أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية















المزيد.....



الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 21:40
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


صعدت النزعات الكيانية في سورية بقوة في العام التالي لسقوط الحكم الأسدي، لكن أقدمها أخذت بالظهور بعد الثورة السورية بعام أو أكثر قليلاً، وعلى صلة مباشرة بتعثر تَطلُّعاتها التغييرية؛ والأقدمُ بين هذه النزعات هما الكيانيتان الإسلاميةُ السنّية والقوميةُ الكردية.
لكن ما المقصود بالكيانيّة، بدايةً؟
نعني بها العقائد والسياسات والحركات السياسية التي تقوم على أن هذا القوم أو هذه الجماعة الأهلية كيان متميز بقدر كبير عن غيره، ومُستحِقٌّ لتقرير المصير والانفصال، أو في أقل الأحوال لأن يكون إقليماً في فدرالية سورية يحوز المنسوبون إلى الجماعة المعنية مواقع مُقرِّرة فيه. يحدث أن تُوصَفَ الجماعات بأنها إثنيات متبلورة أو في سبيلها إلى التبلور، أو حتى شعوب ناجزة، لإعطاء حسٍّ بعُمق الكيانية واستحقاق المصير السياسي الخاص. الكيانيات هي ضروبٌ من القومية، تطالب بالاستقلال أو بحقوق خاصة بوصفها كذلك. لكن في جميع صورها تبدو الكيانيات جانحةً باتجاه ما هو عضوي أو بيولوجي، وبعكس اتجاهِ ما هو خيالي ومُجرَّد الذي تشكلت الأمم الحديثة وفقاً له بحسب تصور بندكت أندرسون للأمم كجماعات مُتخيَّلة. ما سنرصده في هذه المناقشة من مَنازِعَ عدمية وثيقُ الصلة بهذا المَيلِ البيولوجي.
ثلاثة شيوخ و«طُرُقي» واحد
هناك اليوم كيانية درزية تطالب بالانفصال وتقرير المصير، ويعبر عنها «شيخ العقل» حكمت الهجري الذي أعطى لكيانه غير المُحدَّد جغرافياً اسم جبل الباشان التوراتي، ويبدو أنه يضم حوران ومناطق من جنوب دمشق، وربما قَدْراً من البادية السورية يمتدُّ حتى العراق. وتصعد نزعة كيانية علوية، ينطق باسمها شيخ كذلك: غزال غزال، وتدعو بدورها إلى تقرير المصير، ولكنها قد ترتضي بالفدرالية التي كانت شعاراً لتجمُّعات احتجاجية دعا إليها الشيخ قبيل نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وكانت قد ظهرت في آب (أغسطس) 2025 حركة باسم المجلس السياسي لوسط وغرب سورية، تدعو لكيان مستقل، مُتمركِز علوياً، في منطقة واسعة تشمل الساحل وكل غرب مدينة حمص وقسماً من المدينة ذاتها بحسب ما نَشر المجلس من خرائط. وكان تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي، العمود الفقري لقوات سورية الديمقراطية (قسد)، حركة كيانية باكرة الظهور، نسبت نفسها بعد ظهورها في صيف 2012 إلى إقليم جغرافي غير مُحدَّد المعالم تُطلق عليه اسم روجافا (غرب كردستان)، يطابقُ نَفسَهُ أحياناً مع منطقة الجزيرة السورية، ومناطق من شمال غرب سورية تمتد في بعض الخرائط حتى المتوسط، ويحدث أن تشمل مدينة حلب بكاملها. ويقود قوات قسد مظلوم عبدي، الذي كان لسنوات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني في تركيا، ثم في العراق.
ويعود ظهور تصور روجافا إلى وقت استلام تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي، وهو فرع سوري لحزب العمال الكردستاني، السيطرة على مناطق من الجزيرة السورية وعفرين وكوباني (عين العرب)، سلّمها له مع السلاح الحكمُ الأسدي في تموز (يوليو) 2012، وهذا كي يضبط جمهوراً كردياً مُشارِكاً في الثورة السورية، ولكي يركز النظامُ قواه في مواجهتها في مناطق أخرى، وبخاصة دير الزور وحلب التي دخلت مناطقها الشرقية تشكيلات مسلحة مضادة للنظام في شهر تموز نفسه من العام نفسه، 2012. ويمكن اعتبار هذا التوقيت مفصلياً من حيث دلالته على انهيار مُتسارِع للإطار الوطني للصراع السوري، وتَحوُّلِ سورية إلى ساحة لمواجهة تشكيلات ما دون الدولة تَمخَّضَت عنها الحروب الأهلية في البلدان المجاورة (لبنان وتركيا والعراق)، أو شبكات جهادية سنية وشيعية، استقطبت مجاهديها من بلدان قريبة وبعيدة، وهذا قبل أن تبدأ تدخلاتُ الدول ذاتها.
ومن المؤشرات الأخرى لانهيار الإطار الوطني للصراع وقتها اغتيال ضباط خلية الأزمة في شهر تموز نفسه، وأولُ استخدامٍ للبراميل المتفجرة، وانحسارُ المظاهرات السلمية التي كانت تنتظم في مئات البؤر كل يوم جمعة حتى ذلك الوقت، وتَحوُّلُ الصراع إلى عنف مسلح محض، بطابع ديني مُترسِّخ. وفي الوقت نفسه، ثم طوال العام التالي، تحول تَسرُّبُ الجهاديين السنيين من خرير عبر الحدود العراقية إلى شلّال عبر الحدود التركية. الكيانيات وليدةُ ضعفٍ أقدمَ للكيان السوري، بفعلٍ متعاضدٍ من حداثة السن ومن تمركز عروبي ثم أسدي، لكن الضعفَ تفاقمَ بانهيار الإطار الوطني للصراع السوري.
كانت قد أخذت تتلامحُ بعد الثورة السورية، بدءاً من منتصف عام 2012 كذلك، وأكثر في عام 2013، نزعة كيانية سنّية، يمتزجُ فيها شعور مُحِقٌّ بالاستهداف التمييزي مع جهود لشدِّ العصب السنّي ضد النظام وحلفائه. المنظمات الإسلامية المعروفة، ومنها أحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها، ظهرت عام 2012. وينبغي تمييز هذه النزعة طوال الوقت عن داعش التي كانت مشروعاً سلفياً جهادياً عراقيَ الجذع مُعوْلَمَ التكوين، وليس نتاجاً لديناميكيات سورية. الاسم الكامل لداعش هو الدولة الإسلامية في العراق والشام، يميزها عن شبكة القاعدة الدولية، المُعولَمة بدروها، أنها تسعى إلى السيطرة على أرض وإعلان الخلافة التي يُفترَض أنها التحقُّقُ الديني السياسي الأعلى للمسلمين السنّيين بما هم كذلك. ثم إنه يتعين تمييزُ الكيانيّة السنّية عن جبهة النصرة ذاتها، وإن كان الكلام على كيان سنّي في سورية سيأتي بعد سنوات ومن أوساط هيئة تحرير الشام، وريثة جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة حتى العام 2016.
بنظرة راجعة من موقعنا اليوم، ربما يمكن النظر على محافظة إدلب بين انتزاعها من سيطرة النظام عام 2015 والانفصال عن القاعدة عام 2016 كبدايةِ ظهورِ كيانٍ سنّي، وإن كان الحسُّ الكياني السنّي أبكرَ ظهوراً ويعود إلى وقت صعود الإسلامية في الثورة السورية عام 2012. ويبدو أن أول استخدامٍ لتعبير الكيان السنّي جاء من أحمد موفق زيدان، الإسلامي السوري الذي كان مراسلاً لقناة الجزيرة في أفغانستان، ويعرف أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. جاء ذلك في خريف 2023 وقتَ لم تَكُن هناك أي بوادر لسقوط الحكم الأسدي أو لمعركة ضده، بما يعني أن التنظير للكيان السنّي كان محاولة لإضفاء الشرعية على إدلب مستقلة، تحكمها هيئة تحرير الشام. زيدان المنحدر هو نفسه من مناطق إدلب هو اليوم مستشار إعلامي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع. والشرع ذاته مجاهدٌ سابقٌ في العراق، وكان يُلقَّب بالشيخ بين جماعته، وقد ذُكِرَ هذه اللقب مرة واحدة في فيلم ردع العدوان الذي أنتجته السلطات السورية عن إسقاط النظام الأسدي.
لدينا في المحصلة ثلاثة شيوخ على رأس ثلاثة كيانيات، الشرع والهجري وغزال، وقيادة عسكرية إيديولوجية على رأس الكيانية الرابعة التي تنحدر من حزب العمال الكردستاني. هذا التنظيم، بالمناسبة، أقرب إلى «طريقة» أو cult، قوة إيديولوجية عسكرية شديدة الانضباط، متمحورة بشدة حول «إمام مُغيَّب» (عبدالله أوجلان)، وتشبه جماعة دينية، وتعتمد الاغتيالات والعمليات الانتحارية كمناهج للمقاومة، وتختلف في ذلك كلياً عن الأحزاب الكردية الأخرى في سورية، كما عن حركات المقاومة المسلحة الأخرى (تُشبَّه بحسب ياسين السويحة، الذي اقترح ترجمة «كلت» بطريقة، جماعة الدرب المضيء في البيرو من حيث عبادة الشخصية، ولغائب كذلك: أبيمال غوزمان، قائد الحركة، الذي توفي في السجن بعد نحو 30 عاماً، ومن حيث تجنيد الأطفال، والاغتيالات، والفتك بالسكان الأصليين…). عبدي أحد الشيوخ المسلحين لِكَلْتٍ شبه ديني.
وبسبب هذا التكوين الكلْتي يعرضُ القلب الصلب لقوات قسد، تنظيم الاتحاد الديمقراطي، منازعَ عدائية بشدة حيال الدين، يُخرجونه من أنفس مُحازبيهم ويملؤونها بعبادتهم الخاصة.
الغرض من هذه الملاحظات هو الربط بين النزعات الكيانية وبين تَشكُّلات للفكر والسياسية دينيةٍ أو شبه دينية. ولعلَّ في ذلك ما يؤشر على تآكل الطبقات العقلانية من التفكير والسياسة في المجتمع السوري، وعلى أن طبقات تفكير وسياسة أقربَ إلى اللاشعور، الدين أو ما يعادله، تتصدر المشهد.
