أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - الأقفاص الضرورية: قراءة في تشريح السلطة والحرية في قصة مغامرة عصفور لصبري زمزم















المزيد.....

الأقفاص الضرورية: قراءة في تشريح السلطة والحرية في قصة مغامرة عصفور لصبري زمزم


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 04:57
المحور: الادب والفن
    




مقدمة الدراسة: عصفور يزقزق في القفص: تمثيلات الحرية والسلطة
تُعد قصة "مغامرة عصفور" للكاتب الدكتور صبري زمزم – الناقد والأديب، مدير تحرير جريدة الأهرام – نموذجًا مكثفًا لمزجه بين الحس الصحفي في ملاحظة التفاصيل اليومية، والوعي الجمالي في صياغتها فنًا.
فكتاباته لا تكتفي بسرد الواقع، بل تتجاوزه لتحويله إلى مرآة عاكسة لأسئلة الإنسان الوجودية، خاصة ذلك التماس الدائم والمؤلم بين رغبة الفرد في التحليق نحو الحرية، وحاجته النفسية إلى الأمان داخل أقفاص الطمأنينة المُعدة سلفًا.
ويأتي العنوان "مغامرة عصفور" كعتبة نصية أولى، مُحمَّلة بدلالاتها الرمزية.
فـ "المغامرة" توحي بفعل إرادي مغامر محفوف بالمخاطر، بينما "العصفور" يمثل الكائن الهش الذي لا يملك سوى جناحيه سلاحًا.
هذه الثنائية تضع القارئ منذ البداية في قلب الصراع الجوهري للنص: صراع الضعف مع إرادة التحدي، والخوف مع شغف الحرية.
وهو صراع لا يخص العصفور وحده، بل يصبح استعارةً لكل محاولة فردية للانعتاق من أي قيد، اجتماعيًا كان أم سياسيًا أم نفسيًا.
وإذا كان غياب الإهداء يلفت الانتباه، فإنه يبدو مقصودًا؛ ليجعل التجربة مفتوحة على إسقاطاتها العامة، وكأن الكاتب يهمس للقارئ: "هذه قصتك أنت أيضًا".
ينتمي النص إلى تيار "الواقعية الرمزية" الذي يزاوج بين مشهد حياتي مألوف وباطنٍ حافل بالدلالات الفلسفية.
ولا يخفى هنا صدى الحوار الخفي مع فيلم "العصفور" (1972) للمخرج يوسف شاهين، الذي جعل من العنوان ذاته رمزًا للوطن-القفص والحرية المسلوبة.
لكن بينما ينتهي فيلم شاهين بانفجار جماعي يعلن رفض الاستكانة، تنتهي قصة زمزم بعودة العصفور إلى قفصه، منهكًا مستسلمًا.
هذا الاختلاف في النهاية لا يقلل من شأْن أي من العملين، بل يعكس ربما تحولًا في زمنية كل منهما، أو رؤية أكثر تشاؤمًا للطبيعة البشرية التي قد تختار الأمان المُعلب على حرية مجهولة مرهقة.
ثانيًا: المداخل النقدية
المدخل الأول: تشريح البنية السردية: صوت السلطة وانزياحاتها
وجهة النظر: ضمير المتكلم بوصفه أداةً للهيمنة:
لا يقتصر استخدام ضمير المتكلم "أنا" هنا على خلق نبرة اعترافية أو تقريب الأحداث من القارئ فحسب، بل إنه يُعد الأداة السردية المركزية التي تكرس رؤية السلطة. فـ "الأنا" الراوية هي ذاتها "الأنا" الفاعلة: المطعم، المنظم، الماسك بمفاتيح الأقفاص.
هذا التداخل بين صوت الراوي وصوت الفاعل يجعل القارئ يدخل النص من خلال عينيّ السلطة ذاتها، فيشاهد الحدث – بما فيه تمرد العصفور – من خلال منظور من يمتلك زمام الأمر، مما يخلق نوعًا من "المشروعية" الغريزية لأفعاله، حتى تلك التي تقمع الحرية.
إيقاع السرد: من الروتين إلى الصدمة ثم العودة:
يبدأ النص بإيقاع زمني منزلي مألوف ومتكرر ("كعادته"، "يوميًا في مثل هذا الموعد")، يعكس حالة من الركود والاستقرار المُفتعل.
هذا الروتين اليومي الهادئ هو ما تُحدث فيه لحظة هروب العصفور "الصدمة"، مخلخةً الإيقاع ومحدثةً فوضى عابرة.
غير أن البراعة السردية تتجلى في كيفية إعادة بناء هذا الإيقاع المتوتر تدريجيًا، عبر عملية مطاردة العصفور، لينتهي الأمر باستعادة النظام الأصلي بعودة العصفور إلى القفص.
هذه الدائرية (النظام - الفوضى - النظام) لا تعكس فقط دورة السيطرة الاجتماعية، بل تُشعر القارئ بأن أي تمرد هو مجرد حالة طارئة في مسار حتمي يعود دائمًا إلى نقطة البداية.
انزياحات اللغة: من الواقعية إلى الشعرية:
بينما تسيطر لغة واقعية شفافة على جسم النص (وصف إعداد الفطور، تنظيف الأقفاص)، فإن الانزياح الأبرز يحدث في اللحظات "غير الطبيعية"، أي لحظة تحليق العصفور.
فتتحول اللغة إلى نغمة شعرية تصف حركته ("كطيار يحلق بطائرة لم يتدرب عليها بعد"، "يعلو ثم يهبط").
هذا الانزياح اللغوي ليس زخرفة جمالية فقط، بل هو إشارة سردية إلى أن "الحرية" هي ذلك الانزياح الجميل والخطير عن نص الحياة المألوف.
إنها اللحظة الوحيدة التي تكسر فيها اللغة رتابتها، كما كسر العصفور رتابة قفزه.
المفارقة السردية: الحب مقابل التملك:
تُبنى القصة على مفارقة أساسية يغذيها صوت الراوي: فهو يقدم نفسه كحانيٍّ وراعٍ ("صباح الخير يا حبايبي"، "أرعاها كما أرعى أبنائي")، بينما أفعاله – حتى تلك المُفعمة بنية حسنة – تؤكد على التملك والاحتواء (غلق الأقفاص، التحكم في الطعام والشراب، منح الأنثى كمكافأة).
هذه المفارقة بين خطاب الحب وممارسة السيطرة هي القلب النابض لمعظم علاقات السلطة، حيث تُقدم الهيمنة في ثوب الرعاية، ويُقنع المُحتجز بأن سجنه هو أعلى درجات الحنان.
المدخل الثاني: سيكولوجيا الخضوع واجتماعيات الرعاية: عقدة الأب والصفقة الاجتماعية
السلطة الأبوية وعقدة "الراعي":
يتجاوز النص مجرد تصوير علاقة الفرد بالسلطة إلى تشريح ما يمكن تسميته "عقدة الأب".
فالراوي لا يمارس سلطته بقسوة، بل بمنطق "الراعي المسؤول" الذي يرى في رعايته امتدادًا لهويته وقيمته الأخلاقية.
هذا يجعل نقد سلطته أشبه بنقد للأبوة ذاتها، مما يخلق تعقيدًا نفسيًا. حب الراوي لعصافيره حقيقي، لكنه حب "مشروط" بالبقاء داخل حدود القفص.
وهو لا يدرك التناقض هنا، لأنه في نظره، الخروج من نطاق رعايته هو خروج من نطاق حبه.
