أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - النوستالجيا ورمزية اللعبة في -طوبة ورقة مقص- لرانيا جمال: قراءة في قصتي «هكذا أخبرني جدي» و«ألبوم عائلة فلاش»















المزيد.....


النوستالجيا ورمزية اللعبة في -طوبة ورقة مقص- لرانيا جمال: قراءة في قصتي «هكذا أخبرني جدي» و«ألبوم عائلة فلاش»


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


المقدمة
تشكّل الكاتبة رانيا جمال واحدة من الأصوات السردية الجديدة في المشهد الأدبي المصري، وهي تنتمي إلى جيل شاب نشأ بين التحولات التكنولوجية السريعة من جهة، ووطأة الذاكرة الجمعية والحنين إلى الماضي من جهة أخرى.
وُلدت في محافظة السويس، وتخرجت في كلية التربية (قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية) بجامعة قناة السويس.
إلى جانب عملها في التدريس، انخرطت في النشاط الثقافي والصحفي، فكتبت القصة القصيرة والشعر والمقالة، وأسهمت في تصحيح النصوص ومراجعتها، كما مارست التعليق الصوتي والأنشطة الفنية المختلفة.
وقد نالت تكريمات عديدة لكونها نموذجًا للكاتبة الشابة متعددة المواهب، القادرة على تمثيل جيلها بجرأة وحساسية.
إصدارات رانيا جمال تتوزع بين القصة القصيرة ("حوض الخزامي"، "تذكرة ذهاب للآخرة"، "أريج غزة")، والمشاركات في الكتب الجماعية والأنشطة الإلكترونية، بما يعكس شغفها بالتجريب في أكثر من حقل.
أما مجموعتها الأخيرة "طوبة ورقة مقص"[1]، فهي تمثل محطة فارقة في مسيرتها؛ إذ تجمع بين حساسية النوستالجيا ووعي التجريب الرمزي[2]،
يحمل العنوان الرئيس للمجموعة دلالة خاصة: فهو مقتبس من اللعبة العالمية الشهيرة Rock Paper Scissors (حجر – ورقة – مقص)، والتي شكّلت جزءًا من الذاكرة الطفولية لأجيال متعاقبة.
هذه اللعبة البسيطة، القائمة على التناوب بين القوة (الحجر/الطوبة)، والهشاشة (الورقة)، والحسم (المقص)، تتحول في يد الكاتبة إلى رمز سردي لفهم الحياة الإنسانية وصراعاتها.
ومن اللافت أن العنوان لا يعود إلى أي من القصص الأربع عشرة التي تضمنتها المجموعة، بل يعمل كـ مظلّة دلالية تحتشد داخلها ثيمات النوستالجيا والذاكرة والتوتر بين الماضي والحاضر.
تؤكد العتبات النصية للمجموعة هذا الاتجاه. ففي الإهداء تشير الكاتبة إلى "جيل الـ واي الذي عاش هدوء سبق العاصفة، وشهد بداية الارتياب والاغتراب فكان حلقة وسط بين زمن بائد وجيل جديد أصابته طفرة معلوماتية فأصبح لا منتمي لأي فصيل منهم، فصنع حقبة متفردة قائمة بذاتها من المتعة والوسطية"، وإلى "جيل الطيبين الذي لازال يتأنس بنوستالجيا كلاسيكية فلم تجرؤ خصلات شعره البيضاء التي احتلت ناصيته أن تقتل طفولته أو تمحي ذكرياته".
هذا الإهداء يضع القارئ في صلب موضوع المجموعة: الصراع بين الماضي والحاضر، والهوية في عصر التكنولوجيا.
