أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - “العودة إلى الذات: قراءة نقدية في قصة زيارة للبيت القديم لإيمان حجازي – تحوّل الوعي الأنثوي بين الذاكرة والمراجعة”















المزيد.....

“العودة إلى الذات: قراءة نقدية في قصة زيارة للبيت القديم لإيمان حجازي – تحوّل الوعي الأنثوي بين الذاكرة والمراجعة”


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 03:41
المحور: الادب والفن
    




أولًا: المقدمة الأكاديمية
تمثل الكاتبة إيمان حجازي إحدى الأصوات القصصية التي استطاعت أن تبني لنفسها تجربة سردية متمايزة عبر مجموعتين قصصيتين سابقتين هما أنوثة حمراء وعندما تمزق الواقع.
تتميز كتاباتها بقدرتها على تحويل التجربة الأنثوية الفردية إلى مرآة للوجود الإنساني العام، حيث تتقاطع الذاتي بالاجتماعي، والحسي بالفكري، والحلم بالخذلان.
في مجموعتها الأولى أنوثة حمراء، بدا صوتها القصصي مشبعًا بالحرارة الوجدانية والانفتاح على العاطفة؛ كانت الأنثى فيها معطاءة، مفعمة بالرغبة في التواصل والاحتواء.
أما المجموعة الثانية عندما تمزق الواقع، فقد شهدت تحوّلًا لافتًا في الرؤية، إذ تراجعت العاطفة لتحل محلها الصدمة والخذلان؛ الأنثى لم تعد تمنح، بل تكتشف أنها مجرد رقم في معادلة الرجل والمجتمع.
أما في نصها الحالي زيارة للبيت القديم، فتبدو الكاتبة وقد بلغت مرحلة المراجعة والتأمل، إذ تتحول اللغة من البوح إلى الوعي، ومن الانفعال إلى التأمل.
إنها لحظة النضج الفني التي تتيح للذات الساردة أن تواجه ذاتها بصدقٍ مؤلم دون انكسار.
الفرضية الرئيسة للدراسة[1] هي أن هذا النص يمثل تحولًا في البنية النفسية والفكرية لخطاب الكاتبة، حيث تنتقل من التعبير الوجداني إلى الرؤية التأملية، ومن خطاب الألم إلى خطاب الوعي بالزمن والذات.
ثانيًا: المداخل النقدية
1. مقدمة المداخل
يقتضي تحليل هذا النص مقاربة متعددة تجمع بين:
· المدخل السردي البنيوي: لتفكيك تقنيات التكوين السردي في القصة القصيرة جدًا.
· المدخل النفسي–الرمزي: لاستكشاف أعماق الذات الأنثوية وصيغ الوعي بالزمن والفقد.
· المدخل الاجتماعي–الأنثوي: لتأمل علاقة البطلة بالواقع، وكيف يُعاد بناء المعنى الأنثوي من خلال الاعتراف والمراجعة.
هذه المداخل لا تعمل منفصلة، بل تتشابك في نسيج القراءة النقدية كما تتشابك خيوط المعنى في نص بالغ الإيجاز والتكثيف.
2. المدخل السردي البنيوي
تستثمر الكاتبة في زيارة للبيت القديم آليات القصة القصيرة جدًا (Microfiction)، التي تقوم على الإيجاز والفراغ السردي والإيحاء.
يتشكل النص من مشهد واحد مكثّف:
امرأة تعود إلى بيت قديم، تلتقي فيه ابن الجيران بعد غياب عشرين عامًا، تناديه بـ“يا أستاذ”، وتختم اللقاء بعبارة صادمة: "أنا اتسرقت يا أستاذ."
هنا يتجلى الحدث لا في فعله الظاهري بل في طاقته الكامنة، إذ يختزل الحوار القصير تاريخًا من الخسارات.
البيت القديم ليس مكانًا ماديًا بقدر ما هو حقل الذاكرة الأولى.
الزمن لا يسير خطيًا؛ فالنص يبدأ من الحاضر ليعود قسرًا إلى الماضي، حيث يختلط الزمنان في لحظة واحدة من الإدراك.
الراوي متخفٍ، محايد، يكتفي بتسجيل المشهد من الخارج، مما يمنح النص مسافة تأملية عالية، ويعكس وعيًا سرديًا ناضجًا بالاقتصاد في القول.
أما اللغة، فهي لغة المشهد الصامت، لغة ما لا يُقال أكثر مما يُقال، حيث تتكثف التجربة كلها في عبارة الختام.
3. المدخل النفسي–الرمزي
