|
|
اليومي والهامشي في النص السردى «ككل ليلة»: قراءة نقدية بين أدب اليوميات والتعبير السردي النفسي
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 14:47
المحور:
الادب والفن
﷽
بقلم عصام الدين أحمد صالح
أولاً: المقدمة التمهيد يأتي النص السردى «ككل ليلة: يوميات حارس الأمن» لمحمود أبو النصر في سياق سردي مغاير للتيار السائد، تنتمي إلى ما يمكن تسميته "السرد التأملي اليومي" الذي يلتقط التفاصيل الصغيرة في حياة الإنسان العادي ليحولها إلى مادة للتأمل الجمالي والفلسفي. الكاتب محمود أبو النصر (مواليد 1958) يمثل نموذجاً للكاتب المتأمل الذي ينتمي إلى الهامش، بدأ مسيرته عام 1981 ثم توقف لعقدين من الزمن ليعود عام 2009 بعمل ناضج يعكس تراكم الحياة وخبرة الصمت.
الإشكالية تكمن إشكالية الدراسة في السؤال: كيف تتحول اليوميات - كشكل كتابي بسيط - إلى وسيلة فنية لكشف البنية النفسية والاجتماعية لشخصية الهامش، وإلى تعبير رمزي عن الوجود الإنساني في زمن التكرار؟
ثانيًا: الإطار النظري والمنهجي المناهج المتبعة: • المنهج السردي: تحليل البنية السردية وتقنيات السرد والزمن والشخصيات • المنهج النفسي: استكشاف الدوافع والعزلات والقلق الوجودي في وعي الشخصية • المنهج السوسيوثقافي: قراءة الطبقة والمهنة والمكان في أبعادها الاجتماعية والرمزية
ثالثًا: التحليل التطبيقي 1. فلسفة بناء اليوميات وتقسيمها الزمني البناء الرباعي كمسار وجودي يقسم أبو النصر روايته إلى أربع مجموعات زمنية تشكل خريطة تطور الوعي:
الأيام الأول: البدايات البريئة "أجلس على الكرسي، أسجل أرقام العربات..." اللغة هنا واقعية تسجيلية، تعكس وعياً سطحياً بالعالم.
الأيام التالية: صحوة التساؤل ".. قالوا : كن منتبها حتى لا يسرق منه شيء، كان بكامل أثاثه ومعداته، أطالع المكان وأنظر من أعلي إلى الشبابيك المفتوحة والتي تظهر المرضى، منهم من يئن، منهم من يضحك، وآخر في شباك بعيد يُقبل الممرضة ." هنا يبدأ التحول من المراقبة إلى التأمل.
الأيام قبل الأخيرة: أزمة المعنى " ظللت أسير وأحادث نفسي حتى مللت السير والكلام بصوت عال في آخر الليل ." اللغة تصبح أكثر تكثيفاً وشاعرية.
الأيام الأخيرة: المصالحة الهادئة " أجلس أمام البرج بجانب سور عال، في تلك الساعة يقل مرور العربات والناس . " نبرة الاستسلام الحكيم للقدر.
الدلالة الفلسفية للتقسيم يمثل هذا التقسيم دورة الوجود الإنساني: من البراءة إلى القلق، فالأزمة، فالمصالحة. كل مرحلة تكشف عن عمق مختلف في علاقة الذات بالزمن.
2. أدب اليوميات: السياق الفني والتاريخي الجذور والامتدادات ينتمي هذا النص لتقليد أدب اليوميات الذي يحول الخاص إلى عام، واليومي إلى وجودي. وهو يستلهم من: • تقاليد اليوميات العربية. • أدب الاعترافات العالمي. • الكتابات الوجودية عن العزلة والاغتراب.
الخصوصية الفنية تميز أبو النصر في: • نقل اليوميات من البرج النخبوي إلى أرض الواقع الاجتماعي • تحويل المهنة البسيطة إلى استعارة وجودية • استخدام التكرار كإستراتيجية جمالية وليس نقصاً "ما يميز تجربة أبو النصر هو قدرته على كتابة اليوميات من داخل الهامش، لا من خارجه"
3. التحليل السردي الراوي ووجهة النظر: الراوي هو حارس أمن يستخدم ضمير المتكلم، محدود الرؤية، يخلط بين البراءة والرغبة: "أجلس على الكرسي، أسجل أرقام العربات التي تدخل الباركنج، وأطالع الزوار، أسمع أنين أهل الموتى من غرفة المغسلة المجاورة، ووقع أقدام سرب من الممرضات الجميلات يعبرن إلى الصيدلية ليتسلمن أدوية أقسامهن"
الزمن الروائي: زمن دائري متكرر يعكس الرتابة الوجودية، حيث يتحول الليل من وحدة زمنية إلى حالة وجودية: "أطالع كل ليلة سرب العربات والمارة، والكازينو المجاور حيث يدخل أفراد الفرقة بآلاتهم، والراقصة التي تأتي بعدهم بقليل"
المكان الروائي: فضاءات مغلقة ترمز للعزلة والاغتراب: "في الدور الأخير عنبر - جديد لم يفتتح بعد. طلبوا مني أن أصعد لأفتحه لعمال النظافة" النص السردى يعتمد على التكثيف والواقعية أكثر من الفلسفة المباشرة، وتعبّر عن الأفكار العميقة من خلال المشاهد اليومية البسيطة بدلاً من التصريحات الفلسفية.
4. التحليل الموضوعاتي/الدلالي ثنائية اليومي والوجودي: تتحول المهمة اليومية البسيطة إلى تساؤل وجودي عميق: "أجلس على الكرسي، أسجل أرقام العربات التي تدخل الباركنج، وأطالع الزوار، أسمع أنين أهل الموتى من غرفة المغسلة المجاورة؟
الزمن قدرا محتوماً الليل يتحول من وحدة زمنية إلى رمز شامل للوجود: "أطالع كل ليلة سرب العربات والمارة، والكازينو المجاور حيث يدخل أفراد الفرقة بآلاتهم، والراقصة التي تأتي بعدهم"
الهامش بوصفه مركزاً الحارس المهمش في السلم الاجتماعي يصبح محور السرد والمعنى: "كنت أجلس مقهورا في غرفة الأمن أنتظر الممرضات والمرضى؛ كان هو يغدو ويروح منتظرا ساعة خروج أصحاب العربات"
5. البعد النفسي الحارس كذات مأزومة يعيش الحارس صراعاً داخلياً بين النظام المهني المفروض والرغبة في التحرر من قيود التكرار: "ظللت طوال المكالمة أتعلل بأشياء، وأحكي عن أفعال حتى انعم بشدو هذا الصوت"
القلق والملل كأعراض وجودية الملل لا يبقى مجرد إحساس عابر بل يتحول إلى وجه من وجوه القلق الوجودي: "ظل يدور في المستشفى حائرا حزينا ويردد: أنا السبب"
الكتابة كآلية علاجية الدفتر اليومي يتحول من مجرد سجل أعمال إلى وسيلة للبقاء ومقاومة النسيان: "أطالع المكان وأنظر من أعلي إلى الشبابيك المفتوحة والتي تظهر المرضى، منهم من يئن، منهم من يضحك، وآخر في شباك بعيد يُقبل الممرضة"
6. البعد السوسيوثقافي النص السردى كمرآة للهامش الاجتماعى: الحارس يمثل نموذجاً للطبقة العاملة الصامتة التي تقوم على هامش المجتمع: "كنت أجلس مقهورا في غرفة الأمن أنتظر الممرضات والمرضى "
المكان كبنية اجتماعية: البرج، المستشفى، الكازينو - تمثل طبقات اجتماعية متجاورة لكنها لا تتفاعل: "سعيد كان دائما بذلك العمل، بينما كنت أجلس مقهورا في غرفة الأمن"
7. البنية الجمالية الاقتصاد السردي: لغة مقتصدة مشحونة بالإيحاء، تخلق من البساطة عمقاً تأملياً: "أجلس أمام البرج بجانب سور عال، في تلك الساعة يقل مرور العربات والناس"
التكرار كإيقاع: تعبير "كل ليلة" يتردد كنبض لغوي يوازي نبض الزمن نفسه، محولاً الرتابة إلى شعرية: " أطالع كل ليلة سرب العربات والمارة، والكازينو المجاور حيث يدخل أفراد الفرقة بآلاتهم، والراقصة التي تأتي بعدهم بقليل." التكرار في النص لا يأتي كتصريح فلسفي مباشر ("كل ليلة مثل التي قبلها")، بل يتجلى من خلال: • تكرار الفعل "أطالع كل ليلة" الذي يؤسس لإيقاع زمني متجدد • تكرار المشاهد الليلية مع تنوع التفاصيل الدقيقة • البنية الدائرية التي تعيد القارئ إلى نقطة البداية مع تقدم بسيط في الوعي النص يعبر عن التكرار من خلال الممارسة الفعلية وليس الوصف المباشر، وهذا أكثر توافقاً مع أسلوبه الواقعي والتأملي.
الرموز البصرية: • الليل: رمز الغموض والوعي والوجود • الضوء الباهت: رمز الوعي المحدود والناقص • الممر الطويل: رمز الحياة الممتدة بلا نهاية واضحة • الكرسي: رمز الوجود الساكن والثبات في الهامش
رابعًا: التلقي والنقد موقع هذا النص في المشهد السردي اجمعت الاراء فى ندوة الاحد لمناقشة النص انه من الاقضل نسبة هذا النص الى جنس "المتتالية القصصية" بدلا من الرواية اذ ينتسب النص إلى الحساسية الجديدة في السرد المصري المعاصر، حساسية البطء والإنصات والوعي الفردي الصامت. والنص يمثل إضافة نوعية لأدب اليوميات العربي، محولا الشكل التوثيقي التقليدي إلى بنية فنية قائمة على التكرار والاختزال.
التلقي النقدي: رغم هدوء هذا النص السردى واقتصاده السردي، يتيح بنيته إمكانات واسعة للتأويل النفسي والاجتماعي. وينجح في تحقيق توازن دقيق بين البساطة الشكلية والعمق الدلالي، مقدمّةا نموذجاً لأدب "الانتباه البطيء" الذي يتحول فيه القارئ إلى شريك في تأمل الصمت وبناء المعنى.
خامسًا: الخاتمة النقدية نقاط القوة: • الاقتصاد الفني المتميز • لغة مكثفة مشحونة بالإيحاء • بناء محكم رغم البساطة • العمق الرمزي • تحويل اليومي إلى استعارة وجودية • شبكة رمزية متماسكة (الليل، الممر، الكرسي) • الأصالة في الرؤية • تقديم صوت المهمشين بصدق • تجديد شكل اليوميات روائياً • التوازن النادر • بين الواقعي والرمزي • بين الفردي والجماعي • بين المحلي والعالمي
نقاط الضعف: • الركود الحركي • قد يمل بعض القراء من غياب الحبكة التقليدية • الإيقاع البطيء قد لا يناسب جميع الأذواق • الغموض أحياناً • بعض الرموز تحتاج لقارئ متخصص • الغموض في هوية بعض الشخصيات • المحدودية المكانية • حبس الأحداث في فضاءات مغلقة • غياب التنوع الجغرافي
التقييم النهائي يعد النص السردى «ككل ليلة» لمحمود أبو النصر عملاً سردياً متفرّداً يجمع بين التجربة الفردية الهادئة والرؤية الوجودية المتأملة. رغم بعض المآخذ، يبقى عملاً متميزاً يستحق الدراسة، ويشكل إضافة حقيقية لتاريخ الكاتب السردى، ويمثل صوتاً أصيلاً للكتابة من قلب الهامش. القيمة الجوهرية للعمل تكمن في كونه يؤكد أن الأدب الحقيقي يمكن أن يكتب من أبعد الأماكن هامشية، وأن الكتابة يمكن أن تكون وسيلة خلاص في مواجهة العدم. النص السردى او هذه المتتالية القصصية في جوهرها ليست عن حارس في ليل المدينة، بل عن إنسان يحرس وجوده من التلاشي، ويكتب ليبقى حاضراً في عالم ينسى بقدر ما يعيش.
المراجع المؤلفات العربية (1) محمود أبو النصر. (2024). يوميات حارس الأمن.
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الواقع المنهك والذات المحاصرة: دراسة في البنية الاجتماعية وا
...
المزيد.....
-
150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
-
المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
-
-الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان
...
-
هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
-
كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل
...
-
خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ
...
-
21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
-
في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
-
رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
-
الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|