أما التصدير فيطرح سؤالاً مباشرًا عن "سر حب النوستالجيا"، متأملاً كيف يستعيد الإنسان اطمئنانه في مواجهة ضغوط الحاضر عبر ذكريات الطفولة وصور الماضي: "ما سر ذلك الشعور الذي يتملكك عندما تزور مقر بيتك القديم أو تتحسس بأناملك دراجتك القديمة المتهالكة!... ستستقر بنفسك في متجر الذكريات الهائمة، ستتسلل إلى أنفك رائحة عبق أشياء مضت... وحين تعصرك ضغوط الحاضر، ستشتهي الهرب إلى هوس قديم وحنين مفرط".
وأخيرًا يأتي التنويه ليؤكد أن النصوص ليست إلا "أقاصيص متناثرة من أفكارك ومشاعرك، كأنك أمام مرآة نافذة ترى فيها انعكاس العالم من ورائك"، أي أن القارئ سيجد نفسه في مرآة هذه النصوص وكأنها انعكاس لذاته.
من هنا تتحدد إشكالية هذه الدراسة: كيف توظف رانيا جمال ثنائية اللعبة/النوستالجيا في قصصها لتعيد التفكير في جدلية الأجيال، والذاكرة الجمعية والفردية، والهشاشة الإنسانية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، ستعتمد الدراسة على تحليل قصتين أساسيتين من المجموعة: «
هكذا أخبرني جدي (القصة الأولى، 1990)[3]، التي تمثل النوستالجيا الشفاهية الجمعية عبر شخصية الجد والبيت القديم،
و ألبوم عائلة فلاش (القصة الخامسة، 1994)[4]، التي تمثل النوستالجيا البصرية النفسية عبر الصور العائلية وجلسة العلاج.
المقارنة بينهما تكشف تنوع تقنيات السرد لدى الكاتبة من جهة، وكيفية إعادة صياغة اللعبة الرمزية "طوبة – ورقة – مقص" في سياقات مختلفة من جهة أخرى.
البيت كذاكرة جمعية في «هكذا أخبرني جدي»
1. المكان: البيت العتيق كحاضن للذاكرة
تبدأ القصة بتثبيت فضاء مكاني يذكّر القارئ بملامح البيوت الشعبية القديمة في حي السيدة زينب، حيث تتحول الجدران والأثاث إلى شخصيات صامتة تحمل الذاكرة. تقول الراوية: " « جلست بشرفة شقة جدي "سيد الحسن" بحي السيدة زينب الذي كان شاهدا على حكايات السلف الذين مروا بين جنباته وشوارعه، وسط أكثر من أربعين أثرًا إسلاميا وقبطي»[5]. هنا يصبح البيت أكثر من مجرد خلفية، بل حيزًا سرديًا يتوسط بين الماضي والحاضر.
الوصف الدقيق للبيت ("واجهة تطل على الشارع بها بروزات متزاكبة كابولية تلقى الظلال على واقعة الشارع نفسه"، ("الفسيفساء الملونة "، "نافورة مياه كتب عليها بالخط الكوفي آيات قرآنية")[6]. يعزز هذا الإحساس، محولاً إياه إلى متحف حي للذاكرة.
2. الشخصيات: الجدّ: الحجر الذي يمنح الثبات
الجدّ "سيد الحسن" يمثل عنصر الثبات في مواجهة تحولات الزمن. يُصوَّر باعتباره شخصية صلبة، لكنها أيضًا رحيمة وحنونة: " « بائعات الجبن الفلاحي واللبن الطازج يملكن العشم بأنهن لن يعدن خائبات إلى منازلهن لمجرد أن جدي "سيد الحسن" يستشعر إرهاقا في إحداهن فيجمع بعض المال ويدسه في لفافة القماش التي تحملها واحدة منهن ثم تختلس السير قبل أن تراها جدتي المتسلطة بطبعها وتوبخه كعادتها بجملتها المعهودة»[7].
هنا يتحول الجدّ إلى ما يشبه "الطوبة/الحجر" في عنوان المجموعة: رمز القوة الذي يحفظ للبيت توازنه الأخلاقي والإنساني.
دوره كحكاء ومعلم روحي ("الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح")[8] يجعله حاملاً للقيم الثابتة في عالم متغير.
3. الطفلة (حنين): الورقة الباحثة عن المعنى
حفيدة الجدّ (الراوية) تقف على النقيض؛ فهي هشة، كثيرة التساؤل، تبحث عن سند ومعنى:
"في تلك اللحظات الربانية نظرت نحو السماء... أين الله يا جدي؟[9].
"الورقة" هنا ترمز إلى هشاشة الطفلة وبراءتها، لكنها أيضًا قادرة على حمل أسئلة وجودية، بما يجعلها وسيطًا بين الماضي (الجد) والحاضر/المستقبل.
اكتشافها للمفكرة القديمة لاحقاً في القصة ("انساقت أناملي وراء تلك المفكرة الصغيرة... فأعادتني للوراء إلى سنوات متناهية البعد)[10]. يؤكد دورها كحلقة وصل بين الزمنين.
4. الزمن: الحاضر الذي يستدعي الماضي
القصة تُبنى على تداخل زمني: الراوية في الحاضر (مع زوجها كريم) تبحث عن أوراقها، لكن اكتشاف المفكرة القديمة يُعيدها إلى الطفولة وذكريات الجد.
هذا التداخل يخلق زمنًا دائريًا، حيث الماضي ليس منفصلاً بل جزءاً عضوياً من الحاضر.
تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) هنا ليست مجرد أسلوب سردي، بل هي تعبير عن كيفية عمل الذاكرة نفسها.
الرموز: الحكاية بوصفها حصنًا
في لحظة الذروة، يحوّل الجدّ الحكاية إلى حصن معرفي وأخلاقي في مواجهة الظلام والجهل: "أشار بسبابته نحو قلبي قائلاً: إنه هنا... الله خالق كل شيء وهو الغفور الرحيم، يرانا من حيث لا نراه ولكنه موجود في كل مكان".[11]
"الله هو النور... هو عالم الغيب لا يضاهيه كل ما يخطر في بالك، وإيماننا به هو ذلك النور الذي أودعه في قلب من آمن بإخلاص". [12]

بهذا تُصبح الحكاية الشفاهية نفسها أداة مقاومة ضد الضياع والظلام، وتجعل من الجدّ صوتًا أخلاقيًا للأجيال، حاملاً لـ "الطوبة" كرمز للثبات الإيماني والمعرفي.
5. اللغة: بين الحنين والتصوير الحسي
اللغة مشبعة بتفاصيل حسية دقيقة (روائح، أصوات، صور)، مثل:
"رافقنا راديو ترانزستور ينطلق بفؤاد صادق عبر الأثير بـ إذاعة القرآن الكريم من القاهرة ، ثم تنجمث ابتهالات الشيوخ بأصوات جعلت أبداننا تصاب بالقشعريرة، تلك الصورة الروحانية التي تسري إلى أعماق أفئستنا لتدخلنا كوة الهدوء والسكينة"[13].
هذه الصور تجعل النوستالجيا تجربة جسدية ونفسية معًا، حيث الذاكرة لا تعاش بالعقل فقط، بل بالحواس كلها.
إذن «هكذا أخبرني جدي» ترسم صورة متكاملة للذاكرة الجمعية من خلال البيت والجدّ والحكاية.
في هذا السياق يتجسد "الحجر" رمزًا للثبات، بينما تبقى الحفيدة "الورقة" الباحثة عن معنى في مواجهة ضغوط الحاضر.
الألبوم كذاكرة بصرية في «ألبوم عائلة فلاش»
1. الألبوم: الورقة التي تحتفظ بالزمن
القصة تبدأ بصورة حميمية بين ضحى وجدتها أسمهان، حيث يتحول الأرشيف العائلي والمجلات القديمة إلى نهر من النوستالجيا:
"بدأ ذلك النهر النابض بالثقافة والتطلع لمصادقة كتاب، بأرشيف على هيئة صندوق معدني صدئ مملوء بإصدارت مجلة المصور المصرية... وجد أسفل دوالب غرفة جدتها لأمها... جلست ضحى لتستريح فلمحت على الطاولة عددًا من مجلة فلاش نسيته سابقا، اعتبرته ضحى عالماً مثالياً استحوذ عليها بأحداثه المشوقة".[14].
الألبوم والمجلات هنا تمثل "الورقة": هشة وقابلة للتمزق، لكنها قادرة على الاحتفاظ بملامح الماضي وتقديمها للجيل الجديد كعوالم مثالية.
2. الجدة: حارسة النوستالجيا
الجدة تعيد شحن الصور والمجلات بالذاورة، من خلال استدعاء الماضي مقارنةً بالحاضر:
"كنا ننتظر الجرائد الأسبوعية بشوق ونتقاسمها مع الجيران... حتى الأفلام، تخيلي أنني كنت أذهب إلى السينما مع صديقاتي مرتين بالشهر، لمشاهدة أفلام عبد الحليم حافظ وكنا نحفظ تفاصيلها لسنوات... اليوم أصبح كل شيء أسرع وأسهل... ولكن أليس هذا يُفقد الأشياء بهاءها"[15].
بهذا، تتحول الجدة إلى ذاكرة حية تحفظ للماضي دفأه وقيمته، وتمنح ضحى رابطًا مع جيل سابق، لكنها أيضاً تطرح سؤالاً نقدياً حول ثمن السرعة والحداثة.
3. الطفلة ضحى: بين الدهشة والبحث عن هوية
ضحى تُظهر براءة الطفولة، لكنها أيضًا تعكس وعيًا مبكرًا باختلاف الأجيال:
«قالت لها ضحى بطفولة: كيف كانت العلاقات يا جدتي؟ هل كانت أكثر دفئًا؟»[16].
هذا التساؤل يعكس محاولة لفهم الفارق بين زمن الطمأنينة البطيء وزمن السرعة الرقمي، وكيف شكلت تلك العلاقات الدافئة هوية الجدة التي تفتقدها ضحى في حاضرها.
4. الانتقال إلى جلسة العلاج: المقص الذي يقطع الوهم
ينقلنا السرد فجأة إلى حاضر الشخصية وقد أصبحت طبيبة ثلاثينية، تعاني من قلق واكتئاب، في جلسة علاج نفسي:
«بإحدى عيادات الطب النفسي بحي المهندسين في توتر بعينين زائغتين جلست امرأة ثلاثينية تفرك في أصابعها لأنها تكره الانتظار... هانت يا دكتورة ضحى لقد اقترب دورك»[17].
ثم يتجسد رمز "المقص" في الجلسة العلاجية، حيث يحاول الطبيب النفسي قطع حلقة الاكتئاب والأفكار السلبية المرتبطة بالماضي:
«الاكتئاب يا ضحى مثل تلك الدائرة التي تصفينها، أحيانًا نشعر وكأننا محاصرون بداخلها، ولكن دائما هناك مخرج، حتى لو بدا بعيدًا.. أحياناً تكون المشكلة ليست في الحدود، بل في منظورنا للأمور»[18]
"القوة التي تشعرين أنك تنقصك هي في الواقع داخلك، لكنها تحتاج إلى تفعيل وأول الخطوات أن تمنحي نفسك الإذن بأن تشعري فقط دون مقاومة".[19]
هنا يتحول الطبيب النفسي إلى أداة لـ "قطع" أسر الماضي والوهم، وللمواجهة المباشرة مع الحاضر. إنه "المقص" الذي يفصل بين الذاكرة المُعَطِّلة والذاكرة المحفزة.
5. النوستالجيا المزدوجة: الدفء والجرح
بينما تمنح النوستالجيا في الطفولة دفئًا ومتعة، فإنها في الحاضر تتحول إلى جرح مفتوح وسبب للاكتئاب:
"أحياناً أشعر أنني أعيش في الماضي وأتذكر أحلامي عندما كنت في سن أصغر، وأهم حلم لي أن أكون عروساً، لم أتصور أنني سأصل إلى هذا العمر دون أن أحقق هذا الحلم".[20]
"كنت أرى في عائلة فلاش عائلة مثالية جداً... هذا طبيعي عندما يكون هناك حلم عزيز علينا لم يتحقق".[21]
هكذا نرى أن النوستالجيا ليست دائمًا ملاذًا، بل قد تصبح عبئًا نفسيًا يحتاج إلى مواجهة و "قطع".
5. اللغة: من البصري إلى النفسي
اللغة في القصة تنتقل من تصوير بصري دقيق للبيت والمجلات («جو سبتمبري يرطب على الناس حرارة فصل الصيف لتبدأ فيه بشائر العودة إلى المدرسة، مع انسياب ظلال الشمس على أثاث البيت القديم»[22] إلى لغة تحليلية في جلسة العلاج. هذا التحول يعكس انتقال النوستالجيا من حنين طفولي إلى أزمة نفسية عميقة تحتاج إلى تدخل "مقص" العلاج.
وبهذا، تضع «ألبوم عائلة فلاش» القارئ أمام وجه آخر للنوستالجيا: ليست مجرد حنين دافئ، بل مرآة لانكسارات الذات، حيث الورقة (الألبوم) تحفظ الماضي لكنها تكشف هشاشة الحاضر، والمقص (الطبيب) يتدخل لقطع دائرة الألم.
من الحجر إلى الورقة: المقارنة بين «هكذا أخبرني جدي» و«ألبوم عائلة فلاش»
1. المكان: البيت كذاكرة حية
في القصتين، يمثل البيت مركز الذاكرة ومرآة للزمن.
في «هكذا أخبرني جدي»: البيت ذو الطابع التاريخي والديني (حي السيدة زينب، الآثار) يشكل حصناً للقيم والهوية الجمعية.
«جلست بشرفة شقة جدي "سيد الحسن" بحي السيدة زينب الذي كان شاهدا على حكايات السلف الذين مروا بين جنباته وشوارعه، وسط أكثر من أربعين أثرًا إسلاميا وقبطيا»[23].
في «ألبوم عائلة فلاش»: البيت ذو الطابع العائلي الخاص (غرفة الجدة، الألبوم، المجلات) يشكل متحفاً شخصياً للذكريات الحميمة.
«جو سبتمبري يرطب على الناس حرارة فصل الصيف لتبدأ فيه بشائر العودة إلى المدرسة، مع انسياب ظلال الشمس على أثاث البيت القديم»[24].
كلا المكانين يتحولان إلى مخزن للذاكرة، لكن الأول يغلب عليه الطابع التاريخي (السيدة زينب)، بينما الثاني يأخذ طابعًا عائليًا بصريًا (ألبوم وصور ومجلات).
2. الشخصيات: الجدّ مقابل الجدة
في «هكذا أخبرني جدي»: الجد (الذكورة) هو بطل السرد ورمز الثبات والقوة اليقينية ("الحجر"). يحمل الحكمة والإيمان ويورثهما. «أشار بسبابته نحو قلبي قائلا: الله في قلوبنا جميعًا»[25].
في «ألبوم عائلة فلاش»: الجدة (الأنوثة) هي الذاكرة الحية التي تحفظ الدفء والعواطف والعلاقات ("الورقة"). تحمل الحنين والجماليات اليومية. «نحن كنا ننتظر كل شيء بشغف حتى الأفلام... كنا نزور بعضنا يوميًا، وتتحدث لساعات بلا هواتف ولا رسائل نصية»[26].
إذن، الذكورة (الجد) ترتبط بالصلابة واليقين، في حين أن الأنوثة (الجدة) ترتبط بالدفء والنوستالجيا.
3. الأطفال/الأحفاد: الورقة الهشة الباحثة
في القصتين، الأحفاد (حنين، ضحى) يمثلون "الورقة": حساسة وهشة، لكنها تبحث عن المعنى وتشكل جسراً بين الماضي والحاضر.
في «هكذا أخبرني جدي»:
«في تلك اللحظات الربانية نظرت نحو السماء… أين الله يا جدي؟»[27].
في «ألبوم عائلة فلاش»:
«قالت لها ضحى بطفولة: كيف كانت العلاقات يا جدتي؟ هل كانت أكثر دفئًا؟»[28].
4. الزمن: من الاسترجاع إلى الدائرة المظلمة
كلا القصتين تقومان على استدعاء الماضي، لكن بطريقة مختلفة:
في «هكذا أخبرني جدي»: الزمن دائري إيجابي. استدعاء الماضي يضيء الحاضر ويمنحه الطمأنينة والمعنى.
«انساقت أناملي وراء تلك المفكرة الصغيرة… فأعادتني للوراء إلى سنوات متناهية البعد»[29].
في «ألبوم عائلة فلاش»: الاسترجاع يتحول إلى دائرة مغلقة من الألم. التعلق بالماضي المثالي (عائلة فلاش) يعيق التكيف مع الحاضر.
«تنهدت ضحى وقالت في خفوت: لا أعلم كيف أصف حالي، كأنني عالقة في دائرة مظلمة لا أرى لها مخرجا»[30].
5. الرمزية: الحجر – الورقة – المقص
في «هكذا أخبرني جدي»: تسيطر ثنائية "الحجر" (الجد، الثبات) و "الورقة" (الحفيدة، التلقي). العلاقة بينهما تكاملية وشافية.
في «ألبوم عائلة فلاش»: تتحول "الورقة" (الذكريات، الألبوم) إلى مصدر للألم، مما يستدعي تدخل "المقص" (العلاج النفسي) لقطع الحلقة المفرغة. العلاقة هنا تحتاج إلى فصل ومواجهة.
هكذا تترجم الكاتبة اللعبة الشعبية "حجر – ورقة – مقص" إلى رموز سردية متكاملة.
6. النوستالجيا: حنين أم عبء؟
في «هكذا أخبرني جدي»: النوستالجيا منحة (أمان، يقين، هوية).
«رافقنا راديو ترانزستور ينطلق بفؤاد صادق عبر الأثير... ثم تنبعث ابتهالات الشيوخ بأصوات جعلت أبداننا تصاب بالقشعريرة»[31].
في «ألبوم عائلة فلاش»: النوستالجيا عبء (وهم، اكتئاب، حنين مرضى).
«أخرجت كيسًا بلاستيكيا من حقيبتها وأخذت تتحسسه في حنو مثلما تربت على جسد طفل رضيع... ثم طأطأت رقبتها نحو الأرض»[32].
خلاصة المقارنة: القصتان تقدمان رؤيتين متكاملتين لفكرة اللعبة الرمزية.
«هكذا أخبرني جدي» = الحجر + الورقة (ثبات الماضي وهشاشة الحاضر في علاقة تكاملية).
«ألبوم عائلة فلاش» = الورقة + المقص (هشاشة الذاكرة والحاجة إلى القطع والفصل).
كلاهما يستخدم النوستالجيا، لكنها في الأولى قناة إيجابية للتواصل، وفي الثانية دائرة مظلمة تتطلب مواجهة.
نقاط القوة والضعف في المجموعة (بناءً على التحليل السابق)
نقاط القوة
الرمزية الذكية للعنوان
الاعتماد على لعبة «طوبة ورقة مقص» عنوانًا للمجموعة يوفّر إطارًا تأويليًا غنيًا، حيث تتحول عناصر اللعبة إلى رموز سردية: الحجر = الثبات (الجد/البيت)، الورقة = الذاكرة الهشة (الألبوم، الأحفاد)، المقص = المواجهة والقطع (العلاج النفسي، وعي الذات).
التوظيف المتنوع للنوستالجيا
النوستالجيا ليست مجرد حنين؛ فهي
في «هكذا أخبرني جدي» ملاذ روحي يعيد اليقين، بينما في «ألبوم عائلة فلاش» تتحول إلى جرح نفسي يحتاج القطع. هذا التنوع يثري البناء الفني.
وهكذا تم تقديمها كقوة شفائية وأحياناً كمصدر للألم، مما يضيف عمقاً نفسياً.
التقاطع بين الأجيال
القصص تؤسس لحوار بين الجد/الجدة والأحفاد، بين زمن الطمأنينة وزمن الاغتراب الرقمي، وهو ما شكل بناء حوار درامي بين الماضي والحاضر، يكشف عن تحولات اجتماعية عميقة.
اللغة الحسية
توظف الكاتبة الصور الحسية بمهارة، مثل قولها:
«رافقنا راديو ترانزستور ينطلق بفؤاد صادق عبر الأثير... ثم تنبعث ابتهالات الشيوخ بأصوات جعلت أبداننا تصاب بالقشعريرة»[33].
هذه اللغة تجعل القارئ يعيش التجربة بجسده وحواسه من خلال الاستخدام المكثف للوصف الحسي (السمعي، البصري، الشمي) لخلق تجربة نوستالجية غامرة.
البنية السردية المرنة
تراوح النصوص بين الحكاية الشفاهية (جد يحكي)، والأرشيف البصري (ألبوم صور)، والتحليل النفسي (جلسة علاج)، ما يكشف عن وعي بالتجريب الفني.
نقاط الضعف
كثافة النوستالجيا
رغم جمالياتها، فان هيمنة الحنين على معظم النصوص قد تُفقدها عنصر المفاجأة وتُضعف التنوع الموضوعي.
ضعف الحوار المباشر
الحوارات قليلة جدًا مقارنة بالسرد الوصفي (الاعتماد الكبير على السرد الداخلي والوصف على حساب الحوار الحواري الحيوي الذي يحرك الأحداث) وهو ما يقلل من ديناميكية النصوص ويجعل بعضها أقرب إلى التداعي أو اليوميات.
النزعة التفسيرية
في بعض المواضع، تلجأ الكاتبة إلى الشرح المباشر بدلًا من الإيحاء، كما في عتبة التصدير: «قد تعتبر آلية دفاع العقل عن نفسية إنسان يواجه صعوبة في التكيف» ايضا فى يعض مقاطع الحوار العلاجي، والتي تقترب من الخطاب التحليلي التقريري على حساب الإيحاء الأدبي.
نهايات مفاجئة أو مبتسرة
خاصة في «ألبوم عائلة فلاش»، حيث ينتهي النص فجأة عند جلسة العلاج دون بناء ذروة درامية ممتدة، كان الامر فى حاجة إلى بناء درامي أكثر إشباعاً.
الخاتمة النقدية
تشكل مجموعة «طوبة ورقة مقص» لتجربة قصصية ذات خصوصية، تستلهم لعبة طفولية شعبية لتبني منها منظومة رمزية معقدة تعكس تحولات الفرد والمجتمع في حقبة زمنية مضطربة.
من خلال قصتي «هكذا أخبرني جدي» و«ألبوم عائلة فلاش»، تقدم رانيا جمال صورتين متباينتين للنوستالجيا: الأولى كملاذ يعيد ترتيب الوجود ويوفر اليقين، والثانية كجرح نفسي يحتاج إلى تدخل "مقص" العلاج والمواجهة.
هذا التباين يكشف عن وعي كاتب بإشكاليات الذاكرة؛ فالنوستالجيا ليست قيمة ثابتة، بل هي تجربة إنسانية معقدة نتاج تفاعل بين الماضي وواقع الحاضر وتوقعات المستقبل.
اللغة الغنية والوصف الحسي في القصة الأولى، والتحول إلى التحليل النفسي في الثانية، يظهران سعياً للتجريب ومواكبة تعقيدات التجربة الإنسانية.
التحدي الأكبر الذي تواجهه الكاتبة في أعمالها القادمة هو تطوير البناء الدرامي للحوار والحدث، وتنويع الموضوعات لتتجاوز فضاء الذاكرة الشخصية إلى آفاق أوسع، مع الحفاظ على حساسيتها اللغوية وقدرتها على تشييد العوالم الرمزية.
بذلك، تكون «طوبة ورقة مقص» قد منحت رانيا جمال بداية مميزة فى عالم القصة القصيرة المعاصرة، كصوت يجيد تحويل الحنين من مجرد عاطفة إلى إشكالية فنية وفلسفية عميقة.
المصادر والمراجع
المراجع
(1) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص (مجموعة قصصية). القاهرة: الرقيم للطباعة والنشر.
(2) أليس فيني. Rock Paper Scissors. لندن: HarperCollins, 2021.
الدوريات
(1) حمادة فرج. (2023). حمادة فرج يحاور الكاتبة رانيا جمال مرسي بنت السويس. جريدة دايلى برس مصر. https://www.dailypressmasr.com/2023/02/blog-post_839.html


(1) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص (مجموعة قصصية). القاهرة: الرقيم للطباعة والنشر.
(2) اعددت هذه الدراسة لتقديمها خلال ندوة نادى القصة بقاعة الهناجر بدار الاوبرا مساء السبت 20 سبتمبر 2025
(3) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 7-14
(4) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 30-37
(5) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 8
(6) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 8
(7) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 10
(😎 تستعين الكاتبة بهذه الابات فى ص 10
(9) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 10
(10) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 9
(11) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 12
(12) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 13
(13) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 10
(14) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 31
(15) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 31
(16) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 32
(17) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 32
(18) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 34
(19) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 34
(20) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 35
(21) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 35
(22) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 31
(23) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 8
(24) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 31
(25) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 12
(26) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 32
(27) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 10
(28) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 32
(29) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 9
(30) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 33
(31) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 10
(32) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 33
(33) رانيا جمال. (2024). طوبة ورقة مقص ص 10



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- -جراح قديمة-: جدلية السيناريو والبناء النفسي في تمثيل المرأة ...
- البناء السردي والهوية القومية وصورة المثقف في مواجهة السلطة ...
- جدلية الوجود والفناء في السرد القصصي عند خالد جودة: قراءة في ...
- نعى متأخر للكاتب محمد حافظ رجب
- غرفة بلا نوافذ: الصراع الداخلي والتحرر النفسي في رؤية إيناس ...
- ناسكة: التصوف الجسدي والأنوثة المتجاوزة – قراءة في جدلية الج ...
- -المسّ العاشق- لأحمد عبده: مقاربة سردية–نفسية–سوسيوثقافية في ...
- الإنسان المكسور بين اغتراب الذات وقهر المجتمع: قراءة سوسيو–ن ...
- الحنين الجواني وصدى التحول: قراءة نقدية في -صوت من الماضي- ل ...
- ما ليست عليه الرواية وما تُخفيه .. قراءة في التابوهات الثلاث ...
- «التجريب السردي والبعد النفسي في ‹فتاة من برشلونة›.. قراءة م ...
- حوارية النص والناقد: قراءة في ديوان خيمة الليل لجابر بسيوني
- “تمثيلات القلق الوجودي والعدالة المؤجلة: دراسة سردية–تأويلية ...
- بيدرو بارامو والواقعية السحرية – دراسة نقدية
- اليومي والهامشي في النص السردى «ككل ليلة»: قراءة نقدية بين أ ...
- الواقع المنهك والذات المحاصرة: دراسة في البنية الاجتماعية وا ...


المزيد.....




- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - النوستالجيا ورمزية اللعبة في -طوبة ورقة مقص- لرانيا جمال: قراءة في قصتي «هكذا أخبرني جدي» و«ألبوم عائلة فلاش»