|
|
حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 18:17
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
أسئلة علي جازو في كتاباتك، الجسد السوري ليس فقط جسدًا معذّبًا، بل هو أيضًا مسرح السلطة وميدانها. كيف ترى علاقة السلطة الشمولية بالجسد في الحالة السورية، مجتمعًا وفردًا؟
الموضوع يستحق من الانشغال والتفكير أكثر بكثير مما فعلتُ، وسؤالك يثير في نفسي شعورًا بالتقصير. نحن نوجد في العالم بأجسادنا، والعقل والنفس والروح والضمير هي قوى وطاقات وعمليات متصلة بالجسد ككيان حاسّ، توجد به وتزول بزواله. لذلك يجب أن يكون غريبًا ضعف العناية بالجسد الذي ينبغي أن يكون الأساس في الكلام على السياسة، وعلى المجتمع والاقتصاد والإنسانيات. سأحاول بسط ذلك في تفاعلي مع أسئلتك المحفزة. يبدو لي أن الجسد السوري كان لوقت طويل منتهكًا، مضروبًا، معذبًا، مغتصبًا، مكسورًا، مهانًا ومنكس الرأس. جسد ناقص وغير حر. فإذا كانت الحرية هي أولًا حرية الجسد السلبية من الضرب والإيذاء والتقييد والانتهاك، وحريته الإيجابية في أن يتحرك ويختلط، ويتفاعل مع غيره من الأجساد، فنحن لم نكن أحرارًا لأن أجسادنا منتهكة. في جذر ذلك ما أسميه الحكمَ اليدويّ، الحكم الذي يتركز على الأجساد، أجساد الرجال والنساء، ضربًا وإيذاءً وإذلالًا، فيعزلُها عن بعضها ويدفعُ كلًا منها إلى الانكماش على نفسه. سورية طوال عقود دولة تعذيب، يقوم نمط ممارسة السلطة فيها على انتهاك أجساد المحكومين بأعداد كبيرة بما يكفي ليكون الكل منتهكين. ويشكل الحكم اليدوي نموذجًا سياسيًا، أو «باراديجمًا»، يتقابل مع ما أسماه ميشيل فوكو السياسة الحيوية «البيوسياسة»، أو السياسة التي تدير الحياة وتضبطها وتقننها، وتقيم المؤسسات [المدرسة والثكنة والمشفى والمصنع ومشافي المجانين…]، وتطور المعارف التي تدور حول ذلك [الطب الحديث، الطب النفسي، علوم السكان، الإحصاء، الاقتصاد السياسي…إلخ]. يمكن أن نسمي هذا الحكم الأخير حكمًا عقليًا، يستخدم فيه العقل من أجل الضبط والتحكم والسيطرة، لكنه لا يضرب الأجساد ويؤلمها ويكسرها. بالمقابل، المعادل المؤسسي للحكم اليدوي هو أجهزة الأمن التي هي معامل للتعذيب وإنتاج الخوف، ولا يطور الحكم اليدوي علومًا، بل بروباجندا مدارها عبادة النظام الأمني لذاته، وإن عبر شخص أعلى يشرف على ترويع السكان ويقرر من يعتقل ومن لا يعتقل، من يفرج عنه ومن يبقى في السجن لسنوات أو يعذب فيه أو يعدم. وبالمقابل، يطور السكان «علومًا» للمُداورة والتجنب وحماية أجسادهم وأنفسهم، وثمن نجاحهم هو أن يرضوا بالقليل، أي بالكاد بتجنب الوقوع أو النجاة من أسوأ الانتهاكات. من منظور فوكوي، «الحقيقة» تُنتج عبر العلوم المذكورة من أجل الضبط، أما الحقيقة في الحكم اليدوي فتُبلَغ عبر تعذيب الأجساد وإيلامها وعصرها، وتودع في أجهزة المخابرات. ومن خصائص الحكم اليدوي أنه حكمٌ عن قرب أو حميمي، يتيح هامش حرية واسعة لأيدي الحاكمين حيال أجساد المحكومين، وهو ما قد يقترن بالإبداعية في الضرب والإيذاء والتعذيب، لكنه كذلك قد يوفر مساحة تواطؤ بين اليد الضاربة والأجساد المضروبة. من خبروا تجارب التعذيب في الحقبة الأسدية يعرفون هذين الوجهين معًا: الإبداع التعذيبي، والتواطؤ المنقذ. وفي الحالة الأولى نحن بعيدون عن الشر المبتذل، المبقرط، الذي تكلمت عليه حنة آرنت في «آيخمان في القدس». وفي الحالة الثانية نحن حيال مسلك حميد غير مبقرط بدوره، قد تكون دوافعه القرابة وما في حكمها، وقد تتمثل في حسّ خيري طبيعي. ويبدو أن المسالك الحميدة الأخيرة تراجعت بشدة بعد الثورة السورية، وبلغ الحكم اليدوي ذرى تعذيبية غير مسبوقة. الانتهاك هنا ليس أمرًا عارضًا، يمكن أن يحدث أو لا يحدث، بل هو حتمية من حتميات نظام الحكم اليدوي أو قانون من قوانينه. وبعبارة أخرى، الانتهاك ليس خرقًا أو تجاوزًا لقاعدة هنا، بل هو القاعدة، وهو ما يعني أن العمل ضد الانتهاكات ينبغي أن يستهدف تغيير نظام الحكم اليدوي وقوانينه. وهذا ما يتعين أن يفكر به وينطلق منه فكر وسياسات حقوق الإنسان في سورية وغيرها. وما يدعو تفكيرنا وثقافتنا إلى انشغال أكبر بالجسد وحرمته من التعذيب والانتهاك.
