|
|
الفاعل الجمعي بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، مقاربة ملتزمة
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 14:00
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
مقدمة في أعماق الديناميات الاجتماعية والسياسية، يبرز مفهوم الفاعل الجمعي كعنصر أساسي يجسد القدرة الجماعية على التغيير والتحول. يُعرف الفاعل الجمعي على أنه تشكيلة من الأفراد أو المجموعات التي تتحد في إطار مشترك لتحقيق أهداف تتجاوز المصالح الفردية، مما يولد قوة دافعة نحو إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي. هذا المفهوم، الذي يتجاوز الحدود النظرية ليصبح أداة عملية في النضالات الإنسانية، يجد نفسه في تقاطع حاسم بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التقاطع من خلال مقاربة ملتزمة، تؤكد على الفعل الإنساني كمسؤولية أخلاقية وسياسية، حيث يصبح الفاعل الجمعي ليس مجرد مراقب، بل مشاركاً نشطاً في صياغة تاريخ ينبذ الاستغلال ويحتضن العدالة. فمن هو الفاعل الجمعي؟ وماهي المهام الموكولة له في الاطار الاجتماعي؟ مهام الفاعل الجمعي يبدأ الانخراط في التحرر من التبعية كعملية أساسية للفاعل الجمعي، إذ يعكس رفضاً جذرياً للهيمنة الخارجية التي تفرض نفسها على المجتمعات من خلال أشكال متعددة من الاستعمار الاقتصادي، الثقافي، أو السياسي. التبعية هنا ليست مجرد حالة اقتصادية، بل هي نظام يعيد إنتاج اللامساواة من خلال آليات غير مرئية، مثل الاعتماد على الاقتصادات المتقدمة أو الثقافات المهيمنة التي تفرض نماذجها كمعيار عالمي. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا التحرر من خلال بناء هوية جماعية مستقلة، تعتمد على الوعي التاريخي والقدرة على إعادة تفسير الماضي لصالح مستقبل حر. على سبيل المثال، في سياقات ما بعد الاستعمار، يتحول الفاعل الجمعي إلى حركة شعبية ترفض التبعية الاقتصادية من خلال تعزيز الإنتاج المحلي والسيطرة على الموارد الطبيعية، مما يولد دينامية تحررية تتجاوز الفرد لتصبح مشروعاً جماعياً. هذا الانخراط ليس عفوياً، بل يتطلب تنظيماً يعتمد على التواصل والتضامن، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل أكبر يسعى لكسر سلاسل التبعية. في هذه العملية، يبرز دور الوعي كأداة أساسية، إذ يساعد في كشف الآليات الخفية للتبعية، مثل كيفية تحول الديون الخارجية إلى أداة للسيطرة، أو كيف تفرض الثقافة الاستهلاكية نمط حياة يعزز الاعتمادية بدلاً من الاستقلال. مع ذلك، لا يقتصر دور الفاعل الجمعي على التحرر من التبعية الخارجية، بل يمتد إلى مواجهة التبعيات الداخلية التي تتجذر في الهيكليات الاجتماعية المحلية. هنا، يصبح التحرر عملية داخلية تستهدف تفكيك الهرميات الطبقية أو العرقية أو الجندرية التي تعيد إنتاج التبعية داخل المجتمع نفسه. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا السياق من خلال تشكيل تحالفات عابرة للحدود الاجتماعية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحدي السلطات المحلية التي تستفيد من الحفاظ على التبعية. هذا الانخراط يتطلب التزاماً أخلاقياً يعتمد على مبدأ الالتزام السارتري، حيث يصبح الفعل الجماعي مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، إذ يرفض الفاعل الجمعي دور الضحية ليصبح صانعاً لتاريخه. في هذه المرحلة، يتحول التحرر من مجرد رفض إلى بناء إيجابي، حيث يسعى الفاعل الجمعي لبناء مؤسسات بديلة تعتمد على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية، مما يضمن استمرارية التحرر بعيداً عن مخاطر العودة إلى التبعية تحت أشكال جديدة.من هنا، ينتقل الفاعل الجمعي إلى الالتزام بالنضال من أجل المساواة، الذي يمثل الجانب الآخر من العملة التحررية. المساواة هنا ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي هدف عملي يستهدف إزالة الفوارق التي تحول دون تحقيق الكرامة الإنسانية للجميع. يلتزم الفاعل الجمعي بهذا النضال من خلال استراتيجيات متعددة، تبدأ بالوعي الجماعي وتنتهي بالفعل السياسي المباشر. في سياق التبعية، يصبح النضال من أجل المساواة امتداداً طبيعياً للتحرر، إذ لا يمكن تحقيق استقلال حقيقي دون ضمان توزيع عادل للموارد والفرص. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية المعاصرة، يتحول الفاعل الجمعي إلى شبكة من النشطاء الذين يناضلون ضد التمييز العرقي أو الطبقي، مستخدمين أدوات مثل الاحتجاجات الشعبية أو الحملات الإعلامية لفرض تغييرات هيكلية. هذا الالتزام يعتمد على مقاربة ملتزمة، ترفض الحيادية وتؤكد على الفعل كوسيلة لتحقيق العدالة، حيث يصبح كل فرد ملتزماً بقضية أكبر من نفسه، مما يولد تضامناً يتجاوز الحدود الجغرافية أو الثقافية. في هذا التقاطع بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة، يبرز الفاعل الجمعي كقوة دينامية قادرة على مواجهة التحديات المعقدة للعولمة المعاصرة. التبعية في عصرنا الحالي تأخذ أشكالاً جديدة، مثل الهيمنة الرقمية أو الاستغلال البيئي، مما يتطلب من الفاعل الجمعي تكييف استراتيجياته ليشمل نضالاً متعدد الأبعاد. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ليس خياراً، بل ضرورة، إذ يساعد في بناء مجتمعات مقاومة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون التفريط في القيم الداخلية. المقاربة الملتزمة في هذا السياق تؤكد على دور الفكر النقدي في توجيه الفعل الجماعي، حيث يصبح التحليل النظري أداة لفهم الواقع وتغييره، مستوحى من أفكار مفكرين يرون في الالتزام سبيلاً للتحرر الإنساني. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا النضال من خلال تشكيل تحالفات استراتيجية، مثل الشراكات بين الحركات العمالية والنسوية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحقيق تغييرات جذرية. مع ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحديات داخلية قد تعيق مسيرته، مثل الصراعات على السلطة داخل الجماعة أو الاختلافات الإيديولوجية التي قد تؤدي إلى تفكك الوحدة. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل موحد، إذ يشجع على الحوار الداخلي والتسامح مع الاختلافات لصالح الهدف المشترك. هذا الالتزام يمتد إلى البعد الأخلاقي، حيث يرفض الفاعل الجمعي استخدام العنف كوسيلة إلا في حالات الدفاع عن النفس، مفضلاً استراتيجيات سلمية تعتمد على الوعي والتعليم لتحقيق المساواة. في سياق التحرر من التبعية، يصبح هذا الالتزام أداة لمنع تحول النضال إلى تبعية جديدة، مثل الاعتماد على قادة كاريزميين يحولون الجماعة إلى أداة لمصالحهم الشخصية. بدلاً من ذلك، يسعى الفاعل الجمعي لبناء نموذج ديمقراطي يضمن مشاركة الجميع، مما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للنضال. التحديات الداخلية للفاعل الجمعي في سياق الفاعل الجمعي، الذي يمثل التشكيلة الدينامية للأفراد والمجموعات المتحدة في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التحديات الداخلية كعنصر حاسم يختبر قوة الوحدة والالتزام. هذه التحديات ليست مجرد عقبات عرضية، بل هي تعبيرات عن التعقيد الإنساني داخل الجماعة، حيث يلتقي الطموح الفردي بالمصلحة الجماعية، والتنوع بالحاجة إلى الانسجام. من خلال مقاربة ملتزمة، نرى في هذه التحديات ليس تهديداً فقط، بل فرصة لتعزيز الوعي والتنظيم، إذ يصبح مواجهتها جزءاً أساسياً من عملية التحرر ذاتها. إن التحديات الداخلية تعكس التوتر بين الحرية الفردية والتضامن الجماعي، مما يجعلها محوراً لفهم كيفية استمرار الفاعل الجمعي في مسيرته نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يتحول الصراع الداخلي إلى محرك للتطور بدلاً من سبب للانهيار. أحد أبرز التحديات الداخلية هو الصراعات على السلطة داخل الجماعة، والتي تنشأ من الرغبة الطبيعية في القيادة والتأثير. في سياق التحرر من التبعية، حيث يسعى الفاعل الجمعي لكسر الهيمنة الخارجية، قد يتحول هذا الصراع إلى تكرار للنماذج الهرمية التي يحاربها، مما يؤدي إلى ظهور قادة كاريزميين يسيطرون على القرار، ويحولون الجماعة من فاعل ديمقراطي إلى أداة لمصالحهم الشخصية. هذا التحدي يتفاقم في مراحل النضال الأولى، عندما تكون الموارد محدودة والضغوط الخارجية عالية، فتصبح السلطة مورداً نادراً يثير المنافسة. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية، قد يؤدي هذا الصراع إلى انشقاقات داخلية، حيث يشعر بعض الأعضاء بالتهميش، مما يضعف القدرة على مواجهة التبعية الاقتصادية أو الثقافية. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء آليات ديمقراطية داخلية، مثل المجالس التشاورية أو الانتخابات الدورية، لتوزيع السلطة بشكل عادل، وتحويل الصراع من عنصر تدميري إلى حوار بناء يعزز الالتزام بالمساواة. إن تجاهل هذا التحدي قد يؤدي إلى تحول الفاعل الجمعي إلى نظام استبدادي داخلي، يعيد إنتاج التبعية التي يرفضها، مما يجعل التحرر وهماً لا يتجاوز السطح. كما تبرز الاختلافات الإيديولوجية كتحدٍ داخلي آخر، ينبع من التنوع الفكري والثقافي داخل الجماعة، والذي، رغم أنه مصدر قوة، قد يؤدي إلى تفكك الوحدة. في نضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة – عرقية، طبقية، أو جندرية – تظهر هذه الاختلافات كتوتر بين الرؤى المختلفة للتحرر. على سبيل المثال، قد يرى بعض الأعضاء التحرر كعملية اقتصادية بحتة، بينما يؤكد آخرون على البعد الثقافي أو البيئي، مما يؤدي إلى خلافات حول الأولويات والاستراتيجيات. هذا التحدي يتفاقم في سياقات العولمة، حيث تتداخل الإيديولوجيات العالمية مع الخصوصيات المحلية، مما يخلق صراعاً بين الراديكالية والبراغماتية. المقاربة الملتزمة ترى في هذه الاختلافات فرصة للحوار النقدي، حيث يصبح الالتزام بالمساواة مبدأ موحداً يتجاوز الاختلافات، من خلال تشجيع المناقشات المفتوحة والتعليم المتبادل. إن عدم مواجهة هذا التحدي قد يؤدي إلى انقسامات جذرية، تحول الفاعل الجمعي إلى مجموعات صغيرة ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التبعية الخارجية، مما يجعل النضال مجرد صراع داخلي يستهلك الطاقات دون إحراز تقدم حقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحدياً داخلياً متمثلاً في نقص الموارد والإرهاق النفسي، الذي ينشأ من طول أمد النضال وشدة الضغوط. في مسيرة التحرر من التبعية، حيث تكون الموارد المالية أو اللوجستية محدودة، يصبح توزيع هذه الموارد مصدر توتر، مما قد يؤدي إلى شعور بالظلم داخل الجماعة. أما الإرهاق النفسي، فهو نتيجة للمعاناة المستمرة أمام القمع الخارجي، مما يولد حالات من اليأس أو الانسحاب، خاصة بين الأعضاء الأقل خبرة. هذا التحدي يتجلى في انخفاض المشاركة مع مرور الوقت، حيث يشعر الأفراد بالإجهاد من دون رؤية نتائج فورية، مما يضعف الالتزام بالنضال من أجل المساواة. المقاربة الملتزمة تؤكد هنا على أهمية بناء شبكات دعم داخلية، مثل برامج الرعاية النفسية أو توزيع الأدوار بشكل عادل، للحفاظ على الطاقة الجماعية. إن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى انهيار داخلي، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للاختراق الخارجي، مثل محاولات الاستقطاب أو الخيانة من قبل أعضاء محبطين. كذلك، لا يمكن تجاهل تحدي التنوع الثقافي والاجتماعي داخل الجماعة، الذي، رغم غناه، قد يولد صراعات حول الهوية والتمثيل. في سياق النضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة، قد يشعر بعض المجموعات المهمشة بالتهميش داخل الجماعة نفسها، مما يعيد إنتاج اللامساواة التي يحاربها الفاعل الجمعي. على سبيل المثال، في الحركات العابرة للحدود، قد تبرز خلافات بين النساء والرجال، أو بين الأعراق المختلفة، حول من يمثل الصوت الرئيسي. هذا التحدي يتطلب مقاربة ملتزمة تعتمد على مبدأ التقاطعية، حيث يتم الاعتراف بالتعددية كقوة، ويتم بناء سياسات تضمن التمثيل العادل. إن عدم التعامل مع هذا التنوع قد يؤدي إلى تفكك، مما يجعل التحرر من التبعية هدفاً بعيداً، محاصراً بين الصراعات الداخلية. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل حاسم في تعزيز الوحدة، حيث يصبح الحوار الداخلي والتعليم المستمر أدوات لتحويل التوترات إلى فرص للنمو. المقاربة الملتزمة ترفض الاستسلام لهذه التحديات، بل تراها كجزء من عملية التحرر، إذ يصبح الفاعل الجمعي أقوى من خلال تجاوزها، مما يضمن استمرارية النضال نحو مساواة حقيقية. إن التحديات الداخلية، إذن، ليست نهاية، بل بداية لإعادة بناء أقوى، حيث يتحول الفعل الجماعي من رد فعل إلى مشروع إبداعي يعيد تشكيل الواقع بوعي أعمق وتضامن أكبر. التقاطعية الاجتماعية في إطار الفاعل الجمعي، الذي يجسد الوحدة الدينامية للأفراد والمجموعات في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التقاطعية الاجتماعية كمفهوم أساسي يعيد تشكيل فهم التحديات الداخلية والاستراتيجيات الخارجية. التقاطعية، التي تعود جذورها إلى النظرية النقدية في دراسات الجندر والعرق، تمثل الاعتراف بتداخل أشكال التمييز واللامساواة المتعددة، مثل العرق، الطبقة، الجندر، الإعاقة، والتوجه الجنسي، في تشكيل تجارب الأفراد داخل الجماعة. هذه المقاربة ليست مجرد إضافة نظرية، بل هي أداة عملية ملتزمة تحول التنوع من مصدر توتر إلى قوة دافعة، إذ تكشف كيف تتداخل هذه الأبعاد في تعزيز التبعية أو في تعزيز النضال نحو المساواة. في هذا التوسع، سنستعرض التقاطعية كمحور لفهم الديناميات الداخلية للفاعل الجمعي، حيث تصبح الالتزام بها ضرورة أخلاقية وسياسية لتحقيق تحرر شامل، بعيداً عن الرؤى الوحيدة البعد التي قد تعيد إنتاج اللامساواة داخل النضال نفسه.تبدأ التقاطعية الاجتماعية في سياق الفاعل الجمعي بكشف الطبقات المتداخلة من التبعية، حيث لا تكون التبعية مجرد علاقة اقتصادية أو سياسية خارجية، بل هي نظام يتغذى على تقاطعات داخلية تعزز الاستغلال. على سبيل المثال، في مجتمعات ما بعد الاستعمار، قد يعاني الأفراد من تبعية مزدوجة: اقتصادية تفرضها الهيمنة العالمية، واجتماعية داخلية تنبع من التمييز العرقي أو الجندري، مما يجعل التحرر عملية معقدة تتطلب فهماً لكيفية تداخل هذه الأبعاد. ينخرط الفاعل الجمعي هنا من خلال مقاربة ملتزمة تعترف بهذه التقاطعات، فبدلاً من التركيز على قضية واحدة – مثل التحرر الاقتصادي – يصبح النضال متعدد الأوجه، يستهدف تفكيك التبعية في جميع أشكالها. هذا الاعتراف يمنع تحول النضال إلى حركة نخبوية، حيث يسيطر أفراد من طبقات معينة أو أعراق مهيمنة، ويضمن أن تكون المساواة هدفاً شاملاً يشمل الجميع. في هذه العملية، تصبح التقاطعية أداة لتعزيز التضامن، إذ تسمح للأفراد بمشاركة تجاربهم المتداخلة، مما يولد وعياً جماعياً يرفض التبعية كمصير محتوم ويحولها إلى هدف قابل للتغيير من خلال الفعل المشترك. مع ذلك، تكشف التقاطعية الاجتماعية عن تحديات داخلية عميقة داخل الفاعل الجمعي، حيث يصبح التنوع مصدراً للصراع إذا لم يُدار بحكمة. في نضال من أجل المساواة، قد تبرز خلافات حول الأولويات، مثل كيفية دمج قضايا النساء الملونات في حركة تحررية تركز أساساً على الاستقلال الاقتصادي، مما يؤدي إلى شعور بالتهميش لدى بعض المجموعات. هذا التحدي يتجلى في إعادة إنتاج اللامساواة داخل الجماعة، حيث قد يغلب صوت الرجال أو الطبقات الوسطى، متجاهلاً تقاطعات الفقر والعرق التي تعاني منها النساء أو الأقليات. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء إطار تقاطعي يجعل التمثيل العادل أولوية، من خلال تشكيل لجان داخلية تمثل التنوع الاجتماعي، أو من خلال برامج تعليمية تثقف الأعضاء حول كيفية تداخل أشكال التمييز. هذا الالتزام يحول التحدي إلى فرصة، إذ يصبح الفاعل الجمعي أكثر قوة عندما يعترف بأن المساواة لا تتحقق إلا من خلال مواجهة التقاطعات الداخلية، مما يمنع الانقسامات ويعزز الوحدة في مواجهة التبعية الخارجية. إن تجاهل هذه التقاطعية قد يؤدي إلى فشل النضال، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للانشقاقات التي تستغلها القوى المهيمنة للحفاظ على الوضع القائم. كذلك، تمتد التقاطعية الاجتماعية إلى البعد الاستراتيجي في النضال، حيث تصبح أداة لصياغة سياسات شاملة تتجاوز الرؤى الوحيدة البعد. في سياق التحرر من التبعية، يمكن للفاعل الجمعي استخدام هذه المقاربة لربط قضايا محلية بأخرى عالمية، مثل كيفية تداخل الاستغلال البيئي مع التمييز العرقي في مجتمعات الجنوب العالمي، مما يولد تحالفات عابرة للحدود. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ملتزماً بمبدأ التقاطعية، إذ يرفض الفاعل الجمعي التركيز على قضية واحدة على حساب أخرى، ويسعى لبناء استراتيجيات متعددة الأبعاد، مثل حملات تجمع بين النضال النسوي والعمالي. هذا النهج يعزز الفعالية، إذ يجعل النضال أكثر شمولاً وجاذبية لمجموعات متنوعة، مما يوسع قاعدة الدعم ويقلل من مخاطر الإخفاق الناتج عن الرؤى الضيقة. في هذه العملية، تصبح التقاطعية ليست مجرد نظرية، بل ممارسة يومية تحول الفاعل الجمعي من كيان مفكك إلى قوة متماسكة، قادرة على مواجهة التعقيدات المعاصرة مثل العولمة الرأسمالية التي تستغل التقاطعات الاجتماعية لتعزيز التبعية. أما في مواجهة التحديات العملية، فإن التقاطعية الاجتماعية تتطلب تطوير أدوات داخلية للحوار والتسوية، حيث يصبح الالتزام أخلاقياً يشجع على الاستماع المتبادل والاعتراف بالتجارب المتنوعة. على سبيل المثال، في حركات اجتماعية معاصرة، قد يؤدي التركيز على التقاطعية إلى إنشاء مساحات آمنة لمناقشة كيفية تأثير الإعاقة على النساء في سياق التبعية الاقتصادية، مما يولد سياسات أكثر عدلاً. هذا الالتزام يمنع تحول النضال إلى صراع داخلي، بل يحوله إلى عملية تعلم جماعي، حيث يصبح كل فرد مساهماً في فهم التقاطعات التي تشكل الجماعة. إن هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، بتفكيك التقاطعات السلبية لبناء تضامن إيجابي، مما يجعل الفاعل الجمعي نموذجاً لمجتمع مساوٍ يرفض التبعية في كل أشكالها. خاتمة في النهاية، يمثل الفاعل الجمعي في تقاطعه بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة نموذجاً للإنسانية الملتزمة، التي ترفض السلبية لتصبح فاعلاً في تاريخها. هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر ليس نهاية، بل بداية لنضال مستمر نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل يسعى لتحقيق الكرامة المشتركة. من خلال هذا الالتزام، يتحول الفاعل الجمعي من مجرد رد فعل إلى قوة إبداعية، قادرة على إعادة تشكيل الواقع نحو آفاق أوسع من الحرية والمساواة. لذلك، تمثل التقاطعية الاجتماعية ضمن الفاعل الجمعي قمة الالتزام بالنضال، إذ تحول التنوع من عبء إلى رصيد، وتجعل التحرر من التبعية والمساواة هدفين متداخلين لا يمكن فصلهما. هذه المقاربة الملتزمة ترفض السطحية لتغوص في عمق التعقيد الإنساني، مما يولد فاعلاً جمعياً أقوى وأكثر استدامة، قادراً على إعادة تشكيل الواقع نحو عالم يحتضن الجميع دون تمييز أو تبعية. من خلال هذا التوسع، يصبح واضحاً أن التقاطعية ليست خياراً، بل ضرورة لأي نضال ملتزم يسعى لتحقيق عدالة حقيقية. كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجين
...
-
التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
-
فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية
-
المعرفة والواقع والمعيار في الفلسفة التحليلية المعاصرة
-
دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر ،مقاربة فينومينولوجية
-
التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، م
...
-
أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية
...
-
مراجعة كتاب الربيع الصامت لريتشل كارسون
-
الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور
...
-
إرنستو تشي جيفارا بين الممارسة الثورية الأممية ورفضه للقيم ا
...
-
مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات
-
اليقظة الحضارية واعادة اكتشاف المنظومة المعرفية المتكاملة، م
...
-
حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات في ثورة ال
...
-
الاستعمار الثقافي من جهة مفهومه، آلياته، وتأثيراته
-
الأسباب الواقعية والمسؤولية التاريخية لفلسفة الفعل ومطلب الت
...
-
استعصاء انتقال عداد الساعة الحضارية في المجتمعات ما قبل الحد
...
-
لقاء تقييمي استشرافي بمناسبة قدوم السنة الميلادية الجديدة 20
...
-
الموضة تصور ثقافي ورمزي ضمن فلسفة فنية تطبيقية، مقاربة نقدية
-
مغامرة تحصيل السعادة الفردية والمجتمعية من خلال العلوم المعر
...
-
هاربات ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتما
...
المزيد.....
-
رأي.. أردم أوزان يكتب: الشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد النظام
-
ما الذي يجري في المحادثات الأمريكية الإيرانية؟ مراسل CNN يشر
...
-
وُجدت جثتها داخل حقيبة سفر.. جريمة مروّعة تهزّ مصر وتكشف فش
...
-
أسطول عالمي جديد: 100 قارب وآلاف الناشطين يبحرون لكسر حصار غ
...
-
أخبار اليوم: إجلاء أكثر من 140 ألف شخص تحسبا للفيضانات في ال
...
-
هل يشتعل القرن الإفريقي في خضم التنافس الإماراتي السعودي؟
-
لماذا نُقلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من إسطنبول إلى مسق
...
-
نتنياهو يحذر من -تعاظم- قوة الجيش المصري
-
تقرير: نتنياهو طلب مراقبة ومنع تعاظم قوة الجيش المصري
-
إيران.. تعيين علي شمخاني أمينا لمجلس الدفاع
المزيد.....
-
اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات
/ رشيد غويلب
-
قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند
/ زهير الخويلدي
-
مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م
...
/ دلير زنكنة
-
عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب
...
/ اسحق قومي
-
الديمقراطية الغربية من الداخل
/ دلير زنكنة
-
يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال
...
/ رشيد غويلب
-
من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية
/ دلير زنكنة
-
تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت
...
/ دلير زنكنة
-
تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت
...
/ دلير زنكنة
-
عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
المزيد.....
|