أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين أسطورة النداهة وذاكرة الطفولة: قراءة نقدية في قصة -أم الشخاليل- لليلى حسين















المزيد.....

بين أسطورة النداهة وذاكرة الطفولة: قراءة نقدية في قصة -أم الشخاليل- لليلى حسين


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 10:17
المحور: الادب والفن
    



المقدمة
يحمل العنوان في العمل الأدبي (وفقاً لجيرار جينيت[1]) أبعاداً دلالية عميقة بوصفه "عتبة نصية" تمهد لدخول القارئ إلى عالم النص.
وعنوان قصة "أم الشخاليل" للكاتبة ليلى حسين ينطوي على ثنائية دالة تتراوح بين الحنين والرهبة، حيث تستدعي الشخصية الأسطورية من الفلكلور الشعبي ذاكرة طفولة تعج بالتناقضات بين دفء الأمان المنزلي وبرودة الخوف الوجودي.
تتجلى في هذه القصة رواسب الخبرة الإبداعية المتعددة للكاتبة التي تجمع بين التصميم الجرافيكي والكتابة الأدبية، مما يضفي على نصوصها طابعاً تشكيلياً يجعل الكلمات ترسم مشاهد حية تتحرك أمام القارئ.
وهذا التمازج بين الفنون البصرية والأدبية يمنح النص أبعاداً جمالية تستحق القراءة المتأنية.
ستعتمد هذه الدراسة على المنهج السردي كإطار تحليلي رئيسي، مع الاستعانة بمداخل أنثروبولوجية ونفسية ونسوية لفهم الأبعاد المتعددة للنص، انطلاقاً من فرضية رئيسية مفادها أن القصة لا تمثل مجرد استعادة لذكريات الطفولة، بل هي إعادة بناء نقدي للذاكرة الجمعية من خلال منظور أنثوي يزاوج بين الواقع والأسطورة
أولاً: التحليل السردي والبنية الفنية
1. الزمن وتداخل الوعي
يتميز الزمن في القصة بتداخل مقصود بين الماضي والحاضر، حيث تنتقل الساردة بسلاسة بين لحظة الطفولة في ليلة المطر المخيفة وبين تأملات الراشدة: "تمر الأعوام ويصبح للمطر مذاق سحري ورهبة". هذا الانزياح الزمني يخلق ما يمكن تسميته "الزمن المعاش"[2] الذي يتجاوز التتابع الخطي ليقدم تجربة إنسانية شاملة.
2. المكان ككائن فاعل
لا يقتصر دور المكان في القصة على كونه مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى شخصية فاعلة تؤثر في الأحداث والشخصيات.
فالقرية ببيوتها الطينية وطرقها الموحلة وبيوتها المهجورة تشكل فضاءً رمزياً يحمل دلالات الهامشية والهشاشة، بينما يمثل البيت بطبقاته وأركانه المختلفة عالم الأمان النسبي الذي لا تخلو شقوقه من تسرب المخاوف.
3. السارد والرؤية السردية
تستخدم الكاتبة الراوي العليم بضمير المتكلم، مما يمكن تصنيفه ضمن "الرؤية مع" حسب تصنيف جينيت[3]، حيث نرى الأحداث من خلال عين الطفلة ولكن بحكمة الراشدة.
هذا الانزياح في وجهة النظر يخلق تعدداً في الأصوات السردية يثري النص ويمنحه عمقاً وجودياً.
4. الحبكة بين الواقع والأسطورة
تمتزج في القصة حبكتان متوازيتان: حبكة واقعية تمثلها ليلة المطر وقلق الطفلة على أبيها، وحبكة أسطورية تتمثل في حضور "أم الشخاليل" والجن والعفاريت.
هذا المزج يخلق نسيجاً سردياً فريداً يعكس رؤية العالم من خلال عين الطفل التي لا تفصل بين الواقع والخيال.
5. الشخصيات كرموز ثقافية
الطفلة الساردة: تمثل الوعي الناشئ والفضول المعرفي المقموع
الأم: تجسيد للحماية والعاطفة غير المشروطة
الجدة: حارسة التقاليد والطقوس والمعرفة الشعبية
الأب: رمز الأمان والاستقرار والمنقذ المتوقع
أم الشخاليل: تمثيل للخوف الجمعي والمنطقة المحرمة