أليس هذا اختزاليًا؟ هل يُستنفد شرط الجسد السوري في كونه منتهكًا، يستبيحه الحكم اليدوي؟ معك حق. أعتقد أن الحقل الذي يوجد فيه الجسد السوري ثلاثي الأبعاد، وليس أحاديًا، ولا حتى ثنائيًا. فالجسد المنتهك سياسيًا هو كذلك جسد مقيد، مراقب، مكبوت، وبخاصة أجساد النساء، تقيدها وتكبتها السلطات العائلية والاجتماعية والدينية، وتحول دون أن تكون موضوع معرفة وموضع نقاشات عامة. وفي الزمن المعاصر دخل نظام التقييد الاجتماعي الديني، والرقابة على جنسانية النساء بخاصة، ولكن الرجال كذلك، في تناقض متفاقم مع فرص الزواج وبنية الأسرة والضرورات الاقتصادية والتعليمية المتحكمة بهما. فالزواج المتأخر بعد ما لا يقل وسطيًا عن 15 عامًا من البلوغ الجنسي يؤدي إلى تكوينات نفسية محبطة ومعقدة وعنيفة، وضروب من الأمراض النفسية المتصلة بالحياة الجنسية وتفتح الأجساد وطاقاتها في سنوات المراهقة والشباب، أمراض منتشرة كل الانتشار في مجتمعنا وعائلاتنا. وهذا ينعكس على تربية الأطفال في أسر نووية أكثر وأكثر، وعلى يد آباء وأمهات ضعيفي التعليم ومضطربين هم أنفسهم، ومنقطعين عن الأدوار التقليدية التي كانت تُستبطَن في إطار الأسر الممتدة. وهو ما يفاقمه غياب سياسة سكانية عامة، ليس غرضها حصرًا ضبط التكاثر السكاني، بل التوعية بوسائل حماية صحة الأمهات والمواليد، والجنس الآمن، وتجنب الحمل إن أراد الزوجان. ينبتُ الأطفالُ بَعلًا مثل نباتات برية في مثل هذه الظروف، دون رعاية حقيقية: خشنون، جانحون أو مستعدون للجنوح، قساة، يسهل استخدامُهم من قِبل سلطات سياسية أو دينية منفلتة. وفي ظل اتساع نسب الفقر وتدهور مزمن للتعليم، تفاقم بشدة في سنوات ما بعد الثورة والحرب، وتتويجًا لعملية ترثيثية أو نازعة للحضارة عمرها من عمر الحكم البعثي، ظهر المجتمع البريّ، أو ضربٌ مُصنّع اجتماعيًا وسياسيًا من البداوة المعاصرة. نحن هنا اليوم في تصوري. أما البعد الثالث فيتصل بما ذكرته للتو من الفقر، وألف حرمان مصاحب له. كان 12.9 مليون سوري في حاجة إلى دعم غذائي، وقريب من 90% منهم تحت خطر الفقر الذي يقدر بـ2.15 دولار في اليوم. هذا يعني أن ملايين الأجساد في عوز ومرض، بعيدة عن إشباع الحاجات المادية الأساسية من غذاء ومسكن وملبس ودواء، ومن باب أولى أي حاجات روحية وسياسية وفكرية، من أهمها تقدير النفس. ربما نتذكر أن هذا الشرط المتصل بالحاجات المادية كان يشغل موقع الصدارة في تفكير المثقفين والمناضلين السياسيين حتى ثمانينيات القرن العشرين، وكان تعبير «تلبية الحاجات المادية الأساسية لجماهير الشعب» بندًا أساسيًا في النضال اليساري. في طور لاحق شغل القمع والتعذيب موقع الصدارة التحليلي والسياسي، وأخذ يزاحمه في الوقت نفسه خطابٌ ينشغل بالحَجب والمنع والتقييد الاجتماعي. ومثلما ترى هناك ارتباطًا بين شروط الأجساد وبُنى الخطابات، ويُقترن زوال بعض الخطابات بزوال شروط الأجساد من الرادار الفكري، مثلما زال شرط الجسد الجائع والمعوز بزوال الخطاب الاشتراكي قبل ثلاثة عقود.
