أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير خطيب - من ركام بابل إلى حصن طهران: من اللحظة الأحادية الى عصر عالم متعدد الأقطاب















المزيد.....

من ركام بابل إلى حصن طهران: من اللحظة الأحادية الى عصر عالم متعدد الأقطاب


سمير خطيب

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 02:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة: نهاية "اللحظة الأحادية" وبداية عصر التصدع

لم يكن ربيع عام 2003، حين سقطت بغداد تحت مجنزرات الاحتلال، مجرد حدث عسكري عابر، بل كان يمثل الذروة التاريخية لما أسماه الباحث السياسي الأمريكي "تشارلز كراوث" بـ "اللحظة الأحادية" (The Unipolar Moment). آنذاك، اعتقدت واشنطن أنها رسمت خريطة "الشرق الأوسط الجديد" ، وأن التاريخ قد توقف عند حدود إرادتها الإمبراطورية التوسعية، مدفوعة بوهم القدرة على هندسة المجتمعات بالقوة النارية الساحقة. كلفت تلك المغامرة الخزانة الأمريكية ملياردات الدولارات، (التي استردتها من النفط العراقي لاحقا) ودفعت بالمنطقة إلى دوامة من الفوضى استمرت حتى يومنا هذا.

لكن، وبعد عقدين من الزمان، عادت لتعيد الكرة، ولكن ربما لا تدرك الولايات المتحدة أن ما نجح بالأمس في بغداد بات مستحيلاً اليوم في طهران. لم يعد العالم ذلك النظام الأحادي الذي ينصاع للأوامر الأمريكية دون نقاش، ولم تعد المنطقة ذلك المسرح الذي تتحكم فيه واشنطن وحدها بالتمثيل والسيناريو. إننا نعيش لحظة تحول مادي وتاريخي؛ حيث تبددت أسطورة "الغزو السريع"، وظهرت قوى جديدة لا تقبل بالوصاية الأمريكية، وتمتلك أدوات ردع تجعل كلفة العدوان عليها باهظة لدرجة الاستحالة.

إن ما يحدث في الميدان الآن ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو "مختبر استراتيجي" كشف عن تصدعات عميقة في بنية القوة المركزية. لم تعد إيران هي العراق المنهك بالحصار، ولم تعد الدولة المستهدفة هي تلك الدولة المفككة داخليًا. إيران، التي راقبت سقوط بغداد بعين ثاقبة، حولت دروس الماضي إلى "عقيدة بقاء" صلبة، والحرب المستعرة الآن أثبتت انه يمكن مقاومة الغطرسة الامريكية.

فهل تكرس هذه المواجهة نهاية "الحقبة الأمريكية" في منطقتنا؟ وهل نكون أمام انتقال حتمي من الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر تعددية وتعقيداً؟ لفهم هذا التحول الجذري، يجب تشريح أركان القوة الأمريكية ومقارنتها بالواقع الراهن عبر المحاور الاستراتيجية التالية، مستندين إلى معطيات منشورة بالصحافة وتحليلها جيوسياسيا.


أولاً: معادلة القوة العسكرية والعمق الاستراتيجي

في حرب العراق عام 2003، اعتمدت الولايات المتحدة على نموذج الحرب السريعة الحاسمة، المعروفة عقائديًا بـ "الصدمة والرعب"، حيث حشدت قوة قوامها نحو ثلاثمئة ألف جندي، مدعومة بتفوق جوي مطلق، في بيئة جغرافية مفتوحة (سهول العراق) ودولة ذات عمق استراتيجي محدود. كان ذلك أكبر انتشار عسكري أمريكي منذ حرب فيتنام، وتم حشد هذا الجيش خلال أشهر طويلة في قواعد الكويت والخليج، وسط غياب لأي ردع فعلي يهدد القوات الغازية الامريكية في عمقها الاستراتيجي.

أما مع إيران، فإن المعادلة تختلف جذريًا، وتشير التقديرات العسكرية للمحللين العسكريين، بما في ذلك دراسات صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية مثل "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، إلى أن أي محاولة لاجتياح بري لإيران تتطلب حشدًا عسكريًا يتجاوز المليون جندي للسيطرة الفعلية على البلاد. وهذا الرقم ليس مبالغًا فيه، بل يعكس حقائق صعبة ومكلفة:

1. الجغرافيا كحليف دفاعي: إيران دولة شاسعة المساحة (أكثر من 1.6 مليون كيلومتر مربع)، أي ضعف مساحة العراق تقريبًا، ذات طبيعة جبلية وعرة (سلسلة جبال زاغروس والألبرز)، تجعل العمليات البرية التقليدية عملية معقدة ومكلفة للغاية، وتوفر ممرات طبيعية للدفاع والكمائن.
2. التكلفة البشرية واللوجستية: حشد مليون جندي يتطلب بنية تحتية لوجستية هائلة، وقدرة على الإمداد في بيئة معادية، وهو أمر يتجاوز القدرات الأمريكية الحالية في ظل التزاماتها العالمية في المحيطين الهادئ والأطلسي. كما أن الخسائر المتوقعة في صفوف القوات الغازية ستكون غير مقبولة سياسيًا داخل الشارع الأمريكي.
3. الردع الصاروخي وغير المتكافئ: تمتلك إيران ترسانة صاروخية واسعة يقدر عددها بأكثر من 3000 صاروخ باليستي وتكتيكي، بعضها يحمل رؤوسًا دقيقة الوصول، وقدرة على استهداف المصالح الأمريكية والإقليمية في كل مكان، بما في ذلك القواعد العسكرية في الخليج والبحر الأحمر. هذا يرفع كلفة أي حرب إلى مستويات غير مقبولة، حيث يمكن لإيران إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للطاقة العالمية, وبدانا نرى ارتفاع برميل النفط خلال أسبوع من 75 الى 110 دولارات , ويعتقد الخبراء بالاقتصاد انه قد يصل الى 250دولار .

هذا الرقم (مليون جندي) يدرك المخططون العسكريون في البنتاغون أنه غير قابل للتحقيق سياسياً أو لوجستياً في الظروف الحالية، مما يحول دون تكرار سيناريو العراق، ويجبر واشنطن على الاعتماد على خيارات محدودة ذات تأثير استراتيجي أقل.


ثانياً: درس العراق.. كيف تعلمت إيران من تجربة الآخرين

من أهم الفروق بين الحالتين هو أن إيران راقبت تجربة العراق عن كثب، واستخلصت منها دروسًا استراتيجية طبقتها على واقعها، مما جعلها حالة مختلفة تماماً عن بغداد 2003. لم تكن طهران متفرجة، بل كانت طالبًا مجتهدًا في مدرسة الحرب الأمريكية، وحولت الإخفاقات العراقية إلى نجاحات إيرانية:

أ‌- تجنب المواجهة المباشرة المبكرة: أدركت طهران أن الجيش العراقي سقط لأنه خاض حربًا تقليدية في العراء ضد قوة متفوقة تقنيًا. لذا، بنت إيران عقيدتها العسكرية على الحرب غير المتماثلة، والاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيرة، وشبكات المقاومة الإقليمية. وقد صرح قاسم سليماني في إحدى خطاباته بأن: "استراتيجيتنا هي جعل ساحة المعركة خارج حدودنا، وإرهاق العدو في عمقه الاستراتيجي".
ب‌- بناء الاقتصاد المقاوم: تعلمت إيران من أثر الحصار على العراق، فعملت على تنويع شركائها الاقتصاديين، وتطوير صناعة محلية، وبناء احتياطيات استراتيجية تخفف من وقع العقوبات. وقد أطلق المرشد الإيراني علي خامنئي الذي تم اغتياله في اليوم الأول للحرب، مصطلح "الاقتصاد المقاوم" كمشروع وطني لتحييد تأثير الضغوط الخارجية.
ت‌- تعميق النفوذ الإقليمي: بدلاً من الانعزال، بنت إيران شبكة من العلاقات والتحالفات مع فاعلين إقليميين (محور المقاومة)، جعلت من أي حرب ضدها حرباً على جبهات متعددة تمتد من لبنان إلى اليمن مرورًا بالعراق وسوريا. هذا التشتيت للقوى المعادية يضمن عدم تركيز النار على الجبهة الإيرانية الوحيدة.

إيران لم تكن متفرجة على ما حدث في بغداد، بل حولت تلك التجربة إلى منهج للبقاء والمواجهة، مما يجعلها دولة واجهت العقوبات وتكيفت معها، بعكس العراق الذي كان منهكاً ومعزولاً، مما يمنحها مرونة عالية في امتصاص الصدمات.


ثالثاً: حرب السنة الفائتة والحرب الحالية.. مختبر لكشف نقاط الضعف

شكلت الحروب والمواجهات التي دارت في المنطقة مؤخراً، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، مختبراً استراتيجياً مهماً لإيران، سمح لها برصد وتقييم نقاط ضعف الخصم قبل أي مواجهة محتملة. الأحداث التي شهدها العام الماضي، وخاصة التبادل المباشر للنيران في 2025، كانت نقطة تحول في المعادلة:

1. كشف محدودية القدرات الإسرائيلية: أظهرت الحرب أن التفوق التقني الإسرائيلي لا يضمن نصرًا استراتيجيًا سريعًا، وأن الحروب غير التقليدية تستطيع استنزاف جيش متقدم وتعرية جبهته الداخلية. تكلفة اعتراض صاروخ أو مسيرة بسيطة بواسطة منظومات متطورة مثل "الحديدية" أو "السهم" تخلق فجوة اقتصادية هائلة تصب لصالح طرف المقاومة.
2. تردد الحليف الأمريكي: رصدت إيران التردد الأمريكي في التورط المباشر، وحسابات واشنطن الداخلية التي تجعلها حريصة على تجنب حروب جديدة مكلفة قد تطيح بما تبقى من استقرار اقتصادي، خاصة في سنة انتخابية. الولايات المتحدة باتت تفضل "إدارة الأزمات" على "حسم المعارك".
3. فعالية أساليب المقاومة: أثبتت العمليات غير التقليدية، واستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة، قدرتها على إحداث تأثير استراتيجي يتجاوز حجم الجهة المنفذة، وهو ما تراه إيران ركيزة في أي صدام مستقبلي. القدرة على إغلاق مضيق هرمز أو استهداف منصات النفط تبقى أوراق ضغط كبرى.

هذه المعطيات منحت طهران ثقة أكبر في قدرتها على المواجهة، ووضعت خصومها في موقف دفاعي يحسبون فيه ألف حساب قبل أي تصعيد، وأثبتت أن "ردع الخوف" لم يعد فعالاً كما كان في الماضي.

رابعاً: الديناميكيات الداخلية والتماسك الاجتماعي

تلعب الجبهة الداخلية دورًا حاسمًا في نتائج الحروب الطويلة، والصورة تختلف جذرياً بين الحالتين، حيث يعتبر العامل البشري والاجتماعي أحد أهم عناصر القوة الوطنية:

في العراق 2003: ساهم الانقسام الداخلي والسخط الشعبي على النظام، بالإضافة إلى سنوات الحصار الطويلة التي أضعفت ثقة الناس بالدولة، في تسهيل المهمة للقوات الغازية في مراحلها الأولى. كان المجتمع العراقي ممزقًا طائفيًا وسياسيًا، مما سهل عملية "فرق تسد".
في إيران: رغم وجود تحديات داخلية وأزمات اقتصادية، فإن التاريخ يشير إلى أن التهديد الخارجي غالباً ما يعزز التماسك الوطني. الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات قدمت نموذجاً لكيفية تحويل الحرب إلى رافعة لتوحيد الصفوف، حيث استمرت المقاومة ثماني سنوات رغم الفارق الهائل في الدعم الدولي لصالح العراق آنذاك. عدد سكان إيران يتجاوز 85 مليون نسمة، مقارنة بـ 25 مليونًا في العراق وقت الغزو، مما يوفر عمقًا بشريًا أكبر للتعبئة.

أي حرب شاملة ضد إيران قد تنتج أثراً عكسياً، حيث توحد الصفوف الداخلية ضد العدو المشترك، مما يطيل أمد الصراع ويرفع كلفته السياسية والعسكرية. النظام الإيراني أثبت قدرته على البقاء عبر أزمات متعددة، مما يجعل إسقاطه من الخارج مهمة شبه مستحيلة دون تفكك داخلي مسبق، وهو أمر غير ممكن حالياً، فقد بنت الولايات المتحدة وإسرائيل على سقوط النظام بعد استهداف المرشد ولكنه لم يسقط وبنوا على خطة ب خروج الناس للشوارع وما حدث هو العكس، لقد خرج الناس للتنديد بالعدوان وليس ضد النظام. وفشلت الخطة ج التي كانت تعتمد على عدم قدرة الإيرانيين انتخاب مرشد جديد بسبب الحرب وبسبب تعقيدات الدستور الإيراني ودور المؤسسة العسكرية التي تدعي الولايات المتحدة انها قضت على كل قيادتها، وها قد تم انتخاب مرشد جديد بأغلبية وقد أعلنت كل المؤسسات العسكرية والمدنية والحوزات الدينية ولاؤها له.



خامساً: أزمة التحالفات والشرعية الدولية

يشهد المشهد الدولي تحولاً من "الهيمنة بالموافقة" إلى "العزلة الاستراتيجية"، وهو ما يظهر جلياً في مقارنة التحالفات، حيث لم تعد الولايات المتحدة تملك القدرة على حشد العالم خلف أجندتها:

2003 (تحالف الراغبين): نجحت واشنطن في تشكيل تحالف عسكري شارك فيه حلفاء تقليديون (بريطانيا، أستراليا، بولندا وآخرون)، وحظيت بتسهيلات ودعم لوجستي من دول إقليمية عديدة ومنها غالبية الدول العربية. شارك في هذا التحالف نحو 49 دولة بشكل أو بآخر، مما أعطى الحرب غطاءً دوليًا زائفًا.
الراهن: تواجه واشنطن صعوبة بالغة في تشكيل تحالف مماثل ضد إيران. الحلفاء الأوروبيون يدركون التبعات الاقتصادية وأمن الطاقة، والدول الإقليمية ترفض أن تكون ساحة معركة. العديد من الدول الأوروبية والآسيوية تعلن حيادها صراحة، خوفاً من الانقطاع في إمدادات الطاقة، ولكن الحقيقة ان هذه الدول لم تعد تنطلي عليها خدع الولايات المتحدة حول شرعية الحرب، والأدق لم تعد تخاف من الولايات المتحدة بعد صمود روسيا وايران لسنوات من العقوبات الامريكية .

عدم قدرة الولايات المتحدة على تشكيل تحالف واسع لم يعد دليل قوة، بل دليل ضعف في قدرتها على قيادة النظام الدولي. وكما عبّر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: "القوة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على شن الحرب، بل بقدرتها على جعل الآخرين يشاركون فيها". اليوم، ترفض الدول تحمل هذه التكاليف، مما يعكس تآكل "القوة الناعمة والخشنة" الأمريكية.

سادساً: المتغير الجيوسياسي: روسيا والصين

في 2003، كان معسكر المعارضة يفتقر للأدوات لكبح الجموح الأمريكي، وكانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة بلا منازع. أما اليوم، فإن الوضع مختلف تماماً، وقد تغيرت خريطة التحالفات العالمية بشكل جذري:

1. الشراكة الاستراتيجية: إيران جزء من شبكة تحالفات دولية (مثل بريكس ومنظمة شنغهاي) توفر لها غطاءً دبلوماسياً واقتصادياً. انضمام إيران إلى هذه المنظمات كعضو دائم يمنحها حماية سياسية في المحافل الدولية.
2. المصالح الحيوية: تعتبر روسيا والصين أن استقرار إيران جزء من أمنهما القومي، خاصة فيما يتعلق بممرات الطاقة ومشروع الحزام والطريق. الصين هي الشريك التجاري الأول لإيران، وتستهلك نسبة كبيرة من صادراتها النفطية، مما يجعلها حريصة على عدم انهيار النظام في طهران.
3. الفيتو الضمني: وجود موسكو وبكين يجعل أي تفويض دولي للحرب مستحيلاً، ويوفر لإيران منافذ اقتصادية تخفف من وطأة العقوبات. التعاون العسكري والتقني بين إيران وروسيا شهد قفزة نوعية خلال العامين الماضيين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لخص هذا الموقف بقوله: "محاولات فرض نماذج سياسية بالقوة من الخارج تقود دائماً إلى الفوضى"، في إشارة إلى دروس العراق التي تستخدمها القوى الكبرى كأدوات في موازنة النفوذ الأمريكي. هذا الدعم يضمن لإيران عدم العزلة الدولية التي عانى منها العراق سابقًا.


سابعاً: الإجهاد المالي والقيود الاقتصادية

القدرة على خوض الحروب ترتبط عضوياً بالقدرة المالية للدولة، وهنا تكمن واحدة من أخطر الفجوات بين الماضي والحاضر، حيث لم تعد الولايات المتحدة تملك الرفاهية المالية لخوض حروب طويلة:

2003: كان الدين العام الأمريكي يقارب سبعة تريليونات دولار، والاقتصاد في حالة نمو سمحت بتمويل حرب كلفت تريليونات لاحقًا. كان الدولار هو السيد بلا منازع، والعجز المالي لا يثير قلقًا كبيرًا.
الراهن: تجاوز الدين العام ثمانية وثلاثين تريليون دولار، مع تضخم مرتفع واستقطاب سياسي داخلي حاد. وفقًا لدراسة صادرة عن معهد "واتسون" للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون، فإن كلفة حروب ما بعد 11 سبتمبر (العراق وأفغانستان) تجاوزت 8 تريليونات دولار، وهو عبء خانق.

الخبرة التاريخية لحربي العراق وأفغانستان أثبتت أن الولايات المتحدة بارعة في بدء الحروب لكنها تعاني من عجز في إنهائها. المؤرخ العسكري أندرو باسيفيتش يلخص هذه الحقيقة بقوله: "أمريكا أصبحت بارعة في بدء الحروب، لكنها أقل براعة في إنهائها". والاستمرار في المغامرات العسكرية في ظل هذا العبء المالي قد يسرع من التدهور الداخلي، ويهدد مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية.

الخاتمة: نحو نظام دولي جديد

إن المقارنة بين بغداد وطهران، في ظل المعطيات الراهنة، تكشف عن حقيقة جيوسياسية كبرى: العالم لم يعد كما كان في 2003. لم تعد الولايات المتحدة تملك الرفاهية الاستراتيجية لفرض إرادتها بالقوة الغاشمة دون كلفة باهظة.

الحرب على العراق كانت حرباً في زمن الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة، أما المواجهة الدائرة اليوم فهي تجري في عالم يتغير بسرعة. العراق كان دولة منهكة ومعزولة، بينما إيران دولة واجهت العقوبات وتكيفت معها، واستخدمت الحروب الإقليمية الأخيرة لكشف نقاط ضعف خصومها وإثبات فاعلية استراتيجية "تعدد الجبهات".

السؤال الاستراتيجي الأهم اليوم ليس حول "من سينتصر في الحرب"، بل حول: إلى أي حد ستسرع هذه المواجهة في انتقال النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر تعددية وتعقيداً؟

إذا كانت حرب العراق عام 2003 قد مثلت الذروة التاريخية لما سُمّي بـ "اللحظة الأحادية"، فإن المواجهة الجارية اليوم تكشف بوضوح أن تلك اللحظة لم تكن بداية عصر دائم، بل ذروة عابرة في تاريخ القوة الأمريكية. فالعالم الذي دخلت دباباته بغداد كان عالمًا يخضع لقطب واحد، أما العالم الذي يراقب اليوم ما يجري حول طهران فهو عالم يتشكل على إيقاع توازنات جديدة، حيث لم تعد القوة تُفرض من مركز واحد، بل تتوزع بين قوى كبرى تكتب معًا ملامح نظام دولي متعدد الاقطاب.



#سمير_خطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انطباعات وهواجس من مؤتمر الحزب الشيوعي في اسرائيل ال-٢ ...
- الماركسية في زمن الفاشية: هل نملك ترف الانتظار؟
- على كرسيّ الانتظار -- قصة قصيرة
- اشتقت_لك
- العلامة -- قصة قصيرة
- الطبيب_الجائع
- الحكمة والإرادة-- قصة قصيرة
- ما بين الميعاد والميلاد: ماتت العدالة
- لن تقاوموا⁉️
- أنشودة الشوق
- مُسافِرونَ في الحافِلةِ 480
- بين الكود والروح
- قارئة الفنجان
- على شفير الانفجار: هل بدأ العدّ التنازلي للحرب العالمية الثا ...
- في مأدبة الكاميرات‼️
- #رغيف_الخبز_في_غزة
- فلسطين… بوصلة التموضع في العالم المتعدد الأقطاب: هل تستطيع ا ...
- ))العقل بين الحصار والتحرر(( قراءة فلسطينية ماركسية لمشروع د ...
- اليوم الثامن - قصة تأملية فلسفية
- طائِرُ الفِينِيق الأَسِير... نَسْلُ الأَبَدِيَّة


المزيد.....




- مصدر إيراني لـCNN: نعتزم فرض -رسوم أمنية- على ناقلات النفط و ...
- سوريا تندد بإطلاق حزب الله قذائف مدفعية من لبنان باتجاه مواق ...
- فريدمان: قصف إيران وتحويلها إلى أنقاض لن يغير النظام
- -حرب إيران انتهت إلى حد كبير-.. هل تصريح ترامب -المفاجئ- دقي ...
- لماذا تنتقل إيران إلى مرحلة الصواريخ ذات الرؤوس الحربية الثق ...
- -تغيرت المعادلة-.. كيف أثرت حرب إيران على أسعار السيارات في ...
- إتهام شابين بالإرهاب بعد إلقاء عبوات بدائية قرب منزل عمدة ني ...
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني: نحن من سيحدد نهاية الحرب
- خلال محادثة استمرت ساعة.. بوتين يعرض على ترمب مقترحات لوقف س ...
- خلال نحو ساعة.. رسائل متباينة من ترمب حول مستقبل الحرب على إ ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير خطيب - من ركام بابل إلى حصن طهران: من اللحظة الأحادية الى عصر عالم متعدد الأقطاب