عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 09:36
المحور:
الادب والفن
﷽
أولًا: المقدمة
تندرج قصة «من نافذة الغياب»[1] ضمن منجز سردي لكاتبة تمتلك خبرة ممتدة في الكتابة الإبداعية والنقدية معًا. فوفاء عبد الحفيظ حسن، الأديبة القاهرية، خريجة كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، تنتمي إلى جيل من الكاتبات اللواتي تشكّل وعيهن اللغوي والأدبي في تماس مباشر مع التراث العربي من جهة، ومع تحولات السرد القصير الحديث من جهة أخرى. وقد انعكس ذلك في اشتغالها على أنماط سردية متعددة، شملت القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا، والومضة، إلى جانب الشعر المنثور والمقال النقدي، وهو ما يمنح تجربتها طابعًا متنوعًا من حيث الشكل والاشتغال اللغوي.
صدرت للكاتبة عدة مجموعات قصصية، من بينها: «شتات فوق المدفأة»، «تمزق الأربطة»، «طوق النجاة»، إلى جانب أعمال أخرى في القصة القصيرة جدًا مثل «ترانيم القصص القصيرة جدًا»، فضلًا عن ديوان شعري نثري. كما أن حضورها في المشهد الأدبي لا يقتصر على الإبداع، بل يمتد إلى الكتابة النقدية والمشاركة في الصالونات الأدبية، ما يشي بوعيها بطبيعة النص وبآلياته الداخلية، وهو وعي ينعكس (ولو بصورة غير مباشرة) في بنية نصوصها السردية.
من حيث العتبات النصية، يقدّم عنوان القصة «من نافذة الغياب» مفتاحًا تأويليًا بالغ الدلالة؛ إذ يجمع بين مفردتين تحيلان إلى حالتين وجوديتين متلازمتين: الرؤية والغياب. فالنافذة توحي بالانفتاح والإطلالة والمعرفة، بينما يحيل الغياب إلى الفقد والانقطاع والعجز عن الامتلاك الكامل.
هذا التوتر الدلالي منذ العنوان يمهّد لقراءة نص يقوم على المسافة بين الوعي بالفعل، وبين إدراك الحقيقة واستحالة تغييرها.
أما على مستوى السياق الاجتماعي والثقافي، فإن القصة تنبثق من بيئة عائلية تقليدية تحكمها علاقات القرابة والسلطة الأبوية، وتشتغل داخل منظومة قيم تُقدِّم السكون الظاهري على العدالة، وتُخضع الفرد (خاصة المرأة) لشبكة معقّدة من الإكراهات الأخلاقية والاجتماعية.
ولا تحيل القصة إلى حدث سياسي مباشر، لكنها تلامس واقعًا إنسانيًا مأزومًا تتداخل فيه السلطة والعنف والصمت، بما يجعلها قابلة للقراءة في ضوء أسئلة القهر والاختيار والانسحاب الأخلاقي.
وتنطلق هذه الدراسة[2] من فرضية نقدية أساسية مفادها أن القصة لا تُبنى على الحدث بقدر ما تُبنى على أثره النفسي والمعرفي، وأن ذروتها الحقيقية لا تكمن في الفعل الإجرامي ذاته، بل في انكشافه عبر الاعتراف، وما يولّده هذا الانكشاف من تصدّع داخلي لدى الشخصيات، خاصة شخصية نجلاء.
وتسعى الدراسة إلى تفكيك البنية السردية والرمزية للنص من خلال مداخل تحليلية متكاملة، تُبرز كيف يتحول الاعتراف والنافذة والقرار النهائي إلى عناصر متشابكة تُنتج المعنى الكلي للنص، بعيدًا عن المباشرة أو الوعظ، وفي إطار من الصرامة النقدية والالتزام بالتحليل النصي الدقيق.
ثانيًا: المداخل النقدية
1. مدخل المداخل: منطق الاختيار
يفرض النص اختيار مداخل متداخلة لا منفصلة، إذ لا يمكن قراءة تقنيات السرد بمعزل عن البنية النفسية للشخصيات، ولا يمكن فصل هذه البنية عن السياق الاجتماعي الذي يُشرعن الصمت ويُقدّس السلطة الأبوية.
ومن هنا، تتكامل المداخل السردية والنفسية والاجتماعية في قراءة واحدة متماسكة.
