أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم















المزيد.....

حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 17:07
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


تسارع إيران إلى استهداف بلدان الخليج العربي من باب توسيع دائرة المتضررين من الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، بما قد يرفع الضغط على الطرفين المعتديين لوقف حربهما. ثم أنها تفعل ذلك من باب عدم الخشية من العواقب من جهة الأطراف العربية المستهدفة، ومن اللامبالاة بمصائرها، دولاً ومجتمعات. الحكم الإيراني أظهر عدائية وقلة احترام مستمرة حيال أي قوى عربية، وهو ما لا يعود إلى أسباب سياسية ومصلحية عقلانية حصراً. الأمر أقرب إلى مستمر ثقافي قومي، لا يتأثر إلا قليلاً جداً بتغير النظم الحاكمة في طهران.
ومن جهتها، الدول العربية متضررة إذا انتهت الحرب بسرعة بهزيمة إيرانية لأنها ستكون في موقع نسبي أضعف حيال المنتصرين، الإسرائيليين والأميركيين، وغير قادرة على التأثير على سير الأمور في إيران ما بعد حكم الملالي. وبالعكس من شأن قيام نظام موال للحليفين العنيفين المتطرفين أن يكون قوة عدم استقرار في إيران نفسها وفي المنطقة لسنوات طويلة، وسيكون إن استقر قوة ضغط على البلدان العربية أكثر من غيرها. وبالمقابل، إذا تطاول أمد الحرب تعرضت البلدان العربية للقصف الإيراني وتعطلت حياتها الاقتصادية، وتزايدت الضغوط عليها للانخراط في الحرب أو لمساهمة أوسع في تمويلها. ليس هناك خيارات عربية جيدة، وإن لم يكن هذا جديداً. في الجذر أننا نفتقر إلى دول وطنية عقلانية، حساسة حيال مصالح مجتمعاتها ومطالب تماسكها وتحسن مقدراتها وترقيها حضارياً من جهة، وحيال هويتها وتطلعاتها وروابطها المعنوية والتاريخية من جهة ثانية. وهو ما حرم دولنا من أن يكون لها خطاب معقول يمكن الأخذ والعطاء معه من قبل سكانها أولاً، كما من قبل القوى الدولية. القوى المتحكمة بمصير مجتمعاتها، الدول، تبدو بلا أطروحة، أو بلا قضية متماسكة تدافع عنها، حين تعرض أزمة جديدة، وتاريخ منطقتنا منذ قيام إسرائيل شهد أزمة كبيرة كل عشر سنوات، وفيما انقضى من هذا القرن كل ثلاث سنوات أو أربع. بالمقابل هناك أطروحة واضحة ظاهرياً، تنحاز إلى ما يفترض أنها قضية "الأمة"، الوقوف ضد المعتدين الإسرائيليين والأميركيين، ومساندة من يواجهونهم من الإيرانيين وأتباعهم في بلداننا. لكن هذه القضية تمر فوق رؤوس الدول والمجتمعات ذاتها، أو لا تبالي بواقعها وأوضاعها وقدراتها، ولا بدور إيران العدواني والممزِّق في عدد منها. وضوح القضية هنا ظاهري، ولا يعني أنها تحيل إلى قوى اجتماعية محددة أو تيار فكري سياسي واضح، الأمر يتعلق بغريزة، مزاج، لم يعد يستطيع حتى أن يصوغ قضيته بصورة معقولة، أي في خطاب. هذا الانفصام بين قوى منظمة بلا خطاب، وقضية عائمة بلا قوى منظمة، ولا خطاب كذلك، هو واقع بنيوي مديد، يحيل على تخارج الدولة والأمة، أو القيمة والواقع مثلما كان عبد الله العروي قد قال بخصوص ما سماها الدولة السلطانية في تاريخنا. سياساتنا اليوم تمر تحت الخطاب، لا تستطيع أن تتشكل في تفكير واضح من حيث التحليل النظري والبرنامج العملي والرموز الجامعة. وبينما يفكر كثيرون بيننا بأن دولنا ثرثارة بالأحرى، فإنها في واقع الأمر عيية، تفتقر إلى الكلام الوجيه السديد. ومعها في ذلك أكثر المجموعات المشتغلة في الشؤون العامة. هذه واقعة لا تحظى بما تستحق من عناية.
هل يملك أي كان أن يقول شيئاً معقولاً عن المحور الإسرائيلي الأميركي، الأجدر بأن يوصف بمحور الشر؟ أول ما يمكن أن ينسب بعدل لهذا المحور هو التطرف الشديد والاستهتار بالقانون والمؤسسات الدولية، بل ومؤسسات الدولة الأميركية ذاتها بخصوص ترامب. الشيء الثاني هو تصورات العظمة والمجد الامبراطوري المشتركة بين الاثنين. الشيء الثالث هو التعويل الكلي على القوة المسلحة في حيازة موقع الأسبقية في العالم وازداء الدبلوماسية وعدم المبالاة بالشركاء التقليديين. ومحصلة العظمة الإمبراطورية والتعويل عل القوة المسلحة هي شكل فاحش من الامبريالية، أكثر سوقية وفجوراً من الامبرياليات الغربية في القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب البادرة. والشيء الرابع هو العنصرية الصريحة لكليهما والإسفاف في التعبير عنها. انتصار قوتي هذا المحور المتطرف لا يؤول إلى نظام دولي جديد أو متجدد بل إلى نظام استعماري متجدد، أصوات دعاته مسموعة اليوم سلفاً في أميركا.
وقد نضيف شيئا خامساً بأن عدوانية هذا المحور الجديد لا تبدو شيئاً عارضاً يتصل بشخصي نتنياهو وترمب، بل هو ترجمة لتحول نحو اليمين العنصري والاستعماري في البلدين المعنيين وصعود النزعات العنصرية والحضاروية فيهما، وفي الغرب بعامة، وبالتحول إلى الرأسمالية الرقمية أو "الإقطاعية المتطورة تقنياً" بعبارة يانيس فاروفاكيس. تشترك أميركا ترمب وإسرائيل نتنياهو في تصور الذات كقلعة مسلحة، محصنة، بالغة التطور التكنولوجي، تضرب حولها متى عن لها. إقطاعيتان طليعيتان في استخدام الذكاء الصناعي برنامجاً لقتل من يقف في وجههما. لذلك يُرجح أننا نسير نحو عالم جديد، مختلف عما عرفنا بين الحرب العالمية الثانية واليوم. عالم حربي، تتأهب فيه الدول التي ترقب ما يجري مثل الصين وروسيا والهند لتعزيز قواها، أو مثل أوربا إلى التحالف مع المنتصرين وربما المشاركة في الحرب إذا طالت، أو الاستكانة تجنباً لأذى المعتدين.
بلداننا لا تملك أياً من هذه الخيارات، ولا حتى الاستكانة. إسرائيل لا ترضى بهذا من العرب خلافاً لغيرهم، وإيران لم ترض. اليوم يبدو المجال العربي من جديد ساحة تحكم قانون الجيوسياسة الحديدي. لقد ظهر فعل هذه القانون مراراً منذ ما قبل قيام إسرائيل عبر المصادفة النفطية، وتعزز بظهور الكيان الإسرائيلي، حتى ليبدو قدراً مقدوراً. ومن أوجه هذا القانون ما تقدم ذكره من حرب كبيرة أو أزمة تنفجر كل بضع سنوات، فيخسر فيها العرب دماء وثروات واستقراراً ومعنويات.
النقاش السوري مغاير للمألوف عربيا. قطاع واسع من السوريين متشفٍ بإيران التي كانت قوة احتلال مثل غيرها في البلد، وأسوأ من غيرها من حيث تلاعبها بالنسيج الاجتماعي من كما من حيث توافق سطوتها مع ميْلشة الدولة، وهذا دون أن تنعطف أو تحاول ترطيب الأجواء مع أكثرية السوريين بعد سقوط الحكم الأسدي. العتو الامبراطوري الإيراني يحول دون أي تراجع. هذا مسلك عدمي، يكمن بصورة ما وراء وضع إيران الانتحاري اليوم.
ومثل الدول العربية الأخرى، يجد الحكم السوري الجديد نفسه بلا خطاب، لكن لا يكاد يوجد خطاب باسم "الأمة" يزايد عليه، أو يدعوه لفعل غير ما يفعل: التجنب و"النأي بالنفس". يعترض على الحكم الجديد طيف متنوع، يمتد من داعش، إلى تعبيرات أهلية، إلى أصوات ديمقراطية، لكن لا أحد في سورية يعترض عليه من موقع ممانع. فقد هذا الموقع كل قيمة مع سقوط الحكم الأسدي، وهو قبل ذلك أظهر عجزاً متفاقماً عن تطوير خطاب بالحد الأدنى من الاتساق والصدقية حول قضيته. لذلك لا يعتمد عليه من أجل قول مفيد عن العدو، أميركا وإسرائيل في الطور الحالي. وتابعيته الإيرانية حالت بينه وبين قول شيء عن دور إيران وتوابعها في سورية، فلم يقم بالحد الأدنى من المراجعة والنقد الذاتي.
وإنما لذلك، ليس صحيحاً تفسير مواقف قطاعات واسعة من السوريين من إيران بالعامل الطائفي، بخاصة حين يأتي ممن ينكرون دور هذا العامل في سياسات إيران وتوابعها، والحكم الأسدي من قبل. أقرب إلى المعقول تفسير الأمر بدور إيران في دعم نظام إبادي. الطائفية ليست الأساس، لا هنا ولا في أي شأن آخر. هي عنصر معزز لمواقف لا تنبع حصراً ولا أساساً منها.
لا يستطيع أي كان أن يمد نظره إلى ما بعد أشهر أو أسابيع، أو حتى أيام، ويرى ما سيحدث في إيران والمنطقة والعالم. ربما تعيش الجمهورية الإسلامية آخر أيامها. ماذا بعدها؟ على الأرجح عدم استقرار مديد يفوق ما أعقب الاحتلال الأميركي للعراق.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
- يوميات مغربية
- في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
- لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
- في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
- الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
- ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
- زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
- فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
- قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
- الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
- يا زميل! في وداع حسن النيفي
- دماء في صُبح سورية الأغبر
- سورية بعد عام: عواقب الفراغ السياسي
- منظورات سورية:ي تبدُّلات المعرفة والسياسة بموازاة تغيُّر الز ...
- فصاحة السلطة عامية الشعب
- قصة محمد بن راشد: حداثة بلا سياسة، وجمالية بلا تاريخ
- سورية والمسألة الجيليّة
- صراع الذاكرات السورية وسياساتها
- طبّالون ومكيودون وحائرون


المزيد.....




- حصري.. هكذا أسقطت مقاتلات قطرية قاذفتين إيرانيتين كانتا على ...
- -أنا لست خائفا في دبي-.. ما قصة ترند أطلقه مؤثرون في الإمارا ...
- إسرائيل تعلن شن غارات متزامنة على إيران وحزب الله
- على نمط فنزويلا.. ترامب يريد المشاركة في اختيار خلف خامنئي
- تقرير: إسرائيل ستبدأ مرحلة استهداف الصواريخ الإيرانية تحت ال ...
- أكراد إيران... من سنوات التهميش إلى آمال التغيير في ظل الحرب ...
- الضربات العميقة والاستنزاف المفتوح.. هذه أبرز ملامح المرحلة ...
- نيويورك تايمز: إيران تخوض معركة موازية بخطاب يضخّم مكاسب الح ...
- أشلاء في الهامش.. كيف طمست الصحافة الأمريكية معالم مجزرة مدر ...
- صور تجتاح المنصات.. ما حقيقة استعراض حطام -قاذفة الشبح- في ش ...


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم