أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - فوزي خضر: المثقف الموسوعي وصوت الإسكندرية في الشعر والمعرفة















المزيد.....

فوزي خضر: المثقف الموسوعي وصوت الإسكندرية في الشعر والمعرفة


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 02:54
المحور: الادب والفن
    




1.مقدمة : المثقف الذي جمع بين الكلمة والعلم
يمثّل الدكتور فوزي خضر (1950–2025) أحد النماذج النادرة في الثقافة العربية الحديثة التي جمعت بين الحسّ الشعري والوعي التاريخي والمعرفة الموسوعية. فكان شاعرًا، وباحثًا في التراث، وكاتبًا في التاريخ العلمي، ومؤلفًا إذاعيًا من طراز فريد.
تتجاوز تجربته حدود الإنتاج الأدبي إلى تأسيس مشروعٍ معرفيّ شامل يعيد قراءة التراث العربي الإسلامي في ضوء المعاصرة، ويؤكد قدرة العقل العربي على المساهمة في مسيرة الحضارة الإنسانية.

2. التكوين المعرفي وبدايات الوعي الشعري
ولد فوزي خضر في الإسكندرية عام 1950، ونشأ في بيئة ثقافية خصبة احتضنت المواهب الأدبية. تلقّى تعليمه الجامعي في كلية الآداب – جامعة الإسكندرية، حيث درس اللغة العربية واللغات الشرقية، ثم نال الماجستير في “الموشحات في العصر الغرناطي” (1995) والدكتوراه في “عناصر الإبداع الفني في شعر ابن زيدون” (2000) بمرتبة الشرف الأولى.
منذ بداياته، وُجّه على يد شعراء كبار مثل محجوب موسى وصلاح عبد الصبور الذي قدّمه إلى الإذاعة المصرية، واحتفى بتجربته الشعرية المبكرة، ثم توثّلت علاقته بالأديب نجيب محفوظ الذي أثّر في رؤيته الثقافية.
هذه المرحلة المبكرة بلورت شخصيته كمثقف قارئ في كل شيء، وهو ما أشار إليه بنفسه:
“تعلمت من نجيب محفوظ أن الأديب لا بد أن يكون قارئًا في كل مجال، لا يكتب من فراغ، بل من وعي ومعرفة.”

3. الشعر عند فوزي خضر: من القصيدة المدورة إلى الشعر الروائي
تميّزت التجربة الشعرية لفوزي خضر بجرأة التجريب، إذ قدّم ما سمّاه “القصيدة المدورة”، وهي تدفق شعوري متواصل تتشابك فيه التفعيلات، مما يمنح القصيدة وحدة نفسية وإيقاعية متماسكة.
وقد كتب عنه الناقد د. عز الدين إسماعيل مشيدًا بهذا النمط بوصفه تطورًا عضويًا للقصيدة العربية الحديثة.
في التسعينيات، كتب خضر القصيدة القصيرة جدًا، وكان من أوائل من طوّروا هذا الشكل في ديوانه «قطرات من شلال النار» (1993)، سابقًا بذلك كثيرًا من تجارب “الهايكو العربي”.
أما في مرحلة النضج، فقد اتجه إلى الشعر الروائي والمسرحي، ليجعل القصيدة حكاية أو سيرة فنية متكاملة، كما يظهر في أعماله التي جمعت بين الشعر والفكر مثل «الشيخ الرئيس ابن سينا» و«مدائن المجهول».

4. بين الإبداع والتاريخ: المثقف الموسوعي
لم يكن فوزي خضر شاعرًا فحسب، بل كان مؤرخًا للثقافة العلمية العربية. فقد قدّم أعمالًا نوعية مثل:
• العلم العربي في حضارة الغرب
• إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية
• أشهر الرحلات إلى جزيرة العرب
وهي كتب تجمع بين الكتابة السردية والبحث التاريخي، وتؤكد اهتمامه العميق بمكانة العلم في التراث العربي.
وقد مثّل خضر نموذجًا نادرًا للشاعر الذي يكتب في تاريخ العلوم دون أن يفقد حسّه الأدبي، فالنص عنده ليس توثيقًا جامدًا، بل حوارًا بين الماضي والحاضر، بين الإبداع والمعرفة.

5. "كتاب عربي علّم العالم": مشروع تنويري إذاعي
يُعد برنامج «كتاب عربي علّم العالم» (أُذيعت أكثر من 3000 حلقة في 20 دولة عربية) أهم مشروع تنويري في مسيرته.
استلهم فكرته من مؤرخ العلم جورج سارتون، وأراد من خلاله إعادة الاعتبار لعلماء العرب الذين أضاءوا تاريخ الإنسانية.
تميز البرنامج بلغته الدرامية الفصيحة وأسلوبه التعليمي الجذاب، فكان جسرًا بين الثقافة النخبوية والجمهور العام، وحقق له الجائزة الأولى في التأليف الإذاعي على مستوى الإذاعات العربية عام 1991.

يرى بعض النقاد أن البرنامج يُمثّل ذروة وعي فوزي خضر برسالة الأدب بوصفها وسيلة لبناء الوعي الجمعي، لا مجرد تعبير ذاتي، وهو ما يجعله من أهم رواد “التثقيف الإذاعي” في العالم العربي.

6. فوزي خضر والمسرح الشعري
ارتبط اسم الراحل بالشعر المسرحي، إذ فاز بـ جائزة الأمير عبد الله الفيصل العالمية (2019) عن مسرحيته «الشيخ الرئيس ابن سينا».
في أعماله المسرحية، حاول خضر استعادة البطل العربي العالِم بوصفه رمزًا للنهضة، من خلال شخصيات مثل داوود الأنطاكي والحسن بن الهيثم.
وقد رأى أن المسرح "فنٌّ خالد لأنه مرتبط بالإنسان الحيّ"، رافضًا مقولات أفول المسرح أمام التطور التكنولوجي.

7. الإسكندرية في كتاباته: المدينة – الذاكرة – الحلم
تُعد الإسكندرية محورًا رمزيًا في تجربة خضر، فكانت في كتاب «شعراء من الإسكندرية» فضاءً جامعًا بين الشرق والغرب، والماضي والحاضر.
يرى النقاد أن خضر أعاد تقديم الإسكندرية لا بوصفها مدينة جغرافية بل “مدينة رمزية” تمثل تفاعل الحضارات.
هذا التصور الجمالي جعل المدينة مرآةً لهويته الشعرية ومصدرًا دائمًا لإلهامه.

8. البنية الجمالية في شعر فوزي خضر
يمثل شعر فوزي خضر نموذجًا متوازنًا بين التراثي والحداثي، إذ استطاع أن يُبقي على مقومات القصيدة العربية من وزنٍ وصورةٍ ورمز، وفي الوقت نفسه يجددها من الداخل عبر لغة إيحائية مرنة وبناء تركيبي متطور.
يمكن تحليل بنية شعره الجمالية في ثلاث دوائر أساسية:

أ. البنية الإيقاعية: من الموسيقى إلى المعنى
يتعامل خضر مع الإيقاع لا كزخرفة شكلية، بل كأداة دلالية. فالقصيدة عنده تمتلك نبضًا داخليًا نابعًا من “حركة المعنى”، لا من مجرد انتظام التفعيلة.
في ديوانه «ظلال البحر» نقرأ:
“كأن البحرَ في صدري ينامُ / فيوقظُ في المدى أغنيةَ الموجِ.”
في هذا المثال يتحول الإيقاع إلى صورة حسية، تربط بين الفعل الشعري وتجربة الذات. فالتكرار الصوتي لـ(الموج/المدى/ينام) يعكس حركة دائرية توحي بالانبعاث.

ب. البنية الصورية: التفاعل بين الطبيعة والرمز
تستند الصورة الشعرية عنده إلى مزج الواقعي بالأسطوري، إذ تتحول عناصر الطبيعة (البحر، النخلة، الطائر، المطر) إلى رموز فلسفية تُعبر عن جدلية الحياة والموت.
في قصيدته «مدائن المجهول» يقول:
“في مدائنِ المجهولِ، وجهي غيمةٌ / تَسقي الحنينَ وتَزرعُ الآتينَ.”
هنا تتحول الصورة إلى فضاء ميتافيزيقي، تتجاوز الواقع المادي إلى تصور صوفي متعالٍ، مما يمنح شعره بعدًا وجوديًا واضحًا.

ج. البنية الدلالية: جدلية الذات والآخر
تقوم الدلالة في شعر خضر على توتر دائم بين الذات الفردية والوعي الجمعي، فهو لا يكتب عن ذاته بقدر ما يكتب بها.
قصيدته ليست انعكاسًا لشعور شخصي بل تمثيلٌ لتجربة إنسانية شاملة.
وفي قوله: “أنا ابنُ الحلمِ... إن نامتْ عيونُ الناسِ / ظلَّ الحلمُ في صدري سراجًا لا ينامُ.”
نجد الذات الشاعرة تتجاوز حدود الفرد لتصبح ضمير الأمة، حاملةً رسالة تنويرية تتناغم مع مشروعه الإذاعي والمعرفي.

9. الجوائز والتكريمات
• حصل الدكتور فوزي خضر على عدد كبير من الجوائز، أبرزها:
• جائزة الدولة التشجيعية في الشعر (1994)
• الجائزة الثانية في التأليف المسرحي العربي (1994)
• جائزة أندلسية في الشعر (1998)
• جائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر المسرحي (2019)
• جائزة الدولة للتفوق في الآداب (2025)
وتوج مسيرته بعضوية اتحاد كتاب مصر ورابطة الأدب الإسلامي العالمية والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.

10.القراءة الختامية: المثقف الذي آمن بدور الكلمة
رحل الدكتور فوزي خضر بعد رحلة حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن من الإبداع، جمع خلالها بين الشعر والمسرح والرواية والبحث العلمي والإذاعة، مخلفًا إرثًا يزيد عن 75 عملًا مطبوعًا.
تجربته تطرح سؤال المثقف العربي في زمن التحولات: كيف يوازن بين الأصالة والمعاصرة؟
لقد أجاب خضر عمليًا بأن المعرفة والشعر وجهان لجوهرٍ واحد .. هو الإنسان الباحث عن المعنى.

"الشاعر الحق هو الذي يجعل من المعرفة شعرًا، ومن الشعر معرفة."
– د. فوزي خضر

المصادر والمراجع

مقالات فى الدوريات
(1) أحمد عادل. (2025). وداعا د. فوزي خضر.. الأديب الذي جعل من أثير الإذاعة «كتاب عربي علم العالم». بوابة الأهرام، https://gate.ahram.org.eg/News/5346645.aspx.
(2) عماد علواني. (10 أغسطس, 2020). بعد حصوله على جائزة الدولة .. فوزي خضر: المسرح ظل صامدا لآلاف السنين وسيظل ولن ينتهي (حوار). مجلة مسرحنا(676). https://web.archive.org/web/20210630190910/https://www.gocp.gov.eg/Masr7na/articles.aspx?ArticleID=53171

مواقع الانترنت
(1) ويكيبيديا. (13 ديسمبر, 2025). فوزى خضر. تم الاسترداد من موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/vF57Ik
(2) الدكتور فوزى خضر . (2020). المجلس الأعلى للثقافة: http://scc.gov.eg/profile/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%89-%D8%AE%D8%B6%D8%B1/

الهوامش
(1) اعدت هذه المرثية لتقديمها فى حفل تأبين الشاعر الراحل فى ندوة ملتقى السرد العربى بالاسكتدرية بتاريخ 11 ديسمير 2025
وندوة التأبين بصالون محمود سعيد بتاريخ 18 ديسمبر 2025



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زهرة من حي الغجر: الهوية والهامش بين الرمز وإشكاليات التوثيق ...
- حين يتكلّم الشعر الأبيض: قراءة سيميائية في قصيدة رسالة رباني ...
- -أنفاس مستعملة- تشريح سردي للواقع المأزوم والظل النفسي المُع ...
- أنوثة المعرفة ومأزق الوعي الذكوري: قراءة تحليلية–تأويلية في ...
- أنثى المرآة: تشظي الهوية والصراع الوجودي في رواية -في مرآة ا ...
- حنين في ظلال الفقدان: قراءة نقدية في قصيدة -كأنه امبارح- لمح ...
- طلل: الحنين والانقسام الطبقي في رؤية رانيا مسعود
- -الأجواد-: تفكيك النفاق الاجتماعي في المجتمع المصري في قصة ح ...
- ظلال الهوية المؤنثة: قراءة نفسية–سردية في نص فاتن صبحي
- الأسطورة والتابو في القصة العربية المعاصرة: قراءة رمزية في - ...
- بين أسطورة النداهة وذاكرة الطفولة: قراءة نقدية في قصة -أم ال ...
- اللاجئ في أدب الحرب والمقاومة: قراءة فلسفية في جدلية الموت و ...
- الأقفاص الضرورية: قراءة في تشريح السلطة والحرية في قصة مغامر ...
- رمزية الخوف وتحوّلات الوعي في القصة القصيرة المعاصرة – نموذج ...
- “العودة إلى الذات: قراءة نقدية في قصة زيارة للبيت القديم لإي ...
- مرثية وتكريم للأديب مصطفى نصر: حارس ذاكرة الإسكندرية وسارد ا ...
- المؤخرة استعارة للهامش: غياب التماسك البنيوي وإعادة إنتاج ال ...
- حين يغيب الذباب: النظام، الصمت، وقلق الوجود في قصة “البحث عن ...
- الجمود والموت في -وردة لإيميلي-: قراءة في العزلة والتابو وال ...
- بين الجبل والحكمة: قراءة تحليلية في قصة -ستر الجبل- لفرج مجا ...


المزيد.....




- عودة أنيقة لفيلم The Devil Wears Prada 2 .. ميريل ستريب وآن ...
- لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
- الرمز البصري لتيار ما بعد الإادراك العرش
- الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
- فيديو مسرّب لمدير الـFBI كاش باتيل… يُظهره يرقص على أنغام مو ...
- بعد سنوات من الغياب.. سيلين ديون تعود إلى المسرح من بوابة با ...
- الأدب في زمن الشاشة.. هل انتهت هيبة الورق؟
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح
- دورة ثامنة ل-الإكليل الثقافي- في الرباط حول الجهوية المتقدمة ...
- القضاء التونسي يحكم بسجن الصحفي غسان بن خليفة عامين والنقابة ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - فوزي خضر: المثقف الموسوعي وصوت الإسكندرية في الشعر والمعرفة