المدخل الأول: تقنيات السرد
1. الراوي والتبئير السردي
يعتمد النص على راوٍ عليم، لكنه محدود التبئير، يلتصق بوعي نجلاء دون أن يترك لها مساحة التعبير الذاتي الكامل. فالراوي يصف حالتها أكثر مما ينقل صوتها، كما في قوله:
«وهي تنظر إليه في سكون تام… كأنها تفتش عبر ذكرياتها التي أذاقتها العذاب مرارًا وتكرارًا»
هذا الأسلوب يعكس حالة الاغتراب السردي؛ فالشخصية حتى داخل الحكاية لا تمتلك زمام صوتها، تمامًا كما لا تمتلك زمام مصيرها.
2. بناء الشخصيات ودينامية الحدث
تُبنى الشخصيات على أساس رمزي أكثر منه تطوري:
نجلاء تمثل الضحية الصامتة، التي تُراكم الوعي دون أن يتحول إلى فعل.
وجيه ليس بطلًا منقذًا، بل وسيط اعتراف، يحمل الحقيقة ثم يعجز عن تبعاتها.
الأب/العم يتجسد بوصفه سلطة أخلاقية زائفة، يتعايش فيها النجاح الاجتماعي مع الانحراف الأخلاقي.
يتحول الحدث المركزي من قصة حب إلى لحظة اعتراف بالجريمة:
«دفعتها حتى سقطت وماتت»
وهو اعتراف لا يؤدي إلى مواجهة أو محاسبة، بل يُضاف إلى رصيد الصمت العائلي.
3. الزمن السردي
يعتمد النص على الاسترجاع بوصفه تقنية مهيمنة، ما يعكس هيمنة الماضي على الحاضر.
فالحكاية لا تتقدم زمنيًا، بل تدور حول نفسها، كما لو أن الزمن متجمد عند لحظة الصدمة الأولى.
4. المكان والرمز
المكان محدود ظاهريًا، لكنه مشحون دلاليًا:
النافذة: مراقبة دون مشاركة.
المنفى: ابتعاد جسدي لا يحرر من الثقل النفسي.
البيت: فضاء الجريمة والصمت.
5. اللغة والأسلوب
تميل اللغة إلى الشاعرية والانفعال، وهو خيار يتناسب مع الحالة النفسية، لكنه في بعض المواضع يُثقل الإيقاع:
«دقات قلبها المتلاحقة تكاد تخرج من صدرها»
في المقابل، تتجلى لحظات نضج لغوي حين تتحول اللغة إلى رمز مكثف:
«لن أزرع ورودي في أرض مُلئت بالدماء»
المدخل النفسي
تقوم البنية النفسية للنص على تراكم الصدمات دون تفريغ:
حب مكبوت منذ الطفولة
خيانة غير مباشرة
كشف جريمة قتل
تهديد متكرر بالزواج القسري
هذا التراكم يُنتج شخصية تعيش في حالة شلل انفعالي، حيث يصبح الرفض آخر أشكال السيطرة الممكنة.
المدخل الاجتماعي
يفضح النص آليات اجتماعية راسخة:
تفضيل “الأصلح اجتماعيًا” على “الأصدق إنسانيًا”
تقديس الأب رغم الجريمة
تحميل المرأة عبء التكيّف
«وهو خامس رجل، بعد أن رفضت أربعة»
هذه الجملة تختصر منطق التشييء الاجتماعي للمرأة.
حضور التابوهات داخل النسيج السردي
يتعامل النص مع تابوهات خطيرة:
قتل الأطفال
العنف الأسري
انهيار صورة الأب
الزواج القسري
دون خطاب أخلاقي مباشر، بل عبر كشف النتائج النفسية والإنسانية لهذه الجرائم.
ثالثًا: الربط بالواقع الإنساني
تعكس القصة واقعًا تُؤجَّل فيه العدالة باسم الروابط العائلية، ويُفرض الصمت بوصفه فضيلة.
وتتحول الكتابة هنا إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية لكشف ما يُدفن اجتماعيًا.
رابعًا: التقييم والخاتمة
نقاط القوة
شجاعة في تناول موضوعات مسكوت عنها.
مشهد اعتراف مركزي عالي التأثير.
توظيف الرمز دون مباشرة.
نقاط الضعف
إطالة سردية نسبية.
اعتماد مفرط على الشرح الداخلي.
محدودية الفعل الدرامي.
الخاتمة النقدية
تُختتم قصة «من نافذة الغياب» عند لحظة لا تُقدِّم حلًّا دراميًا تقليديًا، بل تقيم بنيتها الختامية على جدل معرفي–أخلاقي مركزي،
تتقاطع فيه ثلاثة محاور سردية كبرى:
الاعتراف،
النافذة،
وقرار نجلاء،
بما يجعل الخاتمة امتدادًا عضويًا للبنية التأويلية للنص لا مجرد إغلاق حكائي.
يشكّل مشهد الاعتراف الذروة السردية الأكثر كثافة؛ إذ لا يأتي بوصفه كشفًا يحرّر الشخصيات، بل كحدث مُدمِّر يعيد ترتيب منظومة القيم داخل النص.
فاعتراف الأب بجريمة قتل طفلته («أنا من قتلت ابنته الأولى… دفعتها حتى سقطت وماتت») لا يؤدي إلى تطهير أو مساءلة، بل يفضي إلى انهيار أخلاقي شامل، حيث تتحوّل الجريمة من فعل استثنائي إلى مكوّن بنيوي في تاريخ العائلة، ويُكشَف أن السلطة الأبوية قادرة على النجاة من الفعل الإجرامي دون ثمن.
هنا، لا يعمل الاعتراف كفعل خلاص،
بل كإدانة مضاعفة: إدانة للجريمة ذاتها، وإدانة للصمت الاجتماعي الذي سمح باستمرارها.
في هذا السياق، تتخذ النافذة دلالتها الرمزية المركزية، بوصفها موقعًا بصريًا ومعنويًا في آن واحد.
فالنافذة، «التي اتشحت بالضباب»، لا تفتح على أفق خلاص، بل تؤسس لمسافة قاسية بين الرؤية والفعل.
نجلاء ترى الحقيقة كاملة، لكنها عاجزة عن تغييرها.
ومن ثمّ، تتحوّل النافذة من رمز الانفتاح إلى رمز التعليق والشلل؛ إنها أداة معرفة بلا عبور، وحدّ فاصل بين الداخل الملوّث والخارج المستحيل.
مسح الضباب عن النافذة لا يعني انكشاف الأمل، بل اكتمال الوعي بالمأزق.
ينبثق قرار نجلاء النهائي بوصفه النتيجة المنطقية لهذا التوتر بين المعرفة والعجز. فقولهـا:
«سأوافق على القادم بعد أن تحول وجيه لمنتقم من والده، لن أزرع ورودي في أرض مُلئت بالدماء»
لا يُقرأ كقبول اجتماعي بسيط، بل كصيغة مشروطة تكشف عن انسحاب أخلاقي واعٍ.
فهي لا تختار المواجهة، ولا الهروب، بل الامتناع عن المشاركة في منظومة ملوّثة بالجريمة غير المُحاسبة.
الشرط الذي تضعه («بعد أن يتحول وجيه لمنتقم») شرط مستحيل التحقيق سرديًا،
ما يحوّل القرار إلى تأجيل مفتوح،
ويؤكد أن القبول هنا شكلي، بينما الرفض جوهري.
هكذا يتكامل الاعتراف والنافذة والقرار في بنية واحدة:
فالاعتراف يمنح الحقيقة دون عدالة،
والنافذة تتيح الرؤية دون فعل،
وقرار نجلاء يترجم هذا العجز إلى موقف أخلاقي صامت.
إن امتناع نجلاء عن «زرع الورود» في «أرض مُلئت بالدماء» لا يُمثّل بطولة خطابية، بل مقاومة سلبية محدودة، تتناسب مع عالم سردي مغلق لا يتيح خلاصًا كاملاً.
وبذلك، تنجح القصة في تقديم نهاية مفتوحة دلاليًا، تُبقي الجرح حيًا، وتمنح الصمت وظيفة سردية لا تقل كثافة عن الكلام.
في المحصلة، تضع «من نافذة الغياب» القارئ أمام سؤال أخلاقي عميق:
ماذا يفعل الفرد حين يمتلك الحقيقة كاملة، ويُحرَم من القدرة على تغييرها؟
وتأتي الإجابة في النص لا كحل، بل كموقف، يُحسب له صدقه الفني وإنسانيته، ضمن حدود تجربة سردية تعتمد التكثيف النفسي والرمزي أكثر من الاعتماد على الحدث الخارجي أو الصراع المباشر.
المراجع
مواقع الانترنت
(1) هشام العطار. (21 ديسمبر, 2025). ندوة أقلام ذهبية اون لاين. حساب هشام العطار على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17qfWmm255/
الهوامش
(1) هشام العطار. (21 ديسمبر, 2025). ندوة أقلام ذهبية اون لاين. حساب هشام العطار على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17qfWmm255/
(2) تم عرض هذه الدراسة فى ندوة أقلام ذهبية اون لاين (ندوات قراءات القصة القصيرة) بتاريخ 26 ديسمير 2025
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