أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - -المسّ العاشق- لأحمد عبده: مقاربة سردية–نفسية–سوسيوثقافية في تمثلات الفحولة والعجز والخيال الصوفي















المزيد.....



-المسّ العاشق- لأحمد عبده: مقاربة سردية–نفسية–سوسيوثقافية في تمثلات الفحولة والعجز والخيال الصوفي


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 07:36
المحور: الادب والفن
    


أولا: المقدمة والإطار العام للدراسة
التعريف بالمؤلف
تندرج رواية «المسّ العاشق»[1] لأحمد عبده[2] ضمن الأعمال الروائية التي تتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة البنية العميقة للوعي الجمعي، حيث لا تُطرح الفانتازيا بوصفها انزياحًا عن الواقع، بل بوصفها أداة كاشفة لأزماته المستترة. فالرواية، في ظاهرها، تحكي عن قرية تتهم رجلًا صوفيًا بالتسلل إلى أحلام نسائها، غير أن بنيتها الرمزية تُفضي إلى ما هو أبعد من واقعة الاتهام، لتكشف عن مجتمع مأزوم يُسقط عجزه على فرد، ويحوّل الوهم إلى يقين جماعي.
ينفتح النص منذ عتبته الأولى على أفق تأويلي يستدعي القراءة الباطنية، كما يوحي تصديره بعبارة ابن عربي: «فاصرف الخاطر عن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما»، وهو توجيه لا يخص المعنى الصوفي وحده، بل يطال البنية السردية نفسها؛ إذ تتأسس الرواية على طبقتين: طبقة الحكاية الواقعية، وطبقة الدلالة الرمزية التي تجعل من "المسّ" استعارة لحالة اغتراب جمعي، ومن "العشق" توترًا بين الرغبة والقداسة، بين الجسد والروح.
لا تكتفي الرواية بإعادة إنتاج سؤال الشهوة أو الاتهام الأخلاقي، بل تعيد صياغته ضمن شبكة معقدة من العلاقات: السلطة والهيمنة، الذكورة والعجز، الشائعة كآلية ضبط اجتماعي، والصوفية بوصفها ملاذًا أو مواجهة.
ومن هنا، فإن النص لا ينتمي إلى الفانتازيا بمعناها الهروبي، بل إلى كتابة عجائبية نقدية، توظف الغيبي لتعرية الواقعي.
تتمحور هذه الدراسة[3] حول فرضية أساسية مؤداها أن «المسّ العاشق» لا يعالج ظاهرة التلبس أو الهوس العاطفي بقدر ما يعالج آلية إسقاط جماعي يُنتج كبش فداء، ويعيد تثبيت بنية السلطة في مجتمع مأزوم. فابن حتحوت ليس مجرد شخصية روائية، بل موقع رمزي يتقاطع فيه النفسي والاجتماعي والميتافيزيقي.
وانطلاقًا من ذلك، ستتناول الدراسة الرواية عبر مقاربة متعددة المستويات: تحليل البنية السردية، المدخل الموضوعاتي، القراءة النفسية (الفرويدية–الصوفية)، المدخل السوسيوثقافي، ثم البنية الجمالية والرمزية، وصولًا إلى دراسة التلقي والنقد، بما يسمح ببناء رؤية شاملة لا تفصل الشكل عن الدلالة، ولا الفرد عن الجماعة.
إن الرهان الأساسي في هذه القراءة هو الكشف عن الكيفية التي تتحول بها الخرافة إلى نظام ضبط، والرغبة إلى أداة اتهام، والعشق إلى اختبار للوعي الجمعي؛ بحيث يغدو السؤال الحقيقي في الرواية ليس: من الذي مسّ النساء؟ بل: لماذا احتاج المجتمع إلى هذا المسّ كي يبرر عجزه؟
ثانيًا: الإطار النظري والمنهجي
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تكاملية تتجاوز القراءة الأحادية، انطلاقًا من طبيعة النص ذاته، الذي يتقاطع فيه الواقعي بالغرائبي، والنفسي بالاجتماعي، والصوفي بالسياسي.
ولأن «المسّ العاشق» نصٌّ مركب في بنيته ودلالته، فإن قراءته تقتضي تعددًا منهجيًا منضبطًا، لا يقوم على تجميع المناهج بقدر ما يسعى إلى توظيفها بوصفها أدوات تفسيرية متساندة.
أولًا، تعتمد الدراسة على التحليل السردي للكشف عن آليات بناء الحكاية، وموقع الراوي، وتعدد الأصوات، وطبيعة العلاقة بين الواقعي والعجائبي. ويُستفاد هنا من مفهوم «السرد غير الموثوق» بوصفه أداة لفهم التباس الحقيقة داخل النص، لا باعتباره حكمًا نهائيًا على الراوي، بل بوصفه مؤشرًا على أزمة إدراك أوسع تمس الجماعة بأكملها.
ثانيًا، تستند القراءة إلى التحليل النفسي الفرويدي، خصوصًا في مفاهيم الكبت، والرغبة، والخصاء الرمزي، مع الإفادة من الامتداد اليونغي لمفهوم «الظلّ» بوصفه تمثيلًا لما تقمعه الذات الجمعية وتُسقطه على الآخر. غير أن هذا المدخل لا يُوظف بمعزل عن السياق الثقافي، بل يتقاطع مع أفق صوفي مستمد من مفهوم العشق بوصفه توترًا بين الجسد والروح، وبين الرغبة والتطهير. ومن ثمّ، فإن القراءة النفسية هنا ليست إسقاطًا خارجيًا، بل استجابة لبنية نصية مشبعة بالحلم والرؤيا والالتباس.
ثالثًا، تتكئ الدراسة على مقاربة سوسيوثقافية تستحضر مفاهيم السلطة الرمزية، وآليات الضبط الاجتماعي، ودور الشائعة في إنتاج الحقيقة الجمعية. فالقرية في الرواية ليست مجرد إطار مكاني، بل بنية سلطوية تُعيد إنتاج نفسها عبر خطاب أخلاقي ظاهري، يتقاطع مع القهر والرغبة والهيمنة.
رابعًا، تُستثمر بعض أدوات النقد النسوي لفحص تمثيل الجسد الأنثوي، وحدود الشخصيات النسائية داخل بنية أبوية تقليدية، دون افتراض مسبق بانحياز النص أو تبرئته؛ إذ تنطلق القراءة من تحليل الأداء السردي ذاته، لا من موقف أيديولوجي جاهز.
منهجيًا، لا تُعالج هذه المداخل بوصفها محاور منفصلة، بل بوصفها مستويات قراءة تتقاطع داخل النص؛ فالبنية السردية تكشف آليات التمثيل، والتحليل النفسي يضيء الدوافع، والمقاربة السوسيوثقافية تفكك السياق، بينما يسمح البعد الرمزي بربط هذه المستويات ضمن أفق تأويلي واحد.
وبذلك، تسعى الدراسة إلى بناء قراءة تتجنب الاختزال:
فلا تُرجع الرواية إلى مرض نفسي فردي، ولا تحصرها في نقد اجتماعي مباشر، ولا تذيبها في تأويل صوفي خالص؛ بل تنظر إليها بوصفها نصًا يتولد معناه من توتر هذه المستويات جميعًا.
ثالثًا: البنية السردية في «المسّ العاشق»
تنهض رواية «المسّ العاشق» على بنية سردية ملتبسة، تتجاور فيها مستويات الإدراك، ويتحول فيها الحدث من واقعة محتملة إلى خطاب اجتماعي مكتمل. فالنص لا يقدّم الحكاية بوصفها حقيقة منجزة، بل يضعها في منطقة وسطى بين الرؤية والتأويل، وبين الحلم والتصديق.
1. موقع الراوي وإشكالية الموثوقية
يتخذ السرد من ابن حتحوت بؤرة للرؤية، غير أن هذه البؤرة لا تمنحه سلطة الحقيقة المطلقة. فالأحداث تتشكّل عبر ما يُقال عنه أكثر مما يصدر عنه. يتكرر في النص خطاب الجماعة: «قالوا إنه مسّه جنيّ…»
هذه الصيغة الإسنادية («قالوا») تضع الحقيقة في دائرة التداول، لا في دائرة التحقق. ومن ثمّ، لا يتولد الالتباس من اضطراب ذاتي فحسب، بل من آلية جماعية تُنتج اليقين عبر التكرار.
أما الحلم، فلا يأتي بوصفه استراحة سردية، بل بوصفه مولِّد الحدث: «رأيتها في المنام، تمشي نحوي بثوب أبيض، وكلما اقتربت ابتعدت.»
يتحول المنام هنا إلى مادة اتهام، وتنتقل التجربة من داخل الفرد إلى خارج الجماعة، لتصبح الرؤيا دليلًا. وهكذا تُقوّض الرواية الحدود التقليدية بين الداخل والخارج، بين النفسي والاجتماعي.
2. تداخل الواقعي والعجائبي
تنطلق الرواية من عالم واقعي مكتمل التفاصيل: الدكان، السوق، العمدة، المأذون، النسوة.
غير أن هذا العالم الواقعي يُخرق تدريجيًا عبر خطاب «المسّ»، الذي يبدأ اتهامًا وينتهي بحضور «ميمون النكاح».
غير أن العجائبي لا يُقدَّم بوصفه يقينًا ميتافيزيقيًا، بل بوصفه طبقة إضافية من الالتباس.
حتى لحظة ظهور «ميمون»، يبقى السؤال معلقًا بين التفسير الغيبي والتأويل الرمزي.
وهذا التردد السردي يمنح النص طاقته، إذ يرفض الحسم السريع لصالح أي قراءة مغلقة.
يقول حامد حبيب[4]: «فرواية المسّ العاشق رواية خيالية Fantasia، لا تجد لها في الواقع ما يشبهها، إذ هي في الإطلاق صُنع خيال... لكنها في جوهرها إحالات للواقع بكل أحلامه وكوابيسه»
بينما يؤكد الغربي عمران[5] أن الرواية "تستدعي الصراع الأزلي بين السلطة والفحولة، بين القوة والخصاء، في إسقاط اجتماعي على حال الأمة".
أما سيد طنطاوي[6] فيربطها بعالم الصوفية والحلم واللاوع يقائلاً:
«الرواية حلم متواتر عند نساء القرية، اتهام له أصل... الرواية تدور حول نسوة حرمن الواقع فلجأن إلى الحلم بحثًا عن نشوة مفقودة».
3. البناء الزمني والاختبار الطويل
يتحرك الزمن في الرواية ضمن مسار غير خطي بالكامل، لكنه ليس مفككًا. فالسرد يستعيد الماضي (فاتن، الطفولة، صراع العمدة)، ويتكئ على حاضر الاتهام، ثم يمتد إلى زمن العقوبة: «حوالى اربعة وعشرين عاما»
هذا الامتداد الزمني لا يخدم الحدث فقط، بل يخلق إحساسًا بالاختبار. الزمن هنا ليس إطارًا محايدًا، بل عنصر ضغط، تتراكم خلاله الشائعة وتترسخ، بينما يتآكل الجسد ويصمت الصوت.
إن ربع القرن من التقييد يحوّل العقوبة من إجراء اجتماعي إلى طقس طويل، يكشف صلابة البنية الجمعية أكثر مما يكشف ذنب الفرد.
4. الشخصيات بين الفرد والجماعة
لا تُبنى الشخصيات في الرواية على تطور نفسي تقليدي، بل على موقعها داخل شبكة الاتهام.
ابن حتحوت يُرسم منذ البداية بوصفه كائنًا ملتبسًا:
« أحيانًا تشف روحي، فأذهب إلى المخلوقات التي تشكلها السحب على صفحة السماء، وهل هي من دم ولحم كمخلوقات قريتنا، أم أن تشكيلات هذه السحب هي في الأصل ظلال معكوسة لتلك المخلوقات؟.»[7]
العزلة هنا ليست مجرد سمة نفسية، بل علامة سردية تمهد لتصديقه بوصفه "ممسوسًا".
