أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم















المزيد.....

في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 20:18
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


خلال عام ونيف من الزمن ما بعد الأسدي، ساد التفكير في سورية بوصفها بلداً مكوناً من جماعات مختلفة، قد تسمى "مكونات"، يجمعها أنها وراثية، يلد المرء فيها ولا يختارها. السوريون عرب وكرد، وربما يضاف: وتركمان وسريان وأرمن وغيرهم؛ ومسلمون ومسيحيون، وقد يضاف إيزيديون، وربما يهود؛ ثم سنيون وعلويون ودروز، واسماعيليون وشيعة. هل هذا كل ما في الأمر؟ أليس هناك سوريون منفلتون من الجماعات الموروثة، ولا يقبلون أن يُعرفوا بها؟ أليس هناك "لاجماعات" سورية، روابط طوعية في صورة أحزاب أو منظمات أو جمعيات، يختار الانتساب إليها أعضاؤها، ويولون ارتباطهم بها مكانة تعلو على الجماعات الموروثة؟ بلى، والواقع أنهم لم يكونوا قلة يوماً. لكن الاجتماع السياسي السوري سار بعد الثورة والحرب، والدم الغزير الذي سال ويسيل إلى اليوم، باتجاه إضعاف اللاجماعات، وتقوية الجماعات حيال الأفراد المنحدرين منها أو إضعاف الأفراد حيال الجماعات. تاريخ سورية خلال 15 عاماً، بل خلال نصف قرن وأكثر يفيد بأن سفك الدماء يقوي روابط الدم، ويدفع الجماعات غير الدموية لأن تطور لنفسها جسداً له دم واحد أو يكاد، تصير كل واحدة منها أسرة ممتدة أو ما يقاربها. القول إن الطوائف جماعات متخيلة في كل حال، مثلها في ذلك مثل الأمم، يغفل الديناميكيات الاجتماعية السياسية الجارية التي قد تسير نحو رص أجساد الجماعات في شروط الخطر والاستهداف التمييزي، على نحو يضعف العنصر الفكري والخيالي والرمزي في تكوينها، ويعزز العنصر العضوي والجسدي والبيولوجي، فيجعل منها جماعات "أهلية" أقرب على التجانس. أو بالعكس، ربما تدفع ديناميكيات معاكسة المنحدرين من جماعات مختلفة إلى الخروج منها (وليس عليها بالضرورة)، والتشارك مع غيرهم في مجموعات أو لاجماعات. هذا متصور الحدوث في شروط الأمان العام وغياب الاستهدافات التمييزية. العلاقة بين الدم والخيالي علاقة عكسية، والطوائف أقرب إلى الدم منها إلى الخيال.
في سورية غلب أن كانت العلاقة بين الجماعات واللاجماعات هشة، والمسارب مفتوحة للعودة نحو الأهل أو نحو الجماعة أكثر من العكس. ليس هناك لغز في ذلك. تراوح الاجتماع السياسي السوري في الحقبة الأسدية بين قاس ووحشي، وهو ما يضعف الأفراد والمجموعات الطوعية أكثر بكثير مما يضعف الجماعات التي، بالعكس، صار أغلبها أطار الحماية والضمان الوحيد لأفراد منكشفين. حين يقع المرء في مشكلة أمنية أو يعتقل أو يفصل من العمل أو يمنع من السفر... الواسطة الأهلية هي من تستدركه، فتحل المشكلة أو تحاول حلها. لم يكن هناك بديل قانوني أو مؤسسي، لا أهلي، عن ذلك. وعلى هذا النحو صار الفرد المستقل والحزب والمنظمة والجمعية والمتحدات المستقلة بعامة أضعف بكثير، وتواتر أن اخترقتها العلاقات الجماعاتية هي ذاتها، كما زال غير قليل منها. واقترن ذلك عبر السنين يتراجع التعدد ضمن الجماعات وميلها إلى تصلب مانع لاستقلال الأفراد عنها. يمكن تقدير أنه كلما كانت الجماعات أكثر تعدداً داخلياً، تسنّى لنسبة أعلى من الأفراد أن يستقلوا عنها، ويدخلوا في متحدات طوعية مع غيرهم من خارجها.
