عباس موسى الكعبي
الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 20:48
المحور:
الادب والفن
أهداه معلمه كتبًا حين كان منزله خاليًا منها. وبعد عشرين عامًا، فاز بجائزة نوبل، فكتب له رسالة واحدة: "أنت سبب وجودي في هذا المحفل الدولي".
في يوم 7 تشرين الثاني 1913، في مدينة موندوفي، الجزائر، وُلد ألبير كامو. عاش في فقر مدقع. كان والده، لوسيان، فلاحًا أميًا في الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، جُنّد وأُرسل للقتال. وفي يوم 11 تشرين الأول 1914، قُتل لوسيان كامو في معركة المارن. كان كامو الابن يبلغ من العمر أحد عشر شهرًا. وبالتأكيد لن يتذكر وجه والده أبدًا.
عاشت والدته، كاثرين، وحيدة مع طفلين صغيرين، بلا مال، وبلا خيارات متاحة. كانت تعاني من ضعف في السمع، ولا تجيد القراءة والكتابة. وفي سبيل إطعام طفليها، قبلت العمل الوحيد المتاح لها وهو تنظيف منازل الفرنسيين الأثرياء المستوطنين في الجزائر.
كانت كاثرين تنظف الأرضيات يوميًا لعائلات تملك في غرفتها الواحدة من الكتب أكثر مما رأته في حياتها كلها. ثم عادت إلى منزلها المتكون من شقة صغيرة من غرفتين في بلدة بلكور، أحد أفقر أحياء الجزائر العاصمة، حيث عاشت مع أبنائها ووالدتها المتسلطة وشقيقها المصاب بشلل جزئي. لا ماء جارٍ، لا مرحاض داخلي، لا كهرباء، ولا كتب.
نشأ ألبير كامو في بيئة صامتة. نادرًا ما كانت والدته تتحدث. لم يكن هناك ما يكفي من الطعام، ولا مساحة كافية للعب. وسط هكذا بيئة قاسية وحياة بائسة، يقول الواقع، لن يكون لشخص مثل كامو أي مستقبل يذكر.
في العاشرة من عمره، جلس كامو في فصل دراسي مكتظ في المدرسة الابتدائية العامة، وهي مدرسة حكومية لأطفال الطبقة العاملة. كان هادئًا، متيقظًا، قصير القامة بالنسبة لعمره. كان يرتدي نفس الملابس البالية كل يوم. كان زملاؤه في الفصل متشابهين في الغالب: أطفال فرنسيون فقراء وعرب فقراء. كانت مصائرهم مكتوبة سلفًا: العمل في المصانع، وفي الموانئ، والمرض والموت المبكر. وغالبا ما كانوا يتركون الدراسة عند سن مبكرة والشروع في كسب عيشهم.
بيد ان أحد المعلمين لاحظ شيئًا ما. كان المعلم لويس جيرمان رجلاً نحيفًا وجادًا يؤمن بأن الذكاء لا علاقة له بالثروة. أمضى حياته المهنية في تعليم الأطفال الفقراء، وتعلم كيف يميز من بينهم من يملكون القدرة على النجاح إذا أتيحت لهم الفرصة. وكان ألبير كامو واحدًا من هؤلاء.
كان الصبي بالكاد يتكلم، لكن عندما يكتب، كانت جملُه تتسم بوضوحٍ أذهل استاذه جيرمان. فاتخذ جيرمان قرارًا سينقذ هذا الصبي. فقد درّس جيرمان ألبير مجانًا، بعد المدرسة، ساعات من التدريس الإضافي دون مقابل. علّمه اللاتينية، والأدب الفرنسي، والرياضيات، وكل ما يحتاجه لاجتياز امتحان المنحة الدراسية للالتحاق بالمدرسة الثانوية. لكن العقبة الحقيقية لم تكن قدرة كامو، بل عائلته. كانت أمه كاثرين بحاجة إلى أن يعمل ابنها. ففي الرابعة عشرة من عمره، كان كامو قادرًا على العمل وكسب المال. أما جدته فكانت أكثر معارضة لتعليمه، وتريده أن يعمل.
ذهب المعلم لويس جيرمان إلى شقتهم في بلكور وتحدث معهم. وقف في تلك الشقة الصغيرة المظلمة – التي تخلو من الكتب، وجدرانها متقشرة، ورائحة الفقر تفوح في أرجائها - وعرض قضيته على امه شبه الصماء التي لا تجيد القراءة، وجدة معادية ترى في التعليم مضيعة للوقت.
قال جيرمان: "ابنكِ ذكيٌّ جدًّا. وإذا واصل دراسته، سيحظى بحياة أفضل. أرجوكِ، دعيني أساعده."
نظرت كاثرين إلى هذا المعلم الذي لم يكن لديه أي سبب للاهتمام بابنها. لم تفهم سبب إصراره الشديد. فوافقت.
في عام ١٩٢٤، في الحادية عشرة من عمره، خضع كامو لامتحان المنحة الدراسية للمدرسة الثانوية الكبرى في الجزائر، ونجح. وأصبح أحد الأطفال الفقراء القلائل في الجزائر إبان الحقبة الاستعمارية الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية.
كان يرتدي ملابس مستعملة، ولم يكن يملك ثمن الكتب أو الطعام. غير انه درس بجدٍّ واجتهادٍ شديدين لأنه أدرك أن معلمه قد منحه مخرجًا، وأن الفشل يعني إغلاق الباب أمامه إلى الأبد.
اكتشف الفلسفة والأدب والمسرح. وقرأ اندريه جيد ومالرو ودوستويفسكي، وهم كتاب طرحوا الأسئلة التي كانت تراوده طوال طفولته: ما هي العدالة؟ لماذا المعاناة؟ كيف نعيش في عالمٍ لا معنى له؟ لكنه لم ينسَ أبدًا أصوله. كان يعود كل يوم إلى منزله في بلكور، إلى الشقة الصامتة حيث لا تزال والدته تعمل في تنظيف الأرضيات.
في سن السابعة عشرة، أُصيب كامو بمرض السل، كاد أن يودي بحياته. نجا، لكن المرض تركه يعاني من تلفٍ دائم في الرئتين، وحينها أدرك أن أيامه باتت معدودة. هذا المرض غيّر كل شيء في حياته. في العشرينات من عمره، عمل كامو صحفيًا، ثم روائيًا. كتب رواية "الغريب" التي تتناول عبثية الوجود. وكتب "الطاعون" مستكشفًا كيف يستجيب البشر للمعاناة. وكتب "أسطورة سيزيف" ليؤكد أن عبثية الحياة لا تبرر اليأس.
وفي عام ١٩٥٧، عن عمر يناهز ٤٤ عامًا، فاز ألبير كامو بجائزة نوبل في الأدب.
جائزة نوبل:
ستوكهولم، في ١٠ كانون الأول ١٩٥٧.
وقف ألبير كامو على المنصة، مستلمًا أحد أرفع الأوسمة الأدبية. كان ثاني أصغر فائز بها على الإطلاق. كان الحفل مهيبًا، حضره أفراد من العائلة المالكة، وارتدى الجميع ملابس رسمية، وأُلقيت كلمات بلغات متعددة. لكن ما إن غادر كامو الحفل، حتى كان أول ما فعله هو كتابة رسالة. ليس إلى ناشره، ولا إلى النقاد، بل كتب إلى لويس جيرمان، معلمه في المدرسة الابتدائية في بلدة بلكور. جاء في الرسالة، المؤرخة في 19 تشرين الثاني 1957:
"استاذي العزيز السيد جيرمان، انتظرتُ حتى هدأت الضجة من حولي قليلاً قبل أن أتحدث إليك من صميم قلبي. لقد مُنحتُ شرفًا عظيمًا لم أسعَ إليه ولم أطلبه. ولكن عندما سمعتُ الخبر، كان أول ما خطر ببالي، بعد والدتي، هو أنت. فلولاك، ولولا يدك الحنونة التي مددتها إلى الطفل الصغير المسكين، ولولا تعليمك وقدوتك، لما حصلت على شيء. لا اريد ان أُعظّم شأن هذا النوع من الشرف. ولكنه على الأقل يُتيح لي الفرصة لأخبرك بما كنتَ وما زلتَ عليه بالنسبة لي، ولأؤكد لك أن جهودك وعملك وكرمك الذي بذلته ما زال حيًا ويعيش معي رغم مرور السنين، ولم اتوقف يومًا عن امتناني لك. أُحبك من كل قلبي. تلميذك ألبير كامو".
تلقى لويس جيرمان، المُسنّ والمتقاعد في تلك اللحظة، الرسالة وبكى. فقد أمضى حياته المهنية في تعليم الأطفال الفقراء، وكان أحدهم، صبي صغير صامت من بلكور، قد فاز لتوه بجائزة نوبل، ونسب الفضل إليه في هذا الانجاز.
توفي ألبير كامو بعد ثلاث سنوات، في الرابع من كانون الثاني/يناير عام ١٩٦٠، في حادث سيارة عن عمر يناهز ٤٦ عامًا. كان في أوج شهرته، ولديه المزيد من الكتب ليكتبها، والمزيد من الأفكار ليستكشفها. لكن صدفة عبثية كانت كفيلة بإنهاء حياته.
عند وفاته، وُجدت تذكرة قطار غير مستخدمة في جيب معطفه - كان ينوي ركوب القطار، لكن عرض عليه صديقه ان يوصله بسيارته. خيار عشوائي، وموت عبثي في عالم عبثي، هذا بالضبط نوع السخرية التي كتب عنها كامو طوال حياته.
لكن ما تبقى كتبه التي ما تزال تُشكّل طريقة تفكيرنا في المعنى والأخلاق والتمرد. وأفكاره عن العبث التي تفيد بأن الحياة لا تحمل معنىً، لكن علينا أن نعيشها بتحدٍّ. وبقيت رسالته إلى معلمه لويس جيرمان، التي أصبحت من أشهر الرسائل في تاريخ الأدب.
أهدى لويس جيرمان ألبير كامو شيئًا أثمن من الكتب. لقد منحه الإذن ليؤمن بأن الفقر لا يُحدد الإمكانات، وأن ابن عاملة النظافة قادر على التفكير والكتابة، وأن الذكاء ليس حكرًا على الأثرياء.
توفي معلمه جيرمان عام ١٩٦٥، بعد خمس سنوات من وفاة تلميذه كامو.
#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