحكاية إلى أفق الوجود ذاته، حيث يتحول السرد إلى فعل تذكّرٍ ومقاومةٍ في آنٍ واحد. المدخل الأول: تحليل تقنيات السرد يمثّل البعد السردي في قصة «شمس على فمي» الركيزة الأساسية لفهم تشكّل المعنى داخل النص، إذ يتكئ السرد على التداخل بين الذاكرة والواقع، والحاضر والماضي، ليبني بنية دائرية مغلقة تنفتح على أفقٍ رمزي. ولأن الكلاس تنطلق من تجربة داخلية عميقة، فإنها توظّف الأدوات السردية لا كوسائل حكائية فحسب، بل كأدوات لتشكيل الوعي واستعادة الذات. ويمكن تحليل هذا البناء السردي عبر ثلاث وحدات رئيسية: 1. بنية الزمن والسرد غير الخطي تقوم القصة على الزمن النفسي الذي تحكمه الذاكرة والانفعال، لا التسلسل الواقعي للأحداث. فالسارد العجوز «وسيم» يستعيد ماضيه في حركة دائرية، تتكرر فيها لحظة الفقد والانبعاث بين الحاضر والذاكرة. يستخدم السرد تقنيات الاسترجاع (Flashback) والتداعي الحرّ، ما يجعل بنية النص قائمة على الارتداد الزمني المستمر الذي يذيب الحدود بين الماضي والحاضر. وفق مقولات جيرار جينيت[1]، ينتمي هذا النوع من البنية إلى “المفصل الزمني المنكسر”، حيث يتحول زمن السرد إلى مرآة لاضطراب الوعي نفسه. 2. الراوي والصوت الداخلي يتخذ السرد شكل الراوي المتكلم (الأنا الساردة)، الذي يروي من داخل التجربة لا من خارجها. إننا أمام “أنا مزدوجة” — راوي يعيش الحاضر، وراوٍ آخر يستعيد الماضي في الذاكرة. تتقاطع الأصوات الداخلية في النص بحيث يبدو الحوار بين وسيم ولارا، في كثير من الأحيان، تجسيدًا لحوار داخلي في الذات الواحدة، أكثر منه حوارًا بين شخصيتين منفصلتين. هذا التداخل بين الذوات، وفق النقد النفسي، يشكّل ما يمكن تسميته بـ “انقسام الوعي السردي”، حيث يتحول الآخر (لارا) إلى مرآة لذات الراوي الباحثة عن خلاصها. 3. اللغة والتشكيل البصري تُوظّف الكلاس لغة شعرية مشبعة بالضوء واللون، وهي لغة تنتمي إلى الحسّ البصري الموروث من خلفيتها العلمية في علم النبات، حيث الملاحظة الدقيقة للعناصر الطبيعية والضوئية. تتحول المفردات (“الضوء”، “البحر”، “الظل”، “الرماد”) إلى مكوّنات بصرية ترسم اللوحة السردية بديلاً عن السرد الوصفي المباشر. وتمثل الجملة الأخيرة في القصة (“وضعت إصبعًا على فمي، كأنها تزرع شمسًا...”) ذروة التشكيل البصري–الرمزي، إذ يتحول الضوء إلى كيان جسدي، واللغة إلى حدث حسي ملموس. بهذا التشكيل الثلاثي، تحقق الكلاس توازنًا دقيقًا بين البنية السردية والمعمار الرمزي، فيتحول السرد إلى مجال للتجربة الوجودية أكثر من كونه مجرد حكاية، مما يمهّد للدخول الطبيعي إلى المدخلين الرمزي والنفسي التاليين. المدخل الثاني: القراءة الرمزية الأنثروبولوجية تتجلى في قصة «شمس على فمي» شبكة رمزية محكمة تتقاطع فيها العلامات الطبيعية مع الدلالات الوجودية، بحيث يتحول النص إلى منظومة من الرموز الحيوية التي تعبّر عن دورة الحياة والموت والانبعاث. ولا يمكن فهم هذا البعد الرمزي بمعزل عن خلفية الكاتبة العلمية في علم النبات، إذ تنعكس معرفة الكلاس بالتحول والضوء والنمو في بنية القصة، لتغدو اللغة نفسها حقلاً بيولوجيًا يترجم حركة الحياة في أشكالها المادية والروحية. 1. الضوء: رمز الانبعاث والمعرفة يُعد الضوء المركز الرمزي الأعلى في القصة، وهو في الآن ذاته عتبة الوعي وبذرة البعث. حين تقول الشخصية: «حين سطعت الشمس في أعماقي، خرجت أتحسس ضوء النهار»، فإن الضوء لا يظهر كمكوّن بصري، بل كقوة كونية تحرك الذاكرة وتوقظ الحياة الخامدة. يتطابق هذا المعنى مع ما يشير إليه جيلبير دوران في دراسته للرموز الطبيعية ضمن النقد الأنثروبولوجي[2]، حيث يرى أن الضوء يمثل "طاقة الوجود الأولى" و"استعارة الولادة المتجددة". وبهذا، يتحول ضوء الكلاس من عنصر فيزيائي إلى مبدأ أنطولوجي، أي إلى وجودٍ يعيد للإنسان علاقته بالعالم بعد الانقطاع. 2. العكاز: الذاكرة الجسدية وفلسفة الاتكاء يظهر العكاز بوصفه العلامة المقابلة للضوء؛ فهو رمزٌ للضعف المادي، لكنه أيضًا شاهدٌ على الاستمرار. العكاز هنا ليس أداة دعمٍ جسدي، بل أثرٌ من الماضي، قطعة من ذاكرة الجسد التي ترفض الموت الكامل. حين يقول الراوي: «ما بقي لي من العالم سوى عكاز يتكئ عليه فوق رماد السنين»، فإن هذا العكاز يتجاوز دلالته الطبية ليصبح أثرًا أنثروبولوجيًا يرمز إلى بقاء الإنسان رغم الفقد. يمكن قراءة العكاز كتمثيل لمرحلة ما بعد الانهيار، أي كاستعارة للجسر بين الحياة والموت، بين الجسد والذاكرة، تمامًا كما يُعد الجذر في النبات بؤرة الاتصال بين التراب والضوء. هذا التماثل بين البنية الجسدية والبنية النباتية يشير إلى عمق الحسّ العلمي الذي تحمله الكلاس في تصورها الرمزي للحياة. 3. النظارة السوداء: الحجب والرؤية من وراء العمى ترمز النظارة السوداء إلى مفارقة الوعي: الرؤية التي تتحقق عبر الحجب، أو "البصيرة" التي تتجاوز العين المادية. فالراوي يشتريها لحبيبته "لارا" كي تحجب عنها الضوء الذي كان يشعل النبوءة، لكنه في العمق يحاول أن يحجب وعيها لا عينيها، وكأن النظارة تمثل محاولة اجتماعية–نفسية لإخضاع الأنثى للرؤية الذكورية. إلا أن لارا تستعيد من خلال هذا الرمز سلطة النور الخاص بها، فهي ترى بالداخل لا بالخارج، وتحمل في داخلها "الشمس" التي يفتقدها السارد. هنا يتجلى التناقض بين الرؤية والعمى، وهي ثنائية مركزية في الأنثروبولوجيا الرمزية[3]؛ فالنور لا يُمنح إلا لمن يعبر تجربة الظلمة، كما في الطقوس القديمة للعبور والميلاد الرمزي. 4. الرمز الدوري: الخريف والربيع بوصفهما زمنين للوجود تتكرّر ثنائية الخريف والربيع في النص كرمزٍ لدورة الحياة. فالخريف هو زمن الذبول (الموت الرمزي)، بينما الربيع في المشهد الأخير هو لحظة العودة والانبعاث. في الجملة الختامية: «وما كان خريفك إلا تمهيدًا لربيع آخر»، تعيد الكلاس صياغة أسطورة النبات المقدس التي تحدّث عنها ميرسيا إلياد في الأنماط الأولية والأسطورة، حيث يمثل النبات رمزًا للتجدد الدوري للحياة. بهذا، يغدو النص سردًا أنثروبولوجيًا عن الكائن الذي لا يموت بل يتحوّل، وهو ما ينسجم مع الخلفية البيولوجية للكاتبة التي ترى في التحلل شرطًا للنمو، وفي الفقد مقدمة للبعث. 5. التوازي بين الطبيعة والذاكرة من خلال هذه الرموز، ترسم الكلاس تصورًا أنثروبولوجيًا للعلاقة بين الإنسان والطبيعة: فالضوء كالنمو، والعكاز كالجذر، والنظارة كالأوراق التي تحجب الضوء الزائد. وبهذا تصبح الطبيعة مرآة للوعي، ويتحول الفقد الفردي إلى تجربة كونية، تجعل من النص أسطورة شخصية للانبعاث. تلتقي هذه الرؤية مع ما ذهب إليه بول ريكور[4] في تحليله للذاكرة والهوية، حين رأى أن «السرد هو الوسيط بين الفقد والاستعادة»، وهو ما تحققه الكلاس عبر تفعيل الرموز الطبيعية بوصفها أدوات لإحياء الذات. المدخل الثالث: التحليل النفسي للنص (الحنين، الفقد، الأنوثة الغائبة، اللاوعي الجمعي) تقوم قصة «شمس على فمي» على توتر داخلي عميق بين الذاكرة والواقع، الفقد والبعث، الذكورة والأنوثة، وهو توتر يفتح النص على قراءة نفسية متشابكة الأبعاد، تتقاطع فيها مفاهيم التحليل النفسي الفرويدي واليونياني مع خصوصية التجربة الإنسانية التي تنسجها الكلاس. فالنص في جوهره ليس حكاية عن فقد امرأة فحسب، بل سرد لرحلة استعادة الذات بعد الصدمة، واستحضارٌ للأنثى الغائبة بوصفها مرآة للذاكرة الجماعية والفردية في آنٍ واحد. 1. الحنين بوصفه آلية دفاعية يبدأ السارد اعترافه بحالة من الحنين المَرَضي إلى الماضي، إذ يصف نفسه بأنه "يطارد طيفها منذ عشرين عامًا". هذا الحنين يتجاوز الشعور العاطفي البسيط ليصبح آلية دفاع ضد الزمن والموت، وفق ما يسميه فرويد بـ«النكوص» [5](Regression)، أي العودة إلى لحظة سابقة من الأمان النفسي في مواجهة تهديد الواقع. ولأن الذاكرة في النص محكومة بالضوء والظلال، فإن الحنين لا يُقدَّم كاسترجاع بريء، بل كـ"انفلاش زمني" يذيب الحدود بين الحاضر والماضي، ليحيا السارد في حالة زمنية من التكرار القهري، يعيد فيها تمثيل الصدمة الأولى مرارًا دون تجاوزها. وهنا يصبح النص انعكاسًا لما وصفه جاك لاكان[6] بـ"الزمن الدائري للرغبة"، حيث لا تُشفى الجراح بالزمن بل بالاعتراف الرمزي بها. السارد لا يملك سوى التذكر، لذلك يحيا في دفاتر الذكريات كما لو كانت بديلًا للواقع. 2. الفقد بوصفه تأسيسًا للهوية الفقد في النص ليس خسارة للحبيبة فقط، بل انكسار في بنية الذات. حين يقول: «صارت الحكاية ناقصة، وصار الألم لغتي الوحيدة»، فإنه يعترف بأن الفقد أعاد تشكيل لغته ووعيه معًا. في ضوء التحليل النفسي، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه لحظة تكوّن للذات عبر الألم؛ إذ أن "الغياب هو ما يُشكّل حضور الآخر في داخلنا"، فالذات لا تكتمل إلا حين تواجه نقصها الداخلي. هكذا، تصبح لارا الغائبة مكوّنًا نفسيًا لا يمكن فصله عن السارد، فهي «الآخر الداخلي» الذي يسكنه ويعيد إنتاجه. وإذا كانت لارا تمثل "شمسًا" داخلية، فإن فقدانها هو انطفاء للنور الداخلي، مما يفسر حضور الضوء بوصفه الرمز المقابل للوعي، والظلمة كرمز للاكتئاب النفسي. إن السارد الذي فقد لسانه في الحادثة يرمز إلى الذات المخصية لغويًا؛ فالصدمة أفقدته القدرة على التعبير، وهي إحدى صور الصدمة الفرويدية التي تصيب الجسد والنطق معًا. 3. الأنوثة الغائبة والبحث عن الأم البديلة تتجسد "لارا" في الذاكرة بوصفها أنثى كونية، تجمع بين دور الحبيبة والأمّ، وهي تمثّل في اللاوعي الجمعي رمز الأنوثة الكبرى التي تمنح الحياة والدفء. لكن حضورها الممزوج بالنبوءة والكارثة يجعلها أيضًا الأنثى المحرّمة، أي تلك التي يخشاها الرجل لأنها تكشف هشاشته. تُعيد الكلاس إنتاج صورة "الأنثى الكاشفة" كما تظهر في الأسطورة اليونانية (مدوسا، باندورا)، لكنها تمنحها بعدًا إنسانيًا حنونًا: فهي لا تدمّر، بل تكشف الحقيقة التي يعجز البطل عن احتمالها. ومن منظور يونغ[7]، تمثل لارا نموذج "الأنيمـا" (Anima)، أي الصورة الداخلية للأنوثة في psyche الرجل. وعندما تغيب، يدخل البطل في مرحلة من الانفصال عن ذاته، ويتحوّل العكاز إلى رمز للأنوثة الغائبة التي يحاول الاتكاء عليها. فالنقص الجسدي (العكاز) يعادل النقص النفسي (الأنوثة المفقودة)، والشفاء لا يتحقق إلا عند عودة "الأنيمـا" في المشهد الأخير، حين تضع لارا إصبعها على فمه "كأنها تزرع شمسًا"، لتعيد إليه اللغة والضوء، أي الاتصال بالعالم. 