تغطي ثنائية المجتمع الأهلي والمجتمع المدني المتداولة بعض الشيء في التآليف العربية واقع الجماعات واللاجماعات الذي نحاول وصفه هنا. لكن الوضع النظري لهذه الثنائية سكوني مثلما هو وضع مفهومي الأقلية والأكثرية، يغيب عنهما معاً البعد الديناميكي. نقول عادة إن العشائر والطوائف والإثنيات تكوينات أهلية أو تندرج ضمن المجتمع الأهلي، بينما الأحزاب والجمعيات والنقابات والاتحادات الطلابية والنسوية والمهنية وغيرها تكوينات مدنية وتشكل بمجموعها المجتمع المدني. لكن هذا لا يقول لنا شيئاً عما إذا كانت عمليات الأهلنة تتقدم أم تتراجع، وهل الروابط الموروثة تقوى أم تضعف اليوم؟ ولا يقول بالمثل شيئاً عما إذا كانت هناك عملية تمدين تتوسع بأثرها الروابط الطوعية، وتتطور في المجتمع الكلي تضامنات جديدة غير أهلية وغير دموية. ولا هي تقول كذلك شيئاً عن اختراقات محتملة لما هو أهلي نطاقات ما هو مدني أو العكس.
ومثل ذلك يقال بخصوص تصوري الأقلية والأكثرية، اللذين يتعين التفكير فيهما في صلة مع دينامكيات تقليل أو تكثير، متصلة هي ذاتها بعلاقات السيطرة والهيمنة في المجتمع المعني. القول مثلاً إن السنيين العرب أكثرية السوريين يغفل أنهم كانوا أقرب إلى أقلية سياسية في الحقبة الأسدية، وغير قليل من توترات اليوم متصل بانقلاب هذا الشرط. هياكل السيطرة القائمة اليوم تقلل العلويين أكثر مما هم أقلية فعلاً، على نحو وجد تكثيفه في قول القائل أثناء مجازر الساحل إنهم كانوا أقلية، واليوم يصيرون نوادر!
والقول إن النساء نصف المجتمع يغفل كذلك ديناميكية تقليل سياسية ودينية واجتماعية، كانت ظاهرة على الدوام، لكنها نراها اليوم بوضوح أكبر.
الواقع السوري لا يتميز حصراً بقوة الجماعات على حساب اللاجماعات، أو الأهلى على حساب المدني، وإنما أكثر من ذلك بتفوق ديناميكية الأهلنة على حساب ديناميكية التمدين. هذا أثر عملية تطييف وأهلنة مديدة في الحقبة الأسدية، لكنه كذلك أثر منظورات الفريق الحاكم اليوم الذي يفكر في المجتمع السوري حصراً بوصفه مجموع جماعات وراثية. ظاهر اليوم أن أطر الفعل السياسي هي "المكونات" أو الجماعات، وهذا يناسب الحكم الحالي لأنه يُطبِّعه، وفي الوقت يتيح له انتحال الدولة العامة وتشريع نفسه بالكيانية السورية. وليس بالأمر المكتوم أن السلطة اليوم تحاول إضعاف التعدد الداخلي في الإطار العربي السني كي تضمن لنفسها قاعدة اجتماعية صلبة. والأرجح أن يسير ذلك مع الميل إلى إدخال مزيد من التعدد إلى هذه الجماعات الأخرى من أجل إضعافها وتعظيم قوة السلطة حيالها.
ما العمل في مثل هذا الشرط السوري الراهن؟ سياسة المكونات تهزم ذاتها، لأسباب داخلية، ديمغرافية وجغرافية وتاريخية، ثم لأسباب خارجية تتصل بالنظام الدولي. هذا الأخير يريد قوة تضمن الاستقرار، وكان على وشك إعادة تأهيل بشار الأسد رغم كل شيء، وهو اليوم يقف إلى جانب الحكم الحالي. لقد خسرت سياسة المكونات التي حدث أن ارتضت لنفسها اسماً من مخزن خردة الحكم الأسدي: تحالف الأقليات، رهانها، ليس حصراً بسبب النظام الدولي، بل أولاً بفعل مقاطعتها للواقع وبؤسها السياسي والفكري والأخلاقي.
وهذا يعيد مسألة الصراع من أجل الهيمنة والفعل السياسي المستقل إلى قلب التفكير والعمل السياسي السوري، في الداخل وفي الشتات. اللاجماعات، الأفراد والمجموعات الأكثر تمرداً واعتناقاً لقضية الحرية، هم المؤهلون لخوض هذا الصراع.
وهم من يقوم الحكم الحالي بعد الحكم الأسدي على إضعافهم بنيوياً، وتركهم هامشيين بلا أثر. لكن هؤلاء هم من تتمثل فيهم سورية حرة حقاً، لأنهم يخرجون من الجماعات من أجل فضاء سوري أوسع، ولأن زوال هذا الفضاء أو مصادرته يقضي عليهم دون غيرهم. سوريو الجماعات، بالمقابل، يعرضون استعدادات كيانية نشطة، وزوال سورية ذاتها أقرب إلى أفئدتهم من بقائها.
لكن السياسة الكيانية لن تنجح اليوم أكثر مما نجحت السياسة الطائفية في زمن الأسدين، ولن تقوي هذه السياسة الدولة على مدى أطول إلا بالصورة التي قوت دولة حافظ الأسد ووريثه، أي قوة العنف ووسائله، مع ضمور عنصر الشرعية والهيمنة. هذا لا يستقر ولا يدوم.
اليوم، الأولوية العليا هي إنهاء جولات الحرب المتنقلة ووقف سفك الدم. فمن جديد، جريان الدم يخلق روابط الدم، أي يعزز ما هو أهلي وما هي جماعات، ويضعف ما هو مدني ولا جماعات والرابط الفكرية والبرنامجية والخيالية. ويحوّل نشوء روابط الدم الحرب من حدث عارض إلى نمط متكرر، على نحو يبقي مستقبلنا رهين الأهلي والحرب، والحرب الأهلية. وهو ما يعني أن الحرب الأهلية لا تنتهي بنهاية الحرب وحدها، وإنما بنهاية الأهلي كذلك، ونهاية السياسات الأهلية. سورية في حرب أهلية لا تهدأ قليلا إلا لتستعر منذ 15 عاماً، وبصورة ما منذ أكثر من نصف قرن، وآن لهذه الحرب ولركائزها الأهلية أن تنتهي.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
- ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
- زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
- فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
- قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
- الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
- يا زميل! في وداع حسن النيفي
- دماء في صُبح سورية الأغبر
- سورية بعد عام: عواقب الفراغ السياسي
- منظورات سورية:ي تبدُّلات المعرفة والسياسة بموازاة تغيُّر الز ...
- فصاحة السلطة عامية الشعب
- قصة محمد بن راشد: حداثة بلا سياسة، وجمالية بلا تاريخ
- سورية والمسألة الجيليّة
- صراع الذاكرات السورية وسياساتها
- طبّالون ومكيودون وحائرون
- هيغل وآرنت: فكر بدايات وفكر نهايات
- تصورات الأقلية والأكثرية على ضوء التاريخ السوري
- ديمقراطية وجينوقراطية: في تشكل الشعب السوري وتفكّكه
- مصالحة وطنية في سورية!
- حوار ثان مع علي جازو: العالم والكتابة واللغة والنشر و...سوري ...


المزيد.....




- انتخابات نواب مصر.. تتبع وقائع شراء الأصوات
- تصريحات غوارديولا عن فلسطين تتجاوز حدود الملاعب.. وفريق من غ ...
- عملاء لإيران داخل تل أبيب.. قوات الأمن الإسرائيلية تلقي القب ...
- سياحة القتل عند حصار سراييفو.. إيطاليا تبدأ تحقيقاتها مع مسن ...
- ألمانيا: تعاون في مجال التسلح وسعي لزيادة إمدادات الغاز القط ...
- محادثات عُمان بين واشنطن وطهران: ماذا يريد ترامب.. إخضاع الن ...
- شركة روسية تبتكر -الحمام المسيّر- وتحلم بإعادة برمجة و-ترويس ...
- سوريون يتفاعلون بحنين مع إطلاق الهوية الجديدة لإذاعة دمشق
- -الشيف كيمو-.. وفاة الطاهي المغربي كمال اللعبي إثر نوبة قلبي ...
- -جمعة مسقط-.. مفاوضات تحت التهديد العسكري ورفض الشروط


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم