عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 04:53
المحور:
الادب والفن
﷽
المقدمة
تمثل مجموعة «حدود الكادر»[1] للقاصة عبير درويش محطة لافتة في مسارها الأدبي فيما يخص مسيرة القص، لما تنطوي عليه من شجن إنساني ورؤية جمالية واعية بالتفاصيل البصرية.
فالكاتبة التي درست الفلسفة ومارست الصحافة والسيناريو، حملت معها إلى عالم السرد حسًّا تحليليًا من جهة، وبُعدًا سينمائيًا من جهة أخرى، وهو ما منح نصوصها كثافة في المعنى وثراءً في البناء[2].
وقد أشار بعض النقاد، ومنهم الناقدة نجلاء نصير[3]، إلى أن درويش تنحاز في كتابتها إلى حضور الذات الأنثوية في مواجهة الآخر، وتوظف لغة شعرية تصويرية قادرة على أن تفتح النص على أكثر من أفق للتأويل.
ولعل اختيار الكاتبة أن تمنح القصة الأخيرة عنوان المجموعة نفسها «داخل الكادر – خارج الكادر» يكشف عن وعيها بكونها النص الجامع لرؤية المجموعة كلها.
ومن الجدير بالذكر أن عبير درويش، التي تواصل مسيرتها الأدبية حتى اليوم، قد أصدرت بعد هذه المجموعة أعمالاً روائية مثل "عابر على جسر"[4]، التي تتناول سيرة الشاعر نجيب سرور، مما يعكس تنوع أدواتها السردية واستمرار اهتمامها بالجدل بين الحضور والغياب في سياقات تاريخية ونفسية.
وقبل الولوج إلى النصوص ذاتها، لا بد من التوقف عند العتبات التي اختارتها الكاتبة، لما تحمله من دلالات تمهّد لفهم التجربة القصصية على نحو أعمق.
وهذا الوعي بالعمل ككلية فنية متكاملة ينعكس أولاً في الاختيار المدروس للعتبات النصية التي تسبق النصوص، والتي تشكل بمجموعها عتبة كبرى تؤطر لتلقي المجموعة
قراءة في العتبات النصية
تفتتح عبير درويش مجموعتها بباقة من العتبات التي تؤسس لتلقي النصوص وتجعل القارئ منذ البداية في مواجهة أسئلة الغياب والحضور.
ولا يمكن قراءة المجموعة بمعزل عن هذه العتبات التي تشكّل خطابًا موازيًا يوجّه عملية القراءة.
يأتي الغلاف في المقدمة، إذ تُصوَّر امرأة ورجل في لحظة عناق داخل إطار مستطيل يحاكي "الكادر" السينمائي، فيما تسيطر ألوان بنفسجية–قرمزية مشوشة تعطي إيحاءً بالانفصال أكثر من الوصل.
حضور علامة التسجيل (REC) وزوايا الكادر الأربع يؤكد أن المشهد ملتقط بعدسة كاميرا، أي أنه واقع تحت سلطة عين خارجية، وهو ما يتناغم مع رؤية المجموعة كلها: ثمة دائمًا من/ما يُحدّد المشهد، ومن يُقصى خارجه.
إن اختيار كلمة «كادر» في العنوان –وهي من مصطلحات التصوير السينمائي– لا ينفصل عن خلفية الكاتبة وتجربتها مع السيناريو، بل يشي بتحويل التجربة الحياتية إلى مشهد بصري تُحاصر فيه الشخصيات داخل إطار محدّد، كما يبرز ذلك في تحليل الناقدة نجلاء نصير في مقالتها "الآخر والذات الفاعلة"[5].
أما الإهداء: «إلى الغائبين عن المشهد؛ أنتم داخل عدسة الروح... أنتم حدود الكادر»[6]، فيقدّم مفتاحًا صريحًا: الغائب هو المركز، وليس الحاضر.
إن ما يظل خارج الكادر المرئي يصبح داخل "عدسة الروح"، أي داخل التجربة الوجدانية للكاتبة، مما يعكس وعيًا بأن جوهر النصوص يتشكل من الغياب أكثر مما يتشكل من الحضور.
ويأتي التصدير المقتبس من الشاعر وديع سعادة[7]، الذي يربط بين الموت والهجرة بوصفهما حفلة عابرة: «لكن أجملنا سيبقى الغائب»[8].
هذا التصدير يضاعف من ثيمة الإهداء ويضعها في إطار فلسفي–وجودي، مؤكّدًا أن الغياب هو القيمة الأسمى، وأن الجمال الحقيقي يبقى خارج المشهد.
أما كلمة الغلاف الخلفي، المقتبسة من مقدمة القصة الأولى «بعلم الوصول»، فهي أقرب إلى ميتاسرد يُسائل فعل الكتابة ذاته:
«هل أكتب بعض السطور التي تقطر شجنا… لمن للفرح المتسلل من منعطفات أيامنا، للحب الذي ألقينا به إلى الخذلان…؟»[9].
هنا تعلن الكاتبة أن نصوصها موجّهة للقارئ الذي يشاركها همومه وآماله، لا للمقاييس النقدية وحدها.
إنها كتابة واعية بجدل التلقي، لكنها منحازة إلى التجربة الإنسانية قبل كل شيء، كما يؤكد ذلك الناقدة عفت بركات في مقالتها "داخل كادر عبير درويش"[10].
هكذا تتكامل العتبات:
الغلاف البصري،
الإهداء الوجداني،
التصدير الوجودي،
وكلمة الغلاف الميتاسردية،
لتؤسس جميعها لتيمة محورية تتكرر في النصوص: ثنائية الداخل/الخارج، الحضور/الغياب، ما يظهر في الكادر وما يُقصى خارجه.
ومن ثم، تصبح هذه العتبات بمثابة جسر تأويلي يمهّد لقراءة النصوص في ضوء مداخل نقدية متكاملة.
المداخل النقدية
وإذ تكشف هذه العتبات منذ البداية عن ثنائية الداخل والخارج بوصفها البنية الأعمق للمجموعة، فإن مقاربة النصوص في ضوء مداخل نقدية متكاملة (النفسي–الوجودي، السوسيولوجي–النسوي، السيميولوجي) تتيح استجلاء أبعاد هذه الثنائية من زوايا متشابكة.
تفرض القراءة النفسية–الوجودية نفسها منذ المشهد الأول، حيث يتجلى النص مشبعًا بالبوح القلق ووعي حاد بالغياب والانتظار.
تقول الساردة: «حين يصمت، ويفتح المجال لغمغمات الراديو، ويستل يديه من خلف ظهرك الذي قوضه منذ برهة؛ ليتمكن من اقتناص أنفاسك دون تململ…»[11].
هنا يتضح أن العلاقة مع الآخر محكومة بالصمت والانسحاب أكثر من الامتلاء والتواصل، وهو ما يضفي عليها بعدًا وجوديًا يتأرجح بين الحضور والعدم، كما يبرز في الاقتباس "تدركين أن الضوء تلاشى والموسيقى خفتت"[12] الذي يعكس شعورًا بالتلاشي الداخلي.
إن تجربة البطلة لا تقوم على الامتلاء بل على الفقد، ولا تستمد قيمتها من الوجود الفعلي للرجل، بل من غيابه الذي يتكثف حضوره في وعيها.
هذا الهاجس الوجودي سرعان ما يفتح الطريق إلى قراءة سوسيولوجية–نسوية،
لأن صراع الذات الأنثوية ليس مع الفراغ وحده، بل مع الآخر الذكوري الذي يتهرب من الالتزام.
ففي لحظة صريحة يقول السارد: «ترتعب من دور المسؤول عن جلب سعادتها، أو سلبها… تسعى جاهدًا ألا تؤلمها حكاياتك وشريط الماضي المكتظ»[13].