أما العمدة، فيمثل سلطة عرفية تتكلم بضمير الجماعة، بينما تتشكل النسوة بوصفهن وسيط الحكاية وانتشار الشائعة.
بهذا، تتحول الشخصيات إلى مواقع خطابية أكثر منها ذواتًا مستقلة؛ إذ تُبنى هويتها عبر موقعها من الاتهام.
5. الفضاء السردي: القرية والبادية
يتوزع الفضاء بين القرية بوصفها مركز الرقابة الجماعية، والبادية بوصفها فضاء الاختبار الفردي.
عند تقييده إلى شجرة الجميز: «أوثقوه إلى جذعها، وتركوه نهبًا لحر النهار وبرد الليل.»
تتحول الجميزة إلى مركز بصري للعقوبة، ومسرح للذاكرة الجمعية. أما الانتقال إلى البادية، فلا يمنح خلاصًا حاسمًا، بل يفتح مرحلة تأمل، يعاد فيها النظر في التجربة.
الفضاء إذن ليس خلفية، بل بنية دلالية تتحكم في حركة السرد: من الجماعة إلى العزلة، ومن الاتهام إلى السؤال.
رابعًا: (المدخل الموضوعاتي/الدلالي) في رواية «المسّ العاشق»
لا تشتغل الرواية على حدث «المسّ» بوصفه واقعة غيبية بقدر ما تجعله بؤرة تتجمع حولها ثيمات الهوية، والرغبة، والاتهام، والذاكرة. فالدلالة في النص لا تنبع من الحدث ذاته، بل من شبكة الأسئلة التي يثيرها.
1. ثيمة الاتهام وإنتاج الهوية السلبية
يتشكل الاتهام منذ البداية بوصفه فعلًا جمعيًا لا فرديًا. لا يُسأل: ماذا حدث؟
بل يُحسم سريعًا: من الفاعل؟ لم يكن أحد يملك الدليل، لكن الجميع كان يعرف.
هذه المفارقة بين غياب الدليل ويقين الجماعة تكشف أن الاتهام ليس بحثًا عن حقيقة، بل آلية لإنتاج هوية سلبية. يصبح ابن حتحوت "الممسوس" لا لأنه ثبتت عليه الواقعة، بل لأن الجماعة تحتاج إلى حامل لقلقها.
وهكذا تتحول الهوية من معطى ذاتي إلى صفة تُفرض عبر الخطاب.
2. الجسد بين الرغبة والإنكار
تحضر ثيمة الجسد في الرواية بوصفها منطقة ملتبسة؛ فهو موضوع شهوة وهمية، ومحل خوف اجتماعي في آن واحد.
عندما تتكرر الرؤى في أحلام النسوة، لا يُطرح السؤال حول الرغبة ذاتها، بل حول مصدرها:
« تسللت إلى بيوتهن وفي منامهن، واقتحمت أجسادهن.» [8]
الارتجاف هنا ليس من الفعل، بل من الاعتراف. فالرغبة لا تُناقش، بل تُنسب إلى "المسّ".
وبذلك تتحول الغريزة إلى كيان خارجي يُعفى منه الداخل.
الدلالة هنا عميقة: المجتمع لا ينكر الرغبة، بل ينكر نسبتها إلى الذات.
3. العشق: بين الحسّي والميتافيزيقي
عنوان الرواية نفسه يفتح توترًا دلاليًا:
"المسّ" يقترن بالعشق، فيجمع بين الدنس والمقدس، بين الغريزي والروحي.
في أحد المقاطع التأملية: « لا زلت حتى اليوم أعيش لعنة هذه التجربة معاناة عشقي لفاتن الذي لا يريد أن يغادرني، رغم أن لي زوجة، وهي لها زوج!
ماذا أفعل لحب لا يريد أن يتحوّل، ولا يتأكل أو يصيبه الصدأ؟ ومن المسئول عن تمكنه مني ؟، العقل أم القلب أم الجسد ؟.»[9]
هذا الانزياح من الرغبة إلى القدر يكشف عن محاولة داخل النص لرفع العلاقة من مستوى الجسد إلى مستوى المعنى. غير أن هذا الرفع لا يُحسم نهائيًا، بل يبقى معلقًا بين التأويلين.
4. الذاكرة والطفولة كبذرة للصراع
لا يظهر الاتهام فجأة، بل تتسرب جذوره من الماضي. علاقة الطفولة بالعمدة، والتوتر القديم، يُعاد استدعاؤه ضمنيًا ليغذي الشك.
بهذا، تتحول الذاكرة إلى خزان دلالي يُعاد تأويله في ضوء الحاضر. الماضي لا يفسر الحدث مباشرة، لكنه يمنحه قابلية التصديق.
5. السؤال الفلسفي: من يصنع الحقيقة؟
أهم ما ينجزه المدخل الموضوعاتي هو كشف السؤال الكامن خلف الحكاية: هل الحقيقة ما يحدث، أم ما يُتداول؟
الرواية لا تجيب صراحة، لكنها توحي عبر تراكم الخطاب بأن التداول أقوى من الواقع. فالحلم يصبح حدثًا، والشائعة تصبح حكمًا، والعقوبة تصبح يقينًا.
وهنا تكمن الدلالة المركزية:
المعنى لا يُكتشف في «المسّ»، بل في الطريقة التي يُصنع بها.
خامسًا: (التحليل الفرويدي–اليونغي–الصوفي للشخصيات والدوافع)
لا يظهر «المسّ» في الرواية بوصفه حدثًا غرائبيًا منفصلًا عن البنية النفسية، بل يتشكّل كعَرَضٍ تتقاطع فيه الرغبة المكبوتة بالقلق الجمعي، ويتحوّل فيه اللاوعي الفردي إلى مسرح لإسقاطات الجماعة.
ومن ثمّ، فإن السؤال النفسي لا ينصبّ على حقيقة الجنّي، بل على الحاجة إلى تصديقه.
1. الرغبة المكبوتة وآلية الإسقاط (فرويد)
في المنظور الفرويدي، حين تُمنع الرغبة من الاعتراف، تعود في صورة عَرَض أو حلم.