الرغبة في الوعي مقابل حاجة الأمان:
حين يهرب العصفور، فهو لا يهرب من الجوع (فالطعام متوفر)، بل يهرب نحو شيء: نحو تجربة "الطيران" بحد ذاتها. الطيران هنا هو استعارة للوعي بالذات وإثباتها في الفضاء العام.
إنها لحظة الاكتشاف الذاتي التي تدفع الفرد لمخاطر المجهول بحثًا عن معنى وجوده خارج الهوية المُعطاة له. في المقابل، يمثل القفص "حاجة الأمان" الأساسية وفقًا لهرم ماسلو.
القصة تضعنا أمام معضلة نفسية كبرى: أيهما يغذي الروح أكثر، إشباع حاجة الأمن أم متعة تحقيق الذات؟
الصفقة الاجتماعية المرفوضة:
يمكن قراءة المشهد كله على أنه تشريح لـ "الصفقة الاجتماعية" (Social Contract) بمفهومها الحديث. النظام (الراوي) يقدم الغذاء (الرفاهية الاقتصادية) والمأوى (الأمن) والرعاية (الخدمات). في المقابل، يطلب النظام التنازل عن حق أساسي واحد: حرية الاختيار.
القصة تظهر اللحظة التي يخل فيها فرد بهذه الصفقة، فيقوم النظام (المتمثل هنا أيضًا في المجتمع/المارة والطفل عمر) بتصحيح المسار وإعادة "المتمرد" إلى الحظيرة. العصفور، بإرهاقه واستسلامه، يقر في النهاية – ولو على مضض – بأن كلفة الحرية أعلى مما يمكنه تحمله.
الانكسار الداخلي وموت الحلم:
انتصار النظام هنا ليس انتصارًا ماديًا فحسب (عودة الجسد إلى القفص)، بل هو انتصار نفسي أعظم: "موت الحلم". العصفور العائد لا يزقزق بنشوة الحرية، بل "بزهو وانكسار". الزهو من مجرد المحاولة، والانكسار من فشلها. الحوار الختامي مع الزوجة ("عصافير شوارع ولكنها حرة!") هو لحظة الوعي المأساوي: الوعي بثمن الحرية والاقتناع بعدم القدرة على دفعه.
هذه هي اللحظة التي يتحول فيها التمرد من فعل إلى ذكرى، ويصبح القفص ليس مجرد مكان، بل حالة ذهنية مقبولة.
المدخل الثالث: كسر التابوهات: الخطاب السياسي والجندري والأخلاقي في ثوب رمزي
التابو السياسي: تشريح "العقد الاجتماعي الفاسد":
تتجاوز القصة التلميح إلى التابو السياسي لتقدم تشريحاً دقيقاً لـ "عقد اجتماعي فاسد". في هذا العقد، لا تقدم السلطة (الراوي) نفسها كقمع صريح، بل كـ "رعاية" تتبنى منطق المقايضة: الأمان (الاستقرار) والرعاية (الرفاه) مقابل الحرية والسيادة. القفص هو "دولة الرعاية" بمفهومها المشوّه، التي تتحول إلى "دولة حاضنة" تختزل مفهوم المواطنة في كون الفرد محتاجاً وعاجزاً، لا شريكاً فاعلاً.
لحظة هروب العصفور هي كسر لهذا العقد، والاستجابة المجتمعية السريعة (صراخ الراوي، مطاردة المارة، بطولة عمر) تؤكد على أن النظام بأكمله، وليس الأب وحده، مسؤول عن مراقبة الحدود وإعادة "الهاربين" إلى الحظيرة.
النهاية ليست عودة طوعية، بل استسلام لواقع أن الحرية في الخارج مرهقة وخطرة، بينما العبودية في الداخل مريحة وآمنة.
التابو الجندري: الجسد الأنثوي كعملة للمُساومة:
يقدم المشهد الذي يمنح فيه الراوي عصفورةً للطفل عمر كهدية، كشفاً صارخاً لآلية أبوية قديمة. فـ الجسد الأنثوي (العصفورة) يُختزل إلى "ملكية" و "هدية" و "عطاء" يُمنح من قبل الذكر صاحب السلطة (الراوي) إلى ذكر آخر (عمر) لتحقيق غايات عدة:
· مكافأة الذكر المنقذ (عمر) على ولائه وتعزيز هذا السلوك.
· تطويع التمرد الذكري (العصفور الهارب) بإدخال "أنثى" إلى محيطه، مما يربطه بمسؤوليات "عائلية" تثنيه عن حلم الحرية.
· إعادة إنتاج النظام الأبوي داخل القفص نفسه، عبر تزويج الأنثى قسراً، لضمان استمرارية النسل داخل النظام، وبالتالي استمرارية النظام نفسه. العصفورة الأنثى هنا ليست كائناً له اختيار، بل هي أداة في يد السلطة الذكورية لتحقيق الاستقرار والاستمرار.
التابو الأخلاقي والديني: قدسية "الراعي" وخطيئة "الخروج":
هناك خطاب أخلاقي خفي يشكل الخلفية التي تمنح سلطة الراوي شرعيته. فهو لا يقدم نفسه كطاغية، بل كـ "راعٍ"، وهي صورة متجذرة في الوعي الجمعي الديني والاجتماعي ("كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته").
هذا الإطار الأخلاقي يحول النقد الموجه لسلطته من كونه نقداً سياسياً إلى ما يشبه "خطيئة الكفران بالجميل". الخروج على هذه "الرعاية" لا يُرى كحق طبيعي، بل كـ "جحود" و "طيش".
حجة الزوجة الأخيرة ("نحن هنا في أمان نجد من يطعمنا ويسقينا") ليست مجرد حجة عقلانية، بل هي تجسيد لهذا الخطاب الأخلاقي الذي يقدس الأمان ويُشيّطِن المجهول.
الحرية هنا، في هذا المنظور، ليست فضيلة، بل هي خطيئة ضد "الطمأنينة" المُقدسة.
رابعًا: موقع النص في المشهد النقدي والتأويلي
على الرغم من أن قصة "مغامرة عصفور" لم تُحظَ بعد بدراسات نقدية مستقلة وموسعة – وهو أمرٌ طبيعي لنصٍ حديث العهد – إلا أنه يمكن وضعها بثقة ضمن الإطار النقدي لتيار "الواقعية الرمزية" في القصة القصيرة العربية، الذي يرى في التفاصيل اليومية العادية نافذة على أعقد الأسئلة الوجودية والسياسية.
تستدعي القصة مقارنة حتمية مع النص المؤسس الذي تشاركه العنوان الجزئي: فيلم "العصفور" ليوسف شاهين. ومع ذلك، فإن الاختلاف الجوهري في النهاية يخلق مشروعين فنيين متباينين.
فيلم شاهين كان مشروعاً جماعياً، انتهى بالخروج من القفص الوطني نحو فضاء التحرير.
أما قصة زمزم، فهي مشروع فردي، ينتهي بالعودة إلى القفص الداخلي، النفسي.
إذا كان شاهين يكتب ملحمة الجماعة الثائرة، فإن زمزم يكتب سيرة الفرد المنكسر.
هذا الانزياح من "الوطن-القفص" إلى "الذات-القفص" هو ما يمنح القصة حداثتها ويسهم في تفرّدها، حيث تصبح الحرية معركة داخلية لا معركة مصير جماعي.
خامسًا: تقييم النص: بين قوة التكثيف وإشكالية الانكسار
نقاط القوة:
· الاقتصاد الفني والكثافة الرمزية:
تبلغ القصة ذروة فاعليتها من خلال قدرتها على اختزال إشكالية كبرى (الحرية مقابل الأمان) في حدث بسيط وعابر (هروب عصفور).
هذه القدرة على "التكثيف" هي من أبرز علامات براعة القصة القصيرة.
· اللغة البصرية السينمائية:
يمتلك النص حساسية بصرية فائقة، تتحول معها الكلمات إلى مشاهد حية.وصف تحليق العصفور المتعثر ("كطيار يحلق بطائرة لم يتدرب عليها بعد")، وألوان ريشه البديع ("كلوحة رسمت بيدي فنان بارع")، ومطاردة المارة له ("كلاعب كرة ماهر")، كلها تفاصيل تخلق في ذهن القارئ فيلماً قصيراً مكتمل المشاهد، مما يعمق الأثر الجمالي والتأويلي.
· تعقيد الشخصية المركزية (الراوي):
تجنب النص التبسيط الأخلاقي. فشخصية الراوي ليست شريرة، بل هي معقدة ومليئة بالتناقضات. إنه الحاني والراعي والسجان في آن واحد.
هذا التعقيد يجعل صراعه الداخلي غير المُعلن (بين حبه الحقيقي ورغبته في التملك) أكثر إثارة للتفكير من أي صراع خارجي صريح.
نقاط الضعف والإشكالات:
· إشكالية النهاية: الانكسار أم الاستسلام؟
يمكن أن تُقرأ النهاية – عودة العصفور المنهك – على أنها نقطة ضعف من حيث "الرسالة"، لكنها في الحقيقة إشكالية فنية مقصودة.
بينما تمنح النهاية العمل قيمته الواقعية والتراجيدية، فإنها قد تترك القارئ بشعور من الإحباط واليأس.
السؤال المطروح هو: هل كان هذا الانكسار الحتمي هو الخيار الوحيد؟ ألم يكن هناك مجال لخلق مساحة من "الوعي" المختلف للعصفور، حتى لو عاد جسدياً؟ يبدو أن القصة تفضل التأكيد على سطوة النظام وقدرته على استيعاب أي تمرد وتحويله إلى ذكرى منكسرة.
· الرمزية المباشرة في الحوار الأخير:
الحوار بين العصفور وزوجته ("عصافير شوارع ولكنها حرة!")، رغم عمقه الفلسفي، قد يبدو وكأنه يقدم "الخلاصة" للقارئ على طبق من فضة. إنه يحول التلميح الرمزي إلى تصريح شبه مباشر، مما قد يقلل من مساحة التأويل الشخصي للقارئ، وكأن الكاتب يخشى ألا يُفهم المغزى فبادر بتوضيحه في المشهد الأخير.
خاتمة الدراسة: في دلالات العودة إلى القفص
تمثل قصة "مغامرة عصفور" للدكتور صبري زمزم لحظةَ اكتمال فنيّ في مسيرة كاتب يجيد تحويل المألوف إلى استثنائي، والمحلي إلى كوني. فهي لا تكتفي بموازنة الواقعية الحياتية مع الرمزية الفلسفية، بل تذوب إحداهما في الأخرى لتخلق نسيجاً سردياً مكثفاً، يظل طويلاً في ذاكرة القارئ ووعيه.
ملامح التجريب والتفرّد:
تكمن جرأة النص وتجريبيته في عدة مستويات:
أولاً: في كسر الصورة النمطية للسلطة، بتصويرها ليس ككائن غاشم، بل كـ "رعاية مسلحة بالحب"، مما يجعل مقاومتها أكثر تعقيداً وإيلاماً.
ثانياً: في الانزياح من الرمزية الجماعية-الوطنية (كما في فيلم شاهين) إلى الرمزية الفردية-النفسية، ليرسم جغرافيا القفص داخل الذات الإنسانية نفسها.
ثالثاً: في تفكيك "الصفقة الاجتماعية" السائدة، وكشف أن الثمن الحقيقي للأمان المُقدم غالباً ما يكون روح الفرد وحريته، في عملية مقايضة غير متكافئة.
"مغامرة عصفور" هي تراجيديا العصر الحديث. ليست تراجيديا البطل الذي يسقط في معركة بطولية، بل تراجيديا الإنسان العادي الذي يخوض معركة واحدة صغيرة من أجل حريته، ثم يكتشف أن قوته لا تكفي، وأن العالم كله – من الراعي إلى الجيران – مصمم على إعادته إلى قفصه. إنها قصة الانهزام الداخلي الجميل والمؤلم.
لا يقدم لنا زمزم في نهايته إجابةً سهلة، بل يتركنا أمام مرآة ذات شقين: مرآة تظهر الرغبة الجامحة في التحليق، وأخرى تظهر الإرهاق المخيف من تبعات الحرية.
السؤال الذي يطلقه النص ليس فقط: "هل الأمان يغني عن الحرية؟"،
بل أيضاً: "أين نهاية الرعاية وبداية السجن؟
وأين يقع ذلك الخط الفاصل بين الحب والامتلاك؟".
تبقى "مغامرة عصفور" نصاً صغيراً في حجمه، عملاقاً في إيحائه.
إنها قصيدة نثرية عن ذلك الصراع الأزلي الذي لا ينتهي، تُذكّرنا بأن أعظم المغامرات قد لا تكون في اجتياز البحار، بل في تلك الومضة التي تقفز فيها روحٌ صغيرة من على حافة قفصها، ولو للحظة واحدة عابرة، لتتذوق طعم السماء، ثم تختار – أو تُجبر – على العودة، حاملةً في قلبها جرحاً لا يندمل، وذكرى لا تموت:
ذكرى أنها كانت، يوماً ما، حرة.



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رمزية الخوف وتحوّلات الوعي في القصة القصيرة المعاصرة – نموذج ...
- “العودة إلى الذات: قراءة نقدية في قصة زيارة للبيت القديم لإي ...
- مرثية وتكريم للأديب مصطفى نصر: حارس ذاكرة الإسكندرية وسارد ا ...
- المؤخرة استعارة للهامش: غياب التماسك البنيوي وإعادة إنتاج ال ...
- حين يغيب الذباب: النظام، الصمت، وقلق الوجود في قصة “البحث عن ...
- الجمود والموت في -وردة لإيميلي-: قراءة في العزلة والتابو وال ...
- بين الجبل والحكمة: قراءة تحليلية في قصة -ستر الجبل- لفرج مجا ...
- قراءة في بنية الذاكرة والسرد في بين الأوراق لنادي سعيد
- «الصورة ذاتها»: قراءة نقدية في تشظّي الهوية الأنثوية وبنية ا ...
- براءة تحت وطأة الصمت: قراءة نقدية في قصيدة -طفلة عاقلة جدًا- ...
- أسطورة الضحية ووجع الأنوثة: قراءة نقدية في قصيدة -عرائس الني ...
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- النوستالجيا ورمزية اللعبة في -طوبة ورقة مقص- لرانيا جمال: قر ...
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- -جراح قديمة-: جدلية السيناريو والبناء النفسي في تمثيل المرأة ...
- البناء السردي والهوية القومية وصورة المثقف في مواجهة السلطة ...
- جدلية الوجود والفناء في السرد القصصي عند خالد جودة: قراءة في ...
- نعى متأخر للكاتب محمد حافظ رجب
- غرفة بلا نوافذ: الصراع الداخلي والتحرر النفسي في رؤية إيناس ...
- ناسكة: التصوف الجسدي والأنوثة المتجاوزة – قراءة في جدلية الج ...


المزيد.....




- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...
- حصة الأفلام المصرية من شباك التذاكر السعودي في 2025
- بعد 9 قرون تحت مظلة الأزهر.. قانون جديد ينقل -الكتبخانة- لرئ ...
- حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
- ياسين طه حافظ
- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...
- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - الأقفاص الضرورية: قراءة في تشريح السلطة والحرية في قصة مغامرة عصفور لصبري زمزم