أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي














المزيد.....

تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 10:28
المحور: الادب والفن
    


بقلم / جعفر حيدر
هذه القصيدة لا تُلقى بوصفها مجرد نص شعري، بل بوصفها انفجاراً لغوياً محمّلاً بوعي مأزوم يحاول أن يصوغ الخراب في قالب جمالي دون أن يفقد حدّته أو صدقه، إذ يبدأ الشاعر منذ الاستهلال بتركيب صادم «دم سمائي، وأرضي، والدماء فمُ» حيث تتداخل عناصر العلو والسفل والإنسان في وحدة دموية واحدة، فيكسر الثنائية التقليدية بين المقدّس والمدنّس ويجعل الدم وسيطاً كونيّاً يتكلم نيابة عن الجميع، وهذا بحد ذاته يشي بأننا أمام نص لا يصف المأساة بل يتماهى معها، ثم يتصاعد التوتر حين يُقحم المقدّس في دائرة الاتهام «وفي المساجد قرآناً ومنتقمُ» ليتحول الدين من ملاذ روحي إلى أداة توظيف قاسية، وهنا تتجلى جرأة الشاعر ليس في الطرح فقط بل في طريقة بناء الصورة التي لا تكتفي بالإدانة بل تعيد تعريف الأشياء ضمن سياقها المنحرف، وعندما يقول «يشنق الله فينا كل نافلةٍ» فهو لا يقصد المعنى الحرفي بل يخلق مفارقة وجودية تُظهر كيف تحوّلت الطقوس إلى عبء خانق بدل أن تكون خلاصاً، وهذه المفارقة تمتد في صورة الشيخ الذي «يشرب نخب الموت» في انقلاب رمزي يجعل رجل الدين شريكاً في المأساة لا شاهداً عليها، ومن هنا تتكثف القصيدة بوصفها سلسلة من الانزياحات الدلالية التي تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والسلطة والدين والموت.
ويستمر النص في بناء عالمه القاتم عبر صور جمعية لا فردية، فالموت ليس حدثاً عارضاً بل حالة سائدة «في كل دار صدى موتٍ» مما يمنح القصيدة طابعاً كابوسياً تتساوى فيه الأمكنة وتذوب فيه الخصوصيات، حتى الأطفال «يتامى بالدمى فطموا» وهي صورة بالغة القسوة لأنها تستبدل الحنان الطبيعي بالعنف الرمزي، فيتحول الفطام من فعل حياة إلى فعل موت، وهنا تتجلى موهبة الشاعر في توليد الدلالة من قلب المفردة اليومية، كما أن استخدامه للمفردات الثقيلة مثل «التوابيت، أوصال، البوم، الرخم» لا يأتي اعتباطاً بل لبناء حقل دلالي كامل يرسّخ الإحساس بالتعفّن والخراب، ومع ذلك لا يقع النص في الرتابة لأن الشاعر ينوّع إيقاعه الداخلي عبر الانتقال بين الخبر والنداء والاستفهام، فنراه فجأة ينفجر بسؤال احتجاجي «لمَ المقابر حبلى فيك تعتصم؟» وهو سؤال يتجاوز اللغة إلى صرخة وجودية تعجز عن إيجاد تفسير لهذا الفيض من الموت، وهذا التداخل بين التقرير والانفعال يمنح القصيدة طاقة إلقائية عالية، وهو ما يفسر تأثيرها في سياق التظاهرات حيث لا تُقرأ بل تُعاش.
ثم إن اللافت في هذا النص هو قدرته على تعميم المأساة دون أن يفقد خصوصيته العراقية، فحين يقول «ويا عراق كفانا موت يا وطني» فهو لا يكتفي بنداء الوطن بل يعيد تعريف العلاقة معه بوصفها علاقة نزيف دائم، ويستخدم مفردات مثل «الخضراء» و«الأعراب والعجم» ليشير إلى طبقات سياسية واجتماعية دون أن يسميها مباشرة، وهذا الأسلوب يمنح القصيدة بعداً رمزياً يقيها من المباشرة الفجّة، وفي الوقت ذاته لا يخلو النص من بعض التراكم الذي قد يثقل حركته، إذ إن كثافة الصور السوداوية المتتالية تكاد تلغي لحظات التنفّس أو التوازن، لكن يمكن اعتبار ذلك مقصوداً لأنه يعكس حالة الاختناق التي يعيشها الشاعر، وبالتالي يصبح الإفراط جزءاً من البنية لا خللاً فيها، كما أن التكرار في «دم سمائي وأرضي» في البداية والنهاية يشكّل قوساً دائرياً يعيد القارئ إلى نقطة الصدمة الأولى، وكأن الشاعر يقول إن كل هذا الخراب لم يغيّر شيئاً في المعادلة الأساسية.
وفي المحصلة، فإن هذه القصيدة تنجح في أن تكون وثيقة شعورية بقدر ما هي عمل فني، فهي لا تراهن على الزخرفة اللغوية بقدر ما تراهن على صدق الانفعال وقوة الصورة، وتستمد تأثيرها من قدرتها على تحويل الألم الفردي إلى خطاب جمعي يلامس وجدان المتلقي مباشرة، ورغم بعض المبالغة في التكديس الدلالي إلا أن النص يبقى متماسكاً بفضل وحدة موضوعه وحرارة لغته، ليقدّم نموذجاً للشعر الاحتجاجي الذي لا يهادن ولا يجمّل بل يواجه الواقع بأقسى مفرداته، وهذا ما يجعلها قصيدة تُسمع قبل أن تُقرأ وتُحس قبل أن تُفسَّر.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية
- العراق: بين نيران الصراع الإقليمي وغياب الوعي الوطني
- حين تسموا المبادئ فوق كل شيء
- رسالة إلى قاتلي..
- العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية
- سيف العدل بين القاعدة وإيران: قراءة في التحركات والعلاقات ال ...
- المرأة معيار انسانية المجتمع
- الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم
- حين تكون الوحدة الوطنية هي الامل في البناء
- المؤسسات الخيرية المستقلة: بين والوجود والانقراض
- بارق عبدالله الحاج حنطة: سيرة وطن ورمز بطولة
- التسلق على دماء الشهداء
- المجتمع وتكفير الفلاسفة
- خيوط خفية في عالم الظلال
- السلطة والشعب كالقطط والفئران
- الانحطاط الاخلاقي في السياسة


المزيد.....




- القضاء التونسي يحكم بسجن الصحفي غسان بن خليفة عامين والنقابة ...
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح من برج إيفل: -أنا مستعدة- ...
- كيف حوّل زكي ناصيف دبكة القرية اللبنانية إلى هوية وطنية؟
- تراث لبنان تحت القصف.. -الدروع الزرقاء- تحاول إنقاذ آثار صور ...
- اكتشاف هيكل عظمي قد يعود لأحد أبطال الرواية الشهيرة -الفرسان ...
- رغم القصف والنزوح.. طلاب لبنان يتمسكون بحلم التعليم
- المغنية الكندية سيلين ديون تعود إلى الغناء بعد سنوات من المع ...
- في أربعينية ليلى شهيد.. قراءة مغربية في مسيرة -دبلوماسية الث ...
- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي