|
|
ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:02
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
دخلت محافظات منطقة الجزيرة في سورية، الرقة ودير الزور والحسكة، وأسماء أحياء منها ومناطق تابعة لها، التداول الإعلامي العربي على نطاق واسع في الأيام الأخيرة، بفعل الانهيار السريع لسلطة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) التي تحكمت بالمنطقة منذ عام 2017. يخطئ المذيعون في لفظ أسماء المناطق والأحياء، ويصحح لهم أحيانا المراسلون المحليون. لكن الأمر لا يقتصر على أن المنطقة غير معروفة عربياً، فالواقع أنها غير معروفة سورياً بقدر كبير. في السنوات الأخيرة راج الكلام على منطقة شرق الفرات امتثالاً للتسميات الأميركية المنفصلة عن معرفة السكان المحليين وذاكرتهم وتسمياتهم لمناطقهم كأوجه لامتلاكهم لها. والتعبير راج بين سوريين كذلك، عاند بعضهم في اعتماده حتى حين كان يجري تصحيحه لهم. بعد سقوط الحكم الأسدي تواتر أن شرح سوريون لا يعرفون "الخمسة من الطمسة" عن الجزيرة ما هو التفكير الصحيح والموقف الصحيح مما يجري هناك، وهذا مثلما تواتر خلال سنوات ما بعد الثورة السورية لأوربيين وأميركيين، ولأتراك في واقع الامر، أن يشرحوا لسوريين ما كان يجري حقاً في سورية. ولا يتبين المرء أساساً لهذا التخويل الذاتي أو السلطة المعرفية الذاتية، لكننا نعلم أن مثل هذا ميز الخبراء الاستعماريين في أزمنة خلت. وهو في الحالين وجه معرفي لتجريد السكان من الملكية ومن الكيان، أو ببساطة لسلبهم أي سلطة على بيئاتهم وحياتهم، تسمية وامتلاكا وإدارة، وهذا مع مراتبة السكان المختلفين بحيث تستحق حياة بعضهم الحداد ولا تستحقه حياة بعضهم الآخر (نحيل ضمناً إلى عمل جوديث باتلر). هناك حديث طويل وذو شجون بخصوص هذه العنصرية المحلية التي يحدث أن تنتحل أقنعة تقدمية وتنويرية، وربما نعود إليه يوماً. المشروع الذي جسد نزع التسمية ونزع الملكية هو مشروع قسد، وعمودها الفقري تنظيم الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبينما يسمى هذه المشروع بالإدارة الذاتية في إحالة ضمنية إلى أدبيات مجالسية وأناركية وبيئية، فإنه لم يكن له من اسمه نصيب يذكر. كان في حقيقته إدارة تسلطية، مفرطة المركزية، وغير ذاتية ان كان المقصود بذلك أن يكون السكان المحليون هم الذات السياسية المديرة لشؤونهم. كان أصوب لو وصف بأنه حكم تسلطي خارجي، وهو انهار بسهولة لهذا السبب بالذات: لأنه حكم خارجي، لا نفاذ لعموم السكان إلى آليات التمثيل وصنع القرار فيه. ولا أدل على الصفة الخارجية من نسف جسري الرقة الذي لم يأت في أطار خطة عسكرية للتحصن والمقاومة في المدينة أو حتى تعويق القوات الحكومية التي لم تكن وصلت إلى الرقة حين أخذت قوات قسد بالانسحاب منها. كان أحمد مولود الطيار، الصحفي الرقاوي المتعاطف مع قسد فيما سبق قد زار الرقة قبل أشهر قادماً من ملجئه في كندا، وقد كتب في تحقيق له عن الزيارة أنه قال لمن قابلهم من أصحاب السلطة في قسد إنه لا أحد من أهل المدينة يحبهم، وشبههم بمستأجر لا يقوم بأي صيانة في العقار الذي يقيم فيه لأنه يعرف أنه مغادر بعد حين. في التعامل مع الأهالي، كان حكم الإدارة الذاتية استمراراً للحكم الأسدي، يتسلط عليهم ولا يخاطبهم أو يعمل على صنع قضية مشتركة معهم. ماذا كانت الحال في سنوات الحكم الأسدي؟ ذكرت في مقالة سابقة هنا أن الجزيرة كانت مستعمرة داخلية، مستغلة اقتصادياً، محدودة التمثيل السياسي، ومحتقرة ثقافياً. وطوال عقود كان يجري التفكير في المنطقة كموارد نفطية ومائية، ومصدر أساسي للقمح. هذا المنطق التشييئي، الاستعماري بالفعل، مستمر إلى اليوم، وإن كانت ترتفع أصوات غاضبة من "جزراويين" ضده، يُذكِّرون بأن في المنطقة بشراً وليس موارد مادية فقط. من المهم قول ذلك اليوم لأن الاستمرارية قد تمتد إلى المستقبل، وتعامل المنطقة من جديد كموارد يمتلكها المركز، لتبقى أفقر المناطق السورية أفقرها. وما يثير مخاوف في هذا الاتجاه هو إصرار الحكم الجديد على مركزية متصلبة، لا تبدو مقتصرة على النطاق السيادي. كان قد أفسد النقاش حول اللامركزية بعد سقوط الحكم الأسدي شيئان: أولهما أنه قلما كان نزيهاً أو مدفوعاً بدوافع ديمقراطية فعلاً، تحيل على ملكية السكان لمناطقهم وإدارتهم لها، وأولوية تخصيص الموارد المحلية لتنميتها، بخاصة حين تكون هذه المناطق فقيرة ومهملة. وثانيهما الغفلة عن أن اللامركزية لا تعمل بشكل جيد إلا حين يكون المركز قوياً، ما يقتضي الدفاع عن وحدة السيادة في البلد كسند لتعدد السياسة والتمثيل الأوسع للسكان، ليس على المستوى الوطني فقط بل وعلى المستويات المحلية كذلك. لقد استخدمت دعوى اللامركزية ومثلها الفدرالية استخداماً أداتياً، وفي سياقات كانت تبرر أو تدعو صراحة إلى الانفصال. ومع ذلك فإن فساد النقاش ونقص نزاهته لا يطعن في الحاجة إلى قدر كبير من اللامركزية في سورية، يجعل منها بلداً متعدد المراكز التنموية والاقتصادية والخدمية. والسياسية كذلك. المركزية في سورية اقترنت في الزمن البعثي والأسدي بحكم تسلطي، كان قمعياً سياسياً وفاشلا تنموياً وبالغ الفساد. مسألة اللامركزية هي ملكية السكان المحليين تفضيلياً لمناطقهم ومواردها، وليست ذلك الاستخدام الأداتي الكاذب الذي يوزع الجدارة بالحياة وبالحداد وفق أهوائه. من شأن تطورات الأيام الأخيرة، من بسط السلطة المركزية على مناطق واسعة من الجزيرة، أن يصوب النقاش حول اللامركزية ويدفع إلى نقاش مستقيم حول القضية الكردية في سورية. بعيداً عن أن يكن انهيار سلطة قسد خسارة للكرد السوريين، يمكن بالعكس أن يحررهم من مشروع هلامي مزايد، وأن يفرض القضية الكردية كقضة لا تقبل الاختزال ولا يمكن القفز فوقها على أجندة النقاش العام في سورية. هنا يكتسب الكلام على اللامركزية كثافة ووجاهة تجمع بين الاعتبارات الديمقراطية والتنموية العامة وبين حاجة الكرد السوريين إلى وضع خاص، أو "إدارة ذاتية" حقيقية في مناطقهم. المشكلة التي يعرفها جيداً من يهتمون بأن يعرفوا من السوريين وغير السوريين هي أنه ليس هناك إقليم كردي متواصل في سورية، يشبه من قريب أو بعيد كردستان العراق. هناك مواطن كثافة كردية غير متواصلة جغرافياً في شمال شرق وشمال غرب سورية. أما روجآفا فكانت اختراعاً أملته عواطف قومية ملتهبة، أظهرت مثل نظائرها في كل مكان نزعات توسعية وقت كانت بالكاد تقف على قدميها، وكانت حتى وقت قريب تماهي بكامل منطقة الجزيرة، وبعض أجزاء حلب، وأحياناً المدينة بكاملها. تصور روجآفا لا يصلح أساساً لمعالجة القضية الكردية في سورية، نقترب من المعالجة بالتخلي عنه بالأحرى. هناك مشكلة عربية كردية في الجزيرة لم تكن قسد والإدارة الذاتية علاجاً لها، بل أقرب إلى استمرار للأسدية في هذا الشأن (وهي أثبتت ذلك لمن يحتاج إثباتاً بأن منعت أهالي لمنطقة من الاحتفال بسقوط النظام، وعزلتهم عن المتن السوري، كما رحبت بأسديين مسلحين في صفوفها). وبعد انحصار مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي في محافظة الحسكة وفي كوباني- عين العرب، المخاطر على أشدها لجولة حربية قد تلحق من الدمار بالمحافظة التي نجت منه ما سبق أن لحق بدير الزور والرقة. هذا أولى ما ينبغي تجنبه. للسلطات في دمشق يمكن لـ"جزراوي" مثل كاتب هذه السطور أن يقول: النصر سياسي وسياسي حصراً، وما قد يكسب بوسائل عسكرية يتعين إعادة كسبه بوسائل سياسية ومعنوية، توفر للطرف الخاسر أن يندمج مصون الكرامة والحقوق في النظام الفائز. وعنوان التفاوض والتسوية المأمولة مع القوى الكردية المسلحة يمكن أن يكون: لا شيء من السيادة، نعم، لكن 100% من السياسة، أي كل الحقوق الفردية والجمعية ومعه "إدارة ذاتية" في مناطق الأكثرية الكردية. ولنخبة قسد ربما يقول إن الهزيمة كذلك سياسية حصراً، وإنهم هزموا أنفسهم سياسياً قبل ان يهزموا عسكرياً في حلب وشرقها والجزيرة لأنهم لم يكونوا مستقيمين، ولم يدافعوا عن برنامج معقول (وقد يعود ذلك جزئيا إلى أنهم غير موحدي الكلمة، وأن الجناح القنديلي قد يكون أقوى كلمة من الجناح السوري). والعنوان هنا هو نفسه: كل السياسة، ولكن دون سيادة إضافية في دولة واحدة. وهم يحسنون إلى أنفسهم وإلى الكرد السوريين، وإلى سورية ككل، بفك الارتباط التام مع حزب العمال الكردستاني في تركيا. الجماعة بحاجة إلى سياسة بديلة، تدافع عن المساواة الحقوقية والسياسية لنحو مليونين ونصف من الكرد في سورية مع غيرهم من السوريين.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
-
فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
-
قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
-
الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
-
يا زميل! في وداع حسن النيفي
-
دماء في صُبح سورية الأغبر
-
سورية بعد عام: عواقب الفراغ السياسي
-
منظورات سورية:ي تبدُّلات المعرفة والسياسة بموازاة تغيُّر الز
...
-
فصاحة السلطة عامية الشعب
-
قصة محمد بن راشد: حداثة بلا سياسة، وجمالية بلا تاريخ
-
سورية والمسألة الجيليّة
-
صراع الذاكرات السورية وسياساتها
-
طبّالون ومكيودون وحائرون
-
هيغل وآرنت: فكر بدايات وفكر نهايات
-
تصورات الأقلية والأكثرية على ضوء التاريخ السوري
-
ديمقراطية وجينوقراطية: في تشكل الشعب السوري وتفكّكه
-
مصالحة وطنية في سورية!
-
حوار ثان مع علي جازو: العالم والكتابة واللغة والنشر و...سوري
...
-
أزمة القيادة في البيئات السنّية السورية
-
كلام في المثال: مؤتمر سوري عام
المزيد.....
-
أمريكيون يقضون 45 مليار دقيقة في مشاهدة -بلووي- مسلسل الرسوم
...
-
إيران تنهض بوجه ترامب: ألف مسيّرة جاهزة للقتال.. ومناورات با
...
-
فيديو ضرب شرطي مسلمتين في هولندا والسلطات تحقق
-
دخلت الفن صدفة.. مقتل هدى شعراوي بطلة -باب الحارة- واتهام خا
...
-
دراسة تحذر: ما تفعله في الثلاثينات يحدد شكل شيخوختك
-
الجزيرة تستنكر حظر -يوتيوب- بثها بإسرائيل
-
-المقاتل زودني ببندقية وتركني-.. تكتيكات القسام برواية أسير
...
-
فولكس فاغن تستهدف السوق الصيني بأكبر -هجوم كهربائي-
-
-الجندي البطريق-.. جندي روسي يحاول خداع مسيّرة أوكرانية وسط
...
-
-جواسيس- أم هدايا؟ استعادة الصين توأم الباندا من اليابان تثي
...
المزيد.....
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|