هل الذعر من العري هو خوف ثقافي أم سياسي؟ أين نضع يدنا إذا أردنا قياس موضع الجرح والأذى من الجسد، هل نبدأ من الدين الإسلامي، أم من ديانة السلطة الحاكمة؟ أعتقد أنه أنثروبولوجي، متأصل في بشريتنا، تقوم الثقافة وتقوم السياسة على ذلك «الذعر» بين أشياء كثيرة أخرى. ليس هناك في تصوري مجتمعات دون رهاب العري [وبالطبع دون الرهاب المقابل: رهاب الحجر والعزل، أو الحبس]. أعتقد أننا نخشى الانكشاف التام، لأجسادنا ولأنفسنا، مثلما نخشى الحجب التام الذي هو الحبس. هناك فروق اجتماعية وثقافية، وهي فروق حديثة نسبيًا، تتصل بالفَرْدنة وتحول الأجساد من ملك للعائلة أو العشيرة أو الأمة إلى ملك للأفراد الذين وحدهم لهم أجساد حقيقية. هذا تغير أنثروبولوجي بالفعل، ولعله يقول إن «أناستنا» معطى تاريخي، أكثر من افتراض أن التاريخ نتاج أنثروبولوجي. في خبرتنا المعاصرة، العري ليس موجودًا إلا في النطاقات الخاصة جدًا حين يكون المرء وحيدًا، أو مع شريكه أو شريكته، أو بالطبع في المخيلة. ليس هناك مساحات اجتماعية يكون العري فيها متاحًا مثلما هو الحال في ألمانيا. لكن ينسى أكثر الناس أن السلطات السياسية أعطت لنفسها حق تعرية الناس، الرجال والنساء، بغرض التفتيش أو الإذلال أو الاغتصاب، أو فحوص العذرية التي تجري في مصر. وهذا يتصل بما تقدم عن الحكم اليدوي، أو عن رهانه الأقصى المتمثل في أن يَمثُل الناس عراة تمامًا أمام حاكميهم، بالمعنى الحقيقي للتعبير [أكبر عدد من النساء المباحات لأصحاب السلطة الذكور]، وبالمعنى المجازي، أي أن يكون السكان منكشفين، عراة السرائر أمام الحاكمين. الدولة السرية، مثلما عرفناها طوال عقود في سورية، تريد أن يكون المجتمع خاليًا كليًا من الأسرار أمامها. ولا يكاد يُذكر كذلك عري أو شبه عري الفقراء، وهو لا يستأذن أي تصورات عن الجسد والعري، ولكنه بالتأكيد يصبو إلى السترة. لكن لماذا يربط السؤال بين العري وموضع الجرح والأذى من الجسد؟ العري الطوعي، في علاقات الحب أو في فضاءات خاصة بالعراة، مشروط بغياب «الجرح والأذى». نحن نحمي أجسادنا حين تكون البيئة مؤذية، ومن يتعرضون أو يتعرضن للإيذاء من قِبل ما لا طاقة لهم به أو بهم، يتكوّرون على أنفسهم لتضييق مساحة الجسد المعرضة للانتهاك، أي العارية أو الأدنى حماية. هذه خبرة إنسانية لا تحتاج إلى تعلم، وأعرفها من نفسي في أوضاع تعرضت فيها للتعذيب في سنوات اعتقالي. بالمقابل حين نأمن من الجرح والأذى، ليس أول ما نفعله التعري، بل الحركة، الظهور في المساحات العامة، جَوب الآفاق، و«رفع الرأس» حرية. نحن نرتدي الثياب حماية لأجسادنا من الأذى، الأذى الطبيعي والأذى الاجتماعي، عوامل البيئة وعوامل المجتمع والسياسة، وليس حصرًا لأن سلطات ما تأمرنا بذلك. نفعل كذلك لأننا قلما نرضى بأجسادنا، ونريد ستر عيوبها المتصورة. ليس هناك إنسان واحد على ظهر البسيطة، ولا أي ملكة جمال للعالم، أو بطل كمال أجسام، راضية أو راضٍ عن جسدهما. وإن رضينا لبعض الوقت فبعد قليل نسمن أو ننحل، تظهر علينا علائم الزمن، فنفقد الرضا ونريد «السترة». وعمومًا، يدير الناس العري والحجب طوال ظهورهم في فضاءات عامة، وإن وفق اعتبارات تحيل إلى الطقس، إلى العمر، إلى ما يحتمل أن يقوموا به من مهام، إلى نوعية الفضاءات المعنية: شارع، سوق، مدرسة، جامعة، جامع أو معبد ديني بعامة، مكان عمل، شاطئ، مسبح، «جِم»، وغير ذلك. ونحن على الدوام كُساة جزئيًا وعراة جزئيًا، لكن هناك حالتين قصويين: العري الدائم، والحجب والعزل الدائم. وبقدر ما أعلم ليس هناك عري دائم في أي مجتمع، وتطمح سلطات ذكورية في بعض أوساطنا الاجتماعية إلى عزل دائم في المساحات الخاصة للنساء. كانت أمينة، زوجة «سي السيد» في ثلاثية نجيب محفوظ في عزلة دائمة في منزل العائلة حتى تقدمت في السن. سي السيد، بالمقابل، كان مرتادًا لـ«بيوت العوالم». لكن في تقديري أن هذا الشرط نادر جدًا اليوم. يبقى التساؤل عن مرجع «الذعر من العري»: هل مبدأه الدين الإسلامي، أم السلطة الحاكمة؟ من الأشياء التي عملت عليها خلال السنوات العشر الماضية ما يتصل بإظهار أن «الدين الإسلامي» لا يكف عن التشكل على صورة القوى التي تحمل رايته أو تعرف نفسها به، في شروط بعينها، هي شروط مجتمعات مسلمة تعاني من مشكلات متنوعة، تتصل بموقعها في التاريخ الحديث [هذا مُفصّل في كتابي «الإمبرياليون المقهورون»، 2019]. الإسلاميون لا ينفكون عن إنتاج الإسلام الذين يستنتجون أنفسهم منه. فالأمر لا يتعلق بإسلام لا يكف عن مشابهة ذاته على مر الأجيال والقرون. هناك تياران يعتقدان بهذه الخصوصية العابرة للأزمنة، الإسلاميون أنفسهم، وأعتى أخصامهم ممن ينتحلون العلمانية أحيانًا. الواقع أن شكل الإسلامية السلفي الجهادي، مثلًا، عمره بالكاد أربعون عامًا أو أقل، وهو ما يجعله تقليدًا مخترعًا، ينطبق عليه ما قاله إريك هوبسباوم عن التقاليد بعامة في عصرنا. أعتقد أنه لفهم الإسلام المعاصر، وأشكاله السياسية والحربية، ينبغي التركيز على ضروب الانفعالات التي يولدها وجودنا في العالم المعاصر، وكيف يُعاد تشكيل الأفكار، الدينية والدنيوية عبرها، بما في ذلك تآكل أو حتى زوال بعضها وصعود بعض آخر منها. وعمومًا، الدين في كل وقت نتاج التديّن، والتديّن متصل بوجودنا العيني في عالم اليوم.