على المستوى الرمزي، ينطوي النص على شبكة من العلامات النفسية العميقة:
البيت القديم هو استعارة للأصل، للزمن الذي سُرق منها، أو للذات التي غادرتها يومًا.
ابن الجيران يمثل “الآخر” – الوجه الغائب للحب الأول، أو صورة الرجل الذي كانت تنتظره ولم يأتِ.
الحوار القصير هو مواجهة الذات بذاتها، فحين تقول “أنا اتسرقت” فهي لا تخاطب الرجل، بل تخاطب ماضيها المسلوب.
هذا الاعتراف ليس نحيبًا بل استبصارًا: إنها تدرك أخيرًا أن السرقة لم تكن مادية، بل سرقة للزمن، والبراءة، والحلم، والأنوثة غير المستوفاة.
إنها تعلن عن وعيها الجديد: لم تعد تبحث عن تعويض، بل عن تسمية الفقد والاعتراف به.
4. المدخل الاجتماعي–الأنثوي
في هذا النص، تتقاطع التجربة الفردية مع البنية الاجتماعية للأنوثة العربية.
حين تقول البطلة “أنا اتسرقت”، فهي تعلن عن ضياع حقها في أن تكون ذاتًا فاعلة في علاقتها بالرجل والمجتمع.
السرقة هنا ليست من شخص بعينه، بل من منظومة ثقافية كاملة سرقت من المرأة زمنها وخياراتها وصوتها.
غير أن النص لا ينزلق إلى خطاب احتجاج مباشر، بل يحوّل الألم إلى وعي هادئ، والمرارة إلى تأمل.
هكذا تخرج الكاتبة من ثنائية العاشقة والمقهورة إلى فضاء أرحب هو وعي الذات المبدعة.
ثالثًا: خصوصية الربط بالواقع الإنساني والنفسي
يتصل النص اتصالًا وثيقًا بالتحولات الوجودية في حياة الإنسان المعاصر، وبخاصة المرأة التي تواجه صدمة الزمن وضياع الحلم.
يستعيد النص المأساة في صيغة رمزية: فالماضي هنا ليس مجرد ذكرى، بل جسدٌ غائب تُفتَّش عنه البطلة في بيتها القديم، لتكتشف أن السرقة كانت في داخلها.
بهذا يعبّر النص عن وعي إنساني شامل: الإنسان الذي يُدرك فجأة أن عمره قد سُرق في لهاثٍ لم يُثمر، وأن العودة إلى الأصل ليست سوى عودة إلى جرحٍ قديم يضيء الوعي لا الألم.
رابعًا: نقد النقد ونقاط القوة والضعف والخاتمة
لم تحظَ القصة بعدُ بقراءات نقدية منشورة، غير أن موقعها في سياق إنتاج الكاتبة يضعها في منزلة متميزة؛ فهي نص الانتقال من الحسّ العاطفي إلى الرؤية الفكرية.
نلمح في هذا العمل:
نضجًا سرديًا ولغويًا لافتًا؛ فالإيجاز لم يعد ناتجًا عن قصر الشكل، بل عن امتلاء التجربة.
لغة تُحاور الصمت أكثر مما تصف الحدث، وهو ما يعكس تحرر الكاتبة من المباشرة.
وعيًا بأن القص القصير جدًا يمكن أن يحمل أبعادًا نفسية وإنسانية كثيفة، لا أن يكون مجرد ومضة عابرة.
أما ما قد يُعدّ نقطة ضعف في نظر بعض القراء، فهو غياب “الحدث” بمعناه التقليدي، لكن هذا الغياب ذاته هو الحدث الأعمق: اكتشاف أن ما سُرق ليس شيئًا يمكن روايته، بل زمنٌ لا يُروى.
خامسًا: الخاتمة النقدية العامة
تجسد زيارة للبيت القديم لحظة نضوج فني ووجداني في مسيرة إيمان حجازي.
فبعد أن كانت الأنثى في أنوثة حمراء تمنح الحب بسخاء، ثم في عندما تمزق الواقع تواجه خذلانها، ها هي الآن تقف على العتبة الأخيرة — عتبة الوعي.
العودة إلى البيت القديم هي عودة إلى الذات، والاعتراف بالسرقة هو إعلان عن الشفاء الرمزي.
إنها قصة مواجهة لا حنين، ومصالحة لا ندم.
تغلق النصوص السابقة بصدقٍ تأمليٍّ يليق بكاتبة وصلت إلى مرحلة من الوعي تجعلها قادرة على إعادة كتابة ماضيها دون خوف أو إنكار.
بهذا المعنى، تمثل القصة نصًّا مفتاحًا يمكن أن يُبنى عليه مشروع سردي جديد أكثر نضجًا، حيث يتحول الألم إلى وعيٍ جمالي، والكتابة إلى بيتٍ جديدٍ لا يُسرق منه الزمن.

(1) تم تقديم هذه الدراسة خلال ندوة المائدة المستطيلة لطائف الابداع (إيمان حجازى) الاثنين 3 نوفمبر 2025



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرثية وتكريم للأديب مصطفى نصر: حارس ذاكرة الإسكندرية وسارد ا ...
- المؤخرة استعارة للهامش: غياب التماسك البنيوي وإعادة إنتاج ال ...
- حين يغيب الذباب: النظام، الصمت، وقلق الوجود في قصة “البحث عن ...
- الجمود والموت في -وردة لإيميلي-: قراءة في العزلة والتابو وال ...
- بين الجبل والحكمة: قراءة تحليلية في قصة -ستر الجبل- لفرج مجا ...
- قراءة في بنية الذاكرة والسرد في بين الأوراق لنادي سعيد
- «الصورة ذاتها»: قراءة نقدية في تشظّي الهوية الأنثوية وبنية ا ...
- براءة تحت وطأة الصمت: قراءة نقدية في قصيدة -طفلة عاقلة جدًا- ...
- أسطورة الضحية ووجع الأنوثة: قراءة نقدية في قصيدة -عرائس الني ...
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- النوستالجيا ورمزية اللعبة في -طوبة ورقة مقص- لرانيا جمال: قر ...
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- -جراح قديمة-: جدلية السيناريو والبناء النفسي في تمثيل المرأة ...
- البناء السردي والهوية القومية وصورة المثقف في مواجهة السلطة ...
- جدلية الوجود والفناء في السرد القصصي عند خالد جودة: قراءة في ...
- نعى متأخر للكاتب محمد حافظ رجب
- غرفة بلا نوافذ: الصراع الداخلي والتحرر النفسي في رؤية إيناس ...
- ناسكة: التصوف الجسدي والأنوثة المتجاوزة – قراءة في جدلية الج ...
- -المسّ العاشق- لأحمد عبده: مقاربة سردية–نفسية–سوسيوثقافية في ...
- الإنسان المكسور بين اغتراب الذات وقهر المجتمع: قراءة سوسيو–ن ...


المزيد.....




- حمار على ظهره بردعة
- أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
- فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ ...
- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...
- -نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال ...
- يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح ...
- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - “العودة إلى الذات: قراءة نقدية في قصة زيارة للبيت القديم لإيمان حجازي – تحوّل الوعي الأنثوي بين الذاكرة والمراجعة”