أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني














المزيد.....

ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني


عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 18:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم تكن مائدة الإفطار في قلعة أربيل خلال القرن العشرين مجرد طعامٍ يُحضَّر بعد يومٍ طويل من الصيام، بل كانت صورةً حيّة من صور الحياة الاجتماعية التي عاشها أهل القلعة فوق تلّها العتيق. ففي تلك البيوت المتلاصقة، وبين الأزقة الضيقة التي احتضنت أجيالًا متعاقبة، كان شهر رمضان يتحوّل إلى موسمٍ من الألفة والبركة، تتجلّى فيه قيم المشاركة العائلية والتكافل الاجتماعي. وكانت المائدة الرمضانية تعبيرًا صادقًا عن روح البيت الأربِيلي، وعن الجهد الصامت الذي كانت تبذله المرأة داخل المنزل، حيث كانت تصنع من مطبخها البسيط عالمًا من الكرم والصبر والمحبة.
كانت لحظة الإفطار تبدأ بطقسٍ دينيٍّ بسيط يحمل معاني البركة والامتنان. فقد كان التمر حاضرًا دائمًا على مائدة الإفطار، يفطر به الصائم كلَّ يوم لما فيه من الخير والبركة والصحة. وكان الصائم يكتفي بتمرةٍ واحدة أو ثلاث تمرات عند سماع أذان المغرب، اقتداءً بالسنة النبوية. وقبل أن يتناول التمر، كان يقول الدعاء المعروف:
«اللهم لك صمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وعلى رزقك أفطرنا، ولصوم غدٍ نوينا»،
ثم يتبع ذلك بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ:
«ذهب الظمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله».
بعد ذلك يتناول التمر، ثم يبدأ عادةً بشربة العدس الدافئة التي كانت تُعدّ من الأطباق الأساسية في بداية الإفطار، قبل الانتقال إلى بقية الأطعمة التي تزيّن المائدة.
كانت مائدة الإفطار في قلعة أربيل تجمع أطباقًا شعبية متوارثة عُرفت ببساطتها وقيمتها الغذائية، وكانت تُعدّ بعناية لتمنح الصائم القوة بعد يومٍ طويل من الصيام والعمل. ومن أبرز هذه الأكلات كبة الأرز المقلية المعروفة بالعروق، وهي خفيفة ومحببة لدى الصائمين، إضافة إلى الدولمة التي كانت تُعدّ بعناية في كثير من البيوت، وشوربة العدس التي تسبق غالبًا بقية الأطباق. كما كان التمن مع المرق حاضرًا بوصفه طبقًا رئيسيًا في المائدة العراقية، إلى جانب كبة البرغل المقلية، وكازم كباب الذي يُعدّ من الأكلات الشعبية المعروفة في أربيل، وكذلك البرياني بنكهته الخاصة التي تجمع بين الأرز والبهارات والخضار، إضافة إلى الكفتة المقلية والطرشي الذي كان يضيف إلى المائدة طعمًا حامضًا يفتح الشهية. وكانت هذه الأطباق تُقدَّم غالبًا في صينية كبيرة تتوسط المائدة، فيجتمع أفراد العائلة حولها في مشهدٍ عائلي دافئ يعكس روح المشاركة والتقارب بين أفراد الأسرة.
أما المشروبات الرمضانية، فقد كان لها حضورٌ خاص يضفي على المائدة نكهة مميزة. ومن أشهر هذه المشروبات شربة الزبيب وشربة الرمان اللتان عُرفتا بطعمهما المنعش وفوائدهما الصحية. وغالبًا ما كانت هذه المشروبات تُشترى من السوق، إذ اشتهرت بعض الدكاكين في أربيل بإعدادها وبيعها قبيل الإفطار. وكان الأطفال أو أحد أفراد العائلة يُرسلون قبل أذان المغرب بدقائق لشرائها، فيعودون بها مسرعين إلى البيت ليكتمل بها مشهد المائدة الرمضانية.
وبعد الإفطار وصلاة المغرب، كانت المائدة تُختتم ببعض الحلويات التي يشتريها الناس من الأسواق، مثل البقلاوة والزبالية، وهي من الحلويات الشعبية المعروفة في أربيل. وكانت هذه الحلويات تُقدَّم أحيانًا مع الشاي بعد صلاة التراويح، أو أثناء زيارات الأقارب والجيران، حيث كانت الزيارات الليلية في رمضان جزءًا من الحياة الاجتماعية الدافئة التي تميز بها المجتمع الأربِيلي.
لكن خلف هذه المائدة العامرة كان يقف جهدٌ كبير، بطلتُه المرأة الأربيلية التي كانت تتحمّل عبء إعداد الطعام في ظروف ليست سهلة. فقد كانت تبدأ عملها منذ ساعات الصباح الأولى، تنظف الخضار، وتعدّ العجين، وتحضّر الحشوات، وتُشعل النار تحت القدور. ولم تكن أدوات المطبخ متطورة كما هي اليوم، كما لم تكن الأجهزة الكهربائية موجودة، ومع ذلك كانت المرأة تُنجز كل هذه الأعمال بصبرٍ ومحبة، لأنها كانت ترى في إعداد الطعام خدمةً لأهل بيتها وعبادةً في شهرٍ مبارك.
كانت الأم الأربيلية تصوم مثل بقية أفراد العائلة، لكنها تقضي ساعاتٍ طويلة في المطبخ، تقف أمام النار وتتحمل التعب، ثم تجلس إلى المائدة في نهاية الأمر بعد أن تطمئن إلى أن الجميع قد أفطروا. وكان يكفيها أن ترى الفرح في وجوه أطفالها وزوجها لتشعر بالرضا، وكأنها صنعت بيديها لحظة سعادةٍ عائلية تتكرر كل مساء من أمسيات رمضان.
وهكذا لم يكن سرّ تلك المائدة في كثرة الطعام، بل في البركة التي صنعتها يد المرأة الأربيلية. فقد كانت تُدير البيت بحكمة، وتوازن بين الإمكانات المحدودة وكرم الضيافة الذي عُرف به أهل أربيل. ولهذا بقيت صورة المرأة الأربيلية في ذاكرة رمضان رمزًا للصبر والعطاء؛ امرأةٌ كانت تصنع الطعام بيدها، لكنها في الحقيقة كانت تصنع دفء العائلة وروح الشهر الكريم.
وهكذا كانت مائدة الإفطار في قلعة أربيل خلال القرن العشرين صفحةً من صفحات الحياة الاجتماعية الجميلة، تختلط فيها رائحة الطعام بصوت الأذان، وتلتقي فيها الأسرة حول صينيةٍ واحدة. وإذا كان الناس يتذكرون طعم الكبة والدولمة وشوربة العدس، فإن الذاكرة العميقة لرمضان في أربيل تتذكر قبل ذلك تعب المرأة الأربيلية وصبرها؛ فهي التي كانت تقف خلف تلك المائدة بصمتٍ ومحبة، لتجعل من كل يومٍ من أيام رمضان عيدًا صغيرًا داخل البيت.
تحية تقدير لكل أم أربيلية،
صنعت بيديها مائدة رمضان،
وصنعت بصبرها ذاكرة مدينة.



#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بواباتُ قلعةِ أربيل: تحوّلاتُ الوظيفة والدلالة من التحصين إل ...
- سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إ ...
- الدولة الكوردية: من حلمٍ تاريخي إلى استحقاقٍ مؤجَّل قراءة نق ...
- قلعة أربيل: تلّ الحضارات السبع (تلّ المدن السبع)
- زيارة الخبير بيير لوبوتو إلى قلعة أربيل (1971) رؤية فرنسية م ...
- لا نزعَ للسلاح في دولةٍ بلا دولة ، الحشد الشعبي كدولة داخل ا ...
- عادل سليم… شهيدُ الفكر والعقيدة وضميرُ الحرية الحيّ
- الماء واستمرارية الحياة في قلعة أربيل قراءة تاريخية–عمرانية ...
- القلعة والجبل: أخلاقيات النضال وسيرة جيلٍ لم يُساوم شباب قلع ...
- منظومة سنحاريب المائية في وادي باستورة: قراءة تاريخية وأثرية
- عشتار أربيل: القلب الروحي لتاريخ المدينة الديني
- تعدّد الأحزاب التركمانية في أربيل: تعددية سياسية أم تشتت يقو ...
- الجبهة التركمانية في أربيل: من ذروة القوة إلى نكسة نوفمبر قر ...
- انتخابات بلا وعي… ووطن يكرر جراحه
- المرشح والناخب بين الوهم والحقيقة: مسرحية انتخابية متكررة
- قلعة أربيل بين الأيادي الأصيلة والأيادي الحزبية
- إشكالية تشكيل الحكومة في إقليم كردستان: قراءة تحليلية في أسب ...
- العراق على أعتاب انتخابات نوفمبر 2025: 22 سنة من الخراب والف ...
- مشروع أكاديمي مقترح بيت المؤتمرات العلمية في قلعة أربيل
- الاستفتاء الكردي: استحقاق مؤجَّل لا حلم عابر


المزيد.....




- لحظة عبور مراسل CNN وفريقه إلى إيران وسط غارات أمريكية?إسرائ ...
- ألمانية مولودة بالتبرع بالحيوانات المنوية تبحث عن إخوتها الب ...
- فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا تعتزم إرسال أصول بحرية لحماي ...
- قلوب مثقلة وليالٍ من الرعب.. نازحون يفرون من لبنان إلى سوريا ...
- مراهنات الموت في حرب إيران.. فضيحة أخلاقية وثغرة أمن قومي
- دراما النصف الثاني من رمضان 2026.. محاولة لإنقاذ موسم باهت
- منظمة مؤيدة لإسرائيل تشن حملة لإقصاء -صوت هند رجب- من الأوسك ...
- ديفيد وفيكتوريا بيكهام يهنئان ابنهما بروكلين بعيد ميلاده رغم ...
- تفاصيل إغراق الفرقاطة الإيرانية -دينا- بطوربيد أطلقته غواصة ...
- الإمارات تعلن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران وما ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني