أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - زهير الخويلدي - أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية، مقاربة إيكولوجية















المزيد.....

أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية، مقاربة إيكولوجية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 10:01
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


مقدمة
"ليس الكوكب هو الذي يسخن، بل نحن الذين أشعلنا فيه ناراً لا تنطفئ."
ما نشهده اليوم ليس مجرد «تغيّر مناخي»، بل هو انهيار منظّم للشروط التي جعلت الحياة البشرية والحيوانية والنباتية ممكنة على هذا الكوكب خلال الاثني عشر ألف سنة الماضية. هذا الانهيار ليس كارثة طبيعية، بل هو نتيجة مباشرة ومتوقّعة للنموذج الصناعي-الرأسمالي الذي بدأ قبل نحو مئتي وخمسين سنة ووصل الآن إلى ذروته المدمّرة. الدراسة التالية لا تكتفي بإعادة سرد الأرقام المعروفة، بل تحاول أن تذهب إلى الجذور الإيكولوجية-السياسية-الأنطولوجية للمأساة.١. السبب الأول والأعمق: التحوّل الأنطولوجي للأرض من «عالم» إلى «مورد»قبل الثورة الصناعية كانت الأرض، في معظم الثقافات، كائناً حيّاً أو على الأقل مكاناً مقدساً أو نظاماً دائرياً يجب احترام دوره.
مع بداية الحداثة الغربية، وخاصة مع ديكارت وبيكون ولوك، تحوّلت الأرض من «أمّ» أو «عالم مشترك» (كما عند هيدجر) إلى مجرّد «مخزون دائم من المواد الخام والطاقة» . هذا التحوّل ليس تقنياً فقط، بل هو تغيير في الوجود نفسه: الأنهار لم تعد أنهاراً، بل صارت «قوة مائية محتملة»، والغابات صارت «أمتار مكعبة من الخشب»، والهواء صار «مساحة لحرق الوقود الأحفوري».
هذا التحوّل الأنطولوجي هو الشرط الذي جعل الإفراط في التصنيع ممكناً من الأساس.٢. الآلية المباشرة: ثورة الوقود الأحفوري ودورة الكربون المكسورةمنذ عام ١٧٦٠ تقريباً، بدأ الإنسان بحرق مخزون هيدروكربوني تراكم خلال مئات ملايين السنين في بضعة قرون فقط.
النتيجة الجيوكيميائية بسيطة وحاسمة:
مستوى ثاني أكسيد الكربون في الجو تجاوز ٤٢٠ جزءاً في المليون (كان قبل الثورة الصناعية ٢٨٠ جزءاً)، وهو أعلى مستوى منذ ثلاثة ملايين سنة.
الميثان (الناتج بشكل رئيسي عن الزراعة الصناعية وتسرّب الغاز) ارتفع بمعدل أسرع.
أكسيد النيتروز (من الأسمدة الكيميائية) زاد بنسبة ٢٠٪.
هذه الغازات الثلاثة هي المسؤولة عن ٩٨٪ من ظاهرة الاحتباس الحراري الإضافي.
لكن السبب ليس «النشاط البشري» بشكل مجرد، بل نمط محدد جداً من النشاط: التصنيع الرأسمالي الدائم النمو. بدون نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٢٣٪ سنوياً، تنهار المنظومة الاقتصادية الحالية. وبدون حرق كميات هائلة من الوقود الأحفوري، لا يوجد هذا النمو.٣. الحلقات الارتدادية: اللحظة التي بدأ فيها النظام الأرضي يسخن نفسهما يجعل الوضع الحالي كارثياً هو أننا تجاوزنا عدة «نقاط تحوّل» ، أي آليات ارتدادية إيجابية تجعل الاحترار يغذّي نفسه:ذوبان التربة الصقيعية في سيبيريا وكندا يطلق كميات هائلة من الميثان (غاز أقوى من CO₂ بـ٨٠ مرة على مدى ٢٠ سنة).
