أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - زهير الخويلدي - شكلانية القانون الدولي والحاجة إلى صياغة دستور للإنسانية، مقاربة إيتيقية















المزيد.....

شكلانية القانون الدولي والحاجة إلى صياغة دستور للإنسانية، مقاربة إيتيقية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 10:49
المحور: المجتمع المدني
    


في إطار المقاربة الإيتيقية، تُمثّل شكلانية القانون الدولي اليوم أحد أبرز مظاهر الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالنظام العالمي، إذ يتحول هذا القانون من أداة للعدالة الكونية إلى مجرد هيكل شكلي فارغ يخفي وراءه ازدواجية المعايير وهيمنة القوة. هذه الشكلانية ليست عيباً فنياً أو تقنياً فحسب، بل هي انحراف أخلاقي جوهري يجعل القانون الدولي يُنتج الشرعية الظاهرية دون أن يضمن الحقيقة الأخلاقية، فهو يقوم على المعاهدات والمواثيق والمحاكم كأشكال خارجية، لكنه يفتقر إلى الروح الإيتيقية التي تحول الالتزام من واجب شكلي إلى مسؤولية إنسانية حية. وفي مواجهة هذا الفراغ، تنبثق الحاجة الملحّة إلى صياغة دستور للإنسانية كمشروع إيتيقي كوني يتجاوز الدولة الوطنية ويؤسس لنظام عالمي يقوم على كرامة الإنسان كقيمة مطلقة، لا كمصلحة نسبية. إن هذا الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية إضافية، بل هو إعادة صياغة للوعي الإنساني الجماعي، يحوّل السياسة الدولية من ساحة صراع مصالح إلى فضاء مشترك للخير العام، حيث يصبح القانون تعبيراً عن الضمير الكوني لا عن توازن القوى.
تبدأ شكلانية القانون الدولي من أساسه السيادي الذي يجعل الدولة الوطنية الوحدة الأساسية للنظام، فميثاق الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومجلس الأمن كلها مبنية على احترام السيادة المطلقة، مما يحوّل أي تدخل أخلاقي إلى انتهاك شكلي. هنا يظهر التناقض الإيتيقي بوضوح: القانون يُعلن حقوق الإنسان عالمية، لكنه يترك تنفيذها لإرادة الدول القوية، فيصبح مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية درعاً يحمي الاستبداد والإبادة الجماعية، بينما يُستخدم نفس المبدأ لتبرير الغزو عندما تخدم المصلحة. هكذا يتحول القانون الدولي إلى لعبة شكلية، حيث تُصاغ القرارات في مجلس الأمن بما يتوافق مع الفيتو، وتُقدّم المحاكم الدولية أحكاماً تظل حبراً على ورق إذا تعارضت مع مصالح الكبار.
الشكلانية هنا ليست مجرد بيروقراطية، بل هي أخلاقية في جوهرها، إذ تحول الإنسان من غاية في ذاته إلى وسيلة للدولة، وتجعل العدالة تابعة للقوة لا سابقة عليها. في هذا السياق، يفقد القانون الدولي قدرته على التمييز بين الضحية والجلاد، لأن معاييره مزدوجة: يُطبّق بحزم على الدول الضعيفة ويُعلّق عندما يتعلق الأمر بالقوى العظمى، مما يُنتج فراغاً أخلاقياً يُغذّي الحروب واللاجئين والفقر العالمي.
غير أن هذه الشكلانية لا تُغلق الأفق بل تكشف عن الحاجة العميقة إلى تجاوزها بصياغة دستور للإنسانية، ذلك المشروع الإيتيقي الذي يُعيد بناء النظام العالمي على أساس كوني يتجاوز السيادة الوطنية دون إلغائها. هذا الدستور يجب أن يقوم على مبدأ أخلاقي أولي: كرامة الإنسان كقيمة مطلقة وغير قابلة للتفاوض، مستمداً من الوعي بأن البشرية وحدة عضوية واحدة، لا مجموعة من الدول المتحاربة. في هذا الدستور، يصبح الحق في الحياة والحرية والعدالة التوزيعية ليس حقوقاً تمنحها الدولة بل حقوقاً سابقة على أي سلطة سياسية، تُفرض على الجميع بوصفها واجباً كونياً. الإيتيقا هنا ليست مجرد إضافة بل جوهر: فالدستور يجب أن يشمل آليات للتنفيذ الأخلاقي، مثل محكمة كونية للجرائم ضد الإنسانية تكون مستقلة تماماً عن الفيتو، ومجلس عالمي للعدالة المناخية والاقتصادية يُلزم الدول الغنية بمسؤوليتها التاريخية تجاه الجنوب، ونظام للضرائب الكونية على الشركات متعددة الجنسيات يُموّل التنمية المستدامة. هذا ليس طوباوية، بل ضرورة إيتيقية، إذ أن الشكلانية الحالية أثبتت عجزها أمام التحديات الكونية مثل التغير المناخي والأسلحة النووية والذكاء الاصطناعي، التي لا تعترف بحدود الدول.
يبدأ صياغة هذا الدستور من عملية حوار إيتيقي عالمي يتجاوز الدبلوماسية التقليدية، حيث يجتمع ممثلو الشعوب لا الحكومات فقط، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والمثقفون والشباب والمهمشون، ليُنتجوا نصاً يعكس الضمير الإنساني المشترك. هنا يلتقي الإيتيقي بالسياسي: فالدستور يجب أن يحتوي على مبادئ أخلاقية واضحة مثل "المسؤولية المشتركة تجاه الكوكب" و"الاعتراف بالآخر كذات متساوية"، مع آليات عملية تحول هذه المبادئ إلى التزامات ملزمة. على سبيل المثال، يمكن أن ينص على حق كل إنسان في اللجوء إلى محكمة كونية إذا انتهكت دولته حقوقه، وعلى واجب الدول في تقاسم الموارد الطبيعية بما يضمن العدالة بين الأجيال. هذه الصياغة تتطلب تحولاً في الوعي الجماعي، من الوطنية الضيقة إلى الكوزموبوليتانية الأخلاقية، حيث يصبح كل فرد مواطناً في الإنسانية أولاً. وهكذا تتحول شكلانية القانون الدولي من عقبة إلى نقطة انطلاق، إذ يُستخدم إرث المواثيق الحالية كأساس للبناء الجديد، لكن مع إعادة صياغة جوهرها ليصبح إيتيقياً لا شكلياً.
في عمق هذه المقاربة الإيتيقية، يتجلى أن الحاجة إلى دستور الإنسانية ليست رفاهية فلسفية بل شرط بقاء الحضارة ذاتها. فالشكلانية الحالية تُعمق اللامساواة العالمية، إذ تسمح للقوى الكبرى باستغلال الموارد والأسواق تحت ستار "القانون الدولي"، بينما تترك الشعوب الضعيفة عرضة للجوع والحروب. أما الدستور الكوني فيعيد للإنسانية سيادتها الأخلاقية، فيجعل السلام ليس غياب الحرب بل بناء العدالة، والتنمية ليس نمواً اقتصادياً بل تكاملاً إنسانياً. إنه يدعو إلى "أخلاق المسؤولية" التي تُلزم كل دولة وكل فرد بأن يتصرف تجاه الآخرين كما يتصرف تجاه نفسه، مستلهماً من الضمير المشترك الذي يتجاوز الثقافات والأديان. هذا المشروع يتطلب شجاعة إيتيقية، شجاعة الاعتراف بأن النظام الحالي فشل أخلاقياً، وشجاعة البدء في بناء بديل يجعل الإنسانية غاية لا وسيلة.
هكذا تكتمل دائرة المقاربة الإيتيقية: شكلانية القانون الدولي تكشف الجرح، والحاجة إلى دستور للإنسانية تُشفيه. إن هذا الدستور ليس نهاية التاريخ بل بداية عصر جديد، عصر يستعيد فيه القانون روحه الأخلاقية، وتصبح السياسة الدولية تعبيراً عن الخير المشترك لا عن التنافس الشكلي. في عالم يتردد بين الانهيار الأخلاقي والأمل الكوني، يبقى هذا المشروع الدعوة الأسمى للإنسانية كي تُعيد صياغة نفسها، ليس كمجموعة دول بل ككيان أخلاقي واحد يحمي كرامته ويضمن بقاءه في مواجهة التحديات التي لا تعترف بالحدود. هذا هو جوهر الإيتيقا الحقيقية: أن نتحول من رعايا لقانون شكلي إلى صانعي دستور يليق بإنسانيتنا المشتركة.
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد ال ...
- الفكر السياسي العسكري عند ماو تسي تونغ بين تحويل الضعف إلى ق ...
- لاهوت التحرير الفلسطيني
- لاهوت التحرير العربي الإسلامي
- تجارب لاهوت التحرير في العالم بين النشأة التاريخية والتأثيرا ...
- المفاوضات الروسية الأوكرانية وشروط إنهاء الحرب المدمرة
- الفلسفة كمجهر فكري يرصد الظواهر ويكشف الحقائق
- منزلة المحبة في حضارة اقرا وفي المرجعيات الفلسفية
- مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد
- في الفرق الدلالي والاجرائي بين الشغل والعمل، مقاربة اقتصادية ...
- الفاعل الجمعي بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام با ...
- العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجين ...
- التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
- فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية
- المعرفة والواقع والمعيار في الفلسفة التحليلية المعاصرة
- دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر ،مقاربة فينومينولوجية
- التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، م ...
- أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية ...
- مراجعة كتاب الربيع الصامت لريتشل كارسون
- الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور ...


المزيد.....




- خطة إسبانية لتقنين أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين
- جوي بارتون -المشاغب- رهن الاعتقال بسبب حادثة اعتداء
- تصعيد إسرائيلي في غزة: شهداء واستهداف لخيام النازحين وسط خرو ...
- أدولة لبنان في خبر كان ؟؟؟3من5
- هيومن رايتس ووتش تتهم إسرائيل باستخدام غير قانوني للفوسفور ا ...
- مدرسة -دار اليتيم- في صيدا تفتح أبوابها لاستقبال النازحين ال ...
- مكتب إعلام الأسرى: مصابون فلسطينيون باقتحامات إسرائيلية لجمي ...
- الأمم المتحدة: أكثر من مئة ألف نازح جديد في لبنان خلال 24 سا ...
- إصابات بين الأسرى الفلسطينيين إثر حملة قمع متزامنة في سجون ا ...
- إصابات في صفوف الأسرى الفلسطينيين إثر حملة قمع واسعة بسجون ا ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - زهير الخويلدي - شكلانية القانون الدولي والحاجة إلى صياغة دستور للإنسانية، مقاربة إيتيقية