6. اللغة بين الشعرية والتشكيل البصري
تتميز لغة القصة بطابعها الشعري المشهدي، حيث تعتمد الكاتبة على خلفيتها الفنية في تشكيل صور بصرية حية: "جدتي تطلق ضفائرها الفضية وقد توجت وجهها القمر".
هذا الانزياح نحو الشعرية لا يضعف البنية السردية، بل يثريها ويمنحها أبعاداً جمالية إضافية.
ثانياً: الأبعاد الثقافية والأنثروبولوجية
تمثل "أم الشخاليل" نموذجاً للكائنات الأسطورية في الفلكلور الشعبي التي تعمل كآلية ثقافية لتفسير الظواهر الغامضة وتبرير الممنوع.
ويمكن تتبع أشباه لها في المنطقة العربية مثل "أم الدويس" في الإمارات و"الست ملثمة" في مصر و"أم الصبيان" في المغرب العربي.
تكشف الطقوس الواردة في القصة - من الرقية باستخدام المعوذات إلى استخدام الشبة والملح الرشيدي - عن منظومة من المعتقدات الشعبية التي تشكل وعي المجتمع الريفي.
هذه الطقوس، كما يرى ميرسيا إلياد، تمنح الإنسان "إحساساً بالمعنى" في مواجهة المجهول[4].
ثالثاً: القراءة النفسية والنسوية
من المنظور النفسي، يمكن تفسير الخوف من "أم الشخاليل" كإسقاط للقلق الوجودي للطفلة من الفقد والانفصال. فحسب التحليل الفرويدي[5]، تمثل الأسطورة هنا تعبيراً رمزياً عن المكبوتات والرغبات الممنوعة.
أما من المنظور النسوي، فتثير القصة تساؤلات مهمة حول صورة المرأة في المخيال الجمعي بين ثلاثية:
الأم الحامية،
الجدة الحكيمة،
وأم الشخاليل المهددة.
هذا التمازج في الصور يعكس النظرة المزدوجة للمرأة في اللاوعي الجمعي[6] كمصدر للأمان والخطر في آن واحد.
رابعاً: نقاط القوة والضعف
نقاط القوة:
· المزج الإبداعي بين الواقعي والأسطوري
· اللغة الشعرية الغنية بالصور الحسية
· العمق النفسي في استبطان عالم الطفولة
· التوثيق الثقافي للطقوس والمعتقدات الشعبية
نقاط الضعف:
· عدم وضوح الانتقالات بين الأزمنة في بعض المقاطع
· الإطالة في بعض المشاهد على حساب تطور الحبكة
· غياب بعض العناصر الوصفية المهمة لبناء الفضاء
الخاتمة
تكشف قصة "أم الشخاليل" عن قدرة الأدب على توثيق الذاكرة الجمعية وإعادة إنتاجها نقدياً.
فمن خلال عيني طفلة حساسة، تستطيع ليلى حسين أن تقدم رؤية نقدية للتراث الثقافي تزاوج بين الحنين إليه وتسليط الضوء على تناقضاته.
لا تمثل القصة مجرد استعادة ساذجة لذكريات الطفولة، بل هي إعادة بناء للذاكرة من منظور ناضج يحتفظ ببراءة النظرة الطفولية مع حكمة الخبرة المكتسبة.
وهذا ما يجعل من النص وثيقة إنسانية وشهادة جمالية على زمن ثقافي يتلاشى، لكنه يظل حياً في الذاكرة والأدب.
المراجع
المؤلفات المترجمة
(1) جينيت، ج. (2007). عتبات. (ترجمة: س. بنكراد،). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
(2) ريكور، ب. (2006). الزمن والسرد. (ترجمة: س. الغانمي،). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
(3) جينيت، ج. (1993). خطاب الحكاية. (ترجمة: م. معتصم،). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
(4) إلياد، م. (1996). المقدّس والمدنّس. (ترجمة: ف. الزاهي،). الدار البيضاء: دار توبقال.
(5) فرويد، س. (1981). تفسير الأحلام. (ترجمة: ج. طرابيشي). بيروت: دار الطليعة.
(6) يونغ، ك. ج. (2003). الإنسان ورموزه. (ترجمة: م. صالح،). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات.

الهوامش
(1) جينيت، ج. (2007). عتبات. (ترجمة: س. بنكراد،). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
(2) ريكور، ب. (2006). الزمن والسرد. (ترجمة: س. الغانمي،). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
(3) جينيت، ج. (1993). خطاب الحكاية. (ترجمة: م. معتصم،). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
(4) إلياد، م. (1996). المقدّس والمدنّس. (ترجمة: ف. الزاهي،). الدار البيضاء: دار توبقال.
(5) فرويد، س. (1981). تفسير الأحلام. (ترجمة: ج. طرابيشي). بيروت: دار الطليعة.
(6) يونغ، ك. ج. (2003). الإنسان ورموزه. (ترجمة: م. صالح،). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات.



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللاجئ في أدب الحرب والمقاومة: قراءة فلسفية في جدلية الموت و ...
- الأقفاص الضرورية: قراءة في تشريح السلطة والحرية في قصة مغامر ...
- رمزية الخوف وتحوّلات الوعي في القصة القصيرة المعاصرة – نموذج ...
- “العودة إلى الذات: قراءة نقدية في قصة زيارة للبيت القديم لإي ...
- مرثية وتكريم للأديب مصطفى نصر: حارس ذاكرة الإسكندرية وسارد ا ...
- المؤخرة استعارة للهامش: غياب التماسك البنيوي وإعادة إنتاج ال ...
- حين يغيب الذباب: النظام، الصمت، وقلق الوجود في قصة “البحث عن ...
- الجمود والموت في -وردة لإيميلي-: قراءة في العزلة والتابو وال ...
- بين الجبل والحكمة: قراءة تحليلية في قصة -ستر الجبل- لفرج مجا ...
- قراءة في بنية الذاكرة والسرد في بين الأوراق لنادي سعيد
- «الصورة ذاتها»: قراءة نقدية في تشظّي الهوية الأنثوية وبنية ا ...
- براءة تحت وطأة الصمت: قراءة نقدية في قصيدة -طفلة عاقلة جدًا- ...
- أسطورة الضحية ووجع الأنوثة: قراءة نقدية في قصيدة -عرائس الني ...
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- النوستالجيا ورمزية اللعبة في -طوبة ورقة مقص- لرانيا جمال: قر ...
- طبقات الوجع الأنثوي: قراءة وجدانية–سوسيولوجية في مجموعة -فنج ...
- -جراح قديمة-: جدلية السيناريو والبناء النفسي في تمثيل المرأة ...
- البناء السردي والهوية القومية وصورة المثقف في مواجهة السلطة ...
- جدلية الوجود والفناء في السرد القصصي عند خالد جودة: قراءة في ...
- نعى متأخر للكاتب محمد حافظ رجب


المزيد.....




- فيلم -آلة الحرب-.. يوم -غيرت- هوليود نظرتها لحروب أمريكا
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صوت المقهورين
- شعانين بلا كشافة ولا موسيقى.. كنائس دمشق تحتج بصمت على هجوم ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة عن مسرح سناء الشّعلان في جامعة كاليكوت ...
- بين القانون والقرصنة.. فيلم -إيجي بست- يحكي قصة الموقع الأكث ...
- غزة وفنزويلا وإيران.. عندما يطبق ترمب ما كتبه حرفيا
- رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد ...
- دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت ...
- -بوتّو-.. فنان رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجني الملايين
- في حبِّ الحُزانى


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين أسطورة النداهة وذاكرة الطفولة: قراءة نقدية في قصة -أم الشخاليل- لليلى حسين