الدم والكيان
وفي الحالات الأربعة، تُحيل الكيانيات إلى هويات وانتماءات وجذور، لا إلى نُظُم قانونية ومؤسسية تقوم على المواطنة والمساواة والتعدُّد، وإلى الدم والجسد وما هو عضوي لا إلى ما هو خيالي ومُجرَّد وعقلي. يبدو مشروع قسد، قوات سورية الديمقراطية، مُغايراً للوهلة الأولى، لكن المواقع المُقرِّرة فيه دون استثناءٍ واحدٍ هي بأيدي حزبيي التنظيم الكردي الذين كانوا مقاتلين ضمن تنظيم حزب العمال الكردستاني، وهذا في إقليم جغرافي ربما يشكل غيرُ الكُرد ثلثي سكانه أو أكثر، دون أن يكون هؤلاء السكان ممثلين في هياكله سلطته الرئيسية، ودون أن يُستشاروا في شؤونهم السياسة والعسكرية والاقتصادية والتعليمية. المشروع انهار بسرعة خلال أيام، بفعل تَهافُته الداخلي ورفع المظلّة الأميركية عنه، وتَكشُّف الانهيار عن النواة الصلبة للكيانية، أمناء «الطريقة». ويتصدر الكيانية الدرزية «شيخ عقل»، يبدو في الوقت نفسه زعيماً سياسياً وعسكرياً. ويعمل الشيخ غزال غزال على أن يشغلَ موقعاً مماثلاً وسط جماعة علوية فقدت تَحقُّقها السياسي بسقوط الحكم الأسدي. وينحدر أحمد الشرع من تنظيم القاعدة وتراث السلفية الجهادية و«الكيان السنّي»، ويحيط نفسه بأصحاب مواقع مقررة سُنّيي المنبت دون استثناء.
انتفعت الاندفاعة الكيانية من موجتين من المجازر في الساحل ثم في السويداء، اقترنتا بتعامل استعلائي وتحقيري وإهانات طائفية، وهذا مثلما أخذت الكيانية السنّية بالظهور مع تَعثُّر الثورة السورية وتدهور وطنية الصراع، ثم انحصارِ المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في جيب صغير في إدلب، ومناطق تسيطر عليها تركيا في الشمال السوري. وسهَّلَ من أمر الكيانية الكُردية في السابق التواطؤ مع النظام بأثرِ العداوة المُشترَكة لتركيا، ثم بعد سقوط النظام مزيجٌ من الخشية من التمييز ومن فقد أوضاع امتيازية، سياسية وعسكرية واقتصادية، في منطقة واسعة من البلد.
وفي عمومها تتغذى الكيانيات الصاعدة من انفعالات محمومة بأثر الدم والمظلوميات، وهي بدورها تُغذّي أهواءَ سياسية محتدمة شديدة العدائية، تتوجه تفضيلياً ضد الكيانية الأقوى المُتلبِّسة اليوم بالدولة، لكن التي تعرضُ القليلَ من صفات الدولة العامة. ومن يَفهمُ الانفعالات المتصاعدة في الأوساط السنّية في سنوات ما بعد الثورة (نحن نُقتَل، نحن نُباد، نريد حماية دولية، العالم كله ضدنا، إلى آخر مفردات المظلومية السنّية…) لا يجب أن يصعب عليه فهم الانفعالات المُماثلة التي ظهرت بين العلويين والدروز إِثرَ ما تَعرَّضوا له من مجازر، واليوم بين الكُرد. لكن بقدرِ ما يمكن فَهمُ الانفعالات، فإنها لا تصلح أرضية لسياسة مثمرة. الانفعالُ قوة دون عقلية، تضرُّ بأصحابها إن اتخذوا منها سياسة، وهذا مهما أمكنَ له أن يكون مبرراً.
ما لا يمكن فهمه، وما هو أقل صلاحية لسياسة سديدة، هو الأهواء الجامحة التي تتملّكُ من لم يتعرضوا لمحن ولم يخسروا شيئاً، لكن يتطوعون لعرض خدماتهم الإيديولوجية على المُنفعلين. ومن ذلك التحمّس لتطبيع الكيانيات بدل أَشكلتها، والبحث عن والعثور على جذور لها، وأسوأ من ذلك إضفاء صفة تَقدُّمية على بعضها. الانفعالات والأهواء غير عقلانية معاً، لكن بينما ننفعلُ اضطراراً بفعل ما يحدث لنا، فإننا نتبع الهوى اختياراً لِما نزين لأنفسنا من عوائد مادية أو سياسية أو رمزية له. ثم أنه بينما قد نشتغلُ على انفعالاتنا ونُحوِّلها إلى أفكار ومعقولات، فإن الأهواء غلّابة للعقل، وقد تنتحلُ شخصيته أو تستتبعه. خلافاً للانفعالات الأمينة لكن غير السديدة، الأهواء مُحتالة وغير أمينة. ويشرح تحالفُ الانفعالات مع الأهواء مستوى الرعونة الخطابية والسياسية المرتفع في سورية والشتات السوري.
كيانيّات وعدميّات
ويرتبطُ بصعود الكيانيات تَصوُّرٌ خاصٌ للمَخاطر والصراعات المحتملة في أوساط نُخَبها؛ التصوُّرُ الوجودي. مفهوم الكيان بحد ذاته يحيل على الوجود السياسي الخاص، المُحقَّق أو المراد، المختلف تكوينياً عن غيره. في العربية، أقرب كلمة إلى دلالة الكائن هو الموجود، وإن بدت الكلمة الأخيرة أكثر تجريداً من الأولى. الكائن ليس مجرد موجود، بل هو يتمتع بوجود خاص مُميَّز وقابل للاستدامة، ضربٍ من عضوية مستقلة. وفي تداول الخطابات العضوية للكيانيات سلفاً كلامٌ على المخاطر الوجودية التي تتهدَّدُها (العبارة متكررة جداً في خطاب كيان الباشان)، أو على انخراطها في صراعات وجودية، أو إنها تواجه حرباً وجودية مثلما قال بيان للإدارة الذاتية يوم 18 من الشهر الجاري، أو أن مشاريعها هي مشاريع وجودية. القصدُ أن الخطر الوجودي والصراع الوجودي والحرب الوجودية والمشروع الوجودي تنبثقُ كلها انبثاقاً عضوياً من الحس الكياني، وأننا بالتالي لا نفكر تفكيراً سياسياً يقوم على التسويات والتنازلات المتبادلة والحلول الوسط على أرضيات كيانية.
والمثال الإسرائيلي مضيء في هذا الشأن. تُثابِر إسرائيل دونما توقف على الكلام على مخاطر وجودية تتهدَّدُ كيانها ذاته، وليس على مخاطر أو تحديات أمنية أو سياسية من صنف ما يَعرِضُ لجميع البلدان. وبينما يُحيل ذلك على ما يمكن تسميته بوعي كياني مرضوض أو جريح بفعل تجربة الإبادة النازية التي سبقت خلق الكيان بسنوات قليلة، وشكلت عمادَ الهوية الإسرائيلية، فإن الاستثمار فيه يُسوِّغُ ردوداً مطلقة أو وجودية، استهدفت طوال ثلاثة أجيال وجودَ الشعب الفلسطيني بالذات، وتَوَّجَت نفسها مؤخراً بالجينوسايد في غزة. وكان شائعاً في الخطاب القومي العربي الكلامُ على أن الصراع مع إسرائيل صراع وجود لا حدود، أي هو صراع إفناء، نُفنيهم أو يُفنونا، نُبيدهم أو يُبيدوننا. وهذا التصور ليس غير ناجع سياسياً فقط، وإنما هو غير إنساني وغير أخلاقي. إذ أن إفناء ملايين البشر ينبغي أن يكون خارج كل تفكير بشري سوي أياً تَكُن الغاية، بل إن الغاية ستنقلبُ إلى شرٍّ محضٍ إن جرى التَوسُّلُ إليها بوسيلة كالإبادة. وبعد ذلك، التصوُّرُ الإفنائيُ أو الإبادي غير ناجع سياسياً من الجهة الفلسطينية والعربية، لأن الطرفَ الأقدرَ على إبادة غيره بما لا يُقاس هو الطرف الإسرائيلي الذي طوَّرَ منذ ستينيات القرن الماضي أسلحة نووية قادرة على قتل عشرات ملايين العرب وتدمير مدنهم جميعها. ثم أن التفاعل بين خطاب الصراع الوجودي من جهتنا والعتبة المنخفضة للمخاطر الوجودية عند المؤسسة الصهيونية يقود إلى مسالكَ عدمية وإبادية من الجهتين: من جهتنا بالإرهاب الذي هو بديلٌ «على قدِّنا» لإبادة العدو، ومن جهة إسرائيل بإرهاب «على قدها»، أي الجينوسايد الحقيقي مثلما رأيناه في غزة.
يروي رشيد الخالدي في كتابه حرب المائة عام على فلسطين أن إقبال أحمد نصحَ قيادة منظمة التحرير منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين بتجنب المواجهة المسلحة مع إسرائيل بالنظر إلى التاريخ اليهودي في القرن العشرين، ولأن «من شأن استخدام القوة أن يقوي حسّاً مُسبَقاً منتشراً بالمظلومية بين الإسرائيليين، وأن يوحد المجتمع الإسرائيلي ويعزز الميول القتالية في الصهيونية، كما يوطد دعم القوى الخارجية لإسرائيل». لكن لم يُستجَب لنصيحة هذا الصديق الصلب للكفاح الفلسطيني. كان الأمر يقتضي تفكيراً مغايراً كلياً، وعياً مختلفاً للذات والغير والعالم، أبعدَ عن الكيانية وأقربَ إلى السياسة العقلانية.
كانت القومية، ومنها القومية العربية والصهيونية، حتى وقت قريب الشكلَ القياسي للكيانيات، والأرجحُ أن تداعيها في المجال العربي هو ما دفعَ الدينَ وما يُعادله لحمل النزعات الكيانية. يمكن القول إن أحمد الشرع، الإسلامي، قد نجحَ، لأن حسين الشرع، القومي العربي، قد فشل.
* * * * *
أسهبنا بعض الشيء في المثال الإسرائيلي لأنه واضحُ المنشأ والعواقب، ولكي نثبّتَ أن منطق الكيانيات الوجودي هو نفسه المنطق العدمي والإبادي. فالعلاقةُ بين الكيانيات والمخاطر الوجودية ليست مسألة تصورات، بل هي مدخلٌ إلى ردود عدمية أو إبادية تُسوِّغُ القول إن الصراع الوجودي هو الصراع العدمي دوماً، أي الذي لا يقبل معالجات سياسية.