وتكرار الرؤى في منام النسوة ليس تفصيلاً عابرًا، بل بنية دالة: « .. زوجة العمدة وهي تبوح لزوجها، بتسللي إلى عرشها في المنام؛ وهي بجواره، .. ؟.»[10]
الحلم هنا ليس سردًا داخليًا بريئًا، بل لحظة انكشاف لما لا يُقال في اليقظة. غير أن الرغبة لا تُعترف بوصفها ذاتية، بل تُسقَط على كيان خارجي: «المسّ». وهكذا تُنقل المسؤولية من الداخل إلى الخارج.
اللافت أن الاتهام لا يطال الحالمات، بل يُصاغ ضد الرجل. هذه الآلية تكشف عن تحويل الرغبة المكبوتة إلى تهمة، أي إلى ذنب يُحمَّل لآخر.
2. العَرَض بوصفه بنية جماعية
لا يبقى الحلم في حدود التجربة الفردية؛ إذ يتكرر بصيغة متقاربة: «- يعني جاء إليكن أنتن الثلاثة في وقت واحد، ساعة إعلان الديوك للفجر ؟
سبحان الله.. نفس التوقيت مع كل نساء البلد ثم يتمتم كأنه يُقر بشيء ما " ومع زوجتي أيضًا"..»[11]
هذا التشابه لا يمكن فهمه نفسيًا على مستوى الفرد وحده، بل يشير إلى ما يمكن تسميته باللاوعي الجمعي (بتعبير يونغ)، حيث تتشكل صورة مشتركة تستجيب لقلق مكبوت داخل الجماعة.
هنا يتحول «المسّ» إلى عَرَض جماعي، لا مرضًا فرديًا. الجماعة نفسها تنتج الصورة، ثم تؤمن بها، ثم تعاقب حاملها.
3. صورة العاشق: بين الأنيموس والظلّ
في التحليل اليونغي، تمثل بعض الصور الحلمية تجسدًا لـ«الظل» أو للأنيموس (الصورة الذكورية في اللاوعي الأنثوي). حضور ابن حتحوت في الأحلام يمكن قراءته بوصفه تجسيدًا لظلٍّ مكبوت، لا بوصفه فاعلًا واقعيًا.
إنه لا يظهر في الواقع كغازٍ، بل في الحلم كصورة. وهذه الصورة تحمل طاقة مزدوجة:
الرغبة والخوف معًا.
من هنا يمكن فهم كيف يتحول الحلم إلى تهديد أخلاقي؛ فالظلّ، حين يُستدعى إلى الوعي، يثير القلق.
4. ابن حتحوت بين الكبت والتسامي
شخصية ابن حتحوت تُبنى على العزلة والصمت، هذا الانسحاب يمكن قراءته فرويديًا بوصفه كبتًا، لكنه يمكن أيضًا قراءته صوفيًا بوصفه تساميًا؛ أي تحويل الطاقة الغريزية إلى طاقة تأملية.
وهنا يتجلى التوتر الجوهري في الرواية:
· هل هو رجل مكبوت أم عاشق متسامٍ؟
· هل صمته علامة عجز أم علامة انصراف إلى الداخل؟
الرواية لا تحسم، بل تترك الشخصية معلّقة بين هذين الاحتمالين، وهو ما يعمّق بعدها المأساوي.
5. الحلم بين الفضيحة والكشف
في القراءة الفرويدية، الحلم تحقيق رمزي لرغبة.
وفي القراءة الصوفية، الرؤيا كشف وإشارة.
الرواية تضع الحلم في منطقة التوتر بين المعنيين. فاستدعاء سورة يوسف يوحي بإمكان قراءة الرؤيا بوصفها إشارة، غير أن النتيجة هنا ليست تمكينًا، بل عقوبة.
هذا الانحراف عن النموذج اليوسفي يكشف مفارقة عميقة:
حين تفقد الجماعة القدرة على التأويل الروحي، يتحول الحلم إلى فضيحة، لا إلى كشف.
6. القلق من المختلف
من منظور نفسي–اجتماعي، يمثل المختلف بؤرة إسقاط مثالية. ويكفي النص أن يلمّح:
«لم يكن يشبههم تمامًا.»
هذه العبارة تكثّف آلية الإقصاء:
· الاختلاف يثير القلق،
· والقلق يبحث عن سبب،
· والسبب يتحول إلى تهمة.
خلاصة المدخل النفسي
تكشف الرواية أن «المسّ» يعمل كعَرَض نفسي–جمعي، تتواطأ فيه الرغبة المكبوتة، وصورة الظل، وآلية الإسقاط. غير أن النص لا يغلق الباب أمام القراءة الصوفية، بل يبقي التسامي احتمالًا قائمًا، بما يجعل الشخصية عالقة بين تفسيرين: الغريزي والروحي.
وهنا تكمن قوة الرواية النفسية:
في أنها لا تُثبت مرضًا، ولا تمنح قداسة، بل تكشف هشاشة الحد الفاصل بينهما.
سادسًا:(المدخل السوسيوثقافي: تمثيل الطبقات والتحولات الاجتماعية والنقد القيمي والثقافي)
في رواية «المسّ العاشق» لا تُقدَّم القرية في «المسّ العاشق» بوصفها فضاءً جغرافيًا فحسب، بل بوصفها بنية اجتماعية مغلقة، تُنتج خطابها الأخلاقي وتعيد تثبيت توازنها عبر آليات ضبط غير رسمية، يتداخل فيها الدين بالعُرف، والشائعة باليقين، والسلطة بالرمز.
1. القرية كبنية سلطوية
تتمركز السلطة في شخصية العمدة، غير أن حضوره لا يُختزل في فرد بعينه، بل يمثل نموذجًا لما يمكن تسميته بـ«الطغيان الصغير»؛ أي السلطة المحلية التي تستمد شرعيتها من العرف، لا من القانون.
فقرارات النفي والتقييد لا تصدر عبر مؤسسات، بل عبر إجماع ظاهري تُديره نخبة محدودة.
غير أن خطورة هذه السلطة لا تكمن في قسوتها المعلنة، بل في قدرتها على توجيه السرد الجمعي؛ إذ تتحول الشائعة إلى أداة سياسية، ويغدو الاتهام وسيلة لإعادة ضبط الجماعة.
2. الشائعة كآلية ضبط اجتماعي
لا يُبنى الاتهام ضد ابن حتحوت على دليل مادي، بل على تداول كلامي يتصاعد تدريجيًا.
وهنا تكشف الرواية عن وظيفة الشائعة بوصفها أداة إنتاج للمعنى الاجتماعي؛ فهي لا تبحث عن الحقيقة، بل تصنعها.
إن تكرار الحكاية يمنحها شرعية، ومع الوقت تتحول الرؤية الفردية إلى قناعة جماعية.
وهكذا تعمل الشائعة كجهاز غير مرئي يحفظ الانسجام الظاهري للجماعة، حتى وإن كان هذا الانسجام قائمًا على الإقصاء.
3. الخرافة كنظام تفسير مغلق
في هذا السياق، تتخذ الخرافة وظيفة تتجاوز الاعتقاد الشعبي البسيط. فهي ليست مجرد تصور غيبي، بل نظام تفسير متكامل، يُغلق الأسئلة بدل أن يفتحها.
فعوض مساءلة الأسباب الواقعية للاختلال، يُستدعى «المسّ» كإجابة جاهزة.
الخرافة هنا تؤدي دورًا مزدوجًا:
تخفف القلق من جهة، وتمنع التفكير النقدي من جهة أخرى. إنها تُعيد ترتيب العالم بطريقة تحفظ البنية القائمة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
4. تمثيل الطبقات والتحولات الخفية
تكشف الرواية عن مجتمع يتظاهر بالثبات، لكنه يخفي تحولات عميقة. فهناك صراع مكتوم بين السلطة التقليدية (العمدة)، والسلطة الدينية (المأذون)، وصوت الهامش (ابن حتحوت، الغلام ناصح). غير أن هذه الأصوات لا تفضي إلى ثورة صريحة، بل إلى توتر مستمر.
القرية تبدو في ظاهرها متماسكة، لكنها في جوهرها تعيش قلقًا تحوليًا؛ حيث تتصدع القيم القديمة تحت ضغط الرغبة المكبوتة والخوف من الفضيحة.
5. الجماعة في مواجهة الفرد
يتحول ابن حتحوت إلى موقع صراع بين الفرد والجماعة. فوجوده المختلف (الصوفي، المنعزل، غير المنخرط كليًا في شبكة المصالح) يجعله عرضة للاشتباه. وفي المجتمعات المغلقة، يُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا للنظام، لا إثراءً له.
من ثمّ، فإن العقوبة ليست ردًّا على جريمة مؤكدة، بل استجابة لحاجة الجماعة إلى حماية صورتها عن نفسها.
سابعًا: (البنية الجمالية – الرمزية في رواية «المسّ العاشق»)
تنبني جمالية «المسّ العاشق» على توتر مستمر بين البساطة الظاهرية والعمق الرمزي، حيث تتجاور اللغة اليومية ذات الطابع الشعبي مع نبرة صوفية شفيفة، في تركيب أسلوبي يُنتج عالمًا يتأرجح بين الأرضي والميتافيزيقي.
1. اللغة بين الشعبي والصوفي
تتحرك لغة الرواية في مستويين متوازيين:
مستوى تداولي قريب من اللسان القروي، يعبّر عن العادات والمواقف اليومية.
ومستوى تأملي مشبع بإيقاع صوفي، خاصة في مقاطع العزلة والحوار الداخلي.
هذا التداخل لا يبدو اعتباطيًا، بل يُجسد التوتر المركزي في النص:
فالشخصيات تعيش في واقع مادي محدود، بينما تنفتح تجربتها على أفق روحي ملتبس.
وهكذا تصبح اللغة ذاتها ساحة صراع بين الأرض والسماء، بين الحسّي والباطني.
2. الرموز الكبرى في النص
أ. شجرة الجميز
تمثل شجرة الجميز أكثر من مجرد مكان للعقوبة؛ إنها رمز للثبات الجمعي، وللسلطة المتجذرة، وللذاكرة الممتدة. تقييد ابن حتحوت إليها يحوّلها إلى مسرح طقس تطهيري، يُعاد عبره تثبيت النظام الأخلاقي المختل.
لكن اقتلاع الشجرة لاحقًا بفعل الإعصار يكشف هشاشة هذا الثبات؛ إذ يتبدد الرمز الذي بدا راسخًا، بما يوحي بأن النظام نفسه ليس أبديًا.
ب. البادية
الانتقال إلى البادية لا يُقرأ فقط مكانيًا، بل رمزيًا؛ فهي فضاء التجريد والانفصال، حيث يُختبر الإنسان خارج رقابة الجماعة.
غير أن هذا الفضاء لا يمنح خلاصًا نهائيًا، بل يضع الشخصية في مواجهة ذاتها، بما يجعل العزلة تجربة كشف لا هروب.
ج. الجنيّ «ميمون النكاح»
يحمل هذا الرمز بعدًا مركبًا؛ فهو تجسيد للغواية من جهة، وللاعتراف المتأخر بالحقيقة من جهة أخرى. وجوده في نهاية الرواية لا يُغلق الدلالة، بل يفتحها على سؤال: هل نحن أمام حضور غيبي فعلي، أم أمام استعارة مكتملة لتجسد الرغبة المنفية؟
إن هذا الالتباس المقصود يمنح الرمز قوته؛ إذ لا يتحول إلى تفسير نهائي، بل يبقى عنصرًا إشكاليًا.
3. الصورة الجسدية والبعد المائي
تتكرر في الرواية صور الانتفاخ، الامتلاء، وأكياس الماء. هذه الصور تخلق إيقاعًا بصريًا يربط الجسد بالطبيعة، ويجعل الحمل (حتى وإن كان وهميًا) حالة فيزيائية متخيلة، لكنها ثقيلة الأثر.
الماء هنا يحمل دلالة مزدوجة:
فهو رمز الحياة والخصب، لكنه في الوقت ذاته رمز السيولة وعدم الثبات. وهكذا تتجسد الأزمة في صورة جسدية تبدو حقيقية، لكنها بلا جوهر.
4. التناص الصوفي والقرآني وبناء الدلالة
لا تقوم جمالية «المسّ العاشق» على الرمز المستقل فحسب، بل تتعزز عبر شبكة تناصات تستدعي مرجعيات دينية وصوفية، تُغني الدلالة وتعمّق البنية التأويلية للنص.
أ. التناص القرآني وبنية السورة اليوسفية
يتكرر في الرواية استدعاء آيات من سورة يوسف، خاصة ما يتعلق بالرؤيا، وكيد النساء، والاتهام، والسجن. وهذا الاستدعاء لا يأتي على سبيل التزيين البلاغي، بل يؤسس لبنية سردية موازية.
فكما تبدأ قصة يوسف برؤيا تثير الغيرة، تبدأ الرواية بسلسلة رؤى تثير الاتهام.
وكما يتعرض يوسف للسجن ظلمًا قبل انكشاف الحقيقة، يُقيّد ابن حتحوت إلى شجرة الجميز بقرار جماعي.
غير أن الرواية لا تعيد إنتاج النموذج القرآني حرفيًا، بل تحوره؛ إذ إن براءة البطل لا تقود إلى تمكين واضح، بل إلى كشف هشّ ومتأخر.
بهذا المعنى، يشكّل التناص اليوسفي إطارًا رمزيًا يعمّق مأساة الاتهام، دون أن يمنحها خلاصًا معجزًا.
ب. التناص الصوفي (ابن عربي نموذجًا)
يشير تصدير الرواية بعبارة ابن عربي: «فاصرف الخاطر عن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما»
إلى أفق تأويلي صريح يدعو إلى تجاوز المعنى الظاهري.
هذا التوجيه الصوفي لا يُقرأ بوصفه استشهادًا زخرفيًا، بل يُحدد طبيعة التلقي المطلوب. فالنص يُبنى على ظاهر حكائي (مسّ جنّي)، وباطن رمزي (أزمة جماعية). والتناص هنا يؤدي وظيفة منهجية، إذ يضع القارئ أمام ضرورة القراءة الباطنية.
كما أن مفهوم العشق ذاته يستدعي تقاليد العشق الصوفي، حيث يتحول الألم إلى اختبار، والعزلة إلى تطهير.
غير أن الرواية تُبقي هذا الأفق في حالة توتر، فلا تمنحه صفاءً كاملاً، بل تضعه في مواجهة الواقع القروي القاسي.
ج. التناص مع التراث الشعبي حول الجنّ
يحضر الجنّ في الرواية بوصفه جزءًا من المخيال الشعبي المتوارث. غير أن استدعاءه لا يهدف إلى تثبيت الإيمان الشعبي، بل إلى مساءلته. فالرواية توظف الموروث لا لتكريسه، بل لتفكيك آلياته، عبر كشف الكيفية التي يتحول بها الاعتقاد إلى سلطة تفسيرية مغلقة.
5. المفارقة كأداة جمالية
تعتمد الرواية على مفارقات دقيقة:
· الصوفي يُتهم بالفجور،
· المتهم يبحث عن علاج الجماعة،
· القرية التي تدّعي الطهر تخفي عجزًا عميقًا.
هذه المفارقات ليست مجرد تقنية، بل بنية جمالية تكشف التناقض بين الظاهر والباطن، وهو التناقض الذي يحكم العمل كله.
6. النهاية بوصفها انفتاحًا رمزيًا
لا تنتهي الرواية بحلٍّ تقريري، بل بكشف يضاعف الالتباس. فإقرار «ميمون النكاح» بمسؤوليته لا يعيد الاعتبار للبطل بالكامل، ولا يبرئ الجماعة تمامًا. إن النهاية لا تُعيد ترتيب العالم، بل تكشف هشاشته.
وهنا تبلغ الجمالية ذروتها؛ إذ يظل الرمز مفتوحًا، ويظل القارئ مدعوًا إلى تأويل ما حدث:
هل كان «المسّ» حقيقة غيبية؟
أم استعارة متأخرة لعجز طويل؟
ثامنًا: التلقي والنقد (قراءات النقاد واتجاهات التلقي)
أولًا: الرواية في مرآة التلقي النقدي
شكّلت رواية «المسّ العاشق» منذ صدورها فضاءً مفتوحًا للتأويل، وهو ما بدا جليًا في تعدد المقاربات النقدية التي تناولتها.
هذا التعدد لا يكشف عن تباين في المواقف بقدر ما يعكس خصوبة النص نفسه، وقدرته على استدعاء قراءات متباينة دون أن يُستنفد في إحداها.
القراءة الاجتماعية–الرمزية (عبير العطار نموذجًا)
ركّزت قراءة عبير العطار[12] على البعد الاجتماعي للرواية، معتبرة أن اتهام ابن حتحوت يعكس عجزًا جمعيًا يُعلَّق على "كشماعة" فرد.
وأبرزت بذكاء فكرة الوهم المتحوّل إلى حقيقة، واشتغلت على ثنائية كيد النساء وكيد الرجال، مستثمرة التناص القرآني مع سورة يوسف.
تكمن أهمية هذه القراءة في أنها لامست البنية الاتهامية في الرواية، وربطت بين العجز الاجتماعي وآلية الإسقاط. غير أن اهتمامها انصبّ أساسًا على المستوى الدلالي المباشر، دون التوسع في تحليل الآليات النفسية العميقة أو البنية السردية التي تُنتج هذا الاتهام.
القراءة الفانتازية–الجمالية (مصطفى عبد الله نموذجًا)
تناول مصطفى عبد الله[13] الرواية من زاوية تصنيفها الأجناسي، متسائلًا عمّا إذا كانت فانتازيا أم كتابة عجائبية مشبعة برائحة الجسد.
وقد أبرز تداخل الواقعي بالغرائبي، وتوقف عند لغة الرواية التي تمزج الشعبي بالصوفي.
وتحسب لهذه القراءة عنايتها بالبنية الأسلوبية وبالعالم الغرائبي الذي يحرّك الأحداث. غير أن تركيزها على سؤال التصنيف الأجناسي جعل البعد الرمزي والاجتماعي يظهر بوصفه خلفية، لا مركزًا تأويليًا.
القراءة السردية–النسوية (د. حاتم الشماع)
قدّم د. حاتم الشماع[14] قراءة أكثر تركيبًا، استثمر فيها مفهوم «السرد غير الموثوق»، واشتغل على النظرة الذكورية وتجسيد الجسد الأنثوي، مستعينًا بأدوات من النقد النسوي وما بعد الحداثة.
وتتميز هذه القراءة بعمقها النظري، وبقدرتها على كشف تموجات الخطاب الذكوري داخل النص.
غير أن انطلاقها من فرضية السرد غير الموثوق ركّز التحليل على أزمة الإدراك الفردي، أكثر من تركيزه على البنية الجمعية التي تنتج الاتهام.
القراءة الفلسفية–الوجودية (ممدوح عبد الستار)
أما قراءة ممدوح عبد الستار[15]، فقد أبرزت البعد الفلسفي والصوفي في الرواية، معتبرة أنها رحلة بحث عن معنى الوجود في عالم متناقض، ومواجهة بين الجسد والروح، وبين اليقين واللايقين.
وتُحسب لهذه القراءة قدرتها على التقاط الأفق التأملي للنص، وربطه بأسئلة كبرى تتجاوز حدود القرية. غير أن طابعها التأملي جعل التحليل البنيوي والاجتماعي أقل حضورًا.
موقع هذه الدراسة بين القراءات
لا تنطلق هذه الدراسة من معارضة أي من القراءات السابقة، بل من الإقرار بأن كل قراءة التقطت وجهًا من وجوه النص. غير أن خصوصية هذه المقاربة تكمن في محاولة الجمع بين هذه المستويات داخل إطار تكاملي.
فإذا كانت بعض القراءات قد ركزت على العجز الاجتماعي، وأخرى على البنية الفانتازية، وأخرى على أزمة الخطاب الذكوري، فإن هذه الدراسة ترى أن الرواية تشتغل على آلية أعمق:
تحويل القلق الجمعي إلى اتهام فردي عبر بنية رمزية تستثمر الحلم والخرافة والسلطة في آن واحد.
وبهذا، فإن تعدد القراءات لا يُفهم بوصفه اختلافًا تنافسيًا، بل بوصفه دليلًا على أن «المسّ العاشق» نصٌّ مفتوح، يتيح لكل منهج أن يعثر فيه على ما يؤكد زاويته، دون أن يُغلق المعنى في اتجاه واحد.
ثالثًا: تفسير النهاية في ضوء القراءة الرمزية الموازية
تكتسب النهاية دلالتها القصوى حين يُعلن «ميمون النكاح» مسؤوليته، فيكشف ما بدا طيلة السرد ملتبسًا. غير أن هذا الكشف لا يُعيد ترتيب العالم على نحو مريح؛ إذ إن الجماعة التي سارعت إلى الاتهام لا تبدو مستعدة لمراجعة نفسها.
يمكن قراءة هذه اللحظة في ضوء حكاية رمزية موازية:
امرأة قاومت المعتدي فقتلتْه، بينما لم تقاوم الأخريات، فكان الحل هو التخلص منها لأنها كشفت ضعفهن. المغزى هنا لا يتعلق بالفعل ذاته، بل بالرفض الجمعي لمن يُعرّي العجز.
بهذا المعنى، يصبح ابن حتحوت (حتى بعد انكشاف الحقيقة) شخصية مقلقة، لأنه يجسد ما حاولت الجماعة إنكاره طويلًا. إن النهاية لا تحتفل ببراءة فرد، بل تفضح هشاشة نظام كامل.
رابعًا: نقاط القوة في الرواية
تتمثل قوة «المسّ العاشق» في عدة مستويات:
ثراء البنية الرمزية وقدرتها على استيعاب تأويلات متعددة دون أن تتفكك.
القدرة على المزج بين الواقعي والعجائبي دون سقوط في الفانتازيا الهروبية.
توظيف الحلم والالتباس السردي بوصفهما أداة لبناء توتر دائم.
حيوية اللغة التي تتنقل بين الشعبي والتأملي دون انفصال حاد.
جرأة الاقتراب من التابوهات، خصوصًا تابو الجنس والعجز، دون مباشرة فجة.
خامسًا: ملاحظات نقدية وحدود النص
غير أن الرواية، رغم قوتها، لا تخلو من بعض الملاحظات:
في بعض المواضع، يطول الامتداد الزمني للعقوبة دون تصعيد درامي موازٍ، مما يُبطئ الإيقاع.
حضور بعض الشخصيات الثانوية يظل وظيفيًا أكثر منه متطورًا نفسيًا.
عنصر «ميمون النكاح» في النهاية قد يُقرأ لدى بعض القراء باعتباره حلًا شبه تقريري، وإن ظل رمزيًا في عمقه.
هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة العمل، لكنها تضعه في سياق نقدي يوازن بين الإشادة والتحليل.
الخاتمة النقدية الشاملة
تكشف «المسّ العاشق» عن رواية تشتغل على التخوم:
· تخوم الواقع والخيال،
· الجسد والروح،
· الفرد والجماعة،
· الرغبة والاتهام.
إنها ليست رواية عن جنيّ يتسلل إلى الأحلام، بل عن مجتمع يحتاج إلى هذا الجنيّ كي يبرر اختلاله. وليست حكاية عشق ملتبس، بل اختبار لقدرة الجماعة على مواجهة حقيقتها.
في نهاية المطاف، لا يُطرح السؤال: هل كان المسّ حقيقيًا؟
بل يُطرح سؤال أشد قسوة: ماذا نفعل حين ينكشف الوهم الذي بنينا عليه يقيننا؟
وهنا تكمن قوة الرواية:
في أنها لا تمنح راحة أخلاقية، ولا تُقدّم خلاصًا جاهزًا، بل تترك القارئ في مواجهة مرآة قد لا يرغب في النظر إليها طويلًا.
المصادر
(1) القرأن الكريم
(2) أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. حضرموت: عنواين.
المراجع
مقالات فى الدوريات والمجلات
(1) الغربى عمران . (14 سبتمبر, 2022). فقدان الفحولة وانعدام النخوة فى رواية «المسُّ العاشق». المصرى اليوم. https://www.almasryalyoum.com/news/details/2690767
(2) جمال عاشور. (18 يوليو, 2022). «المس العاشق» رواية تناقش الخرافات والأوهام لـ«أحمد عبده». الدستور. https://2u.pw/Ns3kVk
(3) مواقع الانترنت
(1) أحمد عبده. (26 سبتمبر, 2022). سيرة ذاتية. حساب أحمد عبده على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1CgMPWjGGF/
(2) حاتم الشماع . (4 سبتمبر, 2024). ضباب الرغبة: استكشاف السرد غير الموثوق فيه، وسياسة الجنس، والنقد الاجتماعي في رواية أحمد عبده "المسُ العاشق". حساب أحمد عبده على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1BZ1AjJsgq/
(3) حاتم الشماع. (25 اكتوبر, 2025). رواية أحمد عبده المؤثرة. حساب حاتم الشماع على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1BUXqizTLY/
(4) حامد حبيب. (31 أغسطس, 2021). إشاراتُ المسّ العاشق. حساب حامد حبيب على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1Cn2nWymZY/
(5) سيد معوض طنطاوى. (21 مايو, 2023). خيال الصوفيه الحلم وواقعيه علم النفس ،قراءه فى روايه المس العاشق. حساب سيد معوض طنطاوى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1EbbWWyxRp/
(6) سيد معوض طنطاوى. (1 فبراير, 2024). هوس الرغبة: استكشاف السرد ,السلطه الذكوريه والنقد الاجتماعي في روايه أحمد عبده "المس العاشق ". حساب سيد طنطاوى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1APZdy4o3t/
(7) عبير العطار. (7 سبتمبر, 2022). رواية المس العاشق للمبدع احمد عبده . حساب عبير العطار على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1HuuixR4bS/
(😎 مصطفى عبد الله. (2 أكتوبر, 2022). "المسُ العاشقُ" أهي فانتازيا.. أم كتابة عجائبية برائحة الجنس. حساب مصطفى عبد الله على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1SPnCg7Rap/
(9) ممدوح عبد الستار . (16 يونيو, 2025). "المسّ العاشق": بين الواقع والرمز، والتجربة والتحول. حساب أحمد عبده على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/179i4RKSf9/
الهوامش
(1) أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. حضرموت: عنواين.
(2) أحمد محمد عبده. (26 سبتمبر, 2022). سيرة ذاتية. حساب أحمد عبده على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1CgMPWjGGF/
(3) تم تقدبم هذه الدراسة فى ندوة مناقشة الرواية بندوة الاحد (محمد عبد الوارث) بتاريخ 23 نوفمبر 2025
(4) حامد حبيب. (31 أغسطس, 2021). إشاراتُ المسّ العاشق. حساب حامد حبيب على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1Cn2nWymZY/
(5) الغربى عمران . (14 سبتمبر, 2022). فقدان الفحولة وانعدام النخوة فى رواية «المسُّ العاشق». المصرى اليوم. https://www.almasryalyoum.com/news/details/2690767
(6) سيد معوض طنطاوى. (21 مايو, 2023). خيال الصوفيه الحلم وواقعيه علم النفس ،قراءه فى روايه المس العاشق. حساب سيد معوض طنطاوى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1EbbWWyxRp/
(7) أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. ص 7
(😎 أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. ص 22
(9) أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. ص 7
(10) أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. ص 12
(11) أحمد محمد عبده. (2022). المس العاشق. ص 20
(12) عبير العطار. (7 سبتمبر, 2022). رواية المس العاشق للمبدع احمد عبده . حساب عبير العطار على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1HuuixR4bS/
(13) مصطفى عبد الله. (2 أكتوبر, 2022). "المسُ العاشقُ" أهي فانتازيا.. أم كتابة عجائبية برائحة الجنس. حساب مصطفى عبد الله على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1SPnCg7Rap/
(14) حاتم الشماع . (4 سبتمبر, 2024). ضباب الرغبة: استكشاف السرد غير الموثوق فيه، وسياسة الجنس، والنقد الاجتماعي في رواية أحمد عبده "المسُ العاشق". حساب أحمد عبده على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1BZ1AjJsgq/
(15) نشرت في مجلة الثقافة الجديدة عدد يونيو 2025
ممدوح عبد الستار . (16 يونيو, 2025). "المسّ العاشق": بين الواقع والرمز، والتجربة والتحول. حساب أحمد عبده على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/179i4RKSf9/



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان المكسور بين اغتراب الذات وقهر المجتمع: قراءة سوسيو–ن ...
- الحنين الجواني وصدى التحول: قراءة نقدية في -صوت من الماضي- ل ...
- ما ليست عليه الرواية وما تُخفيه .. قراءة في التابوهات الثلاث ...
- «التجريب السردي والبعد النفسي في ‹فتاة من برشلونة›.. قراءة م ...
- حوارية النص والناقد: قراءة في ديوان خيمة الليل لجابر بسيوني
- “تمثيلات القلق الوجودي والعدالة المؤجلة: دراسة سردية–تأويلية ...
- بيدرو بارامو والواقعية السحرية – دراسة نقدية
- اليومي والهامشي في النص السردى «ككل ليلة»: قراءة نقدية بين أ ...
- الواقع المنهك والذات المحاصرة: دراسة في البنية الاجتماعية وا ...


المزيد.....




- الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
- 26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...
- صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر ...
- ???????مرفأ البحرين واحتمالات المضيق
- سطوع سريع وأدب لا يدوم: إشكالية النجومية الوهمية في زمن الكت ...
- حكم بحبس الممثل المصري محمود حجازي بتهمة -الاعتداء على زوجته ...
- الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور ...
- مارلين مونرو تعود إلى لندن عبر جناح خاص في معرض الكتاب الدول ...
- رؤية جديدة لبناء الصحفي الاقتصادي في زمن البيانات


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - -المسّ العاشق- لأحمد عبده: مقاربة سردية–نفسية–سوسيوثقافية في تمثلات الفحولة والعجز والخيال الصوفي