4. اللاوعي الجمعي واستعادة الرمز يستحضر النص رموزًا متكررة في المخيال الجمعي: النار، النور، البحر، الفقد، العودة — وهي عناصر تتجاوز التجربة الفردية لتصبح جزءًا من ذاكرة ثقافية مشتركة. هذا الانفتاح على الرمزي الجمعي يجعل القصة تتجاوز حدود الحكاية الشخصية إلى مستوى الأسطورة الحديثة عن الخلاص. حين تعود لارا في المشهد الأخير، لا تعود كفرد، بل كـ"رمز للبعث"، تماثل الإلهة "إيزيس" التي تجمع أشلاء الحبيب أوزوريس وتبعثه إلى الحياة. إن استعادة الحبيبة هنا تحقّق للشفاء الرمزي من عقدة الفقد الجماعي التي تسكن الوعي العربي المعاصر — فكل فقدٍ في الذاكرة الجمعية يقابله توق إلى عودة ما، إلى ضوءٍ ما. وبهذا يقدّم النص معالجة نفسية–رمزية شديدة العمق للفقد، تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتمنح التجربة الذاتية بعدًا كونيًا في ضوء التحليل النفسي الجمعي. الخاتمة النقدية (نقد النقد – نقاط القوة والضعف – التقييم الختامي) أولًا: في تلقي النص ونقد النقد لم تحظَ أعمال سمر الكلاس حتى الآن بما تستحقه من قراءات نقدية منشورة، إلا أن حضورها في الندوات والملتقيات الأدبية داخل مصر وخارجها كشف عن وعيٍ نقدي متزايد بخصوصية صوتها القصصي. وقد تباينت القراءات غير المنشورة بين من يرى في تجربتها امتدادًا للمدرسة الرمزية في القصة العربية، وبين من يراها تمثّل اتجاهًا تجريبيًا يمزج بين البوح الأنثوي والتحليل النفسي. كما أشار بعض القراء والنقاد إلى أن لغتها الكثيفة المفعمة بالاستعارات تمنح نصوصها طاقة تأويلية عالية، لكنها قد تميل أحيانًا إلى الغموض البنائي الذي يختبر صبر المتلقي. تلك الملاحظات مجتمعة تسمح بتوصيف تجربة الكلاس ضمن تيار السرد النسوي الحداثي الذي يوازن بين الشعرية والتجريب، ويعيد كتابة الذاكرة من منظور ذاتٍ تتأمل لا لتستعيد الماضي فقط، بل لتُعيد بناءه فنيًا ووجوديًا. ثانيًا: نقاط القوة والضعف نقاط القوة: تماسك البنية الرمزية: تتكامل الرموز (الضوء، العكاز، النظارة السوداء) في بناء شبكة دلالية تؤطر التجربة النفسية للسارد دون انفصال عن الواقعي. عمق الرؤية النفسية: استطاعت الكلاس تحويل الحنين والفقد من تجربة فردية إلى بعدٍ وجوديٍّ عام، يلامس لاوعي القارئ. اللغة الشعرية المشحونة بالإيحاء: تنجح الكاتبة في تحقيق اقتصاد لغوي يُكثّف المعنى دون إسراف في الوصف أو الخطابة. البناء الزمني المراوغ: يعيد النص تشكيل الزمن من خلال تقنية الاسترجاع والتداعي الحر، ما يعكس البنية الذهنية لشخصية مأزومة. نقاط الضعف: · الميل أحيانًا إلى الغموض البنائي بسبب تراكم الصور الشعرية، مما قد يربك القارئ العام أو يُضعف الخط الدرامي. · انحسار الفعل السردي لصالح التأمل الداخلي، وهو ما يجعل الإيقاع السردي متباطئًا في مواضع بعينها. · غياب الأصوات الثانوية أو التعدد المنظوري، ما يجعل التجربة محصورة في وعي السارد وحده. لكن هذه الملاحظات لا تُعدّ ثغرات بقدر ما هي سمات جمالية مرتبطة بخيار الكلاس الفني، فهي تكتب من داخل الذات المأزومة، لا من خارجها. ثالثًا: التقييم الختامي يمكن القول إن «شمس على فمي» تمثل نقطة تمايز بارزة في مشروع سمر الكلاس السردي، إذ تبلور رؤيتها للعلاقة بين اللغة والذاكرة، وبين الضوء والظلمة، كاستعارتين وجوديتين للفقد والبعث. القصة تُجسّد ما يمكن تسميته بـ"السرد الشفوي للجرح"، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة للترميم النفسي لا للتعبير الجمالي فحسب. كما أن حضور البنية الرمزية ذات الطابع الأنثروبولوجي — الممتزج بالتحليل النفسي — يجعلها نموذجًا مميزًا للقصة القصيرة المعاصرة التي توازن بين العمق التأويلي والاقتصاد التعبيري. في ضوء المناهج التي استندت إليها هذه الدراسة (السردية، الرمزية–الأنثروبولوجية، النفسية)، يمكن اعتبار القصة مختبرًا فنيًا لتقاطع الخطاب الأدبي مع التحليل النفسي الجمعي، ومعاينة جديدة لمفهوم الأنوثة بوصفها مركزًا دلاليًا لا هويةً بيولوجية فقط. ختامًا، تضع سمر الكلاس من خلال هذا النص لبنةً جديدة في سرد الذات العربية المعاصرة، سردٍ يسائل الفقد والحنين، ويعيد بناء الوعي عبر شمسٍ صغيرةٍ تضيء على الفم — لا لتقول، بل لتُنير. الهوامش (1) جينيت، جيرار. (1997). مدخل إلى جامع النص. ترجمة: محمد معتصم، مراجعة: سعيد بنكراد. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر. (2) جيلبير دوران. (200). الأنثروبولوجيا رموزها أساطيرها أنساقها. (ترجمة: مصباح الصمد،) بيروت: الموسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. (3) جيلبير دوران. (200). الأنثروبولوجيا رموزها أساطيرها أنساقها. مرجع سابق (4) ريكور، بول. (2009). الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة: جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة. (5) فرويد، سيغموند. (2001). تفسير الأحلام. ترجمة: مصطفى صفوان. القاهرة: دار المعارف. (6) لاكان، جاك. (2005). الكتابات. ترجمة: محمد سبيلا. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر. (7) يونغ، كارل غوستاف. (1992). الإنسان ورموزه. ترجمة: لطفي الزيات. بيروت: دار المدى.
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحولات الخطاب المسرحي عند صلاح شعير البطولة والأنوثة والتقني
...
-
من بريق الجسد إلى عتمة الداخل: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة
...
-
جماليات العاطفة وتمثّلاتها السردية قراءة نقدية في رواية شمس
...
-
الحب على طريقة أينشتاين: قراءة نقدية في نسبية الزمن والعاطفة
...
-
داخل الكادر وخارجه: جدلية الحضور والغياب في مجموعة عبير دروي
...
-
«من نافذة الغياب .. العائلة بوصفها جرحًا مؤجَّلًا قراءة تحلي
...
-
فوزي خضر: المثقف الموسوعي وصوت الإسكندرية في الشعر والمعرفة
-
زهرة من حي الغجر: الهوية والهامش بين الرمز وإشكاليات التوثيق
...
-
حين يتكلّم الشعر الأبيض: قراءة سيميائية في قصيدة رسالة رباني
...
-
-أنفاس مستعملة- تشريح سردي للواقع المأزوم والظل النفسي المُع
...
-
أنوثة المعرفة ومأزق الوعي الذكوري: قراءة تحليلية–تأويلية في
...
-
أنثى المرآة: تشظي الهوية والصراع الوجودي في رواية -في مرآة ا
...
-
حنين في ظلال الفقدان: قراءة نقدية في قصيدة -كأنه امبارح- لمح
...
-
طلل: الحنين والانقسام الطبقي في رؤية رانيا مسعود
-
-الأجواد-: تفكيك النفاق الاجتماعي في المجتمع المصري في قصة ح
...
-
ظلال الهوية المؤنثة: قراءة نفسية–سردية في نص فاتن صبحي
-
الأسطورة والتابو في القصة العربية المعاصرة: قراءة رمزية في -
...
-
بين أسطورة النداهة وذاكرة الطفولة: قراءة نقدية في قصة -أم ال
...
-
اللاجئ في أدب الحرب والمقاومة: قراءة فلسفية في جدلية الموت و
...
-
الأقفاص الضرورية: قراءة في تشريح السلطة والحرية في قصة مغامر
...
المزيد.....
-
مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل
...
-
أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
-
أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود
...
-
فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
-
معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف
...
-
جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح
...
-
عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس
...
-
سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق
...
-
مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس
...
-
الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق
...
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|