أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - الجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو وبين كانط وهيجل، مقاربة ميتودولوجية















المزيد.....


الجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو وبين كانط وهيجل، مقاربة ميتودولوجية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 13:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة:
في تاريخ الفلسفة، يمثل مفهوم الجدل أحد أبرز الأدوات المنهجية التي استخدمها الفلاسفة لاستكشاف الحقيقة، وتحليل الواقع، وتجاوز التناقضات الظاهرية. الجدل، في جوهره، ليس مجرد نقاش أو مناظرة، بل هو عملية ديناميكية تتضمن التفاعل بين الأفكار المتناقضة للوصول إلى معرفة أعلى أو تركيب جديد. هذا المفهوم تطور عبر العصور، منذ الفلسفة اليونانية القديمة مع أفلاطون وأرسطو، مروراً بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية مع كانط وهيجل. في هذه الدراسة، سنقارب الجدل والجدلية من منظور منهجي، محاولين استكشاف كيف شكل هذا المفهوم المنهج الفلسفي لكل من هؤلاء الفلاسفة، وكيف انعكس في علاقاتهم الفكرية المتبادلة. سنركز على التباينات والتداخلات المنهجية دون الغوص في تفاصيل تاريخية أو شخصية، محافظين على تدفق مسترسل يربط بين الأفكار. بدءاً من اليونانيين، كان الجدل عند أفلاطون أداة للكشف عن الحقيقة من خلال الحوار، بينما طور أرسطو نهجاً أكثر نظامية يجمع بين الجدل والمنطق التحليلي. أما في العصر الحديث، فإن كانط استخدم الجدل لنقد حدود العقل، في حين جعل هيجل من الجدلية محركاً للتاريخ والفكر. هذه المقاربة المنهجية تكشف عن تحولات في فهم الجدل من كونه أداة استكشافية إلى كونه قوة دافعة للتطور الفكري والوجودي. فكيف تم فهم الجدل كمنهج فلسفي؟
الجدل عند أفلاطون: الحوار كطريق إلى المعرفة الأبدية
يُعتبر أفلاطون أحد أوائل الفلاسفة الذين جعلوا من الجدل منهجاً أساسياً في الفلسفة. في حواراته، مثل محاورة "الجمهورية" ، يظهر الجدل كعملية حوارية يقودها سقراط، معلمه، لاستخراج الحقيقة من خلال السؤال والجواب. المنهج الجدلي عند أفلاطون ليس مجرد تبادل آراء، بل هو عملية تصاعدية تبدأ من الآراء الشائعة (الدوكسا) وتصل إلى المعرفة الحقيقية (الإبيستمي). يعتمد هذا المنهج على افتراض أن الحقيقة موجودة في عالم المثل الأبدي، وأن الجدل هو الوسيلة لتذكرها، أي استرجاع المعرفة الفطرية.
من الناحية المنهجية، يتكون الجدل الأفلاطوني من ثلاث مراحل أساسية: الدعوى الأولي، الذي يُقدم كرأي أو افتراض، ثم الاعتراض أو النقيض، الذي يكشف عن التناقضات في الافتراض، وأخيراً التركيب أو الوصول إلى فهم أعلى يتجاوز التناقض. هذا النهج يعكس اعتقاد أفلاطون بأن العقل البشري قادر على تجاوز الحواس والظواهر المتغيرة للوصول إلى الجوهر الثابت. الجدل هنا ليس خطياً، بل دائرياً وتفاعلياً، يعتمد على اللغة والحوار كأدوات للكشف، مما يجعله منهجاً اجتماعياً بقدر ما هو فردياً. في هذا السياق، يرى أفلاطون أن الجدل يحمي من الخطأ الدوغمائي، إذ يفرض على المشاركين في الحوار الاعتراف بجهلهم الأولي، كما في قول سقراط الشهير "أعرف أنني لا أعرف شيئاً". مع ذلك، يحمل المنهج الأفلاطوني بعض التحديات المنهجية، مثل اعتماده على الإلهام أو الرؤية الفلسفية، التي قد تبدو غير موضوعية. هذا النهج يفتح الباب للجدلية مع تلميذه أرسطو، الذي سعى إلى جعل الفلسفة أكثر علمية وتحليلية.
