أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - زهير الخويلدي - ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي















المزيد.....

ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:05
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


في إطار المقاربة الجيوسياسية الاقتصادية، يُشكّل اشتداد وتيرة الحرب بين إيران والمحور الصهيوأمريكي اليوم لحظة فارقة في تاريخ الصراع الاستراتيجي على منطقة الخليج والشرق الأوسط، حيث يتحول التوتر المزمن إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة تكشف عن هشاشة التوازن العالمي للطاقة. هذا التصعيد ليس مجرد صدام عسكري تكتيكي، بل هو تعبير عن صراع وجودي يجمع بين الرغبة الإيرانية في الدفاع عن سيادتها وسيطرتها على ممرات الطاقة الحيوية، وبين الاستراتيجية الصهيوأمريكية الرامية إلى احتواء أي قوة إقليمية قادرة على تحدي الهيمنة الغربية على منابع النفط والغاز. ومع هذا الاشتداد، تظهر بوادر أزمة بترولية وغازية عالمية حقيقية، ليست مجرد تقلبات أسعار عابرة بل تهديداً بنيوياً يهز أركان الاقتصاد العالمي، إذ تعتمد أسواق الطاقة على تدفقات الخليج الفارسي التي تمر عبر مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي ينقل يومياً نحو عشرين مليون برميل نفط، أي ما يقارب خمس الإنتاج العالمي. هكذا يصبح الصراع العسكري سلاحاً اقتصادياً مزدوجاً، يضغط على إيران من جهة ويهدد الاستقرار العالمي من جهة أخرى، في دائرة تفاعلية تعيد إلى الأذهان حروب الطاقة التاريخية لكن بوتيرة أعلى ومخاطر أكبر. فكيف أدت المعارك الدائرة في الشرق الأوسط الى حدوث أزمة عالمية في الطاقة؟
يأتي هذا الاشتداد في سياق تصعيد متدرج بدأ بضربات مباشرة متبادلة تجاوزت مرحلة الحروب بالوكالة، حيث شن المحور الصهيوأمريكي سلسلة من العمليات العسكرية الدقيقة على منشآت إيرانية حيوية، سواء في مجال الطاقة النووية أو المنشآت النفطية في الخليج، مدعوماً بقواعد أمريكية في المنطقة وبتحالفات خليجية ضمن ما يُسمى "اتفاقيات إبراهيم" الموسعة. ردت إيران بقوة، مستخدمة صواريخ باليستية متقدمة وطائرات مسيرة، ومفعّلة شبكة حلفائها في "محور المقاومة" من اليمن إلى لبنان والعراق، مما أدى إلى إغلاق مؤقت لمسارات ملاحية وهجمات على ناقلات نفط في البحر الأحمر وباب المندب. هذا التصعيد لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى الضربات الاقتصادية المتبادلة: فرض عقوبات أمريكية جديدة تستهدف صادرات النفط الإيرانية، مقابل إعلان طهران استعدادها لاستخدام سلاح النفط كأداة ردع، بما في ذلك التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو مهاجمة حقول النفط السعودية والإماراتية إذا استمر الضغط. جيوسياسياً، يعكس هذا الاشتباك محاولة أمريكية إسرائيلية لإعادة رسم التوازن الإقليمي بعد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، لكن النتيجة كانت عكسية جزئياً، إذ أظهرت إيران قدرة على الصمود الاستراتيجي رغم الخسائر، مستفيدة من تحالفاتها مع روسيا والصين التي توفر بدائل للتصدير والتسليح. هكذا تحولت الحرب من صراع حدودي إلى حرب شاملة على الطاقة، حيث أصبحت المنشآت النفطية والغازية أهدافاً مشروعة، والممرات البحرية ساحات معركة، مما يجعل أي تصعيد إضافي قادراً على إحداث صدمة توريد عالمية فورية.
أما بوادر أزمة البترول والغاز في الأسواق العالمية، فتتجلى أولاً في الارتفاع الحاد والمفاجئ لأسعار النفط الخام، حيث تجاوزت أسعار برنت ووست تكساس أرقاماً قياسية غير مسبوقة منذ أزمات السبعينيات، مدفوعة بخوف المستثمرين من انقطاع الإمدادات الخليجية. إيران، بوصفها ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، تمتلك قدرة على خفض الإنتاج أو تعطيله جزئياً، سواء عبر هجمات مباشرة أو عبر اضطرابات في التصدير، مما يضغط على السوق العالمية التي تعاني أصلاً من توترات أوكرانية وتحولات الطاقة الخضراء غير المكتملة. كذلك، أدى التصعيد إلى ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات البحرية بنسبة هائلة، مما يرفع تكلفة الشحن عبر هرمز ويجبر الشركات على البحث عن طرق بديلة طويلة ومكلفة مثل خطوط الأنابيب عبر السعودية أو الالتفاف حول أفريقيا، وهو ما يزيد من زمن التسليم ويقلل من الكفاءة. أما الغاز الطبيعي، فالأمر أكثر خطورة، إذ تعتمد أوروبا وآسيا على واردات الغاز المسال من قطر والإمارات، وأي اضطراب في الخليج يؤثر مباشرة على محطات التصدير، خاصة مع تهديدات إيرانية باستهداف البنية التحتية الغازية. هذا يعني ارتفاع أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية إلى مستويات قد تعيد أزمة الشتاء السابقة، مع تأثير مباشر على الصناعات الكيميائية والكهرباء والتدفئة، بينما تواجه الصين والهند، أكبر مستوردي الطاقة الآسيويين، ضغطاً يهدد نموهما الاقتصادي ويجبرهما على البحث عن مصادر روسية أو إفريقية بأسعار مرتفعة.
تتعمق هذه البوادر في أبعاد جيوسياسية أوسع، حيث يستغل المحور الصهيوأمريكي التصعيد لفرض سيطرة أكبر على أسواق الطاقة، مستخدماً الضغط العسكري لدفع الدول الخليجية نحو زيادة الإنتاج لتعويض النقص الإيراني، وهو ما يؤدي إلى إرهاق حقول النفط السعودية والإماراتية ويقلل من احتياطياتها طويلة الأمد. في المقابل، تستخدم إيران سلاح الطاقة كجزء من استراتيجية الردع غير المتكافئ، إذ أن أي إغلاق لمضيق هرمز لأسابيع قليلة كفيل بإحداث ركود عالمي، ارتفاع تضخمي، وأزمات اجتماعية في الدول المستوردة. هذا الواقع يكشف عن هشاشة الاقتصاد العالمي المعتمد على الطاقة الأحفورية، رغم كل الخطابات عن التحول الأخضر، إذ لا تزال أوروبا والولايات المتحدة والصين غير قادرة على الاستغناء عن النفط الخليجي في المدى القصير. كما أن التصعيد يفتح الباب أمام تحالفات جديدة، مثل تقارب روسي إيراني صيني أقوى في مجال الطاقة، حيث تقدم موسكو وبكين دعماً تقنياً ومالياً لإيران مقابل ضمان تدفق بديل، مما يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية نحو قطبين: محور غربي يعتمد على السيطرة العسكرية، ومحور شرقي يعتمد على التعاون الاستراتيجي. مع ذلك، فإن هذا الاشتداد يحمل في طياته مخاطر غير محسوبة للجميع، إذ قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة تطال حقول النفط في الجزيرة العربية كلها، مما يضاعف الأزمة ويؤدي إلى انهيار أسعار في مرحلة أولى ثم ارتفاع مدمر في مرحلة ثانية. الدول النامية في آسيا وأفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، حيث ترتفع فواتير الطاقة وتتوقف المصانع وتزداد الفقر، بينما تواجه الدول الغربية تضخماً يهدد استقرارها السياسي. في هذا السياق، تبرز إيران كلاعب مركزي قادر على تحويل الضغط إلى فرصة، مستفيدة من صمودها الشعبي والعسكري لتعزيز موقعها في أي تسوية مستقبلية، سواء عبر اتفاق نووي جديد أو ترتيبات أمنية تضمن تدفق الطاقة مقابل رفع العقوبات. أما المحور الصهيوأمريكي، فيواجه تحدياً في الحفاظ على تماسكه، إذ أن أزمة الطاقة قد تثير انقسامات داخلية في أوروبا التي تعاني أصلاً من تبعات الحرب الأوكرانية، وقد تدفع دولاً خليجية إلى الحياد أو التفاوض المباشر مع طهران لتجنب الكارثة.
هكذا يظل العالم اليوم على حافة أزمة طاقة شاملة، حيث يلتقي التصعيد العسكري بين إيران والصهيوأمريكي مع هشاشة أسواق البترول والغاز في ديناميكية واحدة تهدد الاستقرار العالمي. الصراع لم يعد مجرد مواجهة إقليمية، بل أصبح عاملاً حاسماً في إعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي، يفرض على القوى الكبرى إعادة حساباتها بين خيار الحرب المستمرة وبين البحث عن تسويات تمنع انهيار التوريدات. في النهاية، يبقى مضيق هرمز ومنشآت الطاقة الإيرانية المفتاح الذي يحرك هذه الدائرة: إما أن يؤدي التصعيد إلى أزمة عالمية عميقة تعيد رسم التحالفات، أو أن يدفع الأطراف نحو تهدئة هشة تحفظ ماء الوجه لكنها لا تحل التناقضات البنيوية. المنطقة، والعالم من ورائها، يواجهان اليوم اختباراً حقيقياً لقدرتهما على احتواء الشرارة قبل أن تتحول إلى حريق يلتهم الاقتصاد العالمي بأكمله، في زمن يثبت فيه أن الطاقة ليست مجرد سلعة بل سلاحاً جيوسياسياً يقرر مصائر الشعوب والدول. فهل ينتصر المظلمون الذين ينتمون الى حضارة إقرأ على الآلة الحربية الصهيوأمريكية؟



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفكر السياسي العسكري عند ماو تسي تونغ بين تحويل الضعف إلى ق ...
- لاهوت التحرير الفلسطيني
- لاهوت التحرير العربي الإسلامي
- تجارب لاهوت التحرير في العالم بين النشأة التاريخية والتأثيرا ...
- المفاوضات الروسية الأوكرانية وشروط إنهاء الحرب المدمرة
- الفلسفة كمجهر فكري يرصد الظواهر ويكشف الحقائق
- منزلة المحبة في حضارة اقرا وفي المرجعيات الفلسفية
- مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد
- في الفرق الدلالي والاجرائي بين الشغل والعمل، مقاربة اقتصادية ...
- الفاعل الجمعي بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام با ...
- العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجين ...
- التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
- فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية
- المعرفة والواقع والمعيار في الفلسفة التحليلية المعاصرة
- دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر ،مقاربة فينومينولوجية
- التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، م ...
- أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية ...
- مراجعة كتاب الربيع الصامت لريتشل كارسون
- الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور ...
- إرنستو تشي جيفارا بين الممارسة الثورية الأممية ورفضه للقيم ا ...


المزيد.....




- ترامب عن إيران: -قادتها الإرهابيون رحلوا أو يعدّون الدقائق ح ...
- حزب الله يوسع هجماته ويضرب العمق الإسرائيلي.. وإسرائيل تكثف ...
- -مستبد آخر سيواصل وحشية النظام-.. الخارجية الإسرائيلية تندد ...
- كيف تم التحضير للهجوم على خامنئي واغتياله؟
- تركيا: انطلاق محاكمة رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في ق ...
- لوفيغارو: ترمب شن الحرب فجأة وقد يوقفها فجأة وفي أي وقت
- -الزعيم- يواجه الكاميرا بلا دور مكتوب.. مشروع جديد يعيد عادل ...
- وزير الدفاع الأفغاني للجزيرة نت: نحقق في دور أمريكي لضرب أسل ...
- الحرب على تخوم أوروبا.. مسيّرات إيران تخترق أجواء القارة الع ...
- بعد 10 أيام من الحرب.. هذا ما نعرفه عن خسائر الجيش الأمريكي ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - زهير الخويلدي - ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي