أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد















المزيد.....

مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 02:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في أعماق الدراسات الاجتماعية والفلسفية، يبرز التمييز بين المعايير (normes) والقواعد (règles) كمحور أساسي لفهم كيفية تنظيم السلوك الإنساني وتشكيل الهويات الجماعية. هذا التمييز ليس مجرد مسألة لغوية أو اصطلاحية، بل هو انعكاس للتوتر بين القيم الداخلية والتنظيمات الخارجية في المجتمعات البشرية. من خلال مقاربة أكسيولوجية، التي تركز على دراسة القيم كأساس للمعنى والفعل، يمكننا استكشاف كيف تتشكل المعايير كتعبيرات عن القيم الجوهرية والمتجذرة في الثقافة، بينما تظهر القواعد كأدوات إجرائية تعكس قيماً خارجية مفروضة من قبل السلطة. في هذه الدراسة، سنغوص في التمييز المفهومي أولاً، ثم السياقي، مع التركيز على الجانب الأكسيولوجي الذي يجعل هذا التمييز ليس تحليلاً نظرياً فحسب، بل أداة لفهم الديناميات الاجتماعية والأخلاقية في عالم يتسم بالتعقيد والتغير المستمر، حيث تصبح القيم محوراً للصراع بين الالتزام الذاتي والطاعة الخارجية.
يبدأ التمييز المفهومي بين المعايير والقواعد بتعريف كل منهما كمفهوم يعكس جانباً مختلفاً من تنظيم الحياة الاجتماعية. المعايير، في جوهرها، تمثل مجموعة من التوقعات والمثل العليا التي تتشكل تدريجياً داخل الجماعة، مستمدة من القيم الثقافية والأخلاقية التي تعبر عن هوية المجتمع. هي ليست صلبة أو مكتوبة، بل مرنة ومتغيرة، تعتمد على الإجماع الضمني والتأثير الاجتماعي، مما يجعلها أداة للحفاظ على الانسجام الداخلي دون الحاجة إلى إكراه خارجي. على سبيل المثال، في سياق أكسيولوجي، ترتبط المعايير بالقيم الجوهرية مثل الكرم أو الاحترام، حيث تكون القيمة الأساسية هي الالتزام الداخلي الذي يدفع الفرد إلى التصرف وفقاً لها لأنها جزء من هويته الذاتية، لا لتجنب عقاب. هذا الارتباط الأكسيولوجي يجعل المعايير مصدراً للمعنى الوجودي، إذ تعكس كيف يرى المجتمع نفسه وما يعتبره "طبيعياً" أو "مثالياً"، مما يولد شعوراً بالانتماء يتجاوز الإلزام إلى الرغبة الذاتية. أما القواعد، فهي تختلف مفهومياً بكونها تنظيمات صورية ومكتوبة، مفروضة من قبل سلطة مركزية مثل الدولة أو المؤسسة، تهدف إلى ضمان النظام من خلال الإكراه والعقوبات. في المقاربة الأكسيولوجية، ترتبط القواعد بالقيم الإجرائية أو الخارجية، حيث تكون القيمة الأساسية هي الفعالية والاستقرار، لا الجوهر الداخلي، مما يجعلها أداة للسيطرة بدلاً من التعبير عن الهوية. هذا التمييز يبرز التوتر الأكسيولوجي: المعايير تعزز القيم الذاتية كأساس للأخلاق، بينما القواعد تحول القيم إلى أوامر خارجية قد تفقد جوهرها إذا اعتمدت فقط على الإكراه، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت القواعد قادرة على توليد قيم حقيقية أم أنها مجرد آليات سطحية.
مع ذلك، لا يقتصر التمييز المفهومي على التعريفات النظرية، بل يمتد إلى الدلالات العميقة في السياق الأكسيولوجي، حيث تظهر المعايير كمصدر للقيم الإيجابية التي تبني الثقافة، بينما قد تكون القواعد عرضة للانحراف عن القيم إذا أصبحت أداة للقمع. في هذا الإطار، يمكن اعتبار المعايير كـ"قيم متحركة"، تتطور مع تغير المجتمع وتستجيب للقيم الجديدة، مثل تحول المعايير الاجتماعية حول المساواة الجندرية في العصور الحديثة، حيث تصبح القيمة الأكسيولوجية هي العدالة كجوهر داخلي يدفع للتغيير الطوعي. أما القواعد، فهي "قيم ثابتة"، مصممة للحفاظ على الوضع القائم، مما قد يؤدي إلى صراع أكسيولوجي عندما تتعارض مع المعايير، كما في حالات القوانين التي تفرض تنظيمات اقتصادية تتعارض مع معايير العدالة الاجتماعية. هذا التمييز يدعونا إلى التفكير في كيفية أن المعايير، بطبيعتها الداخلية، تولد قيماً أصيلة تعزز الكرامة الإنسانية، بينما القواعد، رغم أهميتها، قد تكون عرضة للاستغلال كأداة لفرض قيم مهيمنة، مما يجعل المقاربة الأكسيولوجية ضرورية لتقييم ما إذا كانت هذه التنظيمات تعكس قيماً حقيقية أم مجرد مصالح سلطوية.
أما في التمييز السياقي، فيبرز الفرق بين المعايير والقواعد من خلال تطبيقاتهما في مجالات مختلفة، حيث تكشف المقاربة الأكسيولوجية عن كيفية تداخل القيم في هذه السياقات. في السياق الاجتماعي، على سبيل المثال، تظهر المعايير كأساس للانسجام اليومي، مثل معايير اللباقة أو الاحترام في التفاعلات اليومية، حيث تكون القيمة الأكسيولوجية هي التعاطف والانتماء، مما يجعل الالتزام بها طوعياً ومبنياً على الرغبة في الحفاظ على العلاقات. هنا، تكون المعايير فعالة لأنها تعتمد على القيم الداخلية التي تولد شعوراً بالمسؤولية الذاتية، بينما القواعد في هذا السياق تكون محدودة، مثل قواعد الآداب في الأماكن العامة، والتي قد تفقد فعاليتها إذا اعتمدت فقط على الإكراه، مما يؤدي إلى صراع أكسيولوجي بين القيم الجوهرية والتنظيم الخارجي. في السياق القانوني، يغلب دور القواعد كأدوات للعدالة، مثل قوانين المرور أو العقود، حيث تكون القيمة الأكسيولوجية هي الاستقرار والمساواة أمام القانون، لكن المقاربة الأكسيولوجية تكشف عن كيفية أن هذه القواعد قد تتعارض مع المعايير إذا لم تكن مستمدة من قيم اجتماعية، كما في حالات القوانين الاستبدادية التي تفرض قيماً خارجية تتعارض مع معايير الحرية. هذا التمييز السياقي يبرز أن المعايير غالباً ما تكون أكثر مرونة في السياقات الثقافية، حيث تتكيف مع التغيرات القيمية، بينما القواعد تكون صلبة في السياقات المؤسساتية، مما يثير تساؤلات أكسيولوجية حول ما إذا كانت القواعد قادرة على توليد قيم جديدة أم أنها مجرد حارس للقيم القائمة.
في سياق أخلاقي أعمق، يتجلى التمييز السياقي من خلال كيفية أن المعايير ترتبط بالقيم الأخلاقية الداخلية، مثل معايير الصدق أو الإنصاف في العلاقات الشخصية، حيث تكون القيمة الأكسيولوجية هي النزاهة كجوهر يدفع للتصرف الأخلاقي دون حاجة إلى مراقبة خارجية. هنا، تكون المعايير فعالة في بناء مجتمعات أخلاقية، لأنها تعتمد على الالتزام الذاتي الذي يعزز القيم الإنسانية العميقة، بينما القواعد في هذا السياق قد تكون محدودة، كما في قواعد الأخلاقيات المهنية، والتي قد تتحول إلى روتين إجرائي يفقد جوهره الأكسيولوجي إذا لم يكن مدعوماً بمعايير داخلية. المقاربة الأكسيولوجية تكشف هنا عن خطر تحول القواعد إلى أشكال من الرياء، حيث يلتزم الفرد بها لتجنب العقاب لا لقيمها الجوهرية، مما يؤدي إلى فقدان المعنى الأخلاقي. أما في السياق التربوي، فيبرز التمييز من خلال دور المعايير في تشكيل الشخصية، مثل معايير التعلم والاحترام في المدارس، حيث تكون القيمة الأكسيولوجية هي النمو الذاتي، بينما القواعد تكون أدوات للتنظيم، مثل قواعد الانضباط، والتي قد تكبح الإبداع إذا لم تكن متسقة مع المعايير. هذا السياق يدعو إلى توازن أكسيولوجي يجمع بينهما، حيث تصبح المعايير مصدراً للقيم التربوية العميقة، بينما تساعد القواعد في تحقيقها عملياً.
