أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إبستين بوصفها فاجعة أخلاقية وحضارية














المزيد.....

سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إبستين بوصفها فاجعة أخلاقية وحضارية


عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 22:48
المحور: حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير
    


لم تكن قضية Jeffrey Epstein مجرّد واقعة جنائية معزولة يمكن احتواؤها في إطار المحاكم والملفات، ولا فضيحة أخلاقية عابرة تُطوى بمرور الزمن، بل شكّلت لحظة انكشاف حضاري عميقة، سقطت فيها الأقنعة التي طالما أخفت التناقض بين الخطاب والممارسة. فقد كشفت هذه القضية عن عالمٍ موازٍ تُدار فيه الجريمة بوصفها جزءًا من بنية القوة، ويتحوّل فيه المال والنفوذ إلى أدوات لتعطيل العدالة، بينما تُزيَّن الواجهة الخارجية بشعارات براقة عن الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن خطورة هذه القضية لا تكمن في الفعل الإجرامي وحده، بل في تحوّله إلى منظومة منظَّمة ومحمية. فنحن لا نتحدّث عن شخص منحرف تصرّف خارج السياق، بل عن شبكة متكاملة: استدراج ممنهج، صمت مُشترى، غطاء قانوني غامض، وإفلات متكرر من المساءلة. لقد استمر هذا السلوك لسنوات طويلة، داخل دول تدّعي حماية القيم العالمية، ما يكشف خللًا بنيويًا في منظومة العدالة حين تصطدم بالمال والسلطة.
وحتى هذا السلوك الفاجع، بهذه الصورة المؤسسية الوقحة، لم يُسجَّل في زمن قوم لوط ولا حتى في عصر الجاهلية. ليس من باب المقارنة الدينية المباشرة، بل من زاوية أخلاقية تاريخية. ففي تلك الأزمنة، على ما فيها من انحرافات، ظلّت الجريمة فعلًا مدانًا، لا نظامًا محميًا. لم تكن تُدار عبر جزر مغلقة ولا بطائرات خاصة، ولم تكن تُشرعن بالقانون أو تُغطّى بالصمت الرسمي. الفارق هنا ليس في طبيعة الخطيئة، بل في تحويلها إلى ممارسة مألوفة داخل بنية السلطة الحديثة.
الأشدّ سقوطًا من الجريمة ذاتها هو ازدواجية الخطاب التي أحاطت بها. فهؤلاء الذين يرفعون رايات الإنسانية، ويتحدّثون عن الرحمة، ويتباكون على حقوق الحيوان، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم أوصياء على الديمقراطية والأخلاق، هم أنفسهم الذين صمتوا حين استُبيحت الطفولة، وحين جرى الاتجار بالبراءة، وحين حُميت الجريمة بدل أن تُواجَه. إنها ازدواجية فاضحة تُفرغ القيم من مضمونها، وتحوّلها إلى أدوات دعائية تُستخدم سياسيًا وتُهمَل أخلاقيًا.
أيّ إنسانية هذه التي تُنقذ الحيوان أمام عدسات الإعلام، وتترك الإنسان يُسحق في الظل؟
وأيّ ديمقراطية تلك التي تحمي الجلّاد أكثر مما تحمي الضحية؟
وأيّ حضارة تُقدّس الشعارات، وتدوس الكرامة الإنسانية حين تصبح عبئًا سياسيًا؟
إن الديمقراطية، حين تفقد بعدها الأخلاقي، تتحوّل من قيمة تحرّرية إلى قناع ناعم لتبرير الصمت وإدارة التواطؤ.
ثم جاءت النهاية الغامضة داخل السجن لتضيف طبقة جديدة من الشك. لم يكن موت إبستين نهاية للقضية، بل بدا وكأنه قتل للحقيقة قبل أن تُقال كاملة. فقد غاب المتّهم، لكن الشبكات لم تُفكَّك، والأسماء الكبرى لم تُحاسَب، والملفات الجوهرية بقيت بعيدة عن الضوء. وهكذا تحوّل الحدث إلى مثال صارخ على مأزق العدالة الحديثة حين تُواجه منظومات النفوذ.
إن الحضارات لا تُقاس بالتقدّم التقني ولا ببلاغة الخطاب السياسي، بل بقدرتها على حماية الأضعف، ومحاسبة الأقوى، وصيانة الكرامة الإنسانية دون انتقائية. وحين تعجز حضارة عن حماية أطفالها، ثم تخرج لتمنح العالم دروسًا في الأخلاق، فإنها تسقط أخلاقيًا قبل أن تسقط سياسيًا، وتفقد حقّها في الوصاية والوعظ.
هذا النص ليس خطاب كراهية ولا دعوة إلى الانتقام، بل موقف أخلاقي نقدي في مواجهة نفاق حضاري منظّم. فحين تتحوّل الجريمة إلى سياسة، والفساد إلى نظام، والصمت إلى شراكة، يصبح الكلام مسؤولية، ويغدو الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ ضد الإنسان.



#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة الكوردية: من حلمٍ تاريخي إلى استحقاقٍ مؤجَّل قراءة نق ...
- قلعة أربيل: تلّ الحضارات السبع (تلّ المدن السبع)
- زيارة الخبير بيير لوبوتو إلى قلعة أربيل (1971) رؤية فرنسية م ...
- لا نزعَ للسلاح في دولةٍ بلا دولة ، الحشد الشعبي كدولة داخل ا ...
- عادل سليم… شهيدُ الفكر والعقيدة وضميرُ الحرية الحيّ
- الماء واستمرارية الحياة في قلعة أربيل قراءة تاريخية–عمرانية ...
- القلعة والجبل: أخلاقيات النضال وسيرة جيلٍ لم يُساوم شباب قلع ...
- منظومة سنحاريب المائية في وادي باستورة: قراءة تاريخية وأثرية
- عشتار أربيل: القلب الروحي لتاريخ المدينة الديني
- تعدّد الأحزاب التركمانية في أربيل: تعددية سياسية أم تشتت يقو ...
- الجبهة التركمانية في أربيل: من ذروة القوة إلى نكسة نوفمبر قر ...
- انتخابات بلا وعي… ووطن يكرر جراحه
- المرشح والناخب بين الوهم والحقيقة: مسرحية انتخابية متكررة
- قلعة أربيل بين الأيادي الأصيلة والأيادي الحزبية
- إشكالية تشكيل الحكومة في إقليم كردستان: قراءة تحليلية في أسب ...
- العراق على أعتاب انتخابات نوفمبر 2025: 22 سنة من الخراب والف ...
- مشروع أكاديمي مقترح بيت المؤتمرات العلمية في قلعة أربيل
- الاستفتاء الكردي: استحقاق مؤجَّل لا حلم عابر
- الماء بين الأمس واليوم: مقارنة بين مشروع سنحاريب المائي ومشر ...
- الإرهاب الأميركي المقنّع بالديمقراطية: تحليل وثائقي وسياسي خ ...


المزيد.....




- المفاوضات بين طهران وواشنطن على حافة الانهيار.. ترامب يهدد خ ...
- -لنا حرية اختيار الخطوة التالية-.. موسكو تعلن أنها لم تعد م ...
- الاتحاد الأوروبي يقر قرضاً بـ90 مليار يورو لأوكرانيا
- القضاء البريطاني يبرئ مجموعة -فيلتون 24- من تهمة السطو
- الرأي العام الأوروبي يطالب بتعليق الشراكة مع إسرائيل
- المرحلة الثانية من الاتفاق.. الاحتلال يسعى لإعادة هندستها من ...
- بانضمام باكستان وإندونيسيا.. هل تؤسس مصر وتركيا والسعودية -ن ...
- المستشار الألماني يصل الرياض في بداية جولة خليجية
- موسكو تعلن انتهاء التزامها بمعاهدة -نيو ستارت- النووية مع وا ...
- العقوبة القصوى.. السجن مدى الحياة لمدان بمحاولة اغتيال ترمب ...


المزيد.....

- حملة دولية للنشر والتعميم :أوقفوا التسوية الجزئية لقضية الاي ... / أحمد سليمان
- ائتلاف السلم والحرية : يستعد لمحاججة النظام الليبي عبر وثيقة ... / أحمد سليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إبستين بوصفها فاجعة أخلاقية وحضارية