|
|
العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجينات الوراثية ، مقاربة ابستيمولوجية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 08:04
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
مقدمة في سياق التطور التاريخي للعلوم الطبيعية، يبرز الإنسان ككائن يسعى دائماً إلى فهم الكون من خلال استكشاف أبعاده الشاسعة والدقيقة على حد سواء. يمثل غزو الفضاء، وتكميم الذرة، والتحكم في الجينات الوراثية ثلاثة أبعاد أساسية في هذا السعي، حيث يجسد كل منها تحولاً جذرياً في طريقة إنتاج المعرفة العلمية. من منظور ابستيمولوجي، يتجاوز هذا الاستكشاف مجرد الاكتشافات التجريبية ليصبح تأملاً في طبيعة المعرفة نفسها: كيف تتشكل، ما هي حدودها، وكيف تتداخل مع الواقع المادي. إن هذه المجالات ليست مجرد فروع علمية منفصلة، بل هي تعبيرات متكاملة عن النزعة البشرية نحو السيطرة على الطبيعة، من خلال النظر إلى الكون ككل مترابط، حيث يلتقي الماكروكوزم (الكون الشاسع) بالميكروكوزم (الذرة والجينات). في هذه الدراسة، سنستعرض هذه الأبعاد بشكل موسع ومعمق، مع التركيز على الجوانب الابستيمولوجية التي تكشف عن كيفية بناء المعرفة العلمية في مواجهة الغموض والتعقيد، دون الاستعانة بأي إشارات خارجية أو هيكلة جامدة، بل من خلال تدفق فكري يعكس الطبيعة المتداخلة لهذه العلوم. فماهي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العلوم الطبيعية؟ وكيف برز ذلك بشكل لافت في المجال الطبي؟ غزو الفضاء يبدأ غزو الفضاء كرمز للطموح البشري في توسيع حدود المعرفة إلى ما وراء الأرض، حيث يمثل انتقالاً من الملاحظة السلبية إلى التدخل الفعال في الكون. ابستيمولوجياً، يعيد هذا الغزو صياغة مفهوم الملاحظة العلمية، إذ لم يعد العالم يقتصر على مراقبة السماء من بعيد، كما في عصر كوبرنيكوس أو غاليليو، بل أصبح يتضمن إرسال مركبات ورواد فضاء لجمع بيانات مباشرة من الفضاء الخارجي. هذا التحول يثير تساؤلات عميقة حول مصداقية المعرفة: هل المعرفة المكتسبة من خلال التكنولوجيا (مثل التلسكوبات الفضائية أو المركبات الآلية) أكثر موضوعية من الملاحظة البشرية المباشرة، أم أنها مجرد امتداد للتحيزات البشرية المدمجة في الآلات؟ في غزو الفضاء، نرى كيف أن المعرفة ليست مجرد تراكم للحقائق، بل هي عملية تفاعلية بين الإنسان والكون، حيث يؤثر الملاحظ في المُلاحظ. على سبيل المثال، اكتشاف الكواكب الخارجية أو دراسة الثقوب السوداء يعتمد على نماذج رياضية ومحاكيات حاسوبية، مما يجعل المعرفة نسبية إلى حد كبير، مرتبطة بقدرة الأدوات على تفسير الإشارات الكونية. هذا يذكرنا بمبدأ الشك الديكارتي، لكنه يتجاوزه نحو شك بنيوي، إذ أن الفضاء الشاسع يكشف عن حدود الإدراك البشري، مثل تأثير الزمن النسبي أو الظروف الفيزيائية المتطرفة التي تعيق الملاحظة المباشرة. ومع ذلك، يوفر غزو الفضاء إمكانية للمعرفة الجماعية، حيث تتشارك الدول والمؤسسات في بناء قاعدة بيانات كونية، مما يعزز فكرة أن العلم ليس فردياً بل اجتماعياً، مبنياً على التحقق المتعدد والتكرار. تكميم الذرة من هذا الشسوع الكوني، ننتقل إلى العالم الدقيق لتكميم الذرة، الذي يمثل قمة التحول في الفيزياء الحديثة، حيث يتحدى المفاهيم الكلاسيكية للواقع. ابستيمولوجياً، يعيد تكميم الذرة تعريف طبيعة المعرفة العلمية من خلال مبادئ مثل مبدأ عدم اليقين لهيزنبرغ، الذي يؤكد أن هناك حدوداً أساسية للدقة في قياس خصائص الجسيمات الذرية، مما يجعل المعرفة احتمالية بدلاً من حتمية. هذا التحول ليس مجرد تقني، بل فلسفي، إذ يسائل مفهوم الواقع الموضوعي: هل الذرة موجودة بشكل مستقل عن الملاحظ، أم أن الملاحظة نفسها تشكل الواقع، كما في تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم؟ في هذا السياق، تبرز تكميم الذرة كدليل على أن العلوم الطبيعية ليست مجرد وصف للطبيعة، بل هي بناء لنماذج تفسيرية تتكيف مع التناقضات الظاهرة. على سبيل المثال، مفهوم التراكب الكمي، حيث يمكن للجسيم أن يكون في حالات متعددة في وقت واحد، يدفعنا إلى التفكير في كيفية تكون المعرفة من خلال التجربة، حيث يعتمد العلماء على أجهزة مثل المصادمات الذرية لإثارة الظواهر الكمية، مما يجعل المعرفة مدفوعة بالتدخل البشري. هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بغزو الفضاء، إذ أن فهم الذرة يساعد في تطوير تقنيات مثل الحوسبة الكمية، التي قد تمكن من محاكاة الكون بأكمله، مما يغلق الدائرة بين الميكرو والماكرو. ابستيمولوجياً، يعزز هذا الربط فكرة أن المعرفة العلمية هي عملية تكاملية، حيث تؤثر الاكتشافات في مستوى واحد على فهم المستويات الأخرى، لكنها تظل عرضة للتنقيح المستمر، كما في نموذج كون الذي يتطور من نيوتن إلى أينشتاين ثم إلى الفيزياء الكمية. التحكم في الجينات الوراثية أما التحكم في الجينات الوراثية، فيأتي كامتداد بيولوجي لهذه النزعة نحو السيطرة، حيث يمثل تدخلاً مباشراً في جوهر الحياة نفسها. ابستيمولوجياً، يثير هذا المجال أسئلة حول حدود المعرفة الأخلاقية والعلمية، إذ أن فك شيفرة الجينوم البشري وتقنيات مثل كريسبر-كاس9 تحولان العلم من مجرد فهم إلى إعادة تشكيل الطبيعة. هنا، تبرز المعرفة كأداة قوة، حيث يمكن للعلماء تعديل الجينات لعلاج الأمراض أو تحسين الخصائص، مما يسائل مفهوم "الطبيعي" مقابل "الاصطناعي". من منظور ابستيمولوجي، يعتمد هذا التحكم على نماذج إحصائية وبيولوجية مولكولارية، لكنه يواجه تحديات في اليقين، إذ أن التفاعلات الجينية معقدة وغير خطية، مما يجعل التنبؤات احتمالية مشابهة لتلك في الفيزياء الكمية. هذا التشابه يدعو إلى مقارنة بين تكميم الذرة والجينات، حيث يُعامل الجين كوحدة كمية في بعض النماذج، مما يربط بين الفيزياء والبيولوجيا في إطار ابستيمولوجي موحد. كما يلتقي هذا المجال مع غزو الفضاء في سياق استعمار الكواكب، حيث قد يتطلب البقاء في الفضاء تعديلات جينية لمواجهة الإشعاع أو نقص الجاذبية، مما يجعل المعرفة متعددة التخصصات، مبنية على التكامل بين العلوم. ابستيمولوجياً، يعكس هذا كيف أن المعرفة ليست محايدة، بل مشحونة بالقيم البشرية، حيث يجب أن تتوازن بين التقدم والمسؤولية، دون أن تفقد طابعها التجريبي. الذكاء الاصطناعي في العلوم الذكاء الاصطناعي في العلوم الطبيعية يمثل تحولاً ابستيمولوجياً عميقاً، يعيد تشكيل كيفية إنتاج المعرفة العلمية وكيفية مواجهة الإنسان لتعقيد الطبيعة. في سياق العلوم الطبيعية – الفيزياء، الكيمياء، علم الأحياء، علم الفلك، علوم الأرض – لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح شريكاً في عملية الاكتشاف نفسها، يتجاوز حدود القدرات البشرية التقليدية في التعامل مع الكميات الهائلة من البيانات، في توليد الفرضيات، وفي استكشاف المساحات غير المرئية أو غير القابلة للقياس المباشر. من الناحية الابستيمولوجية، يبرز الذكاء الاصطناعي كآلية جديدة لتوليد المعرفة، تختلف جذرياً عن المنهج التجريبي الكلاسيكي الذي يعتمد على الملاحظة المباشرة والتجربة المتكررة. في الفيزياء، على سبيل المثال، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع المحاكيات المعقدة جداً، مثل تلك المتعلقة بالاندماج النووي أو ديناميكيات الجسيمات عالية الطاقة، حيث يقوم ببناء نماذج بديلة تقلل من الوقت الحسابي من أشهر إلى ساعات، مما يتيح استكشاف فضاءات معاملات أوسع بكثير. هذا التحول يثير تساؤلاً أساسياً: هل المعرفة الناتجة عن هذه النماذج "مفسرة" بالمعنى التقليدي، أم أنها تعتمد على الارتباطات الإحصائية العميقة التي قد تكون غير قابلة للتفسير البشري المباشر؟ نماذج مثل الشبكات العصبية المستنيرة فيزيائياً تحاول التوفيق بين هذا التوتر، إذ تدمج القوانين الفيزيائية المعروفة داخل الهيكل الرياضي للنموذج، مما يعزز من قابلية التفسير والتعميم خارج نطاق البيانات التدريبية. في الكيمياء وعلم الأحياء، يظهر الذكاء الاصطناعي كقوة ثورية أكثر وضوحاً. الإنجازات مثل التنبؤ بدقة بتركيب البروتينات (كما في نماذج ألفافولد وما تلاها) غيرت قواعد اللعبة في علم البيولوجيا الهيكلي، حيث أصبح من الممكن التنبؤ بتراكيب ملايين البروتينات في أسابيع بدلاً من عقود من العمل التجريبي. هذا لم يكن مجرد تسريع، بل فتح أبواباً لفهم تفاعلات الجزيئات المعقدة، تصميم أدوية جديدة، وهندسة بروتينات اصطناعية. ابستيمولوجياً، يتحول الاكتشاف من عملية تدريجية تعتمد على التجربة والخطأ إلى عملية توليدية، حيث يقترح الذكاء الاصطناعي تصاميم جديدة بناءً على أنماط مستخلصة من بيانات هائلة، ثم يعود العالم للتحقق التجريبي. هذا الدور "التوليدي" يشبه إلى حد ما دور الخيال العلمي في التاريخ، لكنه مدعوم بقوة حوسبية تجعله أكثر كفاءة وشمولاً. أما في علم الفلك وعلم الأرض، فيبرز الذكاء الاصطناعي في التعامل مع البيانات الكبيرة جداً الناتجة عن التلسكوبات والأقمار الصناعية. يمكنه اكتشاف الأحداث الكونية النادرة باستخدام عدد قليل من الأمثلة فقط، أو تصنيف المجرات والكواكب الخارجية، أو حتى محاكاة تطور الكون لفهم المادة المظلمة والطاقة المظلمة. هنا، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لاستكشاف "اللامرئي"، حيث يستخرج أنماطاً من إشارات ضعيفة جداً أو بيانات غير مباشرة، مما يوسع حدود الملاحظة البشرية.ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من تحديات ابستيمولوجية جوهرية. دراسات حديثة تشير إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يزيد من إنتاجية الباحثين الفرديين بشكل كبير – زيادة في عدد الأوراق العلمية وعدد الاستشهادات – لكنه يؤدي في الوقت نفسه إلى تضييق النطاق الجماعي للعلم، حيث يميل الباحثون نحو المجالات الغنية بالبيانات الجاهزة، مما يقلل من التنوع الموضوعي ومن التفاعل بين التخصصات. هذا يخلق تناقضاً: توسع في القدرة الفردية مقابل انكماش في التنوع الجماعي للمعرفة. كما يثير استخدام النماذج السوداء تساؤلات حول مدى "الفهم" الحقيقي مقابل "التنبؤ" الدقيق؛ هل نحن نكتسب معرفة علمية أم مجرد تنبؤات فعالة؟ في الطب الذكاء الاصطناعي في الطب يمثل تحولاً ابستيمولوجياً جذرياً، يعيد صياغة كيفية إنتاج المعرفة الطبية وكيفية مواجهة الإنسان للأمراض والشيخوخة والموت نفسه. في سياق العلوم الطبيعية، يتجاوز الذكاء الاصطناعي دوره كأداة مساعدة ليصبح شريكاً في إعادة تعريف التشخيص، العلاج، والوقاية، حيث يلتقي التحليل الجينومي بالذكاء التوليدي، والمحاكاة التنبؤية بالتدخل السريري المباشر. هذا التحول ليس تقنياً فحسب، بل يمس جوهر المعرفة الطبية: من الملاحظة السريرية التقليدية إلى التنبؤ الاحتمالي المدعوم ببيانات هائلة، ومن العلاج العام إلى الطب الدقيق المخصص جينياً وفردياً.في التشخيص، يبرز الذكاء الاصطناعي كقوة ثورية في قراءة الإشارات الطبية بسرعة ودقة تفوق القدرة البشرية في كثير من الحالات. نماذج التعلم العميق تحلل الصور الشعاعية، مثل الأشعة السينية والرنين المغناطيسي، لكشف الأورام المبكرة في الثدي أو الرئة أو الدماغ، وقد أظهرت دراسات حديثة دقة تصل إلى 94% في اكتشاف سرطان الثدي مقارنة بـ88% للطرق التقليدية. ابستيمولوجياً، هذا يعني انتقالاً من الملاحظة الذاتية المحدودة إلى معرفة مدعومة بإحصاءات واسعة النطاق، حيث يصبح الخطأ البشري (مثل تفويت آفات صغيرة أو غامضة) أقل احتمالاً، لكن يظل السؤال: هل "الفهم" الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي حقيقي، أم مجرد تنبؤ إحصائي عالي الدقة؟ نماذج مثل تلك المستخدمة في الكشف عن آفات الصرع المخفية في التصوير بالرنين المغناطيسي تكشف عن قدرة على رؤية ما لا يراه الإنسان، مما يوسع حدود الإدراك الطبي لكنه يثير تحديات في التفسير والثقة. أما في العلاج، فيتجلى الذكاء الاصطناعي كمحرك للطب الدقيق، خاصة عبر دمجه مع الجينوميات. نماذج مثل ألفافولد وما تلاها غيرت فهم طي البروتينات، مما يسرع تصميم الأدوية المستهدفة لأمراض مثل الزهايمر أو السرطان. في عام 2025 وما بعده، شهدنا تقدماً في استخدام الذكاء الاصطناعي كـ"مساعد" لتقنية كريسبر، حيث يحسن من دقة تحرير الجينات ويقلل المخاطر، مما يفتح الباب لعلاجات جينية أسرع وأكثر أماناً لأمراض وراثية معقدة. ابستيمولوجياً، هذا يمثل نقلة من العلاج التجريبي إلى العلاج التوليدي: الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل الجينوم، بل يقترح تعديلات جينية محتملة، ثم يتنبأ بتأثيرها على المسار المرضي. أدوات مثل كريسبر-جي بي تي أو نماذج ف2 ب(من المتغير الجيني إلى النمط الظاهري) تحول الطفرات الجينية النادرة من لغز إلى تنبؤ قابل للقياس، مما يعيد صياغة مفهوم "السببية" في الطب: لم يعد المرض حدثاً عشوائياً، بل نتيجة تفاعلات يمكن محاكاتها وتعديلها. في الطب التنبؤي والوقائي، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لإعادة تعريف الشيخوخة والمرض. أجهزة مراقبة اللعاب الدقيقة المزروعة في الفم، مدعومة بخوارزميات، تقيس "معدل الشيخوخة البيولوجية" لحظياً، مما يتيح تدخلات وقائية قبل ظهور الأعراض. نماذج أخرى تتنبأ بأكثر من ألف مرض من خلال تحليل متعدد الوسائط (جينوم، صور، سجلات سريرية)، مما يحول الطب من رد فعل على المرض إلى توقع له. هذا يثير تساؤلات ابستيمولوجية عميقة: هل المعرفة التنبؤية تمنح السيطرة على المستقبل، أم أنها تخلق وهماً باليقين في عالم احتمالي؟ كما أن انتشار "الوكلاء الذكيين" في 2026 يعني أنظمة قادرة على التخطيط والتنفيذ الذاتي لمسارات رعاية كاملة، من الفرز إلى المتابعة، مما يقلل العبء عن الأطباء ويحول الرعاية إلى عملية هجينة بشرية-آلية. مع ذلك، لا يخلو هذا التطور من توترات ابستيمولوجية جوهرية. نماذج "الصندوق الأسود" تثير تساؤلات حول التفسير: كيف نثق بقرار لا نفهم آليته تماماً؟ دراسات 2026 تؤكد أن الأخطاء الطبية للذكاء الاصطناعي قد تكون كارثية إذا لم تُدمج معايير السلامة السريرية الصارمة، كما في تقارير "أولاً لا تُلحق ضرراً". كذلك، يزيد الاعتماد على البيانات من مخاطر التحيزات، خاصة في السياقات ذات التمثيل الضعيف لفئات معينة. التنظيم يتأخر عن التقدم التقني، مما يجعل المسؤولية موزعة بين المطورين والأطباء والمؤسسات. خاتمة يتضح من خلال هذه المقاربة الابستيمولوجية أن العلوم الطبيعية بين غزو الفضاء وتكميم الذرة والتحكم في الجينات تشكل نسيجاً مترابطاً يعيد صياغة فهمنا للمعرفة كعملية ديناميكية ومتعددة الأبعاد. إنها ليست مجرد اكتشافات، بل تحولات في طريقة تفاعل الإنسان مع الطبيعة، حيث يتحول الشك إلى أداة للتقدم، والتدخل إلى مصدر للمعرفة. هذا التدفق المستمر بين المستويات الكونية والذرية والحيوية يؤكد أن العلم ليس نهاية، بل بداية لاستكشاف لا حدود له، مما يدعونا إلى تأمل مستمر في طبيعة ما نعرفه وما لا نعرفه بعد. في النهاية، يمثل الذكاء الاصطناعي في العلوم الطبيعية مرحلة جديدة من التطور الابستيمولوجي، حيث يتحول العلم من عملية بشرية محضة إلى عملية هجينة بين الإنسان والآلة. هذا التحالف يعد بتسريع الاكتشافات في مجالات غزو الفضاء (من خلال تحليل بيانات الكواكب الخارجية)، تكميم الذرة (عبر محاكيات كمية متقدمة)، والتحكم في الجينات (بتصميم جينومات وعلاجات شخصية). لكنه يدعونا أيضاً إلى تأمل نقدي مستمر في طبيعة المعرفة التي ننتجها: هل هي معرفة عميقة أم معرفة فعالة؟ هل توسع آفاق الفهم أم توجهنا نحو مسارات محددة مسبقاً بالبيانات المتاحة؟ الإجابة تكمن في توازن دقيق بين الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كأداة قوية وبين الحفاظ على القدرة البشرية على التساؤل والتفسير والابتكار خارج إطار ما هو متاح إحصائياً. في الختام، يمثل الذكاء الاصطناعي في الطب مرحلة جديدة من التطور الابستيمولوجي، حيث يتحول الطب من فن بشري إلى علم هجين يجمع بين القدرة الحسابية الهائلة والحكمة السريرية. هذا التحالف يعد بتسريع الاكتشافات في التشخيص المبكر، العلاج الجيني الدقيق، والرعاية التنبؤية، لكنه يدعونا إلى تأمل نقدي مستمر: هل توسع حدود المعرفة الطبية أم توجهها نحو مسارات محددة بالبيانات والخوارزميات؟ الإجابة تكمن في توازن دقيق بين الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كقوة ثورية وبين الحفاظ على اللمسة الإنسانية التي تجعل الطب ليس مجرد علاج للجسد، بل رعاية للإنسان بكامله. كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التمييز المفهومي والسياقي بين الاستيلاب والاغتراب
-
فلسفة محمد إقبال في الحقبة المعاصرة كنظرية مابعد كولونيالية
-
المعرفة والواقع والمعيار في الفلسفة التحليلية المعاصرة
-
دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر ،مقاربة فينومينولوجية
-
التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، م
...
-
أسباب التغيّرات المناخية الشديدة والتأثيرات البيئية الكارثية
...
-
مراجعة كتاب الربيع الصامت لريتشل كارسون
-
الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور
...
-
إرنستو تشي جيفارا بين الممارسة الثورية الأممية ورفضه للقيم ا
...
-
مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات
-
اليقظة الحضارية واعادة اكتشاف المنظومة المعرفية المتكاملة، م
...
-
حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات في ثورة ال
...
-
الاستعمار الثقافي من جهة مفهومه، آلياته، وتأثيراته
-
الأسباب الواقعية والمسؤولية التاريخية لفلسفة الفعل ومطلب الت
...
-
استعصاء انتقال عداد الساعة الحضارية في المجتمعات ما قبل الحد
...
-
لقاء تقييمي استشرافي بمناسبة قدوم السنة الميلادية الجديدة 20
...
-
الموضة تصور ثقافي ورمزي ضمن فلسفة فنية تطبيقية، مقاربة نقدية
-
مغامرة تحصيل السعادة الفردية والمجتمعية من خلال العلوم المعر
...
-
هاربات ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتما
...
-
مقاربة تعقدية عند ادغار موران بين الكائن الثقافي بالطبيعة وا
...
المزيد.....
-
أول اجتماع رسمي بين رئيسة فنزويلا المؤقتة والمبعوثة الأمريكي
...
-
بعد نكتة عن إبستين.. ترامب يتجنب سؤالًا حول تهديده بمقاضاة ت
...
-
شاهد.. غارات إسرائيلية مميتة تتواصل على غزة رغم وقف إطلاق ال
...
-
متذوقو الشاي المحترفون.. تجربة 300 نوع يوميا لضمان الجودة في
...
-
هل سمعت عن أسلوب -تخزين النوم- ونتائجه من قبل؟
-
مراهق -خارق- سبح لساعات في عرض البحر لإنقاذ عائلته
-
واشنطن وطهران تعودان للتفاوض حول النووي الجمعة وسط حشد عسكري
...
-
الهند توقف شراء النفط الروسي بعد اتفاق تجاري جديد مع ترامب
...
-
هجوم صاروخي روسي على كييف وترمب يتحدث عن أخبار سارة
-
المبعوثة الأمريكية تناقش مع رودريغيز المرحلة الانتقالية بفنز
...
المزيد.....
-
عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو
...
/ بندر نوري
-
الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج
/ توفيق أبو شومر
-
كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
كأس من عصير الأيام الجزء الثاني
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|