ومعلوم أن العدمية أخذت شكلاً إسلامياً في مواجهة الحكم الأسدي، فلم تكن ترفضه كنمط حكم فقط، وإنما كانت كذلك تنفي معنى سورية مُجتمعاً وكياناً، أو الوطنية السورية (وهذا مثلما كانت تفعل القومية العربية كذلك)، وهذا نفسه في إطار نفي عام للعالم الحديث، معنىً ومبنى. العدمية عموماً ليست الرفض الجذري، بل نفي المعنى الذي يؤسِّس للرفض الجذري. كانت الإسلامية تُوفر نقطة التباعد الأقصى عن الحكم الأسدي الموصوف وصفاً كيانياً بـ«الحكم النصيري»، لكنها كانت عدمية وغير ثورية لأنها تنفي معنى سورية كإطار لحياة السوريين له تاريخٌ معقول. العدمية الصاعدة في سورية اليوم، أي في سورية ما بعد الأسدية، ليست إسلامية، لكنها غير ثورية مثلها، وتنفي معنى سورية مثلها، وهي مرتبطة جوهرياً بالكيانيات الصاعدة ونظرتها الوجودية إلى محيطها. وحساسياتها تعرضُ اقتراباً لافتاً من نظيراتها لدى اليمين الأوربي. ومن إسرائيل ذاتها. العلاقةُ ليست عارضة بين الكيانية الإسرائيلي وعدميتها المعادية للوجود الفلسطيني والحلول السياسية، وبين كيانياتنا التي تعول على إسرائيل وترجو حمايتها.
وعبر هذه المَسالك الوجودية/ العدمية جرى توريد إسرائيل إلى الداخل السوري كنموذج للعلاقة بين الكيانيات، بدل أن يجري تسييسُ العلاقة مع إسرائيل ذاتها. والمفارقة أن الحكم السوري الجديد يُبدي ميلاً إلى نزع الصفة الوجودية للصراع مع إسرائيل والعمل على تسييسه، وإن «براغماتياً»، هذا في الوقت الذي تتأسرلُ فيه العلاقة بين الكيانيات السورية.
لا سياسة ولا تماهٍ
لا يتحتم أن تأخذ العدمية أو المَنازع الإبادية شكلَ إبادات كبيرة؛ جينوسايد. لكن يُحتمَلُ جداً أن نرى مجازرَ إبادية أو جينوسايدية، مثلما حدث فعلاً في الساحل والسويداء (المجزرة الإبادية مفهوم اقترحه دارس الجينوسايد ليو كوبر لتمثيل قتل أعداد غير كبيرة من الناس، لكنهم يُقتلَون لأصولهم وفصولهم وليس لشيء فعلوه). أما الشكل الرائج والإجرائي للعدمية فهو رفض الحلول والمعالجات السياسية. وَصفُ الفريق الحاكم اليوم بأنه داعشي وإرهابي، وهو ما يثابر على قوله الشيخ الهجري بينما يُوسِّعُ القواسم المشتركة بينه وبين إسرائيل إلى درجة اعتبار كيانه ذراعاً حليفة لها، ذلك الوصفُ هو إخراجٌ من السياسة ورفضٌ للبحث عن مخارجَ سياسية. وقريبٌ من ذلك وصف المعارضين الكيانيين للحكم الجديد بأنهم عملاء إسرائيل، مثلما يفعل وجهاء إعلام الكيانية السنّية، بما يُشرِّعُ الصراع الوجودي ضد أولئك العملاء. الحقيقة ليست كذلك في الحالتين، وإن كان للكيانية السنّية الراهنة جذور عدمية وإرهابية بالفعل، ثم وإن كانت المساحة شهدت اتساعاً للّقاء بين كيانيات ناشئة وبين إسرائيل. الهجري نفسه، وتصريحاته تعطي الانطباع بغير قليل من الطيش وقلة التبّصُر، ليس عميلاً لإسرائيل. الشيخ سياسيٌ أحمقُ فحسب.
وفضلاً عن البعد الوجودي/ العدمي، عن رفض المعالجات السياسية، تتميز الكيانيات كذلك بما يمكن تسميته النزعة الدائمية primordialism، أعني افتراضَ هوية للنفس والغير لا تكاد تتغير. العلويون نُصيريون مثلما يفضل الكيانيون السنّة، والشيعة روافض، والسنّيون دواعش عند كيانيين سوريين آخرين، أو أحفاد ابن تيمية، والحكم القائم اليوم هو نظام جبهة النصرة، أو حكم القاعدة. المَنزَعُ العام للدائمية هو تفسيرُ التاريخ والسياسة بالهويات التي لا تتغير، وليس تفسيرَ الهويات بالتاريخ المُتغيِّر.
وتشير هذه الأحكام إلى مستوى يتقدم من اللّاتماهي، بل من نزع التماهي أو تقويض المعاني المشتركة بين السوريين، ومن التجافي والمُجاهرة بالعداوة بين الجماعات. ليس هذا الواقعُ جديداً، فالتماهي السوري كان ضعيفاً على الدوام، عَوَّضت عنه جزئياً في عقود سابقة الرابطة العربية، ثم في عقود لاحقة فكرة «سورية الأسد»، أي الولاء للحكم الأسدي، الذي قام من وجه آخر على إضعاف أي تماهٍ سوري لا ينعقد عليه. لكن نزع التماهي المُشترَك عملية نَشِطَة اليوم، وهو يُعطّل بقوة تَشكُّل كيانية سوري جامعة أو هوية عامة. الهويات تُصنَع من عمليات تماهٍ مثلما تتكون البحيرات من ورود مجاري مياه متعددة إليها. ومثلما تجفُّ البحيرات بفعل نضوب الوارد المائي، تتهاوى الهويات وتتفكك بزوال التماهيات المشتركة، ومن باب أولى بعمليات نزع التماهي وتغذية العداوات الوجودية.
ثلاث تَقدُّميات ورجعية واحدة
هل لكيانياتنا الناشئة فُرَص حقيقية للترجمة إلى كيانات فعلية مستقلة؟ محدودة جداً. إما لأنها ستثير مشكلات أشدَّ صعوبة من تلك التي يثيرها الكيان السوري، بفعل واقع التمازُج البشري فيها، وهو ما ينطبق على «إقليم غرب ووسط سورية» وعلى روجافا التي لا يَعرِفُ أحدٌ حدودها، أو لأنها ستحتاج إلى راعٍ أجنبي لا يحميها عسكرياً فقط بل ويصرف عليها في حال السويداء. لكن ما لا فرصة حقيقية له لا يزول حتماً: ربما يستمر في صورة تعايش سامٍّ وغير ودّي مثل زواج بالإكراه.
وبصرف النظر عن فرصها، فليس هناك ما هو تَقدُّمي وتَحرُّري فعلاً في الكيانيات الناشئة كلها. وهذا ليس فقط لأن ترجمتها إلى واقع سياسي باهظة الكلفة بشرياً ومادياً، ولا لأن أرضية قيام أي منها أقرب إلى الطائفية والعنصرية، وإلى ما هو عضوي وبيولوجي، من أرضية قيام الكيان السوري، ولا حتى لأن أي منها لا ينفتح على أفق عالمي أو كوني، وهي واقعةٌ سلفاً في أيدي أناس يتراوحون بين ازدواج السياسة والخطاب وبين التمرُّس في الإجرام، وإنما فوق هذا كله لأنها أطرٌ للترقي الثقافي والحضاري أضيقُ بما لا يقاس من سورية المتعددة.
الافتراض بأن الكيانيات حركات تَقدُّمية، باستثناء الكيانية السنّية، يُحيل على مزيج معقد من الجهل والهوى والطائفية التي تبلغ حد العنصرية. والواقع أن التقدمية السورية عرضت استعداداً عريقاً للتورط في نزعات تمييزية والتنظير لتفاوت الأهليات الحضارية للسوريين، دون استعداد مقابل للتعلُّم من التاريخ، تاريخِ سورية ذاته الذي سبقَ أن شهدَ نزعات مُقارِبة لهذه الجولة من «العنصرية التقدّمية». خلال أشهر ارتفع مستوى نزع الأنسنة من الهمج والقطعان والرعاع وما يعادلها إلى «الغبار البشري» مثلما أمكن لتنظيم تروتسكي داعم لقسد أن يقول.
حيال نظام سلطة وإيديولوجية لا يواليه المرء، مثل الحكم الحالي في سورية، هناك طيفٌ من المواقف يمتد من المعارضة بصورة مختلفة إلى الثورة، يشدَّ هذا الطيفَ إلى بعضه الصراعُ من أجل الهيمنة، من أجل الفوز بتأييد قطاعات متسعة من الجمهور للتطلعات التغييرية. الكيانيات لا تندرجُ في هذا المسعى، تندرجُ بالأحرى ضده: ضد الإطار الوطني وضد «الغبار البشري». مدهشٌ الاستغناءُ عن مجرد محاولة خوض معركة الهيمنة بتسفيه أوسعِ قطاعات الجمهور والالتحاق بقطاعات أخرى على أسس كيانية، تنبذ التعدد والنقاش الفكري والسياسي تكوينياً.
* * * * *
وبعد ذلك، حين نفكر في التركيب البشري لكيانيتنا الناشئة، نُخطئ بالاقتصار على الاختلاط البشري في الجزيرة والساحل ووسط سورية، وحتى بدرجة أقل في السويداء قبل تهجير البدو. فمثلما أن السنّيين ليسوا مضمونين للحكم الحالي، ليس الكُرد مضمونين لتنظيم الاتحاد الديمقراطي، ولا الدروز لمشروع الشيخ الهجري المتعنت، ولا العلويين لغزال غزال أو رامي مخلوف أو مجلس وسط وغرب سورية. هناك قطاعات غير كيانية من هذه الجماعات تتطلع إلى معالجات سياسية في النطاق السوري العام، ومثلما ارتفعت نسبة الكيانيين بعد مجازر الساحل والسويداء بعد أن كانت منخفضة، فإن نسبة غير الكيانيين هي المرشحة للارتفاع في إطار سياسات معاكسة، تقرُّ بالجرائم وتُحاسب الجناة وتُعوِّضُ المتضررين، وتدرأ تقسيم البلد بتقاسُم السلطة بالمعنى الواسع للتعبير، أي بالمشاركة السياسية الفعلية على مستوى السلطة المركزية والسلطات المحلية وبنظام حقوق وطني يقوم على المواطنة، وبقيام الكيان السوري على احترامٍ متساوٍ للجماعات السورية.
«العصبوية السنّية»
بنيوياً، هناك إمساكٌ بالدولة العامة من قبل فريق ينحدرُ من هيئة تحرير الشام، وسعيٌ لتوحيد الجغرافيا، لكنه مُتمحور حول سلطة فئوية و«كيان سنّي»، شرحه مُبتدِعُ هذا التعبير بالذات بأنه «العصبوية السنية التي دعا إليها ابن خلدون». حين نشر أحمد موفق زيدان مقالته التي يقول فيها هذا الكلام في أيلول (سبتمبر) 2025 (بعد عامين من أول تنظير له حول الكيان السنّي)، كان مستشاراً إعلاميا للرئيس الانتقالي منذ أسابيع، وليس مجرد صحفي صاحبِ رأي. وهذا يُقرِّبُ ما يقوله من تخبيصٍ أن يكونَ سياسة دولة.
في الواقع، لم يدعُ ابن خلدون لـ«العصبوية» السنّية، ولا لأي «عصبوية». لقد فسَّرَ العمرانَ بظهور عصبيات لم ينسبها إلى الدين، بل إلى القبيلة وما في حكمها. بل إن مؤلف المقدمة قدَّرَ أن «الدعوة الدينية [بالذات] لا تتم من غير عصبية». وعدا عن أنه فسّرَ بالعصبية ولم يدعُ إلى عصبية، فإن نظريته لا تستقيم اليوم لاعتبارين كبيرين. الأول هو أن العصبيات تتكون بالسياسة أكثر مما تُكَوِّنُ هي السياسةَ، مثلما يُظهِرُ المثال السوري في الحقبة الأسدية واليوم، وعكس ما تقضي به نظرية ابن خلدون. زيدان نفسه دعا إلى حل تنظيم الإخوان المسلمين لبناء عصبية سنّية يدرك جيداً جزئيتها وتقلبها وضآلة فرص استمرارها، وحافظ الأسد أبعدَ خصومه من العلويين من أجل الاستئثار بالسلطة، ثم نفى أخوه بالذات، من أجل هندسة عصبية علوية موالية. أما السبب الثاني فهو النظام الدولي الذي صارَ دوره في قيام دولنا واستقرارها وانهيارها حاسماً، مثلما هو ظاهرٌ أيضاً بخصوص سورية وكل مكان حولنا.
ولا يثبت زيدان إلا أنه يفكر بالثورة السورية كانقلاب سنّي حين يقول إن «العصبوية الوحيدة للثورة السورية هي العصبوية السنّية التي دافعت وقاتلت، ولا تزال مستعدة لدفع الثمن، والحفاظ على الثورة، ولذا فهي المُؤتمَن الوحيد عليها». هذا تشريعٌ لقيام سورية كدولة طائفية سنّية، تُحيلُ غير السنّيين إلى رعايا وتابعين لا يُؤمَن جانبهم. فلماذا لا يعملون بقدر مُستطاعهم على بناء كيانيات تخصُّهم؟
وهم يفعلون، وآخرُ من يحق لهم الاعتراض على ذلك زيدان والمُهتدونَ بمثل هذا التفكير البالي الذي سيُضيّعُ سورية وسُنّييها معاً. عنوان مقالة زيدان بالمناسبة، هو: هذا ما أعنيه من مفهوم «الكيان السنّي» في سوريا، أي أن المستشار جاء يُكحِّلها، فعماها!
هذا كي نقول إن فُرَصَ سورية بتجاوز الكيانيات الناشئة مرهونةٌ بتجاوز الكيانية الأقوى، أي الاستئثار بسلطة الدولة من قبل قوى سنّية مسلحة، تُحيل الآخرين إلى مواقع عامة غير مُقرِّرة في أحسن الأحوال، أو إلى رعايا بلا تمثيل في أوسطها، أو إبادتهم سياسياً حين يتمردون.
وأخيراً، فإن الركيزة الفكرية الأصلبَ لتجاوز الكيانيات هي التحوُّلُ عن التفكير في السوريين كـ«مكونات» و«عصبويات» ودائميات، مثلما يُفضِّلُ الحكم الحالي وسلطة قسد النظر إليهم، إلى التفكير فيهم كمواطنين متساويين حقوقياً وسياسياً وسيادياً. أعني بالمساواة السيادية أن السوريين مختلفي المنابت صُنّاعٌ متكافئون للسياسة والمصير العام، وليسوا مواضيع لسياسات تُرسَم من فوق رؤوسهم ووراء ظهورهم.
كيانيّات مُطلَقة وكيانيّات دستورية
هذه المقالة محاولة لعقلنة التفكير في الشأن السوري في زمن عاصف، لا تصطدم فيه العقلنة بأساطير الجماعات الجغرافية والتاريخية وحدها، بل كذلك بالانفعالات والأهواء المحمومة. وكانت شبه جاهزة للنشر قبل بدء مسلسل الانهيار الخاطف لسلطة قسد، وانحسارها جغرافياً إلى مناطق في محافظة الحسكة وبلدة كوباني (عين العرب)، وانحسارها سياسياً عن تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يبدو جناحه القنديلي الذي يفكر في سورية كساحة أكثر تَشدُّداً من جناحه السوري المقيم في أرضه وبين أهله. ويظهر أن الكيانيات السورية في خسوفٍ سلفاً بفعل متعاضد من الانهيار والانحسار، بالنظر إلى أن قوات قسد كانت تجمع بين كونها كبيرة وحسنة التسلح، وبين السيطرة على إقليم واسع، مشفوعين كذلك بنيل الدعم الأميركي، فشكلت بذلك رصيداً تَستندُ إليه التطلعاتُ الكيانية الأخرى. ضاعَ كل ذلك بسرعة وسهولة مفاجئتين، وإن لم تُقَل الكلمة الأخيرة في هذا الشأن بعد.
وهكذا فإنه حين تُنشَر المقالة ربما سيبدو أن موضوعها قديمٌ سلفاً.
هناك اليوم قوة واحدة يمكن أن تُعيد إنعاش النزعات الكيانية ومَنازِعها الوجودية/ العدمية، وربما تزجُّ البلد من جديد في دورة الدم والانفعالات والأهواء التي رأيناها عام 2025 وفي الشهر الأول من 2026: هذه القوة هي الكيانية السنّية، وإن تَنكَّرَت بالدولة. ألم تتصاعد الكيانيات أصلاً في العام الماضي بارتباط مباشر مع مجازر الساحل والسويداء؟ التنظيرات عن «العصبوية السنّية» مجرد قرينة إضافية حين تكون المجزرة هي الدليل، وهي من تشهد على نفسها بالصوت والصورة.
الواقع أن الكيانية السنّية وليدةُ الحقبة الأسدية، ثم بصورة أخصَّ سنوات الثورة والحرب. وهي مثل الكيانيات الثلاثة الأخرى حقيقةٌ واقعةٌ لا يسهل القفز فوقها. تغذت الكيانيات الكردية والعلوية والدرزية من تجارب إقصاء وتمييز، ومن دم حديث لا يزال يسيل في الذاكرات، وتتمازجُ فيها تطلعات مشروعة نحو المساواة والكرامة والحقوق مع مَطامح غير عاقلة نحو التقسيم وغير عادلة نحو الاستئثار الفئوي، وهو ما ينسخ البنية التمييزية التي يُشكَى منها اليوم ضمن نطاقات جديدة بلا ذاكرة ولا تاريخ، ولا تعيش دون رعاة خارجيين.
يمكن تجاوز هذا الازدواج المُكوِّن للكيانيات؛ تَطلُّعات مشروعة ومطامح غير مشروعة، بتصور كيانيات دستورية مقابل شكلها الحالي ككيانيات مُطلَقة مُتمركِزة حول نفسها وغير معنية بمستقبل عام. الكيانية الدستورية تنطلق من مطالبَ وتفضيلات مميزة لهذه الجماعة أو تلك، وتعبر عن نفسها سياسياً بالصور المناسبة، وتناضل من أجل الهيمنة في النطاق السوري العام. كان المُنظِّر الألماني يورغن هابرماس قد طوَّرَ تَصوُّرَ الوطنية الدستورية في ثمانينيات القرن الماضي، وعنى به ارتباطاً سياسياً مدنياً للمواطنين بالمؤسسات والدستور في إطار ديمقراطي ليبرالي، لا بالهوية الإثنية أو القومية أو الثقافة الخاصة. في خلفية تفكير هابرماس الوطنيةُ المطلقةُ في صيغتها النازية، وقد قادت إلى حرب مدمرة وإبادات مهولة، انتهت باحتلال ألمانيا. في سورية اليوم لسنا مهددين بوطنية سورية مُطلقة، بل بكيانيات مطلقة، متعادية وعنيفة فكرياً ونفسياً، صِراعاتُها وجودية، وتجمع بين الطفولية والتطفُّل، منفعلة وحردانة وأنانية مثل الأطفال، ومتطفّلة في الاقتصاد والأمن على غيرها.
فرصة التحول نحو كيانيات دستورية مرتبطة بتحول سورية بالذات إلى حكم دستوري، وببيئة وطنية تقوم على التعدُّد السياسي على نحو يُتيحُ ربطَ المطالب الخاصة بالحقل العام والصراع المُمأسَس على السلطة. التعدُّد السياسي هو البديل العقلاني عن التعدُّد الكياني الذي يطمح في صِيَغِهِ المطلقة القائمة اليوم إلى تعدُّد سيادي، أي إلى تعدُّد الدول، وليس التعدُّد في الدولة الواحدة. يُرجَّحُ للمسار السوري أن يبقى مُرجرجاً، مُعرَّضاً لانقلابات وكوارث، إن لم يجرِ تجاوز الكيانيات المطلقة بالبديل الأكثر عقلانية: كيانيات دستورية وتَعدُّد سياسي.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
- زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
- فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
- قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
- الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
- يا زميل! في وداع حسن النيفي
- دماء في صُبح سورية الأغبر
- سورية بعد عام: عواقب الفراغ السياسي
- منظورات سورية:ي تبدُّلات المعرفة والسياسة بموازاة تغيُّر الز ...
- فصاحة السلطة عامية الشعب
- قصة محمد بن راشد: حداثة بلا سياسة، وجمالية بلا تاريخ
- سورية والمسألة الجيليّة
- صراع الذاكرات السورية وسياساتها
- طبّالون ومكيودون وحائرون
- هيغل وآرنت: فكر بدايات وفكر نهايات
- تصورات الأقلية والأكثرية على ضوء التاريخ السوري
- ديمقراطية وجينوقراطية: في تشكل الشعب السوري وتفكّكه
- مصالحة وطنية في سورية!
- حوار ثان مع علي جازو: العالم والكتابة واللغة والنشر و...سوري ...
- أزمة القيادة في البيئات السنّية السورية


المزيد.....




- نكتة تريفور نوح بشأن غرينلاند وجزيرة إبستين تشعل غضب ترامب.. ...
- ريم الهاشمي ترد على مزاعم تولي الإمارات الإدارة المدنية في غ ...
- صور جنسية مفبركة لشرطيات على إنستاغرام... عندما ينتحل الذكاء ...
- كوستاريكا: مرشحة اليمين الحاكم لورا فرنانديز تفوز في انتخابا ...
- لبنانيون ينتقدون الحكومة والجيش.. الجزيرة تنقل مشاهد حية من ...
- أردوغان يربط أمن تركيا باستقرار سوريا ويحذر من العبث بمسار ا ...
- لماذا بدا تنفيذ اتفاق دمشق وقسد في عين العرب معقدا؟
- 8 نقاط تشرح ما جرى في معبر رفح اليوم
- مراسل الجزيرة نت بالمغرب يروي كيف واجه سكان القصر الكبير الف ...
- بين الهاتف والتلفاز.. لماذا اتجهت منصات البث لتبسيط الحبكات ...


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية