أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - زهير الخويلدي - الكرامة الانسانية وحب الاوطان في الفلسفة المشرقية















المزيد.....

الكرامة الانسانية وحب الاوطان في الفلسفة المشرقية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 09:58
المحور: المجتمع المدني
    


مقدمة
تُشكّل الكرامة الإنسانية وحب الأوطان في الفلسفة المشرقية – أي الفلسفة الإسلامية العربية والفارسية التي ازدهرت في المشرق من القرن الثالث الهجري فصاعداً – ثنائياً وجودياً لا ينفصل. فالكرامة ليست مجرد قيمة أخلاقية مجردة، بل هي أساس الإنسانية كما أقرّها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)، بينما حب الوطن ليس عاطفة فطرية ساذجة، بل تعبير عملي عن هذه الكرامة في سياق الاجتماع الإنساني والمدينة الفاضلة. في الفلسفة المشرقية، من الفارابي إلى ابن خلدون مروراً بابن سينا والغزالي، يرتبط الاثنان ارتباطاً عضوياً: الكرامة هي ما يجعل الإنسان خليفة الله على الأرض، قادرًا على العقل والاختيار والحرية، وحب الوطن هو الوسيلة التي يحمي بها الإنسان كرامته الجماعية ويُحقّق بها سعادته الدنيوية والأخروية. هذا التلازم ليس تقليدياً فحسب، بل هو مقاربة جذرية تُقاوم الاستعباد والغربة، وتُؤسّس لمواطنة إنسانية تتجاوز الحدود الضيقة. في هذه الدراسة، سنتتبع جذور هذا التلازم في النصوص المقدسة والفلسفية، ثم نُبرز كيف أصبح أساساً للإصلاح الاجتماعي والسياسي في التراث المشرقي، مع قراءة نقدية معاصرة تُظهر أهميته في مواجهة تحديات العصر.
الكرامة الإنسانية: أساس الإنسانية في الفلسفة المشرقية
تبدأ الكرامة الإنسانية في الفلسفة المشرقية من الوحي القرآني نفسه، الذي يُكرّم الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو مؤمن أو كافر. يُفسّر المفسرون المشرقيون مثل الطباطبائي في «الميزان» أن التكريم هذا شامل لجميع بني آدم، ويمنحهم القدرة على التفكير والتمييز والاستجابة للنداء الإلهي. هذه الكرامة «ممنوحة» (ذاتية) و«مكتسبة» (عرضية) في آن: ممنوحة بالخلقة كما في الآية، ومكتسبة بالعمل الصالح والعقل الفعّال. يُعمق أبو نصر الفارابي (المُعلّم الثاني) هذا المفهوم في «آراء أهل المدينة الفاضلة» و«تحصيل السعادة». الإنسان عنده كائن عاقل بالطبيعة، وكرامته تكمن في قدرته على بلوغ الكمال العقلي والأخلاقي داخل المدينة. الفيلسوف-النبي-الحاكم هو من يُحقّق هذه الكرامة للجماعة، لأن الإنسان «رئيس بطبعه» وخليفة الله. يقول الفارابي إن الكرامة تتحقق عندما يُمارس الإنسان فضائله النظرية والعملية، فلا تكتمل إلا في الاجتماع المنظم. هنا يرتبط التصور بالأرسطية المشرقية، لكن مع إضافة إسلامية: الكرامة ليست فردية فقط، بل جماعية، تُحمى بالمدينة الفاضلة.
أما ابن سينا (الشيخ الرئيس) في «الشفاء» و«الإشارات والتنبيهات»، فيجعل الكرامة مرتبطة بالنفس الناطقة التي تتجاوز الجسد. الإنسان مكرّم لأنه يستطيع أن يعرف الحقائق الإلهية والدنيوية، وهذه المعرفة هي مصدر حريته وكرامته. ابن سينا يُفرّق بين الكرامة الطبيعية (الفطرية) والكرامة الروحية (المكتسبة بالعقل والزهد)، مما يُمهّد للتصوف المشرقي.
الغزالي في «إحياء علوم الدين» يُعيد صياغة الكرامة أخلاقياً: هي احترام الإنسان لذاته وللآخرين، ورفض الذل والاستعباد. الكرامة هنا ليست مجرد قيمة، بل «مقصد مقاصد الدين» كما يرى بعض المعاصرين المستلهمين منه، مثل عبد الجبار الرفاعي في كتابه «الدين والكرامة الإنسانية» (2021)، حيث يجعلها مركز التجديد الديني: الإيمان الحقيقي هو الالتزام بكرامة الإنسان لا سلطة عليه.
هكذا أصبحت الكرامة في الفلسفة المشرقية أساساً للحقوق والحريات، تتجاوز الثنائية الغربية بين «الكرامة الممنوحة» و«المكتسبة» لتجعلهما متداخلين.
حب الأوطان: تعبير عن الكرامة الجماعية
أما حب الأوطان، فيُعدّ في التراث المشرقي غريزة فطرية مُقدّسة، ليست مجرد عاطفة بل جزء من الإيمان والكرم. يُروى عن النبي ﷺ قوله عند مغادرة مكة: «والله إنك لأحبُّ أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك» (رواه الترمذي). هذا القول يُعبّر عن عمق الارتباط العاطفي بالأرض، حتى في الغربة.
في الفلسفة، يُطوّر الفارابي هذا المفهوم في سياق المدينة الفاضلة: حب الوطن (المدينة) هو حب الجماعة التي تُحقّق السعادة. المدينة ليست مجرد أرض، بل «فضاء أخلاقي» يحمي كرامة أبنائها. الفارابي يجعل حب الوطن شرطاً للانتماء إلى المدينة الفاضلة، حيث يُدافع المواطن عنها كما يدافع عن نفسه، لأن كرامته مرتبطة بكرامتها.
ابن خلدون في «المقدمة» يُقدّم أعمق تحليل سوسيولوجي: «العصبية» (الروابط الجماعية) هي مصدر حب الوطن والدفاع عنه. الإنسان يحب وطنه لأنه يحمي «معاني الإنسانية» فيه: الحمية، المدافعة عن النفس والمنزل. إذا فسدت هذه المعاني، انهار العمران وفقدت الكرامة. يقول ابن خلدون إن البلدان تُعمَّر بحب أبنائها لها، وهذا الحب يمنع «الذل» ويُحافظ على الكرامة الجماعية.
في التراث الأدبي-الفلسفي، يؤكد الجاحظ وغيره على أن «فطرة الرجل معجونة بحب الوطن»، ويُنقل عن جالينوس أن العليل يتروَّح بنسيم أرضه. هذا الحب ليس تعصباً، بل تعبيراً عن الكرامة: «من كرم المرء حنينه إلى أوطانه» (منسوب للإمام علي). حتى في التصوف المشرقي (مثل الرومي)، يصبح حب الوطن رمزاً لحب الإلهي، لكن دون انفصال عن الواقع الاجتماعي.
التلازم بين الكرامة الإنسانية وحب الأوطان: مقاربة فلسفية مشرقيةالتلازم هنا جذري: الكرامة الفردية لا تكتمل إلا في وطن يحميها، وحب الوطن بدون كرامة يتحول إلى تعصب أعمى. في المدينة الفاضلة الفارابية، يُدافع المواطن عن وطنه لأنه يدافع عن كرامته العقلية والأخلاقية. عند ابن خلدون، العصبية (حب الوطن) هي الوسيلة التي تمنع «فساد معاني الإنسانية» وتحفظ الكرامة من الانهيار.هذا التلازم يتجاوز الثنائيات: ليس وطنياً ضيقاً ولا كونياً مجرداً، بل مواطنة إنسانية تُجمع بين الحقوق الفردية (الكرامة) والانتماء الجماعي (حب الوطن). في الفلسفة المشرقية، يصبح الوطن «مكان الكرامة» الذي يُمكّن الإنسان من بلوغ سعادته، كما في مقاصد الشريعة: حفظ النفس، العقل، والدين – وكلها تحتاج إلى وطن آمن.الأهمية النقدية المعاصرةفي عصرنا، يُصبح هذا التلازم أداة مقاومة للاستعمار والانحطاط. المفكرون المعاصرون مثل عبد الجبار الرفاعي يرون في الكرامة «مقصد مقاصد الدين»، وحب الوطن تعبيراً عنها ضد التبعية. في السياق العربي، يُذكّرنا هذا التراث بأن الدفاع عن الوطن هو دفاع عن كرامة الإنسان، وأن بناء المواطنة الحرة يبدأ من إحياء هذا التلازم. هكذا تتحول الفلسفة المشرقية إلى فلسفة تنويرية نقدية: تُحرّر الإنسان من الذل وتُعمّر الأوطان بحب يُحافظ على الكرامة.
خاتمة
في الفلسفة المشرقية، الكرامة الإنسانية وحب الأوطان وجهان لعملة واحدة: الأولى أساس الإنسانية، والثاني تعبيرها الاجتماعي. من القرآن إلى الفارابي وابن خلدون، يُؤسّس هذا التلازم لمدينة فاضلة تحمي كرامة أبنائها وتُعمَّر بحبهم لها. في زمننا، يبقى هذا التراث مصدر إلهام لمواطنة إنسانية حرة، ترفض الاستعباد وتُبني الأوطان على أساس الكرامة. هكذا تبقى الفلسفة المشرقية حية: ليست تأملاً، بل دعوة إلى العمل من أجل إنسان مكرّم في وطن محبوب. فكيف نجعل من الفلسفة طريقة لاسترجاع الكرامة الانسانية المهددة عن طريق الحروب الروعة والاستهداف الصهيوامبريالي؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقاربة تأبينية حول رحيل الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس
- الفلسفة الأمريكية بين صناعة الأكاذيب والهيمنة الرأسمالية الا ...
- القوة والقوة المضادة في الشرق الأوسط والخليج
- الجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو وبين كانط وهيجل، مقاربة مي ...
- مساهمة الحرب في تنشيط الدورة التاريخية للحضارة، مقاربة خلدون ...
- شكلانية القانون الدولي والحاجة إلى صياغة دستور للإنسانية، مق ...
- ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد ال ...
- الفكر السياسي العسكري عند ماو تسي تونغ بين تحويل الضعف إلى ق ...
- لاهوت التحرير الفلسطيني
- لاهوت التحرير العربي الإسلامي
- تجارب لاهوت التحرير في العالم بين النشأة التاريخية والتأثيرا ...
- المفاوضات الروسية الأوكرانية وشروط إنهاء الحرب المدمرة
- الفلسفة كمجهر فكري يرصد الظواهر ويكشف الحقائق
- منزلة المحبة في حضارة اقرا وفي المرجعيات الفلسفية
- مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد
- في الفرق الدلالي والاجرائي بين الشغل والعمل، مقاربة اقتصادية ...
- الفاعل الجمعي بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام با ...
- العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجين ...
- التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
- فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية


المزيد.....




- اليونيسف: العدوان على لبنان يغتال -صفاً دراسياً- من الأطفال ...
- ستوكهولم تندد بإعدام مواطن سويدي في طهران وتستدعي السفير الإ ...
- تقارير عن اعتقالات واسعة في دبي طالت سياحاً وثقوا هجمات بطائ ...
- عقب الاغتيالات الأخيرة.. حملة اعتقالات واسعة في إيران تستهدف ...
- منظمة العفو الدولية: الولايات المتحدة مسؤولة عن الهجوم القات ...
- اليونيسف تفتح تحقيقا في شبهة تهريب منتجات تبغ ضمن مساعداتها ...
- رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة لـ-يورونيوز-: أخشى أن ...
- الأمم المتحدة: تهجير غير مسبوق في الضفة المحتلة يطال 36 ألف ...
- اليونيسف تعلن فتح تحقيق في شبهة تهريب منتجات تبغ ضمن مساعدات ...
- جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن أسفه لاستهداف موقع للأمم المتحد ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - زهير الخويلدي - الكرامة الانسانية وحب الاوطان في الفلسفة المشرقية