ذكرتَ أن العري، في إحدى حالاته، موجود في المخيلة. أي أنه تصوّرٌ وليس حقيقة ملموسة، لكنه ربما طلب ونداء إلى الحقيقة كي تستجيب وتعاش. إلى أي مدى يمكن للمخيلة، بما يخص السوريين والسوريات، أن تخيف وترهب، وبالمقابل أن تُطمئِن صاحب الجسد وتحفزه وتنعش فكره لا جسده المتخيل عاريًا وحسب؟ أن تخيف المخيلة وترهب مَن؟ الأقوياء من أصحاب السلطة والثروة؟ أرجو ذلك. لكن هل يتعلق الأمر بخوف وترهيب؟ أم ربما بمضاعفة الحياة ورفع الحواجز الجمالية التي تحميها؟ لكن يبدو لي مستبعدًا أن تخيف المخيلة وترهب أحدًا. الجندي الروماني الذي قتل أرخميدس والأصولي المصري الذي حاول قتل نجيب محفوظ لا يمكن للمخيلة أن تصمد في وجههما. لكن يمكن أن نستند إلى مثال أرخميدس ونجيب محفوظ من أجل الدفاع عن حياة تتمتع المخيلة فيها بالاستقلال عن السلطة وعن الدين والإيديولوجية. وربما تساعدنا المخيلة في تحمّل أجسادنا، عاريةً أو مكسوةً، أو في تغيير علاقتنا بها من جسد بيولوجي يسعى وراء إشباعات مباشرة إلى جسد متخيل وراغب وفنان. أعتقد أن اجتماعنا الحديث فقير رمزيًا ويعاني من ضعف في المخيلة، وربما لذلك أثر في شيوع العنف في عالمنا وفي فقر مجال الحب والجنس، وكذلك في ضعف الفنون ومحدودية أثرها الاجتماعي. حداثتنا لم تهتم لا بقضايا المخيلة ولا بشؤون الأخلاقيات.
هل يمكن للفكر أن يحمي الجسد من التحول إلى «مسخ» جراء الخوف والرعب. وهل الجسد هو مكمن الخطر على الذات أم هو درع حماية يخشى من فقدانه؟ أم الخطر الأكبر هو في إهماله، اعتباره مجرد وعاء للروح وبالتالي انعدام التفكير به وعنه في آن؟ أحب تعليق بريمو ليفي على تصور المسخ، وإن كنت لا أوافق عليه. يقول: «المسوخ موجودة، ولكنها قليلة جدًا، فلا تكاد تؤذي؛ الأخطر منها هم أولئك البشر العاديون، أولئك الموظفون المستعدون للتصديق والطاعة دون مناقشة». أنا أتصور أن المسخ خاصية للإنسان، أو لما هو إنساني. خارج البشر المسوخ غير موجودة. وهي تبدو لي نتاج طلب أشياء متناقضة يستحيل الجمع بينها. تعرف أن كلمة مستحيل العربية تعني الممتنع، كما تعني ما استحال إلى شيء آخر، أو ما جرت عليه عملية تحول metamorphosis، وهذا هو العنوان الإنجليزي لعمل كافكا العظيم الذي ترجمه منير البعلبكي إلى «المسخ» بالعربية. العنوان الألماني للكتاب نفسه Die Verwandlung يعني التحول، أو الاستحالة. وهذا الازدواج في معنى مستحيل خصب فيما أرى، من حيث إنه يعني أن المستحيل [ما تحول إلى شيء غيره] مستحيل [ممتنع]، لكن لطالما أراد البشر مستحيلات، ولو على حساب الامتناع العقلي، فأنتجوا مسوخًا يستحيل العيش بها أو معها. ومنها في الشأن السياسي الاستثناء الأبدي، والجمهورية الوراثية، ومنها في الشأن الديني أن يكون دين البعض دولة الجميع، ومنع تغير الإيمان بالإكراه، ومنها في الشؤون الدولية تطبيع مصالح الأقوياء وجعل الامتياز الخاص قاعدة عامة. عالم اليوم عالم مسوخ، وهو يثير أسئلة عن العقل والأنسنة ومستقبل البشرية. ومن هذا المدخل يبدو المسخ نتاجًا للتعسف والقوة لا للخوف والرعب بحد ذاتهما. وبعد خبرة السنوات الخمس عشرة الأخيرة، ومدارها الفظيع والمستحيل، صرت أميل إلى التشكك في أي فصل للجسد عن النفس والروح والذات. هذه تشكلات لطاقات أجسادنا وتفاعلها فيما بينها ومع العالم من حولها، بما فيه ما تنشئه هي من عوالم داخلية تحيل إلى ذاكرتها وتاريخها ومخيّلتها. وحين يكون الجسد في خطر لا تكون النفس أو الروح أو الذات في مأمن، وحين نموت تموت معنا أرواحنا وأنفسنا وذواتنا. يبقى ما تركناه وراءنا من أشياء وكلمات. أجسادنا كيانات حاسّة، تحول الوقائع المختبرة بالحواس عبر عملية الإدراك الحسي فالفهم إلى معقولات، وهذا ما نسميه العقل، وهناك درب آخر، يتصل بما يثيره وقْع واردنا الحسي على أنفسنا من انفعالات ومشاعر ويفضي إلى الروح. هناك مَن يرفضون مفهوم الروح كليًا، وهناك من يجعلون الروح كيانًا خاصًا، لا تعدو أجسادنا أن تكون غلافًا له. هذا الأخير تصور ديني، بينما ينسب التصور الأول نفسه إلى العلم. أفضل من جهتي تصورًا مغايرًا للروح يحيل إلى العالم كأَوْقاع [جَمْع وَقْع] لا كوَقائع، وانفعالات لا أفكار، بخاصة ما يتصل بما له في أنفسنا أشدّ الوقْع، من آلام ونكبات وخسارات وضروب من المعاناة، وما يحتمل من مآثر عظيمة. بهذه الدلالة الروح هي مجمل سجلنا الحياتي أو هالتنا المعنوية. أو كذلك وقْعُنا في العالم. والتفكير في هذه الشؤون مهم وراهن في تصوري بسبب ما يبدو من ضمور روحي في ثقافتنا، ومن حقيقة أن المزيد من الدين في حياتنا العامة لا يعني المزيد من الروح، بل المزيد من اليباس الروحي بالأحرى، وخاصة حين يأخذ المزيد من الدين الشكل السلفي الذي لا يكاد يتجاوز أن يكون تكنولوجيا سيطرة على الأجساد، تقيدها وتقمعها. الجسد المقموع هو نفس مقموعة وروح مقموعة وعقل مقموع، فإذا أمكن لنا أن نحول قمع أجسادنا ومعاناتنا من تقييدها وإيلامها إلى أفكار ومعانٍ، فهذا رغم القمع والمعاناة، وليس بفضلها. وفيه ما يشير إلى مكانة خاصة للألم في السجل الروحي، أكثر من البهجة، وأكثر من حياة مستوية الانفعالات. أود أخيرًا أن أقول شيئًا عن الذات، وأضعها تفضيليًا في تقابل مع الهوية. تحيل الذات إلى ما نفعل بوعي، أو إلى فاعليتنا المنشِئة والمبادِرة والمبدِية، التي تدخل أشياء جديدة في العالم، أما الهوية فتحيل إلى روابطنا الجمعية الموروثة، إلى شبكة من الولاءات والانتماءات نجد أنفسنا فيها. في تفاعلي مع أسئلة سابقة في هذه السلسلة ميزت بين ذات بهوية، وذات بلا هوية، وهوية بلا ذات، وقلت إنني أتنقل بين ذات بهوية وذات بلا هوية في فاعليتي النوعية ككاتب، بمعنى أني أحاول أن أصنع معانٍ في استقلال كامل عن أي روابط وولاءات جمعية، وضمن أفق عالمي «يونيفيرسالي»، ولكني مدرك في الوقت نفسه أني أكتب «غالبًا» بلغة معينة، وأعمل على فتح الهوية الموروثة على أفق عالمي. وما لا أقبله هو هوية بلا ذات، تجعل منا وكلاء مؤبدين لمعانٍ قديمة موروثة. وخلاصة هذه التعليقات التي تُجزّئ سؤالك يا معلم علي، تحيل إلى الحرية، العمل على تحدي قيودنا وتحويل تجاربنا إلى أفكار، وصنع المعنى من ضروب المعاناة، وتطوير حياة روحية أغنى.
هل يمكن للغرائز أن تكون مقاومة، لا فقط خضوعًا؟ أين السوريون اليوم من غرائزهم، من غريزة الثأر والانتقام، ومن غريزة البقاء أحياء كيفما كان؟ يبدو أنه يمكن للغرائز أن تقاوم. يُلام الفقراء عادة على أنهم ينجبون كثيرًا من الأطفال، لكنهم يفعلون ذلك استجابة لغريزة صحيحة «وعقلانية» من الوجهة التطورية، فطوال قرون وألفيات كان ينجو عدد قليل ممن ينجبون من أطفال، ولأنهم يحتاجون إلى مَن يرعاهم في سنيهم المتقدمة، إن بقوا على قيد الحياة. ويبدو أنه كلما كانت أحوالنا أشد قسوة، نعاني من ثالوث الانتهاك والحجْر والعوز، تآكلت قوانا العاقلة، واعتمدنا على الغرائز من أجل النجاة. لاحظتُ في سنوات السجن أن مستوى تعّففنا أيام الزيارات والوفرة أعلى منه في أيام الشح والندرة، وفي أوقات انقطاع الزيارات من أهالينا، كنا نلجأ إلى صيغ حسابية دقيقة من العدالة التوزيعية كبديل عن الخضوع لغرائزنا التي كان من شأن تحكيمها أن يناسب الأقوى من بيننا، لكن يدمر الجميع. وكان معتقلون إسلاميون في سجن تدمر يقسمون البيضة الواحدة بين عدد من السجناء بخيط مصنوع من شرائط أكياس النايلون الممطوطة إلى أقصى كمونها، ثم المفتولة أقصى الفتل، توخيًا لعدالة صارمة، تشكم غريزة البقاء. هذه الأشكال الصارمة من العقلنة هي البديل من غريزة البقاء الفردية التي يمكن أن تكون مدمرة للمجموع وإن أنقذت البعض. لم يظهر بيننا مخبرون يشون بزملائهم في سجن تدمر كي ينجوا هم، لكني سمعت عن قصص من هذا النوع تقود فيها غريزة البقاء لا إلى الإضرار بالمجموع فقط، وإنما إلى التخلي عن ملكاتنا العليا، العقلية والأخلاقية. حياتنا عمومًا مفاوضة بين دوافع الغرائز ومتطلبات حياة اجتماعية تطورت استعداداتنا العقلية والأخلاقية للاستجابة لها. وأعتقد أن الغرائز قوى مقاومة حين يكون البقاء مهددًا، وقوى تكيف مع شروط وجود صعبة حين تتعذر المقاومة. أقرب مؤسسة اجتماعية إلى ما هو غريزي هي العائلة، وتحركها غريزة الأنانية والبقاء وحفظ الذات. وهي إما تقاوم الانتهاك من الخارج، أو تتكيف مع الأذى حين لا تستطيع المقاومة. وأقرب مؤسسة اجتماعية للعقل هي الدولة الحديثة، في صيغتها الديمقراطية الليبرالية [المتأزمة في كل مكان اليوم]، لكن حتى هذه الدولة تتصرف في النطاق الدولي بأنانية ووفق منطق الداروينية الاجتماعية والصراع من أجل البقاء. وتعرف أن نيتشه دافع عن الغرائز النبيلة في مواجهة أخلاقية العبيد التي يحركها، بحسبه، غلّهم على الأقوياء. يمكن المجادلة في كلام نيتشه، وهو أقرب إلى ترجمة الداروينية إلى مجال الأخلاق [وكان الاستعمار ترجمة أخرى لها إلى مجال السيطرة على الأراضي والأعراق]، لكنه يكفي لأشكلة أمر التفكير في الغرائز ومكانتها في حياتنا الاجتماعية والسياسية. لكن يبدو لي أن هناك شيئًا عقلانويًا في عبارتك «غريزة البقاء أحياء كيفما كان». في معسكرات الاعتقال حين يرتد الناس إلى ما هو غريزي، توجههم غرائزهم إلى «البقاء أحياء كيفما كان». مثل ذلك بقدر ما في سجوننا، وفي مجتمعنا الذي كان السجن مؤسسته السياسية الرئيسية طوال عقود. ما هو البديل؟ المقاومة؟ ممتنعة كليًا في ظل النازية، والستالينية، وبقدر كبير في ظل الأسدية. الانتحار؟ هذا كان خيار البعض، لكن لماذا هو أفضل؟ لاحظ أن أمثال بريمو ليفي وجان آمري انتحروا بالفعل، لكن ليس في معسكرات الاعتقال النازية، بل بعد أكثر من ثلاثين عامًا بخصوص آمري وأربعين عامًا بخصوص ليفي. ولم يكن ذلك موجهًا ضد غريزة البقاء أحياء كيفما اتفق، بل ربما ضد حياة غير طيبة. أتصور في النهاية أنه لا يمكن أن نقول كلامًا ذا معنى عن غرائز السوريين دون قول شيء عن عقل أو عقول السوريين، وهذا مثلما لا نستطيع قول كلام مفيد عن أجسادهم دون قول شيء واضح عن نظام حياتهم. ماذا جرى لعقلنا/عقولنا خلال السنوات والعقود الماضية؟ من جهة عشنا حياة مقيدة محفوفة بالمخاطر ما يقوّي دوافع البقاء، والمؤسسات المعادلة لها من أسرة وجماعة أهلية وعشيرة وطائفة، ومن جهة أخرى حُرمنا من التدرب على النقاش العام وتطوير أفكارنا، ومحاولة التأثير على السياسات العامة في اتجاهات تستجيب لمشكلات المجتمع السوري المتغيرة وتحديات وجوده التاريخي. ثم من جهة ثالثة، عُزلنا بقدر كبير عن تيارات الفكر والسياسية في العالم المعاصر، فكنا بالغي القرويّة الفكرية والسياسية والأخلاقية، وعقولنا عقول قروية. ذلك أن العقل يتكون بأفعال التعقل والعقلنة، بالنقاش والتعرض لمعقولات مختلفة ومتناقضة، ومناقضة لما ألفناه. العزلة تؤدي إلى البدائية، وليس إلى الأصالة.
عزلة الأفراد أم عزلة الجماعات، في سوريا؟ كان ببالي عزلة المجتمعات والثقافات، وضمنيًا أعلق على دعوة الأصالة في الإطار العربي والإسلامي، حيث يفترض أن الأصالة هي ارتباط بأصل قديم، وليس بفعل حي متجدد أو بإبداع يصنع أصولًا جديدة، ويُسائل الأصول القديمة. لكن أعتقد أن العزلة تقرب من البدائية في حالة الأفراد والجماعات كذلك. اختلاطنا بغيرنا قد يكون مبلبِلًا على المدى القصير، لكن ما نتعلمه من الاختلاط وما قد نعيد النظر فيه من أفكارنا وحساسيتنا بفعل الأخذ والعطاء مع الآخرين له تأثير محرر على مدى أطول. قيل قديمًا إن للسفر سبع فوائد، وقال أبو تمام في بعض شعره: اغترب تتجدد! اليوم الاختلاط والاغتراب والسفر ليسوا من نوادر الحياة، بل من وقائعها الاختيارية والاضطرارية المتواترة، فيزيائيًا لكثيرين منا وافتراضيًا للجميع. اختيار الاضّطرارات المفروضة ممن يستطيعون مُحرّر ومُنوّر.
كيف يمكن إدراج أجساد السوريين والسوريات اليوم؟ ألا تبدو الشعارات والنقاشات والصراعات السورية الراهنة عضلات فكرية متوترة ومفترسة؟ بالفعل، «عضلات فكرية متوترة ومفترسة». أخذت أنتبه في الآونة الأخيرة إلى حضور متزايد لما هو عضوي وبيولوجيّ في خطابات ومواقف كامل الطيف السوري الواسع، أعني نزعات كيانية أقرب إلى قطب الصفاء الديني والإثني كأساس لهندسة سورية أو سوريات المستقبل، وأبعد عن قطب ما هو خيالي ومجرد وقواعد عامة في التكوين المأمول للبلد. ربما يكون هذا مفعول الدم الغزير الذي سال في البلد، والمظلوميات المزدهرة. حاولت مرارًا إظهار أن المظلوميات ليست تقارير حقوقية عن الظلم والتمييز، أو شهادات عما تعرضت له مجموعات وجماعات من اضطهاد وقهر، وإنما هي سرديات لبناء الهويات المُتَخارجة. وشاغل الهوية يدفع التفكير نحو العضوية والجسد وليس نحو الاختلاط والتفاعل الذي تكلمنا عليه للتو. وليس هناك ما هو مفاجئ جدًا في اقتران الافتراس بوقائع التعذيب والإهانة التي تلحق بأفراد أو جماعات. المظلومون، وأكثر منهم المظلوميّون [من يُعرِّفون أنفسهم بالمظلوميات] يمكن أن يكونوا متوحشين في تعاملهم مع غيرهم. إسرائيل مثال قريب. لكن لدينا في سورية أمثلة وافية على توحش من يعرّفون أنفسهم بمظلوميتهم فيبيحون لأنفسهم كل جريمة. ما قد يكون مفاجئًا اليوم هو تطوع عدد غير قليل من الكتاب السوريين في تطبيع الكيانيات وفي جر السياسة نحو قطب البيولوجيا الضيق. يدهشني الاستسلام السهل في معركة الهيمنة، أعني محاولة تجسيد العام السوري في حركة معارضة أو في دعوة ثورية، وتحويل الفكر والثقافة إلى «عضلات فكرية متوترة ومفترسة» ملتحقة بهذا الكيان أو ذاك. وكي أقول كلامًا واضحًا، فإن الاعتراض على الكيانية السنية في شروط سورية الجغرافية والديمغرافية والتاريخية المعلومة يخذل نفسه بالالتحاق بكيانية درزية أو علوية أو كردية. سورية هي العنوان الأقل جسديةً والأقل بيولوجية لمستقبل مشترك. وما نعاني منه من أزمة خيال أو أزمة رمزية سيكون أشد بكثير في أي من كيانياتنا المقترحة. سنكون على الحديدة رمزيًا.
كيف ترى اليوم جسد السوري، بعد كل هذا العنف الرهيب وبعدما التقط السوريون لأول مرة أنفاسهم بعد ما يقارب الخمسة عشر عامًا. بقدر ما يمكن الكلام على جسد سوري فإنه غير حر: مُنتهك، مُعوِز، معرض للحجر. والتغير السياسي الذي جرى في البلد لا يكفل قطيعة مع الحكم اليدوي، أو المركزية الجسدية في الحكم، بل نعرف أوجه من الحكم اليدوي ممارسة اليوم: تعذيب وحالتان عرفتا على الأقل لقتل تحت التعذيب، وخطف نساء، ومجازر عن قرب. التقييد الاجتماعي الديني للأجساد، أجساد النساء بخاصة، مرشح لأن يتعزز بالأحرى لا أن يتراجع. والعوز المادي والمرض هو المرشح لأن يتراجع، وهذا إن حصل تقدم مهم لأن الأمر يتعلق بمعاناة واسعة القاعدة الاجتماعية. لكن الفقر السوري عميق، واقتصاديات الحكم الحالي الليبرالية الجديدة يصعب أن تنجح في إخراج كثيرين من حفرة الفقر. قد نتساءل: كيف ستكون حال أجساد السوريين في نهاية المرحلة الانتقالية المفترضة، نحو أربع سنوات من اليوم؟ يتعذر التقدير إلى أقصى حد. لا نعلم إن كان جسد سورية سيبقى على حاله الممزقة اليوم، أو يتفاقم ويتحول التمزق الواقعي إلى تمزق قانوني، أو نغرق في جولات أخرى من الدم تهدر حيوات أكثر وتهدر موارد يمكن أن تخصص لـ«تلبية الحاجات المادية لجماهير الشعب». القصد في كل حال أن الكلام على الجسد السوري هو كلام في السياسة، كلام على جسد سورية، وعلى الحلول الأنسب التي تضمن حماية جسدينا، الشخصي والعام. أفضل السيناريوهات في تصوري هو سورية موحدة يجري توزيع السلطة جهويًا فيها على نحو يوفق بين وحدتها وحرية ومبادرة السكان في أقاليمها المختلفة. ومن عناصره تجريم التعذيب وانتهاك الأجساد والتقدم نحو طي صفحة الحكم اليدوي. ثم تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على نحو يقلص من ثالوث المسألة الاجتماعي القديمة المتجددة، الفقر والجهل والمرض. وأخيرًا توازنات اجتماعية تحمي مساحات الحضور والظهور النسوي في الفضاءات العامة وتوفر خيارًا محتملًا للنساء المعرضات للضغوط العائلية والبطريركية أكثر من غيرهن. المثال الأعلى الذي لا ينبغي أن يغيب عن أنظارنا هو الحرية، الحرية من الانتهاك، من العوز، من التقييد والمراقبة، وحرية الحركة والسيادة على أجسادنا، على تشكيلها مثلما نشاء وعلى تفاعلها مع غيرها دون قيود. الكلام على الأجساد سياسي في كل حال، وبقدر ما إنه كلام على التضييق على الأجساد أو تعليبها، فإنه كذلك كلام على الحرية وتحدي القيود.
ألا ترى، في الراهن السوري بعد سقوط الأبدية الأسدية، أن تمثيلات السوريين لأنفسهم طوائفَ وأعراقًا، أغلبيات وأقليات، تحت سقف الحكم اليدوي كما أشرت سابقًا، ما هي إلا تجسيدات لانفعالات جسدية مكبوتة؟ أي أن الجسد الصغير يكافح يدويًا، انفعاليًا، لدرء خطر الجسد الكبير المنتشي جسد السلطة الحاكمة اليوم؟ بلى، من حيث اتجاه الانفعالات ضد «الجسد الكبير المنتشي» للسلطة الحاكمة اليوم، ولا إن اختزلنا الأمر إلى ذلك مثلما توحي صيغة [ما هي إلا] في السؤال. الانفعالات اضطرارية ومفهومة، ولا أحد يختار أن يكون منفعلًا. لكن الانفعال مُوجهٌ سيئٌ في السياسة لأنه دون عقلي، لأنه يبني على غضبه وخوفه وكرهه سياساتٍ قد تكون مدمرة ذاتيًا، وليس غير سديدة فقط. ما هي المظلوميات أصلًا؟ إنها انفعالات متراكمة تعمي القلب والبصيرة، أي العقل. مرة أخرى، لا نُحسن إلى أنفسنا بالركون إلى شرانق عضوية من طوائف وأعراق وعشائر، وأكثريات وأقليات موروثة. نحن الكتاب والفنانين نحلل صعود هذه الروابط، لكننا لا نغذيها أو نُسهم في بقائها. أو هذا ما يفترض بمن يقتضي مفهومهم بالذات أن يكونوا متحررين من الحتميات الاجتماعية، بفعل وعيهم ومعرفتهم وإنتاجيتهم من المعاني والقيم. تلك الروابط هناك في ماضينا وفي حاضرنا، لكن لا يجب أن تكون موجودة في مستقبلنا، اللهم إلا كاختلافاتٍ ثقافية تدخل قدرًا من التعدد في مجتمعنا وفي أنفسنا. المشكلة مع الحكم القائم اليوم هي بالضبط أنه يبدو جسدًا، ومنتشيًا فوق ذلك مثلما تقول بالفعل، بينما ينبغي له أن يكون فكرة أو قاعدة، قانونًا أو مؤسسة، رمزًا يخاطب المخيلة. أو مركبًا فكريًا قانونيًا مؤسسيًا رمزيًا، أي دولة. ومعركة الهيمنة التي أشرتُ إليها فوق تتصل بالضبط ببناء تصورات سياسةٍ جامعةٍ حول الدولة والمؤسسات والدستور، وليس بالمواجهات البيولوجية أو الكيانية. الهيمنة تأخذنا في عكس اتجاه ما هو جسدي وعضويّ وهوياتيّ، وفي اتجاه ما هو رمزي وفكري ومجرد.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوميات مغربية
-
في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
-
لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
-
في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
-
الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
-
ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
-
زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
-
فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
-
قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
-
الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
-
يا زميل! في وداع حسن النيفي
-
دماء في صُبح سورية الأغبر
-
سورية بعد عام: عواقب الفراغ السياسي
-
منظورات سورية:ي تبدُّلات المعرفة والسياسة بموازاة تغيُّر الز
...
-
فصاحة السلطة عامية الشعب
-
قصة محمد بن راشد: حداثة بلا سياسة، وجمالية بلا تاريخ
-
سورية والمسألة الجيليّة
-
صراع الذاكرات السورية وسياساتها
-
طبّالون ومكيودون وحائرون
-
هيغل وآرنت: فكر بدايات وفكر نهايات
المزيد.....
-
كيف سترد الإمارات على الهجمات الإيرانية؟ ريم الهاشمي توضح لـ
...
-
خريطة بالدول التي استهدفتها إيران بعد الهجمات الأمريكية الإس
...
-
بانتظار اختيار خليفة لخامنئي.. مجلس مؤقت يقود إيران: ماذا نع
...
-
تقرير إسرائيلي: ما سيُكشف عن اغتيال خامنئي سيصدم الجميع
-
أبرز ردود الفعل الدولية على اغتيال خامنئي
-
وزراء خارجية دول الخليج يجتمعون الأحد عبر الفيديو لمناقشة ال
...
-
بلجيكا تحتجز ناقلة نفط يشتبه بأنها من -أسطول الظل الروسي-
-
العراق يعلن الحداد ثلاثة أيام على خامنئي
-
ما الذي تحقق باغتيال المرشد علي خامنئي؟
-
قانون ساحة البراق.. أداة تشريعية لتكريس سيطرة الاحتلال على ا
...
المزيد.....
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|