علي جاسم ياسين
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 21:34
المحور:
كتابات ساخرة
حين تسمعني أتحدث، لا ترتبك لأنني أهاجمك، بل لأنني أضعك أمام ما تحاول تجاهله. أنت لا تدافع عن دينك أو مذهبك أو قوميتك أو عائلتك، بل تدافع عن صورةٍ صنعتها لنفسك كي لا تواجه الحقيقة.
مشكلتك ليست في الانتماء، بل في الكسل المعرفي. لم تقرأ تاريخ ما تدافع عنه قراءةً نقدية. لم تطّلع على مصادر مخالفيك بإنصاف. لم تسأل نفسك يوماً: ماذا لو كنت مخطئاً ؟ ومع ذلك تتكلم بثقةٍ مطلقة، وكأنك وصيٌّ على الحقيقة.
حين أذكر واقعةً موثقة أو حادثةً محرجة في تاريخ جماعتك، لا تناقش الدليل، بل تهاجم النية. لا تفكك الفكرة، بل تشكك في المتكلم. هنا يتحول النقاش من بحثٍ عن الحقيقة إلى معركة كرامة. وهذا هو جوهر الديماغوجيا: استبدال الوقائع بالعواطف، والحجج بالاتهامات.
تخاف من الاعتراف لأنك تظن أن الخطأ يُسقط الهيبة، لكن الذي يُسقط الهيبة فعلاً هو الإنكار. لا يوجد كيان بشري بلا أخطاء: كل دين عرف صراعات، كل مذهب شهد تناقضات، كل قومية ارتكبت تجاوزات، وكل عائلة تخفي ما لا تحب أن يُقال. إنكار ذلك لا يُلغيه، بل يضاعف أثره.
الأخطر من الجهل هو تقديس الجهل، أن تعتبر السؤال اعتداءً، والنقد خيانةً، والمراجعة ضعفا. هذا ليس إخلاصاً، بل تعصباً. وليس إيماناً، بل خوفاً مقنّعاً باليقين.
إن كنت صادقاً، فابدأ بالاعتراف بما لا تعرفه. اقبل أن تاريخك ليس ملائكياً، وأن الانتماء لا يمنح العصمة. فرّق بين الفكرة وسلوك أتباعها، بين المبدأ وتطبيقه البشري. أمّا إذا عجزت عن ذلك، فلا تزعم أنك تدافع عن الحقيقة، قل بوضوح إنك تدافع عن انتمائك، حتى لو تعارض ذلك مع الصدق.
النضج الفكري لا يعني التخلي عن الهوية، بل تحمّل مسؤولية معرفتها كاملةً، بضيائها وظلالها. ومن لا يحتمل الظلال، لا يحقّ له الادّعاء بأنه يتكلم باسم النور.
#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