ذوبان الغطاء الجليدي في غرينلاند والقطب الجنوبي يقلل انعكاس أشعة الشمس، فيسخن المحيط أكثر.
موت غابات الأمازون (التي تحولت من بالوعة كربون إلى مصدر كربون منذ ٢٠١٥ تقريباً).
تباطؤ تيار الخليج الذي قد يؤدي إلى تجميد أوروبا مع تسخين بقية الكوكب.
كل واحدة من هذه الحلقات، بمجرد تفعيلها، تصبح غير قابلة للعكس على المقياس الزمني البشري.٤. التأثيرات المترتبة على الإفراط في التصنيعأ.
على المستوى الجوي-المناخي
موجات حرّ غير مسبوقة (٥٠ درجة في كندا، ٤٨ في الهند وباكستان، ٤٥ في أوروبا).
أعاصير أقوى وأبطأ (لأن المحيطات أسخن، والجو يحمل رطوبة أكثر).
جفاف مدمر في حوض المتوسط وجنوب غرب أمريكا والصين وأفريقيا جنوب الصحراء.
فيضانات كارثية في أماكن أخرى (ألمانيا ٢٠٢١، باكستان ٢٠٢٢).
ب. على مستوى المحيطات
ارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل ٤,٥ ملم سنوياً (كان ١,٤ ملم قبل ١٩٩٣).
تحمّض المحيطات بنسبة ٣٠٪، مما يهدد الشعاب المرجانية وبالتالي سلاسل الغذاء البحرية بأكملها.
ج. على مستوى الأنظمة البيئية
انقراض الأنواع بمعدل يفوق الانقراض الطبيعي بألف مرة.
هجرة الأنواع نحو القطبين بمعدل ١٧ كم كل عشر سنوات، وهي سرعة لا تستطيع معظم النباتات مجاراتها.
انهيار خدمات النظام البيئي الأساسية (تلقيح، تنقية المياه، تنظيم المناخ المحلي).
د. على مستوى الإنسان ٣,٦ مليار إنسان يعيشون اليوم في مناطق «شديدة الحساسية» للتغير المناخي (تقرير ٢٠٢٢).
توقع نزوح ٢٠٠ مليون إلى ١,٢ مليار «لاجئ مناخي» بحلول ٢٠٥٠.
تفاقم عدم المساواة: الدول والطبقات التي ساهمت أقل في المشكلة هي التي تعاني أكثر (أفريقيا، جنوب آسيا، أمريكا اللاتينية).
الخدعة الكبرى: «النمو الأخضر» والإعادة تدوير الوهم الصناعي
الرواية المهيمنة تقول إن بإمكاننا الاستمرار في النمو الاقتصادي والاستهلاك بشرط استبدال الوقود الأحفوري بمصادر «متجددة».
لكن هذا الوهم يتجاهل ثلاث حقائق مادية:الطاقة المتجددة لا تحل مشكلة المادة: نحن نحتاج كميات هائلة من المعادن نادرة (ليثيوم، كوبالت، نيكل، نحاس…) للبطاريات والألواح الشمسية والمغناطيسات، واستخراجها يدمر أنظمة بيئية أخرى ويستهلك طاقة أحفورية هائلة في الوقت الحاضر.
لا يوجد حتى الآن أي دليل تاريخي على «فكّ ارتباط» النمو الاقتصادي عن استهلاك المواد والطاقة (بشكل مطلق). كل ما حدث هو «فك ارتباط نسبي» مع نقل التلويث إلى الجنوب العالمي.
حتى لو نجحنا في جعل الطاقة «نظيفة» ١٠٠٪، فإن الاقتصاد الصناعي سيستمر في تدمير التربة، والغابات، والتنوع الحيوي، ودورات النيتروجين والفوسفور، بسبب منطق الإنتاج السلعي نفسه.
خاتمة
التغيّرات المناخية الشديدة ليست «مشكلة بيئية» يمكن حلّها بالتقنية، بل هي أزمة حضارية شاملة تنبع من قرار وجودي اتخذته البشرية الحديثة: أن تعامل الأرض كمادة لا نهائية يحق لها استغلالها بلا حدود. كل الحلول التي تبقى داخل إطار «التنمية المستدامة» أو «الاقتصاد الأخضر» هي في الحقيقة محاولات لإطالة عمر النظام القاتل نفسه. الخيار الحقيقي الوحيد المتبقي ليس بين «نمو أخضر» و«نمو بني»، بل بين حضارة صناعية مستمرة تؤدي حتماً إلى انهيار النظام الأرضي، وبين حضارة ما بعد صناعية، ما بعد نمو، ما بعد رأسمالية، تعيد تعريف الخير الإنساني خارج منطق التراكم والسيطرة على الطبيعة. الكارثة ليست قادمة، هي هنا الآن. السؤال لم يعد «كيف نوقف الاحترار؟» بل «كيف نعيش، وكيف نموت، في عالم يحترق؟». وما زلنا، حتى اللحظة، نرفض أن نسأل هذا السؤال بصوت عالٍ. ذلك هو الإفراط الحقيقي، ليس في التصنيع فقط، بل في الإنكار. فماهي الخلاصة الجذرية من الايكولوجيا السياسية في الحقبة المعاصرة؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مراجعة كتاب الربيع الصامت لريتشل كارسون
- الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور ...
- إرنستو تشي جيفارا بين الممارسة الثورية الأممية ورفضه للقيم ا ...
- مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات
- اليقظة الحضارية واعادة اكتشاف المنظومة المعرفية المتكاملة، م ...
- حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات في ثورة ال ...
- الاستعمار الثقافي من جهة مفهومه، آلياته، وتأثيراته
- الأسباب الواقعية والمسؤولية التاريخية لفلسفة الفعل ومطلب الت ...
- استعصاء انتقال عداد الساعة الحضارية في المجتمعات ما قبل الحد ...
- لقاء تقييمي استشرافي بمناسبة قدوم السنة الميلادية الجديدة 20 ...
- الموضة تصور ثقافي ورمزي ضمن فلسفة فنية تطبيقية، مقاربة نقدية
- مغامرة تحصيل السعادة الفردية والمجتمعية من خلال العلوم المعر ...
- هاربات ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتما ...
- مقاربة تعقدية عند ادغار موران بين الكائن الثقافي بالطبيعة وا ...
- حول أنطونيو غرامشي كفيلسوف ديمقراطي بين تشاؤم العقل وتفاؤل ا ...
- لغة الضاد بين التكلم عن معاناة الشعوب المضطهدة والنطق باسم ا ...
- مقاربة بسيكوسوسيولوجية للكائن البشري عند ايريك فروم
- جدلية التخلف والتقدم عند العرب بين النماذج الغربية والبدائل ...
- في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً
- خلفيات الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والتفريط في حقوق الشعوب ...


المزيد.....




- شاهد ما قاله ترامب عن جائزة نوبل للسلام
- ترامب وسد النهضة.. مصر في قلب الحسابات الأمريكية لأزمة النيل ...
- حصيلة كان المغرب 2025 .. نسخة قياسية بكل المقاييس!
- الجيش الإسرائيلي يعلن ضرب أهداف لـ -حزب الله- في جنوب لبنان ...
- مقتل 19 شخصا وعشرات المفقودين نتيجة حريق بمركز تجاري في باكس ...
- 7 قتلى بهجوم على مطعم صيني في كابول تبناه تنظيم -داعش-
- هتافات الباعة تعلو على أصوات الحرب في سوق الخرطوم
- الجزائر ترحل 34 ألف مهاجر إلى النيجر في 2025
- نتنياهو يرفض مشاركة تركيا وقطر ضمن -قوة غزة-
- مسلحون يخطفون العشرات من داخل كنيستين في نيجيريا


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - زهير الخويلدي - أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية، مقاربة إيكولوجية