على الجانب الآخر، تبدو المرأة غارقة في الحلم، متمسكة بوهج العلاقة: «تتأبطين ذراعه، تلتصقين بقامته تؤدين دور العارف بقوانين التيه…»[14].
هذا التباين الحاد يكشف عن خلل اجتماعي وجندري يتكرر في معظم قصص المجموعة،
حيث تظل المرأة محاصرة داخل الكادر
بينما يحتفظ الرجل بحرية الحركة خارجه، كما يظهر في اقتباسات أخرى مثل "تشفقين على سجائره وقلبك وشفاهك الخدرة"[15] الذي يعكس تضحية الأنثى العاطفية.
ولأن هذا الصراع بين الداخل والخارج صيغ بلغة بصرية كثيفة، فإن المدخل السيميولوجي يكتسب شرعيته ليكمل القراءة. النص مفعم بإشارات بصرية ومصطلحات مستمدة من عالم السينما، وكأن القاصة تتعمد تحويل التجربة الوجودية والاجتماعية إلى مشهد فيلمي.
النهاية نفسها تأتي محمولة على لغة سينمائية صافية: «تدركين أن الضوء تلاشى، والموسيقى خفتت، وانحصرت الكاميرا عليك فقط، وتم القطع دون أن يلفظ Cut.
هنا تنغلق اللقطة الأخيرة على البطلة وحدها، بعد أن انسحب الآخر تمامًا، فيتجسد الانقطاع الوجودي والخذلان العاطفي في صورة بصرية محددة: انطفاء الضوء، خفوت الموسيقى، انفراد الكاميرا بالذات، مما يعزز الدلالة على الوحدة كمصير أنثوي.
هكذا تتحول ثنائية الداخل والخارج إلى بنية سيميولوجية متكاملة، حيث الكادر ليس مجرد تقنية سردية، بل رمز للحدود التي تُفرض على المرأة في علاقتها بالآخر وفي حضورها داخل المجتمع.
التحليل التفصيلي
العنوان والدلالة
وإذا كانت المداخل السابقة قد أضاءت البنية العميقة للنص، فإن التحليل التفصيلي يتيح تتبع هذه البنية في مكوناتها الشكلية والدلالية، بدءًا من العنوان والبنية السردية وصولًا إلى الشخصيات واللغة والصور.
العنوان «داخل الكادر – خارج الكادر» يقوم على ثنائية حادة تشكّل مفتاح القراءة. الداخل والخارج ليسا مجرد إشارتين مكانيتين، بل بنية وجودية واجتماعية في آن واحد.
الداخل يرتبط بالمرأة التي تظل أسيرة الحضور، أسيرة الانتظار والتعلق، بينما الخارج يرتبط بالرجل الذي يحتفظ دومًا بخيار الانسحاب والتواري عن المسؤولية.
ويكفي أن نستعيد عبارة الساردة: «أنت كل ما سعيت إليه أن تظل خارج الضوء، بعيدًا عن أي احتمال بالتعويل عليك»[16]، لندرك أن الخارج هنا ليس مكانًا جغرافيًا بقدر ما هو موقف نفسي واجتماعي يعكس توجس الرجل من الالتزام، ويتناسب مع الثيمات النسوية في قصص أخرى مثل "ضفيرة"[17] حيث تُقيد الفتاة اجتماعيًا.
هذا التوجس من الالتزام الذي يمثله "الخارج" ليس حكراً على هذه القصة، بل يتكرر بصورة أخرى في قصة "مكرر"[18]، حيث ينسحب الحبيب البدوي تاركاً الأنثى مع ذكرياتها ووشمها، وكما يظهر في "أزمنة"[19] حيث يعبّر الرجل عن اغترابه عبر ممارسات يومية طقسية.
البنية السردية تعزز هذا التوتر من خلال تقنية التناوب. فالنص ينقسم إلى مقاطع متتابعة، يفتتح كل واحد منها بعبارة «داخل الكادر» أو «خارج الكادر».
بهذا التناوب، ينشأ إيقاع شبيه بحركة الكاميرا وهي تنتقل من لقطة إلى أخرى، مرة تركز على البطلة وهي «تتأبطين ذراعه، تلتصقين بقامته تؤدين دور العارف بقوانين التيه…»[20]، ومرة تعود إلى الرجل وهو «يصحبها في جولة نهارية والشمس ساطعة، كحقيقة كونكما عاشقين…»[21].
هذه التقنية لا تُنتج مجرد إيقاع شكلي، بل تنقل القارئ إلى قلب جدلية الحضور والغياب، القرب والابتعاد، بما يجعل التجربة أشبه برقصة دائرية تتكرر على نحو لا نهائي، وتذكر بتناوب الذكريات في "بعلم الوصول"[22].
الشخصيات تنحصر في قطبين أساسيين:
المرأة بصفتها الذات الساردة، والرجل بصفته الآخر المتردد. المرأة تُرسم كذات معطاءة، مخلصة في اندماجها، قادرة على نسج تفاصيل يومية لتأكيد العلاقة: «تتأبطين ذراعه، تلتصقين بقامته… تتركين ندبة على أسفلت الحارات الجديد اللدن، بدبيب حذائك القاسي…»[23].
هي شخصية تسعى إلى تحويل العابر إلى دائم، وتؤمن بأن الامتلاء ممكن ولو عبر الوهم.
أما الرجل فيظهر هشًا، مسكونًا بهاجس الفقد والخوف من المسؤولية: «ترتعب من دور المسؤول عن جلب سعادتها، أو سلبها…»[24].
إنه يقترب لينسحب، يلوح ثم يتلاشى، تاركًا أثرًا باهتًا لا يتجاوز ظلال الذاكرة، كما في صورة الغياب المتكرر في قصص مثل "الظل المنفصل".
بهذا تُقدَّم الشخصية الذكورية بوصفها قطبًا مترددًا يوازن حضور البطلة الفاعل.
لغة النص وصوره تضيف طبقة أخرى من العمق. اللغة تتحرك على تخوم الشعر والسرد، محملة بكثافة بصرية وسمعية.
صور الضوء والظلال تلعب دورًا محوريًا: «تدركين أن الضوء تلاشى والموسيقى خفتت، وانحصرت الكاميرا عليك فقط…»[25].
الصور الجسدية بدورها تشحن النص بطاقة عاطفية: «تذوين في أنفاسه، تحلقين بأجنحة بلورية مثل فراشات الضوء كما وصفك…»[26].
حتى الأشياء اليومية، كالجورب والحزام وطلاء الشفاه، تتحول إلى علامات دالة: «تصطدم بأشيائها كلما ألقيت بنظرك في الأرجاء… جوربها، وحزامها الجلدي المنزوع عنوة، وطلاء الشفاه على أكواب القهوة…»[27] .
هذه التفاصيل لا تُبنى بوصفها زينة سردية، بل باعتبارها رموزًا صغيرة تختزن العلاقة وتكشف هشاشتها، وتتردد أصداؤها في صور أخرى مثل "النعل" في قصة تحمل الاسم نفسه.
على مستوى الدلالات، يمكن رصد أكثر من طبقة.
أولها الدلالة الوجودية، حيث النص مشبع بإحساس العدم والفقد.
النهاية تلخص ذلك في صورة سينمائية دقيقة: «وانحصرت الكاميرا عليك فقط، وتم القطع دون أن يلفظ [28]Cut.
إنها لحظة انطفاء كامل، حيث ينفرد الكادر بالمرأة بعد انسحاب الآخر، بما يعكس الشعور بالوحدة المطلقة.
ثم تأتي الدلالة النسوية التي تضع المرأة في موقع المحاصَرة داخل الكادر، مقابل رجل يملك دائمًا خيار الهروب. تقول الساردة بوضوح: «أنت كل ما سعيت إليه أن تظل خارج الضوء، بعيدًا عن أي احتمال بالتعويل عليك»[29].
هذه الجملة وحدها تكشف اختلال ميزان السلطة في العلاقة، وتطرح سؤالًا عن موقع المرأة في مجتمع ذكوري.
وهناك أيضًا الدلالة الاجتماعية الأوسع، حيث يتجاوز النص إطار العلاقة الثنائية ليحيل إلى سياق مأزوم:
«تلعنين قوانين الساسة، واللعبة، ومن ساقه إلى طريقك في أمسية ضبابية…»[30].
التجربة الفردية إذن ليست منعزلة، بل متداخلة مع قوى اجتماعية وسياسية تقيد حرية الفرد.
وأخيرًا، لا يمكن إغفال الدلالة الفنية–السيميولوجية،
فالنص قائم برمته على معجم سينمائي (الكادر، الضوء، المشهد، القطع).
هذه المفردات ليست اختيارًا أسلوبيًا فحسب، بل رؤية دلالية كاملة، تجعل من الكادر رمزًا للحدود التي تُفرض على الذات الأنثوية،
وتحوّل القصة إلى مشهد بصري مفتوح على احتمالات التأويل، كما في قصص أخرى مثل "تجليات حديث عابر"[31].
القصة الأخيرة في سياق المجموعة: مقارنة وموقع دلالي
غير أن هذا التحليل يظل ناقصًا إذا لم يوضع النص الختامي في سياقه الأوسع، أي في إطار المجموعة كلها، لمعرفة موقعه بين القصص السابقة وما يميزه عنها.
وعند وضع القصة الأخيرة «داخل الكادر – خارج الكادر» في سياق المجموعة الكاملة، يتضح أنها ليست نصًا منفصلًا، بل الذروة التي تتجمع فيها خيوط الحكايات السابقة.
فقد وصفت الناقدة نجلاء نصير[32] المجموعة بأنها «حبات عقد لا يمكن فرطها»، إذ تتكرر في كل قصة ثيمات مركزية مثل الغياب والحضور، قهر المرأة وتوقها إلى الحرية، ازدواجية الآخر الذكوري، والبحث عن الأمان وسط عالم مأزوم.
هذه التيمات تظل حاضرة، بدرجات متفاوتة، منذ القصة الأولى «بعلم الوصول»[33] وحتى القصة ما قبل الأخيرة «حمى»[34]، لكنها تبلغ أقصى تكثيف لها في القصة الختامية، وتتناسب مع تطور درويش في أعمال لاحقة مثل روايتها "عابر على جسر"[35] حيث يستمر الغياب كمحور نفسي.
في القصص الأولى، تظهر الذات الأنثوية محاصرة بين الرغبة في البوح وواقع الانتظار.
تقول الساردة في «بعلم الوصول»: «حين كتبت أولى كلماتي، كان المغزى منها هو البوح»[36]، وهي عبارة تصلح مفتاحًا لقراءة التجربة من بدايتها حتى نهايتها.
هذا البوح الأولي يجد صداه المتأخر في القصة الأخيرة، حيث يتحول الكلام إلى مشهد بصري محكوم بسلطة الكادر، وكأن الكتابة كلها كانت تمهيدًا لهذه اللحظة الفاصلة.
وفي نصوص مثل «ضفيرة»[37] و«الحجل في البحر»[38] نجد وجوهًا أخرى للخذلان الاجتماعي، سواء في قهر الطفولة عبر زواج مبكر يوأد البراءة، أو في تهميش فتاة فقيرة تعيش صراعًا بين الممكن والمستحيل.
هذه الحالات تعكس معاناة أنثوية متكررة، تتلاقى مع بطلة «داخل الكادر – خارج الكادر»[39] التي تحيا بدورها بين لحظة حميمية خاطفة وغياب يفرضه الآخر الذكوري.
فإذا كانت البطلات في تلك القصص يكابدن واقعًا اجتماعيًا ضاغطًا، فإن البطلة هنا تكابد الوجه الأكثر خصوصية لذلك الواقع: علاقة عاطفية متوترة محكومة بالحضور الغائب للرجل.
وفي قصص مثل «حياة»[40] أو «الظل المنفصل»[41] تتحول التجربة الفردية إلى رمز اجتماعي أشمل، حيث تُطرح صورة المرأة المهمشة التي تتعرض للخذلان في مواجهة مجتمع قاسٍ.
القصة الأخيرة تحافظ على هذا البعد الرمزي، لكنها تعيده في صياغة بصرية–سينمائية، تجعل من العلاقة الثنائية مشهدًا كونيًا.
هنا لا تعود البطلة مجرد شخصية محدودة، بل تصبح معادلاً لوجود أنثوي مقيد داخل حدود يضعها الآخر والمجتمع معًا، كما في "أسئلة موقوفة" حيث يتكرر السؤال عن الفقدان العاطفي.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى «داخل الكادر – خارج الكادر» بوصفها الميتا–قصة في المجموعة، أي النص الذي يعيد تمثيل القضايا المطروحة في القصص السابقة، لكنه يفعل ذلك بوعي أعلى وبتركيب أكثر كثافة.
فهي تتلاقى مع «بعلم الوصول»[42] في ثيمة البوح، ومع «ضفيرة»[43] و«حياة»[44] في صورة المرأة المقهورة، ومع «المفتاح»[45] و«مكرر»[46] في حضور الآخر الطاغي أو المتخلي، لكنها تنفرد بتوظيف معجم بصري يمنحها طابعًا مغايرًا، ويجعلها أشبه بخاتمة سينمائية لمشهد طويل.
إنها ليست مجرد قصة من بين القصص، بل نص جامع ومؤطر، يضع القارئ في مواجهة السؤال الذي يظل مفتوحًا: من يحدد حدود الكادر، ومن يُسمح له بالبقاء داخله أو خارجه؟
نقاط القوة والضعف
وإذ تتضح مكانة القصة الأخيرة كذروة دلالية وجمالية داخل المجموعة، فإن من المهم أن نتوقف عند ما يميز النص من عناصر قوة، وما يمكن أن يُسجَّل عليه من ملاحظات.
تكشف القراءة المتأنية عن جوانب قوة واضحة في بناء النص وطرحه الفني. فالبنية الثنائية القائمة على التناوب بين الداخل والخارج تمنح السرد إيقاعًا خاصًا أشبه بحركة الكاميرا، وتضفي على النص تماسكًا دلاليًا يجعله يتحرك باستمرار بين لحظة الحضور ولحظة الغياب.
كما أن اللغة الشعرية الكثيفة تعد من أبرز عناصر التميز، إذ تضفي على المشاهد حيوية وعمقًا وتجعل التفاصيل اليومية تتحول إلى علامات رمزية، مثل الجورب والحزام وأكواب القهوة.
يضاف إلى ذلك البعد البصري–السينمائي، الذي يحول التجربة العاطفية إلى مشهد كوني، ويمنح القصة قدرة على استدعاء رموز تتجاوز حدود العلاقة الفردية لتلامس أسئلة إنسانية أوسع، مع ابتكار في دمج العناصر السينمائية كأداة سردية تعزز الجدل الوجودي.
ومن عناصر القوة أيضًا حضور الرؤية النسوية–الإنسانية التي تكشف عن علاقة غير متوازنة وتفضح مأزق المرأة في مجتمع يضعها دومًا داخل الكادر، بينما يتيح للرجل الهروب خارجه.
غير أن هذا لا يمنع من رصد بعض جوانب الضعف، التي وإن بدت محدودة، إلا أنها تظل جديرة بالانتباه.
أحيانًا يميل النص إلى الإفراط في الشاعرية على نحو قد يهدد بطمس السرد، فتتراجع الخطية القصصية لصالح الصور المجازية المتلاحقة.
كما أن تكرار ثنائية الداخل والخارج، رغم ما تمنحه من إيقاع، قد يخلق شعورًا بالرتابة لو لم يصاحبه تنويع دلالي يفتح آفاقًا جديدة في كل مرة.
قد يُلاحظ أن حضور الشخصية الذكورية يبدو أقل عمقاً مقارنة بالأنثى. إلا أن هذا "البَهوت" المتعمد قد لا يكون ضعفاً سردياً بقدر ما هو خيار جمالي يعكس الرؤية المركزية للنص: فالرجل هنا ليس شخصية مستقلة بقدر ما هو "وظيفة سردية" تجسيد لهاجس الغياب والحدود الذي يطاردة الذات الأنثوية. غيابه النسبي هو ما يحدد وجودها، مما يعكس اختلال ميزان القوة في العلاقة بشكل أكثر حدّة.".
الخاتمة
ومن خلال هذه الملاحظات الختامية على مستوى البناء والأسلوب، يمكن الانتقال إلى استخلاص ما تمثله القصة الأخيرة في التجربة القصصية لعبير درويش من دلالات أوسع. يمكن القول إن قصة «داخل الكادر – خارج الكادر»[47] تمثل الذروة الفنية والدلالية لمجموعة عبير درويش، فهي النص الذي يجمع خيوط التجربة ويفتحها في آن واحد.
فمنذ الصفحات الأولى في «بعلم الوصول»[48] وحتى المشاهد الختامية في «حمى»، ظل القارئ يتتبع حضور الذات الأنثوية في مواجهة الآخر، محاصَرة بين الرغبة في البوح ووطأة الغياب.
غير أن هذا المسار يبلغ أقصى تكثيفه في القصة الأخيرة، حيث تتحول التجربة إلى مشهد بصري يختزل جدلية الداخل والخارج، الحضور والغياب، الالتزام والانسحاب.
إن هذه القصة ليست مجرد نص قصصي يضاف إلى غيره، بل عدسة رمزية تكشف حدود الرؤية والحب والحرية. فهي تستدعي أدوات السينما في بناء مشهد قصصي، وتجعل من الكادر علامة على الحدود التي يفرضها الآخر والمجتمع على المرأة، كما تجعل من القطع المفاجئ في النهاية استعارة لانقطاع الحلم الإنساني نفسه.
وهكذا يصبح السؤال الذي تطرحه القاصة أكبر من حدود النص: من الذي يملك سلطة تحديد الكادر؟ من يُسمح له بالبقاء داخله، ومن يُدفع خارجه؟
تلك الأسئلة لا تخص التجربة العاطفية وحدها، بل تمتد إلى الوجود الإنساني وإلى وضع المرأة في مجتمعها. وبذلك تنجح عبير درويش في أن تجعل من نصها الأخير نصًا مفتوحًا على قراءات متعددة، لا يقتصر على كونه خاتمة لمجموعة قصصية، بل يصبح علامة على انفتاح القصة القصيرة المصرية المعاصرة على لغة بصرية جديدة تزاوج بين السرد والسينما، وتطرح أسئلة عن الحرية والهوية والغياب لا تزال تبحث عن إجاباتها في الوعي الجمعي، خاصة في سياق أعمالها اللاحقة التي تستمر في استكشاف السيرة والتاريخ كأدوات لفهم الغياب الإنساني.
بهذا، لا تختتم "حدود الكادر" مجرد مرحلة قصصية في مشروع عبير درويش، بل تضع أسساً استمرت في التطور في أعمالها اللاحقة، مثل رواية "عابر على جسر"، حيث يتم استبدال كادر العلاقة العاطفية بـ "كادر" التاريخ والسيرة الذاتية، لكن السؤال الجوهري يبقى قائماً: كيف نعبر الجسر من عالم الغياب إلى عالم الحضور الفعلي؟"
المراجع
(1) عبير درويش. (2016). حدود الكادر (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
(2) عبير درويش. (2024). عابر على جسر (رواية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
مقالات فى الدوريات
(1) الكاتبة عبير درويش: هوية الكتابة عندي هي الإنسانية (حوار). (29 سبتمبر, 2020). جداريات. https://jedariiat.net/news/6538
(2) عفت بركات. (21 ديسمير, 2010). داخل كادر عبير درويش. ايلاف. https://elaph.com/Web/Culture/2016/12/1125305.html
(3) محمد الصادق. (7 أبريل, 2019). المشهد الروائي العربي صاخب كحياتنا «فن القصة يستعيد ثقته ويزاحم الرواية» (حوار ). الجريدة. https://www.aljarida.com/articles/1554563567285798400
(4) نضال ممدوح. (25 يناير, 2025). نجيب سرور لم يدخل السجن ولا مستشفى الأمراض العقلية (حوار). حرف. https://www.haarf.org/1968
مواقع الانترنت
(1) شهادة أدبية. الكاتبة: عبير درويش. (30 أكتوبر, 2023). تم الاسترداد من موقع صدى: (ذاكرة القصة المصرية ): https://2u.pw/T3sKM
(2) نجلاء نصير. (2 سبتمبر, 2017). الآخر والذات الفاعلة في المجموعة القصصية “حدود الكادر” للكاتبة: عبير درويش. موقع دراسات نقدية: https://2u.pw/xGBeO
(1) عبير درويش. (2016). حدود الكادر (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع
(2) هذه الدراسة قدمت الى ندوة مناقشة المجموعة القصصية «حدود الكادر» للكاتبة عبير درويش والتى عقدت فى ورشة الرواية ببيت ثقافة 26 يوليو بتاريخ 24 سبتمبر 2025
(3) نجلاء نصير. (2 سبتمبر, 2017). الآخر والذات الفاعلة في المجموعة القصصية “حدود الكادر” للكاتبة: عبير درويش. موقع دراسات نقدية: https://2u.pw/xGBeO
(4) عبير درويش. (2024). عابر على جسر (رواية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
(5) نجلاء نصير. (2 سبتمبر, 2017). الآخر والذات الفاعلة مرجع سابق
(6) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 3
(7) وديع سعادة هو شاعر لبناني من مواليد 1948 في قرية شبطين شمال لبنان. ترجمت بعض أعماله إلى الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية، ويعد ّمن أبرز شعراء قصيدة النثر في العالم العربي. عرف يلقب شاعر الهجرة والموت
(😎 عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 5
(9) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 9
(10) عفت بركات. (21 ديسمير, 2010). داخل كادر عبير درويش. ايلاف. https://elaph.com/Web/Culture/2016/12/1125305.html
(11) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 138
(12) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 142
(13) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 138
(14) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 139
(15) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 138
(16) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 139
(17) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 27-32
(18) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 37-40
(19) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 47-54
(20) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 139
(21) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 140
(22) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 7-12
(23) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 139
(24) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 138
(25) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 142
(26) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 140
(27) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 141
(28) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 142
(29) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 139
(30) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 138
(31) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 47-50
(32) نجلاء نصير. (2 سبتمبر, 2017). الآخر والذات الفاعلة مرجع سابق
(33) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 7-12
(34) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 130-134
(35) عبير درويش. (2024). عابر على جسر (رواية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
(36) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 9
(37) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 27-32
(38) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 41-45
(39) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 134-142
(40) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 11-16
(41) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 83-86
(42) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 7-12
(43) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 21-24
(44) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 11-16
(45) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 17-20
(46) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 27-28
(47) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 134-142
(48) عبير درويش. (2016). حدود الكادر ص 7-12
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