الجدل عند أرسطو: المنطق التحليلي كتجاوز للجدل الحواري
على عكس معلمه أفلاطون، طور أرسطو منهجاً جدلياً يجمع بين الحوار والتحليل المنطقي، محاولاً تحويل الجدل من عملية استكشافية إلى أداة علمية منظمة. في كتاباته مثل "الطوبيقا" و"الأورغانون"، يعرف أرسطو الجدل كفن المناقشة حول المواضيع المحتملة، أي تلك التي لا تكون يقينية كالعلوم الرياضية، بل تتعلق بالآراء المقبولة عامة. المنهج الجدلي عنده يبدأ من المقدمات الشائعة (الإندوكسا)، التي هي آراء معترف بها من قبل الأكثرية أو الحكماء، ثم يستخدم الاستدلال الاستقرائي والقياسي للوصول إلى استنتاجات. من المنظور المنهجي، يميز أرسطو بين الجدل والبرهان: البرهان يعتمد على مقدمات يقينية للوصول إلى حقائق علمية، بينما الجدل يتعامل مع الاحتمالات والتناقضات لكشف الحقيقة في المجالات غير اليقينية، مثل الأخلاق والسياسة. هذا التمييز يعكس انتقاد أرسطو للجدل الأفلاطوني، الذي يراه مفرطاً في الاعتماد على الحوار غير المنظم، مما قد يؤدي إلى الجدل اللفظي دون تقدم حقيقي. بدلاً من ذلك، يقترح أرسطو منهجاً تحليلياً يعتمد على تصنيف المفاهيم والأجناس، كما في نظريته عن الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي)، الذي يجعل الجدل أداة للتصنيف والتحليل بدلاً من مجرد نقاش. الجدلية بين أفلاطون وأرسطو تكمن في هذا التحول المنهجي: أفلاطون يرى الجدل كطريق إلى عالم المثل المتعالي، بينما أرسطو يجعله أرضياً وتجريبياً، مرتبطاً بالواقع الحسي. هذا التباين يعكس انتقالاً من الجدل الاستكشافي إلى المنطق المنهجي، حيث يصبح الجدل لدى أرسطو مقدمة للعلوم، لا غاية في حد ذاته. ومع ذلك، يظل هناك تداخل، إذ يستخدم أرسطو الجدل لنقد أفكار أفلاطون، مثل رفضه لنظرية المثل ككيانات منفصلة، مفضلاً الجوهر كوحدة بين الصورة والمادة.
الانتقال إلى العصر الحديث: الجدل كأداة نقدية عند كانط
مع انتقالنا إلى الفلسفة الحديثة، يأخذ الجدل بعداً نقدياً أعمق عند إيمانويل كانط، الذي جعله جزءاً من مشروعه النقدي للعقل. في "نقد العقل الخالص"، يعالج كانط الجدل كمشكلة تنشأ من محاولة العقل تجاوز حدوده، مما يؤدي إلى النقائض. المنهج الجدلي عنده ليس إيجابياً كما عند اليونانيين، بل سلبياً ونقدياً: هو يكشف عن الوهم الذي يقع فيه العقل عندما يطبق مبادئه على العالم ما وراء التجربة، مثل قضايا الخلود أو وجود الله. من الناحية المنهجية، يقسم كانط الجدل إلى جدل متعالي (ترانسندنتالي)، الذي يتعامل مع التناقضات الظاهرية في العقل النظري، وجدل عملي في "نقد العقل العملي"، الذي يحل التناقضات من خلال الإرادة الأخلاقية. هذا المنهج يعتمد على التمييز بين الظاهر والشيء في ذاته ، حيث يرى كانط أن الجدل ينشأ من الخلط بينهما. على سبيل المثال، في النقائض، يقدم كانط أطروحات متناقضة مثل "العالم محدود" مقابل "العالم غير محدود"، ثم يحلها بإظهار أنها تنشأ من تطبيق غير مشروع لمفاهيم الزمان والمكان. هذا المنهج النقدي يمثل تحولاً عن الجدل اليوناني، إذ يصبح الجدل أداة لتحديد حدود المعرفة بدلاً من توسيعها. كانط هنا ينقد الدوغمائية، مشابهاً لأفلاطون في الاعتماد على العقل، لكنه أقرب إلى أرسطو في التركيز على التحليل المنهجي. هذا النهج يفتح الباب للجدلية مع هيجل، الذي سيحول الجدل من نقدي إلى بنائي.
الجدلية عند هيجل: الديالكتيك كمحرك للتاريخ والفكر
في فلسفة جورج فيلهلم فريدريش هيجل، يصل الجدل إلى ذروته كجدلية ديالكتيكية شاملة، تشمل الفكر والتاريخ والوجود. في "فينومينولوجيا الروح" و"علم المنطق"، يصف هيجل الجدلية كعملية ثلاثية: الدعوى، النفي، ونفي النفي، التي تؤدي إلى تطور مستمر نحو الكمال. المنهج الجدلي عنده ليس مجرد أداة، بل هو طبيعة الواقع نفسه، إذ يرى أن التناقضات هي المحرك الأساسي للتغيير. من المنظور المنهجي، ينتقد هيجل كانط لتقييده الجدل بالنقد السلبي، مفضلاً جعله إيجابياً وبنائياً. بالنسبة لهيجل، التناقضات ليست وهماً، بل حقيقية وضرورية للتقدم، كما في تطور الروح المطلقة عبر التاريخ. هذا النهج يعتمد على المنطق الجدلي، الذي يتجاوز المنطق الرسمي الأرسطي بإدراج التناقض كعنصر بناء، مخالفاً لقانون عدم التناقض. هيجل هنا يعيد صياغة الجدل الأفلاطوني كعملية تصاعدية، لكنها تاريخية وجماعية، لا فردية فقط. ان الجدلية بين كانط وهيجل تكمن في هذا التباين: كانط يرى الجدل كحد للعقل، بينما هيجل يجعله قوة دافعة للوصول إلى المعرفة المطلقة. هذا يعكس انتقالاً من النقد التحليلي إلى التركيب الشامل، مشابهاً للجدل بين أفلاطون وأرسطو في التحول من الاستكشافي إلى المنهجي.
في سياق الفلسفة الهيجلية، يمثل الجدل أو الديالكتيك جوهر المنهج الفلسفي، ليس كأداة تحليلية فحسب، بل كقانون أساسي يحكم حركة الفكر، التاريخ، والواقع نفسه. إن الجدلية عند هيجل، كما طورها في أعماله الرئيسية مثل "فينومينولوجيا الروح" و"علم المنطق" و"مبادئ فلسفة الحق"، تتجاوز الفهم التقليدي للجدل كمجرد نقاش أو تناقض، لتصبح عملية ديناميكية ثلاثية الأبعاد: الدعوى (الوضع أو الإثبات)، النقيض (النفي أو الاعتراض)، والتأليف (التركيب أو نفي النفي). هذه العملية ليست خطية أو مصادفة، بل ضرورية ومنطقية، تعكس تطور الروح المطلقة نحو الوعي الذاتي الكامل. في هذا التوسع، سنستعرض الجدلية الهيجلية من منظور منهجي معمق، مستكشفين أبعادها المنطقية، التاريخية، والأنطولوجية، مع التركيز على كيفية تحولها من مفهوم فلسفي إلى قوة محركة للوجود البشري. بدءاً من الأساس المنطقي، يرى هيجل أن الجدلية هي المنطق الحقيقي، الذي يتجاوز المنطق الرسمي الأرسطي المبني على قوانين عدم التناقض والثالث المرفوع. في "علم المنطق"، يبدأ هيجل من مفهوم "الوجود" كدعوى أولي، الذي ينفي نفسه ليصبح "اللاشيء" كنقيض، ثم يتركب في "الصيرورة" كتأليف. هذا الثالوث الديالكتيكي ليس مجرد مثال، بل نموذج عام ينطبق على كل المفاهيم: كل فكرة تحمل في داخلها تناقضها الخاص، الذي يدفعها نحو تطور أعلى. المنهج هنا يعتمد على "الأنوار" ، وهو مصطلح هيجلي يعني الرفع أو التجاوز مع الحفاظ، حيث يتم نفي العناصر السابقة دون إلغائها تماماً، بل دمجها في كلية أكبر. هذا يجعل الجدلية عملية داخلية وذاتية، لا خارجية مفروضة، مما يميزها عن الجدل الأفلاطوني الذي يعتمد على الحوار الخارجي، أو الجدل الكانطي الذي يراها كوهم يجب تجنبه. من الناحية التاريخية، تحول هيجل الجدلية إلى محرك للتاريخ البشري، كما في "محاضرات في فلسفة التاريخ". هنا، يصبح التاريخ سلسلة من التناقضات الديالكتيكية التي تؤدي إلى تقدم الروح العالمية. على سبيل المثال، يصف هيجل العصور القديمة كدعوى (حيث يسيطر الفرد على الجماعة في الشرق، ثم الجماعة على الفرد في اليونان والرومان)، ثم العصور الوسطى كنقيض (مع الصراع بين الكنيسة والدولة)، وأخيراً العصر الحديث كتأليف (مع ظهور الدولة الحديثة التي توفق بين الحرية الفردية والضرورة الاجتماعية). الجدل هنا ليس عشوائياً، بل موجهاً نحو غاية، وهي تحقيق الحرية الشاملة. هذا المنظور يجعل الجدلية أداة لفهم الصراعات الاجتماعية والسياسية، كما في نظريته عن السيد والعبد في "فينومينولوجيا الروح"، حيث ينشأ الوعي الذاتي من خلال الاعتراف المتبادل عبر التناقض: السيد يعتمد على العبد، والعبد يثور ليصبح سيداً، مما يؤدي إلى تركيب جديد في المجتمع. هذا التوسع التاريخي يبرز كيف أن الجدلية ليست مجرد نظرية، بل تفسير للحركة الإنسانية، حيث تكون الحروب، الثورات، والتغييرات الاجتماعية تعبيرات عن التناقضات الداخلية التي تدفع نحو التقدم. أما من الجانب الأنطولوجي، فإن الجدلية عند هيجل هي طبيعة الوجود نفسه. في فلسفته المثالية المطلقة، الروح هي الكلية التي تتطور ديالكتيكياً من الذاتي إلى الموضوعي، مروراً بالفن، الدين، والفلسفة كمراحل للوعي. الجدل هنا يعني أن الواقع غير ثابت، بل في حالة صيرورة مستمرة، حيث يحمل كل شيء في ذاته بذرة نفيه. هذا يتناقض مع الوجود الثابت عند أرسطو أو المثل المتعالية عند أفلاطون، إذ يرى هيجل أن التناقض ليس خطأً، بل ضرورة وجودية. على سبيل المثال، في نظريته عن الدولة، يصبح الجدل بين الفرد والمجتمع تركيباً في النظام الدستوري، الذي يمثل تحقيقاً للروح الموضوعية. هذا البعد الأنطولوجي يجعل الجدلية شاملة، تشمل الطبيعة أيضاً، كما في "فلسفة الطبيعة"، حيث تتطور المادة ديالكتيكياً من الميكانيكا إلى الكيمياء إلى الحياة، كخطوة نحو الروح.
مع ذلك، يثير المنهج الجدلي الهيجلي بعض التحديات المنهجية، مثل اتهامه بالتجريدية الزائدة أو التليولوجيا (الغائية)، حيث يبدو التاريخ موجهاً نحو نهاية محددة، مما قد يقلل من دور الصدفة أو الإرادة الحرة. كما أن اعتماده على اللغة الألمانية المعقدة يجعل الجدلية تبدو غامضة، لكن هذا الغموض جزء من المنهج نفسه، إذ يعكس تعقيد الواقع. في مواجهة نقد كانط، الذي رأى الجدل كحد للعقل، يرد هيجل بأن الجدل هو الطريق الوحيد لتجاوز هذه الحدود، محولاً التناقضات من سلبية إلى إيجابية.
ماركس ومفهوم الجدلية: الجدلية المادية كأداة تحليلية وثورية
في سياق تطور مفهوم الجدل من الفلسفة اليونانية إلى الهيجلية، يمثل كارل ماركس نقطة تحول جذرية، حيث يأخذ الجدلية الهيجلية ويعيد صياغتها جذرياً لتصبح الجدلية المادية. هذا التحول ليس مجرد تعديل فني، بل هو انقلاب منهجي ينقل الجدل من عالم الأفكار المجردة والروح المطلقة إلى عالم المادة الملموسة، الاقتصاد، والصراع الطبقي. ماركس نفسه يعترف بفضل هيجل، لكنه يؤكد أنه وجد الجدلية "واقفة على رأسها" فأعادها إلى قدميها، أي جعلها تنطلق من الواقع المادي بدلاً من الفكر المثالي.
أساس الجدلية المادية يتراوح بين نقد الهيجلية و"القلب" المنهجي. اذ يبدأ ماركس من إعجابه بالمنهج الديالكتيكي عند هيجل، الذي يرى في التناقض محركاً للتطور، وفي الثالوث عملية رفع تحفظ وتتجاوز في آن. لكن هيجل يجعل هذه العملية مثالية: الروح هي التي تتطور من خلال التناقضات، والتاريخ تعبير عن تحقق الفكرة المطلقة. بالنسبة لماركس، هذا "القلب" المثالي يقلب الواقع رأساً على عقب، إذ يجعل الفكر يحدد الوجود بدلاً من أن يعكسه. في مقدمة الطبعة الثانية من "رأس المال"، يقول ماركس صراحة: "لقد اعترفت علانية بأنني تلميذ ذلك المفكر العظيم [هيجل]، وفي الفصل الخاص بالجدل، حتى طريقة التعبير اعتمدتها منه إلى حد ما. لكن الجدل عند هيجل يقف على رأسه. يجب قلب هذا الوضع ليكشف عن النواة العقلانية داخل القشرة الصوفية". هذا "القلب" ليس مجرد تغيير اتجاه، بل هو إعادة تأسيس الجدل على أساس مادي: المادة أولى، والوعي انعكاس لها ونتاج لها. التناقضات لا تنشأ في عالم الأفكار، بل في الشروط المادية للإنتاج، وفي علاقات الإنتاج التي تولد صراعاً طبقياً. أما مبادئ الجدلية المادية الثلاثة الرئيسية فقد طورها إنجلز، الذي ساهم بشكل كبير في صياغة هذا المفهوم، ثلاث قوانين أساسية للجدلية المادية، مستمدة من قراءة ماركس للواقع: وهي وحدة وصراع الأضداد: هذا القانون الأساسي يرى أن كل شيء يحتوي على تناقض داخلي، وأن هذه الأضداد مترابطة ومتحدة في الوقت نفسه الذي تتصارع فيه. في الطبيعة: الشحنة الكهربائية الموجبة والسالبة؛ في المجتمع: البرجوازية والبروليتاريا، حيث يعتمد كل منهما على الآخر (الرأسمال يحتاج إلى العمال، والعمال يحتاجون إلى الرأسمال) لكنهما يتصارعان بسبب تضاد مصالحهما. هذا الصراع هو مصدر الحركة والتغيير، لا الانسجام أو التوازن الثابت. كذلك تحول الكم إلى كيف: أي التغييرات الكمية المتراكمة تؤدي إلى قفزات نوعية مفاجئة. مثال كلاسيكي عند إنجلز: تسخين الماء يزيد درجة الحرارة تدريجياً (كمياً) حتى يصل إلى 100 درجة فيتحول إلى بخار (قفزة نوعية). في المجتمع: تراكم التناقضات الرأسمالية (استغلال متزايد، أزمات دورية، تركيز الثروة) يؤدي إلى ثورة نوعية، أي تحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية. هذا يفسر لماذا لا تكون التغييرات تدريجية خطية دائماً، بل تحمل لحظات انفجارية. بعد ذلك نفي النفي: أي التطور لا يعود إلى نقطة البداية، بل يرتفع إلى مستوى أعلى. النفي الأول يدمر الوضع القديم، ثم نفي هذا النفي يحفظ عناصره الإيجابية في تركيب جديد. في التاريخ: الرأسمالية تنفي الإقطاع (بالثورة البرجوازية)، ثم الاشتراكية تنفي الرأسمالية، محافظة على قوى الإنتاج المتطورة لكن في إطار اجتماعي جديد يتجاوز الاستغلال. هذا ليس دورة مغلقة، بل صعود حلزوني نحو مستويات أعلى من التنظيم الاجتماعي. لكن ماركس عمل على تطبيق الجدلية المادية في التحليل الاقتصادي والتاريخي. في "رأس المال"، يطبق ماركس الجدلية بشكل منهجي على الاقتصاد الرأسمالي. السلعة نفسها تحمل تناقضاً داخلياً: قيمة الاستعمال مقابل قيمة التبادل ، والعمل الخاص مقابل العمل الاجتماعي. هذا التناقض يتطور في شكل رأس المال، حيث يصبح العمل الحي (العمال) مضاداً لرأس المال الميت (الآلات والمال). الربح ينشأ من استغلال فائض القيمة، الذي هو تناقض جوهري يؤدي إلى أزمات دورية وتركيز الرأسمال، مما يمهد لثورة البروليتاريا. من الناحية التاريخية، يصبح الجدل محركاً للتاريخ عبر الصراع الطبقي: كل نمط إنتاج يحمل تناقضاته الداخلية التي تدفعه إلى زواله واستبداله بنمط أعلى. الإقطاع يولد الرأسمالية، والرأسمالية تولد الاشتراكية. هذا ليس قدراً ميكانيكياً، بل عملية تاريخية يقودها الفعل البشري الواعي، لكن ضمن شروط مادية موضوعية. لقد تم التعامل مع الجدلية المادية كمنهج ثوري: الجدلية عند ماركس ليست نظرية تأملية، بل أداة لفهم الواقع من أجل تغييره. كما يقول في أطروحاته عن فيورباخ: "الفلاسفة فسروا العالم بطرق مختلفة، والمهم هو تغييره". الجدلية المادية تكشف التناقضات المخفية في المجتمع الرأسمالي، وتبين أن الثورة ليست خياراً أخلاقياً مجرداً، بل ضرورة تاريخية نابعة من حركة التناقضات الطبقية.
خاتمة:
في النهاية، تكشف المقاربة المنهجية للجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو، وبين كانط وهيجل، عن تطور مستمر في فهم الجدل كأداة فلسفية. من الحوار الاستكشافي عند أفلاطون إلى التحليل المنطقي عند أرسطو، ثم النقد الحدي عند كانط، وأخيراً الديالكتيك البنائي عند هيجل، يظهر الجدل كعملية ديناميكية تتكيف مع احتياجات كل عصر. هذه الجدليات ليست مجرد خلافات، بل تركيبات تثري الفلسفة، مؤكدة أن الجدل نفسه هو المنهج الأسمى للفهم البشري، حيث يتجاوز التناقضات ليبني معرفة أعمق وأكثر شمولاً. الجدلية الهيجلية تمثل قمة تطور مفهوم الجدل في الفلسفة، حيث تتحول من أداة استكشافية إلى قانون كوني يفسر الوجود والتغيير. هذا التوسع يكشف عن عمقها كمنهج يربط بين الفكر والفعل، مدعواً إلى فهم التناقضات كفرص للنمو، لا عقبات. من خلالها، يصبح العالم مكاناً للصيرورة المستمرة، حيث يتحقق الإنسان في حركة الروح نحو الكمال. يمثل مفهوم الجدلية عند ماركس تتويجاً لتطور الجدل الفلسفي، حيث يحولها من أداة مثالية إلى سلاح مادي في يد الطبقة العاملة. إنها ليست مجرد منهج تحليلي، بل رؤية شاملة ترى العالم في حركته الدائمة، مليئاً بالتناقضات التي تحمل في طياتها إمكانية التجاوز نحو مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. هذا التحول يجعل ماركس ليس تلميذاً لهيجل فحسب، بل ناقداً يتجاوزه، محولاً الجدل من تأويل للعالم إلى قوة تغييرية. فكيف تم التعامل مع الجدل كخيط منهجي متصل عبر العصور؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مساهمة الحرب في تنشيط الدورة التاريخية للحضارة، مقاربة خلدون ...
- شكلانية القانون الدولي والحاجة إلى صياغة دستور للإنسانية، مق ...
- ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد ال ...
- الفكر السياسي العسكري عند ماو تسي تونغ بين تحويل الضعف إلى ق ...
- لاهوت التحرير الفلسطيني
- لاهوت التحرير العربي الإسلامي
- تجارب لاهوت التحرير في العالم بين النشأة التاريخية والتأثيرا ...
- المفاوضات الروسية الأوكرانية وشروط إنهاء الحرب المدمرة
- الفلسفة كمجهر فكري يرصد الظواهر ويكشف الحقائق
- منزلة المحبة في حضارة اقرا وفي المرجعيات الفلسفية
- مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد
- في الفرق الدلالي والاجرائي بين الشغل والعمل، مقاربة اقتصادية ...
- الفاعل الجمعي بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام با ...
- العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجين ...
- التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
- فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية
- المعرفة والواقع والمعيار في الفلسفة التحليلية المعاصرة
- دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر ،مقاربة فينومينولوجية
- التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، م ...
- أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية ...


المزيد.....




- طاقم CNN في طهران يشهد عدة موجات من الغارات الجوية العنيفة
- -مجتبى خامنئي يعيد النظام الملكي إلى إيران- - مقال في وول ست ...
- بعيد ميلاده التسعين.. بلاتر في رد على تهم الفساد: لست نادما ...
- دعم استخباراتي ـ أسرار البيانات التي زودت بها روسيا إيران
- أستراليا تمنح اللجوء لخمس لاعبات كرة قدم إيرانيات
- مراسل فرانس24 في طهران: هناك تراجع كبير في وتيرة الهجمات الإ ...
- نتنياهو يحذر من أن الحرب على إيران -لم تنته بعد- وطهران تقول ...
- العراق: قتلى في ضربات طالت مقرات للحشد الشعبي واستهداف القنص ...
- هل هناك موقف أوروبي موحد عن الحرب ضد إيران؟
- أطفال في قلب الحروب.. آثار نفسية تمتد إلى الجسد


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - الجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو وبين كانط وهيجل، مقاربة ميتودولوجية