مع ذلك، يواجه التمييز السياقي تحديات في العصر الحديث، حيث تتداخل المعايير والقواعد في سياقات عالمية مثل العولمة، مما يثير صراعات أكسيولوجية بين القيم المحلية والتنظيمات الدولية. في هذا الإطار، قد تفرض القواعد الدولية، مثل اتفاقيات التجارة، قيماً اقتصادية خارجية تتعارض مع معايير الاستقلال الثقافي، مما يجعل المقاربة الأكسيولوجية ضرورية لتقييم ما إذا كانت هذه التداخلات تعزز القيم الإنسانية أم تعيد إنتاج اللامساواة والتفاوت والتبعية والاستغلال. هذا التداخل يبرز أن المعايير غالباً ما تكون أكثر مقاومة للتغيير الخارجي، لأنها متجذرة في القيم الجوهرية، بينما القواعد عرضة للتعديل السياسي، مما قد يؤدي إلى فقدان الثقة فيها إذا لم تكن مدعومة بمعايير أخلاقية.
في الختام، يمثل التمييز المفهومي والسياقي بين المعايير والقواعد، من منظور أكسيولوجي، دعوة لإعادة التفكير في كيفية بناء مجتمعات تعتمد على قيم جوهرية بدلاً من الإكراه الخارجي. هذه المقاربة تؤكد أن المعايير، كتعبيرات عن القيم الداخلية، هي الأساس لأي نظام أخلاقي حقيقي، بينما القواعد، رغم أهميتها، يجب أن تكون مدعومة بها لتجنب تحولها إلى أدوات قمع. في عالم يتسم بالتعقيد، يصبح هذا التمييز أداة للتحرر الأكسيولوجي، حيث يسعى الفرد والمجتمع إلى توازن يحافظ على القيم كجوهر للحياة الإنسانية.
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الفرق الدلالي والاجرائي بين الشغل والعمل، مقاربة اقتصادية ...
- الفاعل الجمعي بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام با ...
- العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجين ...
- التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
- فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية
- المعرفة والواقع والمعيار في الفلسفة التحليلية المعاصرة
- دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر ،مقاربة فينومينولوجية
- التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، م ...
- أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية ...
- مراجعة كتاب الربيع الصامت لريتشل كارسون
- الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور ...
- إرنستو تشي جيفارا بين الممارسة الثورية الأممية ورفضه للقيم ا ...
- مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات
- اليقظة الحضارية واعادة اكتشاف المنظومة المعرفية المتكاملة، م ...
- حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات في ثورة ال ...
- الاستعمار الثقافي من جهة مفهومه، آلياته، وتأثيراته
- الأسباب الواقعية والمسؤولية التاريخية لفلسفة الفعل ومطلب الت ...
- استعصاء انتقال عداد الساعة الحضارية في المجتمعات ما قبل الحد ...
- لقاء تقييمي استشرافي بمناسبة قدوم السنة الميلادية الجديدة 20 ...
- الموضة تصور ثقافي ورمزي ضمن فلسفة فنية تطبيقية، مقاربة نقدية


المزيد.....




- المستشار الألماني يُحذّر من أن النظام العالمي القائم على الق ...
- هجوم بسكين قرب قوس النصر في باريس.. الشرطة تطلق النار على مه ...
- تقديرات إسرائيلية.. ترامب يتفاوض مع إيران لكن صبره ينفد
- ستارمر يعتزم مطالبة أوروبا بتقليل الاعتماد على واشنطن عسكريا ...
- اتساع رقعة القتال في السودان
- الدانمارك: محادثات بناءة مع الأمريكيين بمؤتمر ميونخ بشأن غري ...
- -تغيير النظام يبدو أفضل ما يمكن أن يحدث-.. ترامب يوضح ما يمك ...
- -تجاهل لدورنا في استقرار سوريا-.. تركيا تتهم البرلمان الأورو ...
- مؤتمر ميونيخ ـ أوروبا تعاتب واشنطن وتؤكد اعتمادها على قدراته ...
- -مسار الأحداث-.. ما احتمالات اللجوء للخيار العسكري ضد إيران ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير الخويلدي - مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد