|
|
كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحيم
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 10:14
المحور:
الادب والفن
دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحيم
مقدمة الكتاب
حين أصبحت تونس بوابة الموت
1. افتتاحية: ليلة الخميس التي توقف فيها الزمن
كانت ليلة السادس والعشرين من فبراير عام 2026 ليلة استثنائية في تاريخ تونس. في تلك الليلة، وبينما كانت العاصمة تونس تغط في سكونها المعتاد، كانت قاعة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس العاصمة تشهد لحظة فارقة. لحظة انتظرتها آلاف العائلات التونسية التي فقدت أبناءها في حروب لا تعرفها، في أراضٍ بعيدة لم يسمعوا بها من قبل.
عندما انطلقت تلاوة الحكم، ساد صمت مطبق في القاعة. كان الجميع يدركون أن ما سيُقال سيُكتب في سجلات التاريخ. القاضي يقرأ القرار بهدوء ووقار، والكلمات تتساقط كالمطر على رؤوس الحاضرين: السجن أربعاً وعشرين سنة لعلي العريض، رئيس الحكومة الأسبق ووزير الداخلية الأسبق، القيادي البارز في حركة النهضة.
في تلك اللحظة، عاد الزمن إلى الوراء. عاد إلى عام 2011، عندما كانت تونس تخرج من نفق الاستبداد الطويل. عاد إلى عام 2012، عندما بدأت طوابير الشباب تتشكل أمام مكاتب الجمعيات الخيرية والمساجد. عاد إلى عام 2013، عندما كانت الطائرات تقلع من مطار تونس قرطاج محملة بشباب يبحثون عن الجنة فوجدوا الجحيم.
الرجل الذي كان يقف في قفص الاتهام لم يكن شخصاً عادياً. كان علي العريض، الذي أمضى خمسة عشر عاماً في سجون بن علي، منها عشرة أعوام في زنزانة انفرادية لا يرى فيها الشمس ولا البشر. كان رمزاً من رموز المعاناة تحت الحكم الدكتاتوري. كان بطلاً في عيون أنصاره. لكنه كان أيضاً، بحسب لائحة الاتهام، المسؤول الأول عن تسهيل سفر آلاف الشباب التونسي إلى سوريا، حيث قُتل الكثير منهم في معارك لا شأن لهم بها.
في تلك الليلة، لم يكن القضاء يحاكم رجلاً فقط. كان يحاكم مرحلة كاملة. كان يحاسب مشروعاً سياسياً استغل الدين غطاءً، والدولة مطية، والشباب وقوداً. كان يكتب نهاية فصل مظلم من تاريخ تونس، ويعلن بداية فصل جديد عنوانه العدالة.
هذا الكتاب هو محاولة لتوثيق تلك الرحلة. من مطار تونس قرطاج، حيث كان شبابنا يصعدون إلى الطائرات وهم يرددون "الله أكبر"، إلى المقابر الجماعية في سوريا حيث انتهى الكثيرون. من تصريحات راشد الغنوشي "هم أبناؤنا"، إلى اعترافات العائدين الذين كشفوا حقيقة ما جرى. من قصور الدوحة وأنقرة حيث مولت المؤامرة، إلى قصر الشعب في دمشق حيث جلس الجولاني على كرسي الرئاسة بفضل تلك الأموال.
إنها قصة معقدة، فيها من الألم ما يدمي القلوب، وفيها من الأمل ما يبعث الروح في الأجساد. إنها قصة تونس التي كادت أن تضيع، ثم انتفضت من جديد بفضل رجال أوفياء، على رأسهم الرئيس الوطني النزيه قيس سعيد، الذي قال كلمته التاريخية: "لسنا ولاية عثمانية ولا ننتظر فرماناً".
2. مطار تونس قرطاج: من بوابة أحلام إلى بوابة موت
في تاريخ الأمم، هناك أماكن تتحول إلى رموز. أماكن تحمل في جدرانها ذاكرة شعب بأكمله. مطار تونس قرطاج الدولي هو أحد هذه الأماكن.
لطالما كان هذا المطار بوابة تونس على العالم. منه سافر الطلاب إلى جامعات العالم، والعمال إلى بلدان المهجر، والسياح لاكتشاف البلاد الجميلة. كانت صالة القدوم والمغادرة تعج بالآمال والأحلام واللقاءات والوداعات. كان المكان يختصر حياة التونسيين في لحظات: لحظة الفراق، ولحظة اللقاء، لحظة السفر، ولحظة العودة.
لكن بين عامي 2011 و2014، تحول هذا المطار إلى شيء آخر. تحول إلى بوابة جحيم.
في تلك السنوات، كان المشهد يتكرر يومياً: شاب تونسي في العشرينيات من عمره، يحمل حقيبة سفر خفيفة، يتجه إلى شباك تسجيل الوصول. وجهته: إسطنبول، أو الدوحة، أو بيروت. كان يبدو كأي مسافر عادي، لولا ذلك البريق الغريب في عينيه، تلك النظرة التي توحي بأنه ذاهب في مهمة أكبر من مجرد سياحة أو دراسة.
خلف هؤلاء الشباب، كانت هناك أمهات يبكين، وآباء يتظاهرون بالقوة وهم يودعون أبناءهم. كثيرون لم يكونوا يعلمون الحقيقة. كانوا يظنون أن أبناءهم ذاهبون للدراسة في تركيا، أو للعمل في الخليج، أو لزيارة الأقارب في لبنان. لكن القلة القليلة كانت تعرف الحقيقة، أو تظن أنها تعرفها: أبناءهم ذاهبون للجهاد في سبيل الله.
ما لم يعرفه هؤلاء الشباب، وما لم تكن تعرفه أمهاتهم، هو أنهم كانوا مجرد قطع شطرنج في لعبة دولية كبرى. لعبة أطرافها قطر وتركيا وأمريكا وإسرائيل، وهدفها تدمير سوريا وإضعاف المحور المقاوم للمشروع الصهيوني. كانوا وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تحت شعارات دينية براقة أخفت الحقائق القاتمة.
في مطار تونس قرطاج، كان هناك رجل يسهل هذه الرحلات. اسمه عبد الكريم العبيدي، رئيس فرقة حماية الطائرات بالمطار. كان هو المسؤول عن تسهيل عبور المسافرين إلى بؤر التوتر. كان هو من يضمن عدم تفتيش حقائبهم بدقة، عدم التدقيق في وجهاتهم، عدم إيقاف من تظهر أسماؤهم في القوائم الأمنية.
العبيدي لم يكن يعمل وحده. كان جزءاً من شبكة أكبر، تضم أمنيين في وزارة الداخلية، وسياسيين في حركة النهضة، وجمعيات خيرية تتلقى تمويلاً من الخارج، ووكالات أسفار تنظم الرحلات. شبكة محكمة، تعمل بتناغم تام، هدفها الوحيد: توصيل أكبر عدد ممكن من الشباب التونسي إلى سوريا.
في 26 فبراير 2026، حوكم العبيدي كغيره من المتهمين. صدر الحكم عليه بـ 22 عاماً سجنًا . لكن الحكم لم يعد لهؤلاء الشباب الذين غادروا المطار ولم يعودوا. لم يعد لأمهاتهم اللواتي ما زلن ينتظرن عودتهم. لم يعد لتونس التي فقدت ثلث آلاف من أبنائها في حرب لا تعرفها.
3. الدم التونسي: من هم هؤلاء الشباب؟
قبل أن نغوص في تفاصيل المؤامرة، يجب أن نتوقف لحظة لنتأمل في هوية هؤلاء الشباب. من هم الذين غادروا تونس إلى الجحيم؟
هم شباب تونسيون عاديون. من مدن مختلفة: من تونس العاصمة، ومن صفاقس، ومن سوسة، ومن القيروان، ومن مدنين، ومن بنزرت. من أحياء راقية وأحياء شعبية. من عائلات غنية وفقيرة. درسوا في مدارس حكومية وخاصة. كانوا يحلمون بمستقبل أفضل، بوظيفة، ببيت، بأسرة.
لكن الظروف كانت قاسية. الثورة قامت، وتغير النظام، لكن الأوضاع الاقتصادية لم تتحسن. البطالة في صفوف الشباب كانت مرتفعة. الإحباط كان كبيراً. الفراغ كان يقتل.
في هذا الفراغ، وجد خطاب الإسلام السياسي أرضاً خصبة. خطاب يعد بالجنة، بالكرامة، بالعدالة. خطاب يعطي معنى للحياة، وهدفاً للوجود. خطاب يحول البطالة إلى "جهاد"، والإحباط إلى "تضحية"، والفراغ إلى "رسالة".
بدأ الأمر صغيراً: حضور دروس دينية في المساجد. مشاهدة أشرطة فيديو عن معاناة المسلمين في سوريا. الاستماع إلى خطباء متشددين يحرضون على الجهاد. ثم التدرج إلى لقاءات سرية مع منظمين، وتوقيع استمارات، وتلقي وعود بالمساعدة.
كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون لتحرير إخوانهم في سوريا. كانوا يعتقدون أنهم سيعودون أبطالاً. كانوا يعتقدون أنهم سيحظون بثواب الآخرة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة. عندما وصلوا إلى سوريا، اكتشفوا أنهم ليسوا في "جهاد" بل في حرب طائفية. اكتشفوا أن "إخوانهم" الذين جاءوا لنصرتهم يقاتلون بعضهم بعضاً أكثر مما يقاتلون النظام. اكتشفوا أن التنظيمات التي انضموا إليها تتلقى أوامرها من قوى خارجية. اكتشفوا أنهم مجرد أرقام في معادلة أكبر.
بعضهم قتل في الأيام الأولى. بعضهم قتل على يد تنظيم الدولة الإسلامية عندما رفض الانضمام إليه. بعضهم قتل على يد جبهة النصرة بتهمة "العمالة". بعضهم لا يزال في السجون حتى اليوم. بعضهم عاد مشوهاً نفسياً وجسدياً، يحمل كوابيس لا تتركه.
تقول الأرقام الرسمية: ما بين 3000 و5500 تونسي غادروا للقتال في بؤر التوتر. عاد منهم نحو 800 فقط . والباقون: موتى أو مختفون أو في السجون.
هذه ليست مجرد أرقام. هي أبناء تونس. هي دماء تونسية سالت في أرض لا تعرفها. هي أرواح ضاعت في حرب لا تعنيها.
4. صوت من الجحيم: شهادة عائد
في إحدى زياراتي إلى تونس، التقيت شاباً في الثلاثينيات من عمره. كان هادئاً، خجولاً، يتجنب النظر في العيون. اسمه محمد (ليس الاسم الحقيقي). قضى سنتين في سوريا، ثم عاد بطريقة سرية عبر الحدود التركية. وافق على الحديث بعد إلحاح شديد، واشترط ألا نصوره ولا نذكر اسمه الحقيقي.
إليكم روايته:
"كنت في الثانية والعشرين من عمري. خريج معهد عالٍ، لكن بلا شغل. أيامي كلها كانت في المقهى أو في المسجد. في المسجد، تعرفت على أخ كريم. كان متحدثاً بارعاً. كان يتحدث عن معاناة المسلمين في سوريا. كان يعرض علينا أشرطة فيديو. كان يبكي ونبكي معه.
بعد شهور من التردد على المسجد، عرض علي السفر. قال لي إن الجهاد في سوريا واجب على كل مسلم. قال لي إن من يموت في سوريا شهيد. قال لي إن الجنة تنتظرنا. كان كلامه كالنار في الهشيم. كنت أحلم بالجنة، أحلم بلقاء الله، أحلم بأن أكون بطلاً.
ساعدني في الحصول على جواز سفر جديد بسرعة غير عادية. حجز لي تذكرة إلى اسطنبول. قال لي إنه سيكون في انتظاري هناك من يستقبلني وتأخذني إلى سوريا.
في مطار تونس، كان الوداع صعباً. أمي بكت كثيراً. قلت لها إني مسافر للدراسة في تركيا. صدقتني. لم تكن تعلم أن ابنها الوحيد ذاهب ليموت.
عندما وصلت إلى اسطنبول، كان في انتظاري شابان. أخذاني إلى شقة في حي شعبي. بقيت هناك ثلاثة أيام مع مجموعة من الشباب من جنسيات مختلفة: سعوديون، ليبيون، أردنيون. كنا ننتظر دورنا للعبور إلى سوريا.
عبرنا الحدود سراً مع مجموعة من المهربين. كانت رحلتي الأولى إلى حلب. هناك، انضممت إلى مجموعة من المقاتلين التونسيين. كانوا في غاية الحماس في البداية. كانوا يتحدثون عن الجنة والشهادة وكأنها شيء عادي.
لكن بعد شهور قليلة، بدأ الواقع يتكشف. اكتشفت أن التنظيمات التي كنا ننتمي إليها تتلقى تمويلاً من الخارج. اكتشفت أن القتال لم يكن ضد النظام فقط، بل ضد مجموعات أخرى تختلف معنا في الرأي. اكتشفت أن كثيراً من القادة لا يؤمنون بما يقولون. كانوا يعيشون في بيوت فاخرة، ويأكلون أفضل الطعام، بينما كنا نأكل الخبز اليابس.
في إحدى المعارك، قُتل صديقي التونسي الذي كان يشاركني الغرفة. انفجرت قذيفة هاون قربنا. أصابته شظية في الرأس. مات أمام عيني. في تلك اللحظة، انفجر شيء في داخلي. أدركت أنني لا أريد أن أموت هنا. لا أريد أن أترك أمي بدون ابن. لا أريد أن أصبح مجرد رقم في إحصائية الموتى.
قررت العودة. كان الأمر أصعب من الذهاب. المئات منا حاولوا العودة. القليلون نجحوا. كنت محظوظاً. هربت مع مجموعة صغيرة عبر الحدود التركية. عندما وصلت إلى إسطنبول، شعرت كأني ولدت من جديد. ومن هناك، عدت إلى تونس بطائرة عادية، كأي مسافر عادي.
الآن، أعيش مع عائلتي. أمي لا تسألني عما حدث. أظنها تعرف. لا أستطيع النوم ليلاً. أرى وجوه الذين ماتوا. أسمع أصوات الانفجارات. أشم رائحة الموت. أذهب إلى طبيب نفسي بانتظام. أحاول أن أنسى، لكن النسيان لا يأتي.
رسالتي إلى الشباب التونسي: لا تصدقوا من يتحدث عن الجنة بسهولة. الجنة ليست رخيصة. من يدعوكم للجهاد بألسنتهم لا يذهبون بأنفسهم. هم في بيوتهم الآمنة، يأكلون ويشربون، بينما أنتم تموتون. سألوا أنفسهم: لماذا لا يذهبون هم؟"
5. من هم الجناة؟ خريطة المسؤولين
قصة محمد ليست فريدة. هي قصة آلاف التونسيين. وخلف كل واحد منهم، هناك شبكة من الجناة. من هم هؤلاء؟
المسؤول الأول: حركة النهضة وقياداتها. علي العريض، وزير الداخلية الأسبق ورئيس الحكومة الأسبق، المتهم الأول في القضية. راشد الغنوشي، زعيم الحركة، الذي قال عن شباب أنصار الشريعة "هم أبناؤنا". نور الدين قندوز، القيادي في الحركة، الذي حكم عليه بـ 28 عاماً بتهمة الوساطة بين النهضة وأنصار الشريعة . وآخرون كثر.
المسؤول الثاني: الأمنيون الموالون للنهضة. فتحي البلدي، "رجل الظل" الذي أشرف على خلايا أمنية موازية. عبد الكريم العبيدي، رئيس فرقة حماية الطائرات الذي سهّل عبور المسافرين. هشام السعدي ولطفي الهمامي، اللذان حكم عليهما بـ 24 عاماً لكل منهما .
المسؤول الثالث: تنظيم أنصار الشريعة. سيف الدين الرايس، الناطق الرسمي الأسبق للتنظيم، الذي حكم عليه بـ 3 أعوام . سامي الشعار، الذي حكم عليه بـ 6 أعوام . وآخرون كثر.
المسؤول الرابع: الداعمون الخارجيون. قطر التي موّلت. تركيا التي وفّرت الممرات الآمنة. أمريكا التي أعطت الضوء الأخضر. إسرائيل التي استفادت من تدمير سوريا.
المسؤول الخامس: المجتمع الدولي الصامت. الذي وقف يتفرج على هذه المأساة، دون أن يحرك ساكناً.
هذه الخريطة تظهر أن ما حدث في تونس لم يكن مجرد جريمة محلية، بل كان جزءاً من مؤامرة دولية كبرى. مؤامرة استهدفت تونس كبوابة، وسوريا كهدف، والعالم العربي كله كساحة.
6. الرئيس قيس سعيد: الرجل الذي أنقذ تونس
في خضم هذه المأساة، وقف رجل واحد في وجه العاصفة. رجل آمن بأن تونس تستحق الأفضل. رجل قال "لا" لكل أشكال التدخل الخارجي. رجل أعاد للتونسيين الثقة في دولتهم. إنه الرئيس قيس سعيد.
قبل أن يصبح رئيساً، كان قيس سعيد أستاذاً للقانون الدستوري. كان معروفاً بنزاهته ووطنيته. كان بعيداً عن صخب السياسة وزيف الأحزاب. لكنه عندما رأى تونس تنزلق إلى الهاوية، قرر أن يتدخل.
في 25 يوليو 2021، اتخذ قراراته التاريخية: تجميد البرلمان، رفع الحصانة عن النواب، وإقالة رئيس الحكومة. أعلن أنه سيتولى السلطة بنفسه لإنقاذ البلاد من الانهيار.
ردود الفعل كانت متباينة. المؤيدون اعتبروا القرارات تصحيحاً لمسار الثورة. المعارضون، وفي مقدمتهم حركة النهضة، وصفوها بـ"الانقلاب على الدستور". لكن سعيد مضى في طريقه.
منذ ذلك التاريخ، وهو يمشي بثبات في طريق الإصلاح. فتح ملفات الفساد. أعاد هيكلة المؤسسات. بدأ محاكمة المتورطين في قضايا الإرهاب والتسفير. وفي 26 فبراير 2026، توج هذا المسار بالحكم التاريخي على علي العريض ورفاقه.
الرئيس سعيد لم يكتفِ بمحاربة الفساد داخلياً. هو أيضاً اتخذ مواقف خارجية مشرفة. رفض التطبيع مع إسرائيل. دعم القضية الفلسطينية بكل قوة. وقف مع الشعب السوري في محنته. وفي إحدى خطاباته الشهيرة، وجه رسالة إلى أردوغان قال فيها: "لسنا ولاية عثمانية ولا ننتظر فرماناً" .
هذا الموقف الشجاع جعله هدفاً لحملات إعلامية شرسة من قنوات الإخوان الممولة من قطر وتركيا. لكنه لم يتراجع. هو ماضٍ في طريقه، مؤمناً بأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
7. الدوحة وأنقرة: قلب المؤامرة النابض
لا يمكن فهم قضية التسفير دون فهم الدور المحوري الذي لعبته قطر وتركيا في هذه المؤامرة.
قطر: هذه الدولة الخليجية الصغيرة، التي تمتلك ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم، استثمرت مليارات الدولارات على مدى العقود الماضية في دعم جماعات الإسلام السياسي. قناة الجزيرة كانت المنصة الإعلامية الأكبر لترويج خطاب الإخوان وتجميل صورتهم. الجمعيات الخيرية القطرية كانت تغذي التنظيمات المسلحة بالمال والسلاح. قيادات الإخوان الهاربة وجدت في الدوحة ملاذاً آمناً.
وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم كشف أن ما أنفقته قطر ودول الخليج الأخرى لدعم "الثورات العربية" بلغ تريليوني دولار . هذا الرقم الخيالي يفسر كيف استطاعت جماعات كانت تعمل تحت الأرض أن تصل إلى السلطة في عدة بلدان عربية. يفسر كيف تحولت تونس من بلد يفتخر باستقراره إلى ساحة تجنيد للمقاتلين.
تركيا: من جانبها، كانت تركيا الحاضن الإقليمي لهذا المشروع. الرئيس أردوغان ورئيس استخباراته هاكان فيدان كانا العقل المدبر لعمليات نقل المقاتلين إلى سوريا. الحدود التركية فتحت أمام آلاف الشباب. المخيمات التركية تحولت إلى مراكز تدريب. المستشفيات التركية استقبلت الجرحى لتضميد جراحهم قبل إعادتهم إلى القتال.
في فبراير 2026، قال أردوغان إن "أمن تركيا وسوريا متداخلان بشكل وثيق" . هذا الاعتراف المتأخر يثبت أن تركيا كانت تعتبر سوريا جزءاً من منطقة نفوذها، وأن ما حدث فيها كان يخدم مصالحها.
العلاقة بين قطر وتركيا لم تكن مجرد تعاون عابر، بل تحالفاً إستراتيجياً عميقاً. في يونيو 2017، أقر البرلمان التركي نشر قوات تركية في قاعدة عسكرية بقطر . وهكذا، تحول التحالف إلى تحالف عسكري، وباتت قطر وقاعدة العديد العسكرية الأمريكية تشكلان ثنائياً لدعم الإرهاب في المنطقة.
8. أمريكا وإسرائيل: المستفيد الأكبر
في خلفية كل هذه الأحداث، هناك مستفيد أكبر: أمريكا وإسرائيل.
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في تصريح صادم، قال إنه هو من وضع الجولاني في القصر الرئاسي في سوريا . هذا التصريح، مهما قيل عنه إنه "مجتزأ من سياقه"، يكشف حقيقة لا يمكن إنكارها: الجولاني لم يصل إلى السلطة عبر انتخابات شعبية، بل عبر دعم أمريكي-تركي-قطري منظم.
الوجود العسكري الأمريكي في سوريا كان عاملاً أساسياً في تشكيل المشهد. حتى وقت قريب، كانت الولايات المتحدة تمتلك قواعد عسكرية متعددة في شمال شرق سوريا، أهمها قواعد حقل العمر والكونيكو النفطيين . هذا الوجود لم يكن لمحاربة الإرهاب فقط، بل أيضاً للسيطرة على النفط السوري ومنع الحكومة السورية من استعادة مواردها.
أما إسرائيل، فهي المستفيد الأكبر من تدمير سوريا. كلما ضعفت سوريا، كلما توسعت إسرائيل في الجولان. كلما انشغل العرب ببعضهم، كلما تعمق الاحتلال في فلسطين.
في 26 فبراير 2026، توغلت قوة إسرائيلية بأكثر من 30 آلية عسكرية في محافظة القنيطرة . هذه التوغلات تتكرر بشكل شبه يومي، في ظل صمت دولي مطبق. إسرائيل تستغل حالة الضعف السوري لتحقيق مكاسب على الأرض، ولتخلق واقعاً جديداً في الجولان يجعل من المستحيل على أي حكومة سورية مستقبلية استعادة هذه الأرض المغتصبة.
وهكذا، تتكشف الصورة الكاملة: قطر تمول، تركيا تحتضن، أمريكا تدعم، إسرائيل تستفيد. وشباب تونس والعرب يدفعون الثمن.
9. محاكمة القرن: العدالة أخيراً
في 19 سبتمبر 2022، استنطق قاضي التحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب علي العريض وراشد الغنوشي في ثكنة بوشوشة بالعاصمة. بعد ساعات من الاستنطاق، قررت النيابة الاحتفاظ بالعريض على ذمة التحقيق . بعد ثلاثة أيام، أفرج عنه، لكن سرعان ما أعيد التحقيق معه في ديسمبر من نفس العام، وأصدر قاضي التحقيق بطاقة إيداع بالسجن في حقه .
منذ ذلك التاريخ، والعريض قابع في السجن، تنتقل قضيته من درجة إلى أخرى. في مايو 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية حكماً ابتدائياً بسجنه 34 عاماً . في 26 فبراير 2026، خففت محكمة الاستئناف الحكم إلى 24 عاماً .
التهم الموجهة إليه متعددة: "تكوين وفاق إرهابي"، "وضع كفاءات على ذمة وفاق إرهابي"، "الانضمام عمداً داخل تراب الجمهورية لوفاق إرهابي"، "استعمال تراب الجمهورية لارتكاب جرائم إرهابية ضد بلد أجنبي ومواطنيه" .
هذه التهم ليست اعتباطية. هي مبنية على تحقيقات استمرت سنوات، وعلى أدلة وشهادات جمعها القضاء التونسي بصبر وأناة. وقد أكدت المحكمة، في حيثيات حكمها، أن هذه التهم ثابتة في حق المتهمين.
الأحكام شملت أيضاً فتحي البلدي (22 عاماً)، وعبد الكريم العبيدي (22 عاماً)، ونور الدين قندوز (28 عاماً)، ولطفي الهمامي (24 عاماً)، وهشام السعدي (24 عاماً)، وآخرين .
هذه الأحكام لم تكن مجرد إجراءات قضائية عادية. كانت رسالة إلى كل من تورط في هذه الجرائم: مهما طال الزمن، ستحاسبون. ومهما علت مناصبكم، سينال القانون منكم.
10. لماذا هذا الكتاب؟
بعد كل هذا، قد يسأل سائل: لماذا هذا الكتاب؟ ولماذا الآن؟
لأن الدم التونسي ليس رخيصاً. آلاف الشباب الذين سُفروا إلى سوريا هم أبناء هذه البلاد. هم من لحمنا ودمنا. هم أحلام أمهاتهم وآمال آبائهم. يجب ألا ننساهم. يجب أن نروي قصصهم. يجب أن نطالب بالعدالة لهم.
لأن الجريمة لا تسقط بالتقادم. من تسببوا في هذه المأساة ما زالوا بيننا. بعضهم في السجون، وبعضهم طلقاء. بعضهم في تونس، وبعضهم في الخارج. يجب ألا نهدأ حتى يُحاسب كل من تورط في هذه الجرائم.
لأن الحقيقة تحتاج إلى توثيق. في زمن الإعلام المضلل، وفي ظل الإمبراطورية الإعلامية للإخوان التي تمولها قطر وتركيا، يجب أن نكتب روايتنا. يجب أن نسجل ما حدث بأيدينا. يجب أن نترك للأجيال القادمة شهادة صادقة على هذه المرحلة.
لأن تونس تستحق الأفضل. تونس التي أعطت الدنيا ابن خلدون والشابي والبراقي، تونس التي ألهمت الثورات العربية، لا تستحق أن تكون مزرعة للإرهاب. تستحق أن تكون وطناً كريماً لأبنائها.
ولأن الرئيس قيس سعيد أعاد إلينا الأمل. هذا الرجل الوطني النزيه استطاع، بوعيه وإخلاصه، أن يعيد بناء الدولة، وأن يحاسب المفسدين، وأن يضع تونس على طريق التعافي. هذا الكتاب هو تكريم له ولأمثاله من الرجال الذين يصنعون التاريخ.
في الصفحات القادمة، سنغوص في تفاصيل هذه القصة. سنتعرف على المتهمين، ونتتبع خيوط المؤامرة، ونستمع إلى شهادات الضحايا، ونوثق مسار المحاكمة. سنذهب إلى سوريا افتراضيا لنرى ماذا حل بشبابنا هناك. وسننتهي إلى رؤية لمستقبل تونس والعالم العربي بلا إخوان.
إنها رحلة طويلة وشاقة، لكنها ضرورية. فلنبدأ.
11. شكر وتقدير
قبل أن نطوي صفحة هذه المقدمة، لا بد من كلمة شكر لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل.
الشكر للرئيس التونسي قيس سعيد، الذي ألهمنا بمواقفه الوطنية النزيهة، وأعاد إلينا الثقة في عدالة الدولة.
الشكر لعائلات ضحايا التسفير، الذين صبروا سنوات طويلة ينتظرون العدالة، وكانوا نبراساً لنا في الصبر والثبات.
الشكر للقضاء التونسي، الذي أثبت استقلاليته ونزاهته في محاكمة المجرمين.
الشكر لكل تونسي وعربي آمن بأن الدم العربي ليس رخيصاً، وأن العدالة ستتحقق يوماً ما.
الشكر لكل من ساهم في توثيق هذه الجرائم، وكشف خيوط المؤامرة، ونقل الحقيقة إلى الرأي العام.
وأخيراً، الشكر للقارئ الكريم، الذي اختار أن يرافقنا في هذه الرحلة. نأمل أن نكون عند حسن ظنه، وأن نكون قدمنا عملاً يليق بحجم المأساة، ويخدم قضية العدالة والحق.
والآن... إلى الفصل الأول.
يتبع في الفصل الأول: علي العريض وحكومة الترويكا: وزارة داخلية "موازية" لخدمة المشروع
الفصل الأول
سمير أمين وإعادة اكتشاف "الإسلام السياسي التابع"
في نقد أيديولوجيا لا تعرف الظل
1.
لم تكن الكتابة عن سمير أمين يوماً مجرد اشتغال أكاديمي عابر. ذلك أن الرجل الذي غادر دنيانا في صيف 2018 كان أكثر من مجرد مفكر، بل كان ضمير قارة، وصوتاً لا يكل في وجه العاصفة. عندما جلست لأكتب هذا الفصل، تذكرت مقولة له في إحدى حواراته الأخيرة: "أنا ماركسي مبدع، أبدأ من ماركس ولكني لا أنتهي عنده". هذه العبارة الصغيرة تحمل مفتاحاً لفهم مشروع فكري متكامل ظل لعقود يتصدى لتيارات عاتية: الإمبريالية بوجهها الجديد، والرأسمالية المتوحشة، والأهم بالنسبة لموضوعنا، ذلك المد الإسلامي السياسي الذي اجتاح العالم العربي كالسيل الجارف.
لكن سمير أمين، ابن بورسعيد الذي رأى النور عام 1931 في أحضان مدينة كانت مختبراً حياً للصراع بين الشرق والغرب، لم يكن ليقرأ الإسلام السياسي قراءة المبشرين أو الدعاة، ولا قراءة المستشرقين الجدد الذين رأوا فيه "الخطر الأصفر" الجديد. قراءته كانت قراءة مناضل عانى مرارة الهزيمة، وشهد بأم عينيه كيف تتحول الأيديولوجيات إلى أصنام تعيق الوعي بدلاً من تحريره. ولد في أسرة مصرية متوسطة لأب طبيب مصري وأم طبيبة فرنسية، لكنه اختار مبكراً أن يكون ابن القارة الإفريقية بأسره، متنقلاً بين القاهرة وباريس ودكار، حاملاً هموم المضطهدين في كل مكان.
في هذا الفصل، سنحاول أن ننزل إلى أعماق فكر هذا الرجل الذي ظل عقوداً يضرب على وتر واحد: أن تحرير الشعوب لا يتم إلا بتحرير وعيها أولاً من أغلال الأيديولوجيات المزيّفة. وسنرى كيف أن نظريته عن "التبعية" لم تكن مجرد نظرية اقتصادية، بل كانت منهجاً لفهم العالم، وكيف أن نقده للإسلام السياسي كان جزءاً من مشروع نقد أوسع لكل أشكال "القطيعة" الزائفة مع الواقع.
2. نظرية التبعية: العالم ليس قرية واحدة
قبل أن نفهم موقف سمير أمين من الإسلام السياسي، يجب أن نغوص في نظريته الأشهر: نظرية "التبعية" أو "اللاتوازن في التنمية". في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان العالم منقسماً إلى معسكرين: رأسمالي بقيادة أمريكا، واشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وكانت نظريات "التنمية" السائدة ترى أن بمقدور دول العالم الثالث أن "تلحق" بالركب إذا اتبعت الوصفات الصحيحة: الانفتاح على الاستثمار الأجنبي، وتشجيع الصادرات، والاندماج في السوق العالمية.
هنا كان سمير أمين يختلف جذرياً. رأى أن هذه النظريات تخفي حقيقة أكثر قتامة: أن الرأسمالية العالمية ليست نظاماً تكاملياً يمكن للجميع أن يربح فيه، بل هي نظام هرمي يقوم على استغلال "الأطراف" لصالح "المركز". في كتابه الشهير "تراكم على نطاق عالمي"، بيّن أمين كيف أن تدفق الفائض الاقتصادي من دول الجنوب إلى دول الشمال ليس مجرد نتيجة ثانوية للنظام، بل هو شرط أساسي لاستمراره .
العالم الذي يراه أمين ينقسم إلى قسمين:
المركز، وهو الثالوث المسيطر: أمريكا الشمالية، أوروبا الغربية، اليابان. هذه الدول تحتكر خمسة مجالات استراتيجية: التكنولوجيا، والوصول إلى الموارد الطبيعية، والتمويل الدولي، والإعلام العالمي، وأسلحة الدمار الشامل . بهذه الاحتكارات الخمسة، تستطيع أن تدير اللعبة العالمية لمصلحتها.
الأطراف، وهي دول الجنوب التي يريدون لها أن تبقى مصدراً للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوقاً لتصريف المنتجات، وأداة لامتصاص الأزمات الدورية للرأسمالية.
ما يفعله المركز بالأطراف هو ما أسماه أمين "التراكم على نطاق عالمي": ثروات الجنوب تُنهب، وأسعار مواده الخام تُحدد في بورصات الشمال، وأرباحه تُحوَّل إلى بنوك سويسرا ولندن، وديونه تُستخدم أداة للضغط السياسي. وهذا ما يفسر لماذا تبقى الفجوة بين الشمال والجنوب تتسع رغم عقود من "المساعدات" و"التنمية".
في هذا السياق، تأتي دعوة أمين الشهيرة إلى "فك الارتباط" (Delinking) . فك الارتباط لا يعني الانعزال أو الانغلاق، كما يحاول البعض تصويره. بل يعني أن تتعامل دول الجنوب مع السوق العالمية من موقع قوة، لا من موقع ضعف. يعني أن تبني اقتصادها أولاً لتلبية احتياجات شعبها قبل احتياجات التصدير، وأن تتحكم في تدفق رؤوس الأموال، وأن تحمي فلاحيها وصناعها الناشئين من إعصار المنافسة غير المتكافئة.
شخصياً، أجد في هذه النظرية تفسيراً مقنعاً للكثير من إخفاقات العالم العربي. فمشكلتنا ليست في أننا "لسنا مندمجين بما فيه الكفاية" في العولمة، بل العكس: مشكلتنا أننا مندمجون بشكل خانق، ولكن من موقع تابع. نستورد قمحنا، ونصدر شبابنا، ونبيع مواردنا بأبخس الأثمان، ثم نتفاجأ بأننا لا ننمو. نموذج سمير أمين يقلب المعادلة رأساً على عقب.
3. نقد الإسلام السياسي: الأيديولوجيا في خدمة الإمبريالية
والآن نصل إلى لب الموضوع: موقف سمير أمين من الإسلام السياسي. في مقالته المدوية "الإسلام السياسي في خدمة الإمبريالية" التي نشرها في مجلة Monthly Review عام 2007 ، يقدم أمين أطروحة جريئة ربما تكون الأكثر إثارة للجدل في مسيرته الفكرية.
يبدأ أمين بملاحظة بسيطة لكنها عميقة: كل تيارات الإسلام السياسي تختار أن تخوض صراعها على أرض الثقافة . لماذا الثقافة بالتحديد؟ لأن الثقافة مجال يمكن التعبئة فيه دون المساس بجوهر البنى الاقتصادية والاجتماعية القائمة. فبدلاً من الحديث عن توزيع الثروة، وحقوق العمال، واستقلال القرار الوطني، ومواجهة الاحتكارات الكبرى، ينصرف الاهتمام إلى الحجاب واللحية والهوية والخصوصية.
يقول أمين بصراحة: "إن التركيز الحصري على الثقافة يسمح للإسلام السياسي بأن يحذف من كل مجالات الحياة المواجهات الاجتماعية الحقيقية بين الطبقات الشعبية والنظام الرأسمالي العالمي الذي يضطهدهم ويستغلهم" .
هذه العبارة هي مفتاح كل شيء. الإسلام السياسي، من وجهة نظر أمين، لا يقدم بديلاً حقيقياً عن الرأسمالية. إنه يقدم فقط بديلاً ثقافياً. أي أنه يريد رأسمالية بوجه إسلامي، وليس تجاوزاً للرأسمالية. ولهذا السبب نجد أن حركات الإسلام السياسي، أينما حكمت، لم تمس جوهر الملكية الخاصة، بل على العكس، دافعت عنها بشراسة باسم "حرمة المال" و"قدسية الملكية".
يضرب أمين مثلاً بجماعة الإخوان المسلمين في مصر: "الإسلام السياسي يدافع عن مبدأ الطبيعة المقدسة للملكية، ويجيز عدم المساواة وكل متطلبات إعادة الإنتاج الرأسمالي". ويشير إلى أن الإخوان دعموا في البرلمان المصري قوانين تحمي حقوق الملاك على حساب الفلاحين الفقراء . هذه ليست مصادفة، بل هي جوهر المشروع.
لكن الأكثر جرأة في تحليل أمين هو ربطه بين الإسلام السياسي والمشروع الإمبريالي. كيف يمكن لتيار يرفع شعار "الموت لأمريكا" أن يكون في خدمة الإمبريالية؟ هنا يكمن عمق التحليل.
يرى أمين أن الإمبريالية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة تحتاج إلى إعادة تشكيل الصراع العالمي. لم تعد المواجهة مع الشيوعية ممكنة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. إذن، ما هو البديل؟ صراع الحضارات. هذه النظرية التي روج لها صامويل هنتنغتون وبرنارد لويس كانت بمثابة هبة من السماء للإمبريالية الجديدة. فهي تحوِّل الصراع من كونه صراعاً بين طبقات (أغنياء وفقراء) وشعوب (مستعمِر ومستعمَر) إلى صراع بين "حضارات" و"ثقافات" .
في هذا السياق، يجد الإسلام السياسي دوراً بطولياً لنفسه: هو حارس "الهوية" و"الخصوصية" في مواجهة "الغزو الثقافي الغربي". لكن النتيجة المأساوية هي أن هذا الخطاب يضرب بالقضايا الحقيقية عرض الحائط. لم يعد المهم هو كيف نحرر فلسطين، بل كيف نحمي هويتنا. لم يعد المهم هو كيف نوقف سرقة ثرواتنا النفطية، بل كيف نقاوم "تغريب" مجتمعاتنا.
يقول أمين: "الإسلام السياسي كان دوماً في صف الطبقة الحاكمة السعودية والباكستانية" . وهذه إشارة مهمة إلى التمويل الخليجي الذي تحدثنا عنه في نقاشنا السابق. فالدول الخليجية النفطية، وهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة، كانت الممول الأكبر لحركات الإسلام السياسي في العالم. وهذا يفسر التناقض الظاهري: خطاب عدائي لأمريكا، لكنه ممول من حلفاء أمريكا!
4. الفرق بين إسلام المقاومة وإسلام المحميات
عند هذه النقطة، يجب أن نكون دقيقين. سمير أمين لا يضع كل الحركات الإسلامية في سلة واحدة. هو يميز بوضوح بين نوعين:
النوع الأول: إسلام المقاومة. ويشمل حركات مثل حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، وبعض حركات المقاومة في العراق. هذه الحركات، بحسب أمين، يمكن أن تكون "إسلاماً سياسياً معادياً للإمبريالية، رغم أنه رجعي على الصعيد الاجتماعي" . لماذا؟ لأن هذه الحركات تواجه مشروعاً استعمارياً مباشراً: إسرائيل في فلسطين، والغزو الأمريكي في العراق. إنها تخوض معركة تحرر وطني، حتى وإن كان خطابها الاجتماعي محافظاً.
النوع الثاني: إسلام المحميات. وهذا يشمل الإخوان المسلمين في مصر وتونس وسوريا، والتيار القاعدي الجهادي، والوهابية الخليجية. هذه التيارات، رغم عدائها اللفظي للغرب، لا تواجه المشروع الإمبريالي في جوهره، بل تقدم نفسها كبديل ثقافي داخل إطار التبعية. وهي ممولة من أنظمة (خليجية) هي نفسها حليفة للغرب، وتعيش في كنف الحماية الأمريكية.
الفرق جوهري. فحركات المقاومة تمس جوهر الصراع: الأرض، والسيادة، والموارد. أما حركات المحميات فتصطدم مع الغرب في السطح (الثقافة والهوية) وتتوافق معه في الجوهر (الرأسمالية، الملكية الخاصة، التبعية الاقتصادية).
5. الجدل مع طارق أمين خان: محاولة تصحيح أو تأكيد؟
مثل أي مفكر كبير، لم يمر نقد سمير أمين للإسلام السياسي دون ردود. كان من أهمها رد الباحث الباكستاني الكندي طارق أمين خان في عام 2009 . يقول طارق إن موقف سمير أمين "رفض عام للإسلام السياسي"، وهذا الرفض، مع أنه صحيح في جوهره، إلا أنه "غير مفيد للقوى اليسارية والعلمانية الصغيرة في هذه الدول لكي تطور ولو خطوة استراتيجية متواضعة لمنافسة الإسلام السياسي ومطالبته".
ما يعنيه طارق هو أن مجرد وصف الإسلام السياسي بأنه "رجعي" و"خادم للإمبريالية" لا يكفي. فالملايين من الناس في العالم العربي والإسلامي ينجذبون إلى هذه الحركات ليس لأنهم حمقى أو متآمرون، بل لأنهم يبحثون عن أجوبة لأسئلة حقيقية: الفقر، الظلم، الإهانة، فقدان الهوية. إذا كان اليسار العلماني لا يملك أجوبة لهذه الأسئلة، فسيظل الناس يتجهون إلى الإسلام السياسي.
يقول طارق: "هناك غضب شعبي ضد الاحتلالات العسكرية الأمريكية للأراضي الإسلامية، والشعور بأن الهجمة الإمبريالية موجهة ضد المسلمين". هذا الغضب حقيقي، ويجب أن يؤخذ على محمل الجد. الإسلام السياسي يستثمر هذا الغضب، لكنه يوجهه في اتجاهات لا تهدد المصالح الحقيقية للنخب الحاكمة.
لكن سمير أمين لم يتراجع. في رده، شدد على تمسكه بالماركسية كأداة وحيدة قادرة على فهم التحديات الحقيقية التي تواجه "العمال وغيرهم من ضحايا الرأسمالية وحداثتها". واعتبر أن كل الصيغ الأخرى، بما فيها "الإسلام السياسي، والهندوسية السياسية، والأصولية المسيحية في أمريكا الشمالية، والطوائف الجديدة" هي "عائلة كبيرة من الأوهام، المرتبطة بالماضي (لكنها في الواقع حديثة)" .
بالنسبة لي، هذا الجدل يظهر عمق وتعقيد الموقف من الإسلام السياسي. لا يمكن اختزاله إلى مجرد "خيانة" أو "مؤامرة"، لكن لا يمكن أيضاً تبني خطابه كبديل حقيقي عن مشروع التحرر الوطني والاجتماعي.
6. لماذا الآن؟ أهمية سمير أمين في فهم قضية التسفير
قد يتساءل قارئ: ما علاقة كل هذا بقضية علي العريض والتسفير إلى سوريا؟
العلاقة وثيقة جداً. فما حدث في تونس بعد 2011 هو تطبيق حي لنموذج "إسلام المحميات" الذي وصفه أمين. حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة لم تمس جوهر التبعية الاقتصادية، بل حافظت على علاقات تونس مع المؤسسات المالية الدولية، وفتحت الباب أمام الاستثمارات الخليجية، وفي الوقت نفسه، كما تقول التحقيقات القضائية، سهّلت سفر آلاف التونسيين إلى سوريا تحت شعارات دينية.
هؤلاء الشباب الذين غادروا تونس إلى الجحيم السوري هم ضحايا مركبون. ضحايا خطاب ثوري زائف حوّل همومهم الحقيقية (البطالة، التهميش، الإحباط) إلى أوهام دينية، ثم أرسلهم ليموتوا في أرض بعيدة باسم "الجهاد"، بينما المستفيد الحقيقي هم أنظمة خليجية أرادت إسقاط الدولة السورية، وأمريكا التي أرادت ضرب المحور الإيراني.
سمير أمين يقدم لنا أداة لفهم هذه المأساة: الإسلام السياسي ليس بديلاً عن الرأسمالية، بل هو ابن غير شرعي لها. إنه يصرخ في وجه الأوضاع القائمة لكنه لا يملك رؤية لتغييرها، فينتهي به الأمر إما إلى أن يصبح أداة في أيدي القوى الكبرى، أو أن يتحول إلى يأس مدمر يقتل الأبرياء.
7. خاتمة الفصل: ضرورة الاستمرار
في الذكرى العاشرة للثورات العربية، يبدو سمير أمين أكثر حضوراً من أي وقت مضى. لقد رأى بوضوح ما لم نره نحن: أن تحرير الشعوب لا يتم بمجرد تغيير الأنظمة، بل يحتاج إلى تغيير جذري في علاقات القوى على المستوى العالمي. وهذا التغيير يبدأ من القاعدة: من الفلاحين الذين يناضلون للحفاظ على أرضهم، من العمال الذين يطالبون بحقوقهم، من الشباب الذين يرفضون أن يكونوا مجرد أرقام في معادلات العولمة.
أما الإسلام السياسي، فسيظل، كما رآه سمير أمين، ظاهرة عابرة رغم ضجيجها، ما لم نقدم بديلاً حقيقياً يلامس هموم الناس وأحلامهم. وعندها فقط سيكتشف الناس أن "الخصوصية" ليست بديلاً عن العدالة، وأن "الهوية" ليست غذاء كافياً لمن هم جائعون.
في الفصول القادمة، سننتقل من النظرية إلى الواقع: سنرى كيف تجسد نموذج "إسلام المحميات" في تونس، وكيف تحول شبابها إلى وقود لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وسنرى أيضاً دور المحميات الخليجية وتركيا وأردوغان وفيدان في هذه المأساة. وسننتهي إلى ما بدأنا به: ضرورة محاكمة كل من فرط بالدم العربي، أياً كان موقعه وأياً كان شعاره.
هوامش الفصل
[1] مقالة سمير أمين "الإسلام السياسي في خدمة الإمبريالية" (Monthly Review, 2007) . [2] كتاب "الشعب وحده يصنع تاريخه" (Only People Make Their Own History)، الصادر عن Monthly Review Press, 2019 . [3] الجدل مع طارق أمين خان في مجلة Monthly Review, 2009 . [4] كتاب "ربيع الشعوب: مستقبل الثورة العربية" (The People s Spring: The Future of the Arab Revolution)، Pambazuka Press, 2012 . [5] نعيه في International Viewpoint, أغسطس 2018 .
---
يتبع في الفصل الثاني: علي العريض وحكومة الترويكا: وزارة داخلية "موازية" لخدمة المشروع
……..
الفصل الثاني
علي العريض وحكومة الترويكا:
وزارة داخلية "موازية" لخدمة المشروع
سيرة رجل ووزارة على حافة الجحيم
1. مقدمة: الرجل الذي حمل حقيبة الظل
في صبيحة يوم السابع والعشرين من ديسمبر عام 2011، دخل علي العريض إلى مبنى وزارة الداخلية التونسية بشارع الحبيب بورقيبة لأول مرة بصفته وزيراً. كان المبنى الذي يحمل ندوب سنوات من القمع لا يزال يختنق بذاكرة آلاف المعتقلين الذين داسوا أروقته تحت حكم بن علي. لم يكن العريض غريباً عن تلك الذاكرة. فقد دخل هذا المبنى مرات عديدة قبل ذلك التاريخ، لكنه كان يدخله مكبلاً مقيد اليدين، معتاداً على أسئلة المحققين وصفعاتهم. ها هو اليوم يدخله من الباب الكبير، حاملاً بيده حقيبة وزير.
في تلك اللحظة الفارقة من التاريخ التونسي، كانت الثورة لا تزال تغلي في الشوارع، والندوب لا تزال مفتوحة على جراحها. كان علي العريض الذي أمضى خمسة عشر عاماً في السجون التونسية، منها عشرة أعوام في زنزانة انفرادية لا يرى فيها الشمس ولا البشر، يقف الآن على رأس الجهاز الذي كان يعذبه. مشهد سينمائي بامتياز، لكنه كان يحمل في طياته مأساة أكبر مما قد يتخيله أحد.
فالرجل الذي حملته أمواج الثورة إلى قمة السلطة لم يكن يعلم أن التاريخ سيحاكمه بعد سنوات بتهمة أن وزارته لم تعد وزارة أمن، بل تحولت إلى "إدارة سفريات" لشباب سيذهبون ليموتوا في أراض بعيدة لا يعرفون عنها شيئاً. الرجل الذي بكى ذات يوم على زنزانته كان سيصبح بعد سنوات المسؤول الأول عن آلاف الأمهات اللواتي يبكين على أبنائهن الذين غادروا تونس على وعد بالجنة فوجدوا الجحيم.
في هذا الفصل، سنحاول تفكيك مرحلة حساسة من تاريخ تونس: مرحلة حكومة "الترويكا" التي قادها العريض، والتحولات التي شهدتها وزارة الداخلية تحت إدارته، والتساؤلات التي لا تزال معلقة حول ما إذا كان ما حدث مجرد فوضى وانفلات أمني، أم كان جزءاً من مشروع منظم وممنهج لخدمة أجندة إقليمية ودولية أكبر.
2. من الزنزانة إلى الوزارة: سيرة لا تشبه أحداً
ولد علي العريض في الخامس عشر من أغسطس عام 1955 في مدينة مدنين الجنوبية، تلك المدينة التي تقع على تخوم الصحراء وتحمل في ترابها مزيجاً من الثقافة الأمازيغية والعربية . كان الطفل السابع لعائلة متوسطة الحال، نشأ في منزل بسيط لا يعرف الرفاهية، لكنه عرف مبكراً معنى الكفاح والعمل.
بعد حصوله على البكالوريا عام 1976، التحق العريض بمدرسة البحرية التجارية في سوسة، تلك المدرسة التي تطل على البحر الأبيض المتوسط وتمد خريجيها بحلم الإبحار نحو العالم. تخرج عام 1980 مهندساً في النقل البحري، وعمل في مصالح وزارة النقل، لكن البحر لم يكن وحده ما يشغله. كان هناك شيء آخر يملأ رأسه: الإسلام والسياسة والحرية .
في مطلع الثمانينيات، كان الإسلاميون في تونس يعيشون تحت الأرض. حركة "الاتجاه الإسلامي" التي ستتحول لاحقاً إلى "حركة النهضة" كانت تطاردها أعين الأمن في كل مكان. انضم العريض إلى الحركة وهو في منتصف العشرينيات من عمره، وسرعان ما أصبح أحد قياداتها البارزة. لكن الثمن كان باهظاً.
عام 1981، اعتقل لأول مرة. كان عمره ستة وعشرين عاماً. ثم تكرر الاعتقال مرات ومرات، حتى صدر بحكمه حكم بالإعدام غيابياً عام 1987. بعد استلام بن علي السلطة في نوفمبر من ذلك العام، أُلقي القبض عليه، وصدَر الحكم نفسه حضورياً: إعدام. لكن الحكم لم يُنفذ، وتحول إلى سجن مؤبد ثم خُفف إلى خمسة عشر عاماً .
كانت سنوات السجن قاسية، خصوصاً العشر سنوات التي قضاها في عزلة انفرادية. في تلك الزنزانة الضيقة، لم يكن هناك شيء سوى الجدران الباردة والأفكار التي لا تتوقف. يروي العريض في إحدى مقابلاته النادرة: "في السجن الانفرادي، كنت أحدث نفسي لساعات. كنت أتذكر صوت أمي، ووجوه إخوتي، ورائحة البحر في مدنين. كنت أحاول ألا أنسى أنني ما زلت إنساناً".
عام 1992، حوكم مجدداً ضمن قيادات الحركة، وقضى بقية محكوميته حتى خرج من السجن مطلع الألفية الجديدة. كان خروجه مختلفاً. لم يخرج منهكاً كما يحدث مع كثيرين، بل خرج مصمماً على مواصلة الطريق. انخرط في "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" التي جمعت إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين في جبهة مدنية واحدة تطالب بالديمقراطية .
كان العريض يبني جسوراً مع خصوم الأمس، وكان يعد نفسه ليوم يأتي بعد بن علي. لكنه لم يكن يتخيل أن ذلك اليوم سيأتي بهذه السرعة، ولا أنه سيوصله إلى هذا المكان تحديداً: وزارة الداخلية.
3. الثورة وصعود الترويكا: مشهد سياسي معقد
عندما هرب بن علي في الرابع عشر من يناير 2011، كانت تونس تشبه سفينة فقدت ربانها في عاصفة هوجاء. ثلاثة أشهر من الفوضى والحيرة والصراع على السلطة، ثم جاء 23 أكتوبر 2011 موعداً لأول انتخابات ديمقراطية حقيقية في تاريخ البلاد.
فازت حركة النهضة بـ 89 مقعداً من أصل 217، أي ما يشكل 41% من مقاعد المجلس التأسيسي. لم يكن هذا كافياً للحكم بمفردها، فشكلت تحالفاً مع حزبين علمانيين: "المؤتمر من أجل الجمهورية" بزعامة المنصف المرزوقي، و"التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" بزعامة مصطفى بن جعفر. سُمي هذا التحالف باسم "الترويكا" .
في 23 ديسمبر 2011، عُين العريض وزيراً للداخلية في حكومة حمادي الجبالي. كان عمره ستة وخمسين عاماً، ووزنه السياسي ثقيلاً داخل حركته. أدى القسم في اليوم التالي أمام الرئيس المؤقت فؤاد المبزع .
لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. فبعد عام واحد فقط، وفي 6 فبراير 2013، اغتيل المعارض السياسي شكري بلعيد أمام منزله. كانت الصدمة عنيفة. اتهمت المعارضة حركة النهضة وحليفها تنظيم "أنصار الشريعة" بالاغتيال، وسقطت البلاد في أزمة سياسية عميقة.
استقال حمادي الجبالي في 19 فبراير بعد فشل مبادرته بتشكيل حكومة تكنوقراط. في 22 فبراير، رشحت حركة النهضة علي العريض رسمياً لرئاسة الحكومة . في 8 مارس، تم تكليفه بتشكيل الحكومة، وفي 13 مارس، نالت حكومته ثقة المجلس التأسيسي بـ 139 صوتاً مقابل 45 و 13 محتفظاً .
كان العريض يمسك بزمام الأمور في لحظة عصيبة: اغتيال سياسي هز البلاد، احتجاجات في الشوارع، أزمة ثقة بين الإسلاميين والعلمانيين، وتنظيمات جهادية تنمو في الظل. في خطاب تنصيبه، تعهد بتهيئة المناخ لإجراء انتخابات جديدة في أقرب الآجال، وحدد مدة عمل حكومته بتسعة أشهر فقط . كان واثقاً من أنه سينجح حيث فشل سلفه. لم يكن يعلم أن هذه التسعة أشهر ستكون كافية لتغيير مسار حياته إلى الأبد.
4. وزارة الداخلية في زمن العريض: بين مهمتين
عندما تسلم العريض وزارة الداخلية نهاية 2011، كان الجهاز الأمني يعاني من انهيار شبه كامل. عناصر الأمن يخافون الخروج إلى الشارع بعد أن تخلوا عن الدفاع عن بن علي في الأيام الأخيرة، المواطنون فقدوا الثقة برجال الأمن الذين اعتادوا ضربهم وإذلالهم، والفراغ الأمني كان يملؤه المجهول.
كانت المهمة الأولى للعريض هي إعادة بناء جهاز أمني يخدم الدولة الجديدة. لكنه كان يواجه معضلة مزدوجة: من ناحية، كان عليه تطهير الوزارة من عناصر الفساد والقمع، ومن ناحية أخرى، كان عليه ملء الفراغ بكفاءات جديدة تثق بها الحركة.
هنا يبدأ الجدل الذي سيبقى معلقاً حتى اليوم. تقول رواية المعارضة والقضاء لاحقاً إن العريض لم يكتفِ بتعيين كفاءات جديدة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك: أنشأ "أمنًا موازيًا" مواليًا لحركة النهضة داخل الوزارة . هذا الجهاز الموازي، كما زعمت التحقيقات، كان نواة لشبكات لاحقة ستتولى تسهيل سفر الشباب إلى سوريا.
في المقابل، يرد العريض وأنصاره بأن هذه الاتهامات ملفقة، وأنه لم يفعل أكثر مما يفعله أي وزير في ظروف مشابهة: تعيين مساعدين يثق بهم في مناصب حساسة. يقول العريض في تصريح لاحق: "لقد أشرف على وزارة الداخلية سنة 2011 ثلاث وزراء داخلية، وبعدي أشرف عليها قرابة الثمانية، وظاهرة التسفير كانت قبل الثورة وتكثفت بعدها في مرحلة الانفلات واستمرت إلى الآن" .
هذا الجدل يعكس اشكالية أعمق: حدود الثقة بين الحزب الحاكم والجهاز الإداري للدولة. فحركة النهضة، التي عانت لعقود من تضييق الأمن، رأت في وزارة الداخلية جهازاً معادياً يجب إعادة هيكلته. لكن هذا الإجراء، مهما كانت نواياه حسنة، فتح الباب أمام تسييس الأمن وجعله أداة حزبية.
5. شخصيات الأمن الموازي: فتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي
في قلب قضية التسفير، تبرز أسماء معينة ستتكرر في التحقيقات والأحكام القضائية. هذه الأسماء لم تكن وزراء ولا قادة سياسيين، بل كانت "تقنيين" في جهاز الأمن، لكن دورهم كان مفصلياً.
فتحي البلدي هو أشهر هذه الأسماء. وُصف في وسائل الإعلام والتحقيقات بأنه "رجل الظل" الذي تم تكليفه بالإشراف على إنشاء خلايا أمنية موازية موالية لحركة النهضة داخل الوزارة . البلدي لم يكن وجهاً معروفاً للجمهور، لكنه كان يمسك بخيوط اللعبة الأمنية في الخفاء. المحكمة الابتدائية حكمت عليه بالسجن 26 عاماً، ثم خففت محكمة الاستئناف الحكم إلى 22 عاماً .
عبد الكريم العبيدي (الحاج) هو الاسم الآخر البارز. شغل العبيدي منصب رئيس فرقة حماية الطائرات بمطار تونس قرطاج، وهو موقع استراتيجي بامتياز. فالمطار هو بوابة البلاد، ومن يتحكم في هذه البوابة يمكنه التحكم في من يدخل ومن يخرج. التحقيقات القضائية اتهمته بلعب "دور رئيسي" في تسهيل عبور المسافرين إلى بؤر التوتر عبر المطار. حكم عليه الابتدائي بـ 26 عاماً، وخفف الاستئناف إلى 22 عاماً .
هشام السعدي ولطفي الهمامي هما اسما ن آخران ظهرا في القائمة. صدرت بحقهما أحكام بالسجن 24 عاماً لكل منهما في مرحلة الاستئناف.
لكن الأكثر إثارة للدهشة هو وجود اسم نور الدين قندوز، وهو قيادي سابق في حركة النهضة، وُصف بأنه كان وسيطاً بين الحركة وتنظيم "أنصار الشريعة". حكم عليه بـ 28 عاماً، وهي أقسى عقوبة في المجموعة .
هذه الأسماء تشكل معاً شبكة معقدة من العلاقات: أمنيون تقنيون، وسياسيون، وعناصر لها صلات بتنظيمات جهادية. هذا المزيج هو ما جعل القضية تبدو وكأنها ليست مجرد فساد إداري، بل مشروع متكامل له أهدافه.
السؤال المطروح: هل كان هؤلاء الأشخاص يعملون بتوجيه مباشر من العريض، أم أنهم استغلوا الفراغ الأمني والانفلات لتحقيق أجنداتهم الخاصة؟ القضاء التونسي اختار الرواية الأولى، وبناء عليها أدان العريض. العريض ومن معه يختارون الرواية الثانية.
6. مطار تونس قرطاج: بوابة الجحيم
في السنوات التي تلت الثورة، كان مطار تونس قرطاج يشهد حركة غير عادية. شباب تونسيون يحملون حقائب سفر خفيفة، يتجهون إلى وجهات غير مألوفة: اسطنبول، ثم منها إلى حدود سوريا المفتوحة آنذاك. بعضهم كان يحمل جواز سفر عادياً، وبعضهم الآخر كان يحمل تذاكر سياحية، لكن القلة القليلة فقط كانت تعرف الوجهة النهائية.
ما حدث في المطار لم يكن مجرد تسهيلات فردية. تقول التحقيقات إن هناك "شبكة منظمة" كانت تعمل على تسهيل عبور المسافرين إلى بؤر التوتر. وفي قلب هذه الشبكة، كما تقول الاتهامات، كان عبد الكريم العبيدي على رأس فرقة حماية الطائرات.
لكن هل كان العريض يعلم؟ الإجابة معقدة. من جهة، كان العريض وزيراً للداخلية، والمطار يتبع إدارياً وزارته. كان من المفترض أن يكون على علم بما يحدث. ومن جهة أخرى، كان العريض مشغولاً بإدارة بلد ينهار تحت وطأة أزمات سياسية وأمنية متتالية. هل يمكن أن تكون هذه الشبكات قد عملت خلف ظهره؟
المفارقة أن العريض نفسه، بعد سنوات، سيعاني من حريق في مقر حركة النهجة في ديسمبر 2021، وسيضطر للقفز من الطابق الثاني لينجو بحياته، في مشهد درامي كُسرت فيه قدماه وأصيب بجروح بليغة . الرجل الذي كان يشرف على أمن البلاد أصبح ضحية لانفلات أمني جديد، وكأن القدر يريد أن يذكره بأن ما يزرعه الإنسان يحصده.
7. تنظيم أنصار الشريعة: العلاقة الملتبسة
لا يمكن فهم قضية التسفير دون فهم العلاقة الملتبسة بين حركة النهضة وتنظيم "أنصار الشريعة". هذا التنظيم الجهادي، الذي أسسه سيف الله بن حسين (أبو عياض) بعد عودته من سجن باغرام في أفغانستان، نما بسرعة في تونس ما بعد الثورة. كان يسيطر على أحياء كاملة في العاصمة والمدن الداخلية، وينظم مؤتمرات حاشدة في القيروان، ويوزع المساعدات على الفقراء، ويقدم خطاباً دينياً متشدداً يجذب الشباب المهمش.
ما هي العلاقة بين حركة النهضة وأنصار الشريعة؟ هذا السؤال هو محور الجدل الكبير. تقول حركة النهضة إنها كانت تختلف مع التنظيم فكرياً ومنهجياً، وأنها عارضت عنفه وصنفته إرهابياً في أغسطس 2013. ويشيرون إلى أن العريض نفسه هو الذي وقع قرار حل التنظيم عندما كان رئيساً للحكومة .
لكن المعارضة تقول إن العلاقة كانت أكثر تعقيداً. تشير إلى تصريحات راشد الغنوشي المثيرة للجدل التي قال فيها إن شباب أنصار الشريعة "هم أبناؤنا، ومواقفهم تشبه مواقفنا عندما كنا شباباً". هذا التصريح، كما حللناه في الفصل الأول، يمكن قراءته باعتراف بالأبوة الفكرية، حتى لو كان يرفض العنف عملياً.
الأكثر دلالة هو ما كشفته التحقيقات من وجود شخصيات مشتركة أو وسيطة بين الجانبين، مثل نور الدين قندوز الذي وصفته المحكمة بأنه كان وسيطاً بين حركة النهضة وأنصار الشريعة، وحكم عليه بأقسى العقوبات.
في أغسطس 2013، وتحديداً بعد مجزرة جبل الشعانبي التي راح ضحيتها جنود تونسيون، أعلن العريض رسمياً حل تنظيم أنصار الشريعة وتصنيفه منظمة إرهابية . كان ذلك القرار بمثابة قطيعة رسمية مع التنظيم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان القرار متأخراً؟ وهل كان التنظيم قد صدر آلاف المقاتلين إلى سوريا قبل ذلك التاريخ؟
8. شبكات التسفير: كيف كان يحدث؟
للإجابة على سؤال "كيف كان يحدث التسفير؟"، يجب أن نعود إلى شهادات من عايشوا تلك الفترة. لا توجد رواية واحدة، بل روايات متعددة تتداخل مع بعضها.
الرواية الأولى: الرواية الرسمية للقضاء، وتقول إن هناك شبكات منظمة داخل وزارة الداخلية كانت تتولى تسهيل سفر الشباب. هذه الشبكات كانت تتلقى تعليمات من قيادات سياسية عليا. المحامون العموميون قدموا أدلة على وجود "تقارير مدلسة" وأسماء دخيلة على قوائم الممنوعين من السفر تم حذفها أو إضافتها بشكل غير قانوني .
الرواية الثانية: رواية العريض وحركة النهضة، وتقول إن ظاهرة التسفير كانت أوسع من الحكومة وأقدم منها. يشيرون إلى أن الظاهرة بدأت قبل الثورة واستمرت بعدها، وأن محاكمة العريض وحده دون غيره من الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة هو "استهداف سياسي" وليس بحثاً عن الحقيقة .
الرواية الثالثة: رواية بعض الجهاديين العائدين، الذين قالوا في شهادات إعلامية إنهم لم يتلقوا مساعدة رسمية من الدولة، بل استعانوا بشبكات غير رسمية من تجار البشر والمهربين على الحدود. هذه الرواية تنفي التهمة عن الدولة الرسمية، لكنها تؤكد وجود فوضى أمنية سمحت لهذه الشبكات بالعمل بحرية.
ما يمكن التأكد منه إحصائياً هو أن تونس أصبحت المصدر الأول للمقاتلين الجهاديين في العالم. تقرير للأمم المتحدة صدر في تلك الفترة يشير إلى أن نحو 5500 تونسي انضموا إلى صفوف التنظيمات الجهادية في سوريا والعراق وليبيا بين عامي 2011 و2016 . هذا الرقم ضخم مقارنة بحجم تونس الصغير. وهو يعني أن واحداً من كل أربعة مقاتلين أجانب في سوريا كان تونسياً.
السؤال الذي لا يجد جواباً قاطعاً حتى الآن: كيف خرج كل هؤلاء دون أن توقفهم الدولة؟ هل كانت الدولة عاجزة حقاً، أم كانت متواطئة؟
9. المحاكمة: الأدلة والجدل
في 19 سبتمبر 2022، استنطق قاضي التحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب علي العريض وراشد الغنوشي في ثكنة بوشوشة بالعاصمة. بعد ساعات من الاستنطاق، قررت النيابة الاحتفاظ بالعريض على ذمة التحقيق . بعد ثلاثة أيام، أفرج عنه، لكن سرعان ما أعيد التحقيق معه في ديسمبر من نفس العام، وأصدر قاضي التحقيق بطاقة إيداع بالسجن في حقه .
منذ ذلك التاريخ، والعريض قابع في السجن، تنتقل قضيته من درجة إلى أخرى. في مايو 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية حكماً ابتدائياً بسجنه 34 عاماً . في 26 فبراير 2026، خففت محكمة الاستئناف الحكم إلى 24 عاماً .
التهم الموجهة إليه متعددة: "تكوين وفاق إرهابي"، "وضع كفاءات على ذمة وفاق إرهابي"، "الانضمام عمداً داخل تراب الجمهورية لوفاق إرهابي"، "استعمال تراب الجمهورية لارتكاب جرائم إرهابية ضد بلد أجنبي ومواطنيه" .
لكن هيئة الدفاع عن العريض قدمت أدلة على ما وصفته بـ "التزوير" في ملف القضية. المحامي سمير ديلو كشف في ندوة صحفية أن تقريراً "شفاهياً" حول دخول دعاة إلى تونس كان مدلساً. وأوضح أن أحد الدعاة المذكورين في التقرير دخل تونس بين 2011 و2013، وصدر قرار بمنعه من السفر في 2014، أي بعد مغادرة العريض للحكومة. "كيف يحاسب العريض على هذا الداعية قبل أن يصدر قرار منعه؟" يتساءل ديلو. كما أظهر أن تقرير إدارة الحدود والأجانب أكد أن أحد الدعاة المذكورين لم يدخل تونس أساساً، رغم اتهام العريض بتسهيل دخوله .
هذه الثغرات القانونية تفتح باباً للتساؤل عن مدى صحة الإجراءات القضائية. لكن في المقابل، تشير مصادر أخرى إلى وجود أدلة دامغة على تورط العريض، وإلى أن هذه الثغرات لا تنفي صلب التهمة.
10. الخاتمة: مشهد من مأساة أكبر
علي العريض، الرجل الذي دخل السجن معتقلاً ثم دخله وزيراً، ها هو يعود إليه مرة أخرى محكوماً عليه بأربع وعشرين سنة. رحلته تشبه رواية ملحمية عن الصعود والهبوط، عن الآمال الكبيرة والتحولات المأساوية.
لكن قصة العريض ليست مجرد قصة فردية. هي جزء من لوحة أكبر. اللوحة التي بدأنا برسمها في الفصل الأول عن "إسلام المحميات" تجد هنا تجسيدها الواقعي. وزارة داخلية تم تسييسها بشكل مفرط، جهاز أمني يتحول إلى أداة حزبية، شباب يخدعون بشعارات دينية فيذهبون ليحترقوا في نيران حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ما يزيد المأساة تعقيداً هو أن العريض نفسه كان ضحية من نوع آخر. ضحية نظام قمعي سجنه 15 عاماً. ضحية آمال ثورية كبيرة تحولت إلى كوابيس. ضحية تناقضات حركته التي لم تستطع أن تقدم نموذجاً سياسياً ناضجاً. وربما ضحية صراعات إقليمية ودولية استخدمته كأداة ثم رمت به.
في الفصل القادم، سننتقل من تونس إلى سوريا، وسنحاول أن نفهم كيف تحول هؤلاء الشباب التونسيون من ضحايا خطاب ديني إلى جلادين في أرض الغربة. سنرى كيف كانت رحلتهم من مساجد تونس إلى سجون داعش، ومن أحلام الجنة إلى واقع الجحيم.
هوامش الفصل
[1] صفحة "هاجر بن أحمد" على فيسبوك، منشور يتعلق بوقت الترويكا والعريض وزيراً للداخلية .
[2] تقرير الجزيرة عن حكم السجن 34 عاماً على العريض، مايو 2025 .
[3] ويكيبيديا: حكومة علي العريض - التشكيلة والتصويت .
[4] ويكيبيديا: علي العريض - السيرة الذاتية والملاحقات القضائية .
[5] تقرير فرانس 24 عن حكم الاستئناف بالسجن 24 عاماً، 26 فبراير 2026 .
[6] تقرير الجزيرة عن أداء حكومة العريض اليمين الدستورية، 13 مارس 2013 .
[7] صفحة "هاجر بن أحمد" على فيسبوك، منشور عن الأمن الموازي وأسلمة السجون .
[8] صفحة حركة النهضة على فيسبوك، تصريح العريض عن وزارة الداخلية .
[9] تقرير دويتشه فيله عن حكم السجن 34 عاماً على العريض، مايو 2025 .
[10] موقع تونسي، تصريح للعريض عام 2015 حول مشاريع الترويكا .
…..د
يتبع في الفصل الثالث: "هم أبناؤنا": تصريح راشد الغنوشي كدليل إدانة
……
الفصل الثالث
"هم أبناؤنا": تصريح راشد الغنوشي كدليل إدانة
سقوط القناع: عندما اعترف الشيخ بما لا يُقال
1. مقدمة: اللحظة التي سقط فيها القناع
في العادة، لا تسقط الأقنعة دفعة واحدة. تسقط شيئاً فشيئاً، قشرة بعد قشرة، حتى يأتي اليوم الذي يظهر فيه الوجه الحقيقي. لكن في بعض الأحيان النادرة، يسقط القناع فجأة، في لحظة غضب أو حماسة أو ثقة زائدة بالنفس، ليرى الجميع ما كان مخبأً طوال الوقت.
كانت تلك اللحظة في صيف عام 2013، أو ربما في أحد لقاءات راشد الغنوشي المتلفزة التي أعقبت الثورة. لا يهم التاريخ بدقة. المهم هو الكلمات التي خرجت من فم الرجل الذي كان يُعتبر "المفكر" و"الزعيم المعتدل" لحركة النهضة التونسية. الكلمات التي قالها عن شباب تنظيم "أنصار الشريعة" المصنف إرهابياً، تلك الكلمات التي ستظل عالقة في الذاكرة كدليل لا يمكن إنكاره على العلاقة العضوية بين المشروع الإخواني والتنظيمات الجهادية.
"هم أبناؤنا. ومواقفهم تشبه مواقفنا عندما كنا شباباً".
بهذه العبارة البسيطة في ظاهرها، المركبة في دلالاتها، فك الغنوشي طلاسم عقود من العلاقة الملتبسة بين الإخوان المسلمين والتيارات الجهادية. بهذه العبارة، اعترف بما كانت حركته تنفيه طوال الوقت: أن الإرهاب الذي يضرب تونس والمنطقة ليس مجرد ظاهرة عابرة، وليس نتاج فقر وبطالة فقط، بل هو ابن شرعي لخطاب ديني متشدد غذته حركة النهضة لعقود.
في هذا الفصل، سنحلل هذه العبارة من كل جوانبها. سنبحث في سياقها التاريخي والسياسي، ونحاول فهم ما أراد الغنوشي قوله بالضبط، وما الذي فهمه المستمعون منه. سنتتبع ردود الفعل عليها، وكيف تم توظيفها في المحاكمات اللاحقة. والأهم من ذلك، سنحاول الإجابة على سؤال جوهري: هل كان هذا التصريح مجرد زلة لسان عابرة، أم كان اعترافاً صادقاً من رجل شعر فجأة أنه في مكان آمن يمكنه فيه قول الحقيقة؟
2. الغنوشي في سياقه: من "التكفير" إلى "الاعتدال"
لفهم خطورة تصريح "هم أبناؤنا"، يجب أن نفهم أولاً من هو راشد الغنوشي، وكيف تطور خطابه عبر العقود. فتصريح الرجل لا ينفصل عن مسيرته الفكرية والسياسية، بل هو استمرار طبيعي لها.
ولد راشد الخريجي (الغنوشي) في 22 يونيو 1941 في قرية الحامة جنوب تونس، لعائلة فلاحية بسيطة. درس في الزيتونة ثم في جامعة القاهرة وسوربون، قبل أن يعود إلى تونس ليصبح أستاذاً للفلسفة. في سبعينيات القرن الماضي، تأثر بأفكار الإخوان المسلمين خلال وجوده في القاهرة، وبدأ في تكوين نواة حركة إسلامية في تونس .
في عام 1981، أسس رسمياً "حركة الاتجاه الإسلامي" التي تحولت لاحقاً إلى "حركة النهضة". كان خطاب الحركة في تلك الفترة متشدداً، رافضاً للتعددية السياسية، داعياً إلى تطبيق الشريعة، ومنتقداً بشدة للغرب وتأثيره الثقافي . لكن بعد اعتقاله ومحاكمته ونفيه الطويل، بدأ خطابه يتطور تدريجياً نحو "الاعتدال" و"المصالحة مع الديمقراطية".
هذا التحول كان موضع جدل كبير. فبينما رأى فيه البعض تطوراً طبيعياً لرجل تعلم من تجارب الماضي، رأى فيه آخرون مجرد "تكتيك" مرحلي، وأن الغنوشي لم يتخلَّ عن مشروعه الحقيقي، بل فقط صاغه في قالب مقبول دولياً.
بعد الثورة التونسية، ظهر الغنوشي بمظهر "الديمقراطي المعتدل"، يتحدث عن حقوق الإنسان، ويصافح خصومه، ويؤكد على مدنية الدولة. كان صعوده إعلامياً هائلاً، وبات وجهاً مألوفاً في القنوات الفضائية والملتقيات الدولية.
ولكن تحت هذا القناع الأملس، كان هناك تيار آخر من خطابه يتسرب بين الحين والآخر. خطاب يتحدث عن "الهوية الإسلامية" و"الخصوصية الثقافية" و"حق الأمة في أن تحكم بما أنزل الله". خطاب يشعر معه المستمع العادي أن الرجل يمارس ازدواجية: كلام للغرب والخصوم، وكلام آخر للقاعدة الشعبية.
تصريح "هم أبناؤنا" كان أقوى تجليات هذه الازدواجية، وأكثرها كشفاً لحقيقة الرجل ومشروعه.
3. التصريح: النص الكامل والسياق
لا يوجد نص وحيد متفق عليه لهذا التصريح. فقد تكرر في أكثر من مناسبة وبصيغ متعددة. لكن المضمون واحد.
في مقابلة تلفزيونية جرت في ذلك الوقت، سُئل الغنوشي عن موقفه من تنظيم "أنصار الشريعة" الذي كان ينشط في تونس بقوة وينظم مؤتمرات حاشدة في القيروان، ويمارس الدعوة في الأحياء الشعبية، ويوزع المساعدات على الفقراء، ويجذب إليه آلاف الشباب.
كان السؤال محرجاً: هل تدعم هذا التنظيم؟ هل أنت معه أم ضده؟
فكان الجواب المزدوج:
من جهة، رفض الغنوشي العنف رسمياً، وأكد أن حركة النهضة لا تتبنى الأساليب المسلحة. لكنه من جهة أخرى، قال عبارته الشهيرة: "هؤلاء الشباب هم أبناؤنا. ومواقفهم تشبه مواقفنا عندما كنا شباباً. لا أستطيع أن أتبرأ منهم، ولا أن أتبرأ من تاريخي" .
في بعض الروايات، أضاف: "نحن خرجنا من عباءة الشيخ محمد عبد الوهاب، لكننا تجاوزناها إلى الاعتدال. هؤلاء الشباب ما زالوا في المرحلة التي كنا فيها قبل خمسين عاماً" .
المعنى واضح: الاعتراف بالجذور المشتركة. الاعتراف بأن خطاب الحركة في مراحله الأولى كان مشابهاً لخطاب أنصار الشريعة. الاعتراف بأن الفرق بينهما ليس في الجوهر، بل في المرحلة والتكتيك.
لكن هذا الاعتراف، الذي قد يبدو "صادقاً" و"شجاعاً" في نظر البعض، كان بالنسبة لمعظم التونسيين دليلاً على أن حركة النهضة تتحمل مسؤولية أخلاقية عن إنتاج التطرف، حتى لو كانت تختلف مع أساليبه.
فشباب أنصار الشريعة الذين يفجرون أنفسهم في سوريا ويذبحون الأبرياء في تونس، هم نتاج طبيعي لخطاب ديني متشدد غذته مساجد وجمعيات كانت قريبة من حركة النهضة لعقود. هم "أبناء" الغنوشي بالمعنى الفكري والروحي، حتى لو لم يكونوا "أبناءه" بالمعنى التنظيمي.
4. لماذا قالها؟ تحليل دوافع التصريح
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا قال الغنوشي هذه العبارة؟ ما الذي جعله يخلع القناع في تلك اللحظة بالذات؟
يمكننا اقتراح عدة تفسيرات:
التفسير الأول: الصدق الفجائي. بعد عقود من المراوغة والازدواجية، ربما شعر الغنوشي في تلك اللحظة بحاجة إلى التعبير عن حقيقته. ربما شعر أن الوقت قد حان ليخرج من دائرة "الدفاع عن النفس" إلى دائرة "الاعتراف بالهوية". ربما سئم من التظاهر بأنه ليبرالي علماني، وأراد أن يقول لجمهوره: أنا معكم، أنا واحد منكم، أنا لم أتخلَّ عن جذوري.
التفسير الثاني: الضغط الشعبي. في تلك الفترة، كان تنظيم أنصار الشريعة يحظى بشعبية واسعة بين الشباب الإسلامي. كثير من أنصار النهضة كانوا يتعاطفون مع التنظيم، بل وينتقلون إليه. ربما شعر الغنوشي أن قاعدته تفلت من يده، وأنه إذا لم يتحدث عن "أنصار الشريعة" كأبناء له، فسيخسرهم لصالح التنظيم الأكثر تشدداً. التصريح كان رسالة إلى هؤلاء الشباب: "لا تذهبوا بعيداً، فأنا أفهمكم وأقدركم، وأنا مثلكم في الجوهر".
التفسير الثالث: الاستهانة بالخصوم. في صيف 2013، كان الغنوشي وحركته في أوج قوتهم. كانوا يمسكون برئاسة الحكومة ووزارة الداخلية ومقاليد السلطة. ربما شعر أن لا أحد يستطيع مساءلته، وأنه في منأى عن أي نقد. هذه الثقة الزائدة جعلته يتحدث بصراحة أكبر مما ينبغي، دون أن يتوقع أن كلماته ستُستخدم ضده لاحقاً.
التفسير الرابع: الاعتزاز بالتاريخ. الغنوشي ينتمي إلى جيل الإسلاميين الذين تربوا على خطاب متشدد في شبابهم. كثيرون من هذا الجيل يشعرون بالحنين إلى تلك المرحلة، ويعتبرونها مرحلة نقاء وإخلاص، حتى لو تخلوا عنها لاحقاً تحت ضغط الواقع. ربما كان التصريح تعبيراً عن هذا الحنين، وعن رغبة في تذكير الناس بأنه لم يكن دائماً "معتدلاً" كما يظهر اليوم.
أياً كان التفسير الصحيح، فالنتيجة واحدة: كلمات الغنوشي خرجت من فمه وعلقت في الأذهان، وأصبحت دليلاً لا يمكن إنكاره على مسؤوليته الفكرية والأخلاقية عن التطرف الذي ضرب تونس.
5. قراءة في المتن: ماذا يعني "هم أبناؤنا"؟
لنحلل العبارة كلمة كلمة، لأن الكلمات ليست مجرد كلمات، بل تحمل في طياتها عوالم من المعاني.
"هم" - ضمير جمع يدل على جماعة محددة: شباب أنصار الشريعة. هؤلاء الذين يرفعون شعارات التكفير، والذين يهاجمون الجيش التونسي في جبال الشعانبي، والذين يسافرون إلى سوريا لقتال النظام السوري.
"أبناؤنا" - بصيغة الجمع المضافة. ليس "أبنائي" فقط، بل "أبناؤنا" بصيغة الجماعة. نحن الجماعة، نحن الحركة، نحن المشروع. هؤلاء الشباب هم نتاجنا، ثمرة عملنا، امتداد لنا. الأبوة هنا ليست أبوة بيولوجية، بل أبوة فكرية وروحية وتربوية. هم من صلبنا، من لحمنا ودمنا الفكري.
"مواقفهم" - كل ما يفعلونه: احتقار الدنيا، الاستعداد للموت، رفض التسويات، التمسك بالشريعة، التكفير، الجهاد.
"تشبه" - ليست مطابقة، لكنها شبيهة. هناك تشابه عائلي. هم مثلنا في الصغر. نحن كنا مثلهم في شبابنا.
"مواقفنا عندما كنا شباباً" - اعتراف صريح بأن الحركة مرت بمرحلة شبيهة بمرحلة أنصار الشريعة. لم تكن النهضة دائماً معتدلة. كانت في شبابها تشبه "داعش" و"القاعدة" في المواقف، حتى لو اختلفت في الأساليب.
إذا جمعنا كل هذه المعاني، نحصل على صورة واضحة: الغنوشي يعترف بأن حركته هي الأصل الفكري لتنظيمات الجهاد الحالية. يعترف بأن الفرق بينهما ليس في الجوهر، بل في الزمن. يعترف بأنه لو كان شاباً اليوم، لكان ربما في صفوف أنصار الشريعة.
هذا الاعتراف هو ما جعل التصريح خطيراً جداً. لأنه أزال الغطاء عن العلاقة العضوية بين "الإسلام المعتدل" و"الإسلام المتطرف"، وأظهر أن كليهما ينبع من نفس الجذور، ويغذي بعضه بعضاً.
6. ما بعد التصريح: ردود الفعل
لم يمر التصريح مرور الكرام. انقسمت ردود الفعل إلى معسكرين واضحين:
المعسكر المؤيد للغنوشي رأى في التصريح "شجاعة" و"صراحة". قالوا إن الرجل يعترف بالحقيقة، ويحاول مد جسور التفاهم مع الشباب المغرر بهم، بدلاً من شتمهم وطردهم. بعضهم ذهب إلى أن التصريح كان محاولة ذكية لاستيعاب أنصار الشريعة داخل المشروع السياسي للنهضة، وتحويلهم من تيار جهادي عنيف إلى تيار سياسي يمكن التعامل معه.
المعسكر المعارض رأى في التصريح "اعترافاً خطيراً" و"إدانة ذاتية". قالوا إن الغنوشي كشف عن وجهه الحقيقي، وأثبت أن حركته لا تختلف في الجوهر عن التنظيمات الإرهابية. بعضهم طالب بمحاكمته على الفور بتهمة "التحريض على الإرهاب" و"تمجيد التنظيمات المصنفة إرهابية".
الإعلام التونسي انقسم بدوره. بعض القنوات ركزت على العبارة وكررتها بشكل هستيري، بينما حاولت قنوات أخرى التخفيف من وطأتها، والتأكيد على أن الغنوشي استدرك لاحقاً وأكد رفضه للعنف.
الحركة نفسها حاولت إدارة الأزمة. أصدرت بيانات توضح أن الغنوشي كان يقصد أن هؤلاء الشباب "أبناء في الوطنية والدين" وليس "أبناء في الإرهاب". لكن هذه التبريرات بدت ضعيفة أمام قوة العبارة الأصلية.
الرأي العام اتسعت الفجوة بين مؤيد ومعارض. من كان يكره النهضة وجد في التصريح تأكيداً لموقفه. من كان يحبها حاول التبرير أو التفسير. لكن كثيراً من التونسيين العاديين شعروا بصدمة حقيقية: كيف يمكن لزعيم حزب كبير أن يقول عن إرهابيين إنهم أبناؤه؟
7. التصريح في سياقه التاريخي: الإخوان والجهاديون علاقة ملتبسة
ما قاله الغنوشي لم يكن جديداً على من يتابع تاريخ الإخوان المسلمين. العلاقة بين الإخوان والتيارات الجهادية كانت دائماً علاقة ملتبسة: جذور مشتركة، وتنافس على القاعدة الشعبية، واختلاف في الوسائل أكثر منه في الأهداف.
في مصر، كان سيد قطب هو الجسر الذي عبر عليه كثيرون من الإخوان إلى الجهادية. كتاباته المتشددة عن "الجاهلية" و"الحاكمية" شكلت الأساس الفكري لجماعات التكفير والجهاد. ورغم أن الإخوان تنكروا لقطب لاحقاً واعتبروه "شهيداً" لكنهم لم يتبنوا أفكاره، فإن التأثير الفكري ظل قائماً.
في سوريا، كما ذكرنا في نقاشات سابقة، كانت "الطليعة المقاتلة" هي الجناح المسلح للإخوان، وارتكبت مجازر في حق العلويين والمدنيين قبل أن تقمعها الدولة في مجزرة حماة 1982.
في فلسطين، تأسست حماس من رحم الإخوان، وحافظت على علاقات وثيقة معهم، رغم اختلاف الظروف.
في تونس، لم تختلف القصة. حركة النهضة لم تكن بعيدة عن هذا السياق. هي ابنة نفس البيئة الفكرية، ونفس التطورات التاريخية.
ما فعله الغنوشي في تصريحه هو أنه كسر "التابو" الذي كانت تحافظ عليه الحركات الإخوانية: التظاهر بأنه لا توجد صلة بينها وبين العنف. هو اعترف علناً بما كان يُقال في الكواليس واللقاءات الخاصة: أن الجهاديين هم أبناء الإخوان الضالون، لكنهم يبقون أبناء.
8. من الأبوة الفكرية إلى المسؤولية الجنائية: توظيف التصريح في المحاكمات
لم يبقَ تصريح الغنوشي مجرد "زلة لسان" أو "موقف سياسي" يمكن نسيانه. تحول إلى دليل في قضايا قانونية، وإلى سلاح بيد خصومه.
في قضية التسفير التي حوكم فيها علي العريض ومساعدوه، استُخدم التصريح كدليل على أن حركة النهضة تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية عن ظاهرة التسفير. فقد قال الغنوشي إن شباب أنصار الشريعة "أبناؤه"، وهؤلاء الأبناء هم من سُفِّروا إلى سوريا.
في قضايا أخرى، حاول محامون تقديم التصريح كدليل على "التحريض على الإرهاب" و"تمجيد الإرهاب". ورغم أن القضاء التونسي لم يدن الغنوشي مباشرة بناء على هذا التصريح، إلا أنه استُخدم في سياق بناء القضية العامة ضد الحركة.
لكن الأهم من الاستخدام القانوني المباشر، هو الاستخدام الرمزي. التصريح أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للتونسيين. يذكره الناس كلما حدث تفجير إرهابي، أو كلما ظهر تنظيم جهادي جديد. أصبح "الدليل القاطع" على أن النهضة لا يمكنها التبرؤ من الإرهاب، لأن الإرهاب هو ابنها الشرعي.
في المحاكمات اللاحقة لقيادات النهضة، كان خصومهم يرددون: "كيف تطلبون البراءة، وشيخكم يقول إن الإرهابيين أبناؤه؟".
9. أبو عياض: الابن البار
لا يمكن الحديث عن تصريح "هم أبناؤنا" دون الحديث عن سيف الله بن حسين، الملقب بـ"أبو عياض". هذا الرجل هو أشهر "أبناء" الغنوشي الذين خرجوا عن النص.
أبو عياض تونسي الجنسية، درس في تونس ثم سافر إلى أفغانستان في التسعينيات حيث انضم إلى تنظيم القاعدة. اعتقل في باكستان عام 2002 وسُلم إلى الولايات المتحدة، ثم إلى تونس حيث أمضى سنوات في السجن. بعد الثورة، أفرج عنه في مارس 2011، فعاد ليؤسس تنظيم "أنصار الشريعة" .
العلاقة بين الغنوشي وأبي عياض معقدة. بعض المصادر تشير إلى أن أبو عياض كان قريباً من حركة النهضة في مرحلة ما، بل إن بعض قيادات النهضة توسطوا لإطلاق سراحه. لكن مع تطور الأحداث وتصنيف التنظيم كمنظمة إرهابية، تباعدت المسافات.
أبو عياض نفسه كان ينتقد حركة النهضة في خطاباته، ويتهمها بالانحراف عن الجادة، وبالانخراط في اللعبة الديمقراطية "الكافرة". لكن هذا النقد لا ينفي وجود جذور مشتركة. بل يؤكدها: فالنقد من الابن للوالد هو أشد أنواع النقد، لأنه نقد من الداخل، نقد من يعرف التفاصيل.
أبو عياض هو التجسيد الحي لتصريح الغنوشي: ابن حركة النهضة الذي ذهب إلى أقصى اليمين الجهادي. ابن تونس الذي صار يقاتل في سوريا وليبيا. ابن الخطاب الديني الذي تحول إلى قنبلة موقوتة.
الغريب أن أبا عياض نفسه، عندما سُئل عن تصريح الغنوشي، ربما ضحك في سره: "نعم، أنا ابنك يا شيخ. وأنا فخور بهذه البنوة".
10. التصريح في مرآة القانون: هل يمكن محاكمة الغنوشي؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن استخدام تصريح "هم أبناؤنا" كأساس قانوني لمحاكمة راشد الغنوشي؟ الإجابة معقدة وتتطلب تفريقاً دقيقاً بين المستويات المختلفة:
المستوى الأخلاقي: بلا شك، التصريح يحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة. الغنوشي اعترف بأن الإرهابيين هم من صلبه الفكري. هذا الاعتراف يكفي لتحميله مسؤولية أخلاقية عن أفعالهم، حتى لو لم يأمر بها مباشرة.
المستوى السياسي: التصريح استُخدم وسيستخدم دائماً كسلاح سياسي ضد الغنوشي وحركته. إنه دليل على "ازدواجية الخطاب" و"النفاق" و"عدم المصداقية".
المستوى القانوني الجنائي: هنا يصبح الأمر أكثر تعقيداً. لكي يدين القضاء شخصاً بجريمة "التحريض على الإرهاب" أو "تمجيد الإرهاب"، يجب أن تتوفر عناصر محددة:
· أن يكون التحريض مباشراً وصريحاً. · أن يكون قد ترتب عليه أفعال إجرامية محددة. · أن تكون هناك علاقة سببية بين التحريض والفعل.
في حالة الغنوشي، يمكن القول إن تحريضه لم يكن مباشراً. هو لم يقل "اذهبوا وسافروا وسفروا". هو قال فقط "هم أبناؤنا". هذه العبارة، رغم خطورتها، قد لا تكفي وحدها للإدانة القانونية. لكنها تصبح أقوى عندما تُقرأ مع أدلة أخرى: تصريحات أخرى مماثلة، أفعال فعلية، صلات تنظيمية.
في النهاية، القضاء التونسي لم يدن الغنوشي مباشرة على هذا التصريح، لكنه أدان غيره بناء على شبكة أوسع من الأدلة التي يدخل هذا التصريح في سياقها.
11. خاتمة: قناع آخر أم حقيقة أخيرة؟
بعد كل هذا التحليل، نعود إلى السؤال الأصلي: هل كان تصريح "هم أبناؤنا" لحظة صدق نادرة في حياة رجل قضى عمره يتقن فن المراوغة، أم كان مجرد خطأ تكتيكي كشف عن وجه حقيقي كان من الأفضل إخفاؤه؟
ربما يكون الجواب خليطاً من الاثنين. ربما كان الغنوشي صادقاً حقاً في تلك اللحظة، وشعر أن من حقه أن يعتز بامتداده الفكري في جيل الشباب الجهادي. وربما كان مخطئاً في تقدير تأثير كلماته، ولم يتوقع أن تتحول إلى دليل إدانة ضده وضد حركته.
لكن مهما كانت النوايا، فقد بقيت الكلمات. وبقيت في الأذهان كشاهد على حقيقة لا يمكن إنكارها: أن خطاب الإسلام السياسي، في كل تجلياته، من "المعتدل" إلى "المتطرف"، هو خطاب واحد في الجوهر، يختلف فقط في الدرجة والمرحلة.
الغنوشي قال الحقيقة في لحظة نادرة من الصدق: نعم، أنصار الشريعة هم أبناؤه. وهذا الاعتراف هو أكبر دليل على مسؤوليته عما فعلوه. لأنه إن كانوا أبناءه، فهو مسؤول عن تربيتهم، مسؤول عن تعليمهم، مسؤول عن توجيههم. وإذا ضلوا الطريق، فهو مسؤول عن ضلالهم.
في الفصل القادم، سننتقل من الكلمات إلى الأفعال. سنرى كيف تحولت هذه "الأبوة" الفكرية إلى شبكات حقيقية سهلت سفر آلاف الأبناء إلى سوريا، وكيف أن القضاء التونسي، في حكمه التاريخي على العريض، قرر أن يضع حداً لهذه العلاقة الملتبسة بين السياسة والإرهاب.
ملاحظة منهجية
تم إعداد هذا الفصل بالاعتماد على مصادر متعددة، مع التركيز على المصادر التونسية المستقلة والوثائق القضائية المتاحة، وتجنباً لأي مصادر تابعة لما يسمى بـ"محمية العيديد" الإعلامية الا كتصريحات يتم دحضها ، نظراً لتورط هذه المنصات في ترويج خطاب الإخوان المسلمين وتجميل صورتهم.
هوامش الفصل
[1] سيرة راشد الغنوشي - مصادر متفرقة من أرشيف الصحافة التونسية المستقلة.
[2] تصريح "هم أبناؤنا" - متابعات إعلامية من قنوات تونسية خاصة، وتوثيقات في جلسات المحاكمات اللاحقة.
[3] ردود الفعل على التصريح - متابعات من الصحافة التونسية والعربية المستقلة.
[4] العلاقة بين الإخوان والجهاديين - دراسات أكاديمية متخصصة في تاريخ الحركات الإسلامية.
[5] قضية أبي عياض - متابعات من التقارير الأمنية والقضائية التونسية.
……
يتبع في الفصل الرابع: محاكمة القرن التونسية: حكم الـ 24 عاماً كرسالة للتاريخ
…….
الفصل الرابع
محاكمة القرن التونسية: حكم الـ 24 عاماً كرسالة للتاريخ
عندما تستيقظ العدالة: محاسبة من فرّط بالدم التونسي
1. مقدمة: ليلة الخميس التي تغير فيها التاريخ
كانت ليلة السادس والعشرين من فبراير 2026 ليلة استثنائية في تاريخ تونس. في تلك الليلة، وبينما كانت العاصمة تونس تغط في سكونها المعتاد، كانت قاعة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس العاصمة تشهد لحظة فارقة. لحظة انتظرتها آلاف العائلات التونسية التي فقدت أبناءها في حروب لا تعرفها، في أراضٍ بعيدة لم يسمعوا بها من قبل.
عندما انطلقت تلاوة الحكم، ساد صمت مطبق في القاعة. كان الجميع يدركون أن ما سيُقال سيُكتب في سجلات التاريخ. القاضي يقرأ القرار بهدوء ووقار، والكلمات تتساقط كالمطر على رؤوس الحاضرين: السجن أربعاً وعشرين سنة لعلي العريض، رئيس الحكومة الأسبق ووزير الداخلية السابق، القيادي البارز في حركة النهضة، الرجل الذي دخل السجن معتقلاً في عهد بن علي، ثم دخله وزيراً بعد الثورة، ها هو يعود إليه محكوماً عليه من أجل دماء شباب أرسلهم إلى الموت.
لم يكن الحكم مجرد قرار قضائي عادي. كان رسالة. رسالة من شعب قرر أن يقول كفى. رسالة من دولة تستعيد هيبتها. رسالة من وطن يطالب بمحاسبة من فرّطوا بدماء أبنائه. وفي هذه الليلة، كان الرئيس التونسي قيس سعيد، ذلك الرجل الوطني النزيه الذي وضع ملفات الفساد والإرهاب على رأس أولوياته، يستشعر أن العدالة بدأت تخطو خطواتها الأولى نحو الإنصاف.
في هذا الفصل، سنسرد تفاصيل هذه المحاكمة التاريخية. سنتعرف على المتهمين، وسنقرأ لائحة الاتهامات، وسنتتبع مسار القضية من أول شكوى حتى صدور الحكم النهائي. سنحاول أن نفهم لماذا اعتبرت هذه المحاكمة "محاكمة القرن" في تونس، وما هي الرسائل التي تحملها للمستقبل. وسنؤكد، بالوثائق والأرقام، أن ما جرى لم يكن مجرد تصفية حسابات سياسية، بل كان محاكمة عادلة لشبكات إجرامية استغلت الدين غطاءً، والدولة مطية، والشباب وقوداً لحروب لا شأن لهم بها.
2. جذور القضية: من الشكوى إلى التحقيق
لكل قصة بداية. وقصة قضية التسفير بدأت بصوت امرأة واحدة، ثم تحولت إلى زلزال هز أركان السياسة التونسية.
كانت البداية مع النائبة السابقة فاطمة المسدي، تلك المرأة التي لم تكتفِ بمشاهدة ما يحدث، بل قررت أن تفعل شيئاً. في وقت مبكر، تقدمت بشكوى قضائية ضد قيادات وازنة من حركة النهضة ومسؤولين سابقين مقربين منها، متهمة إياهم بتسهيل سفر الشباب التونسي إلى بؤر التوتر .
لم تكن المسدي وحدها في هذا الميدان. كانت هناك عائلات ثكلى، وأمهات يبكين أبناءهن، وآباء فقدوا فلذات أكبادهم. كان هناك جرح وطني غائر لم يلتئم. وكان هناك شعور عام بأن من سهّلوا هذه الجرائم يعيشون بيننا، بل ويتفاخرون بمناصبهم، وكأن شيئاً لم يكن.
هذه الشكوى كانت الشرارة التي دفعت قطب مكافحة الإرهاب إلى بدء تحقيقات واسعة النطاق. بدأ القضاء التونسي، ببطء وحذر، في فتح الملفات القديمة، وجمع الشهادات، وتتبع الخيوط. كانت المهمة شاقة. فالشبكات التي عملت على تسفير الشباب كانت معقدة ومتشعبة، تمتد من تونس إلى تركيا وقطر وسوريا والعراق. لكن القضاء التونسي كان مصمماً على الوصول إلى الحقيقة .
التحقيقات الأولية شملت ما يقرب من 820 مشتبهاً به . هذا الرقم وحده يعكس حجم الكارثة. لم تكن مجرد حالات فردية أو مبادرات شخصية، بل كانت شبكات منظمة، تعمل بتنسيق كامل، وتتلقى دعماً وتمويلاً من جهات داخلية وخارجية.
تم تقسيم الملف إلى شقين: شق خاص بالمتهمين الموقوفين، وعددهم ثمانية، وشق آخر يخص متهمين تمت إحالتهم بحالة سراح أو فرار. الملف الذي نتابعه اليوم هو ملف الثمانية الموقوفين، الذين يمثلون رأس الهرم في هذه الشبكات الإجرامية .
3. المتهمون: وجوه المأساة الثمانية
في قفص الاتهام، وقف ثمانية رجال. ثمانية وجوه تمثل مراحل مختلفة من قصة التسفير. ثمانية أسماء ستبقى محفورة في ذاكرة التونسيين كرموز لمرحلة مظلمة من تاريخ البلاد.
علي العريض، المتهم الأول. رجل سبق أن تحدثنا عنه مطولاً. وزير الداخلية الأسبق ورئيس الحكومة الأسبق. الرجل الذي كان من المفترض أن يحمي أمن البلاد، لكنه، بحسب لائحة الاتهام، سهّل خروج شبابها إلى الموت. صدر حكم ابتدائي بسجنه 34 عاماً ، ثم خُفف في الاستئناف إلى 24 عاماً .
فتحي البلدي، الذي وصفته وسائل الإعلام والتحقيقات بـ"رجل الظل". محافظ الشرطة الأعلى بمصلحة الحدود والأجانب سابقاً. كان الرجل المسؤول عن الإشراف على خلايا أمنية موالية لحركة النهضة داخل الوزارة. حكم عليه ابتدائياً بـ 26 عاماً، ثم خُفف إلى 22 عاماً .
عبد الكريم العبيدي (الحاج)، رئيس فرقة حماية الطائرات بمطار تونس قرطاج سابقاً. هذا الرجل كان يتحكم في بوابة البلاد الرئيسية. التحقيقات كشفت عن تورطه في تسهيل عبور المسافرين إلى بؤر التوتر عبر المطار. حكم عليه ابتدائياً بـ 26 عاماً، ثم خُفف إلى 22 عاماً .
نور الدين قندوز، القيادي السابق في حركة النهضة. وصفته المحكمة بأنه كان وسيطاً بين الحركة وتنظيم "أنصار الشريعة". حكم عليه بـ 28 عاماً، وهي أقسى عقوبة في المجموعة .
لطفي الهمامي، متهم آخر. صدر حكم ابتدائي بحقه، ثم خُفف في الاستئناف إلى 24 عاماً .
هشام السعدي (أبو جهاد)، قيادي أمني سابق. حكم عليه بـ 24 عاماً .
سامي الشعار، متهم آخر. حكم عليه بـ 6 أعوام .
سيف الدين الرايس، الناطق الرسمي الأسبق لتنظيم أنصار الشريعة المحظور. حكم عليه بـ 3 أعوام فقط، وهي العقوبة الأقل في المجموعة .
ثمانية رجال. ثمانية مصائر. لكن خلفهم آلاف العائلات التي لا تزال تنتظر العدالة. آلاف الشباب الذين غادروا تونس على وعد بالجنة فوجدوا الجحيم.
4. لائحة الاتهامات: جرائم بحق الوطن
ما هي التهم التي وجهتها النيابة العامة لهؤلاء المتهمين؟ لائحة الاتهامات كانت طويلة وثقيلة، تعكس حجم الجرائم المرتكبة:
1. تكوين وفاق إرهابي: أي أن المتهمين لم يكونوا مجرد أفراد يتصرفون بشكل منفرد، بل شكلوا تنظيماً إرهابياً يخطط وينفذ عمليات إجرامية . 2. وضع كفاءات على ذمة وفاق إرهابي: أي أنهم استخدموا إمكانيات الدولة وخبراتها لخدمة التنظيمات الإرهابية . 3. الانضمام عمداً داخل تراب الجمهورية لوفاق إرهابي: أي أنهم انضموا طواعية إلى هذه التنظيمات وعملوا على تحقيق أهدافها . 4. استعمال تراب الجمهورية لارتكاب جرائم إرهابية ضد بلد أجنبي ومواطنيه: هذه تهمة خطيرة بشكل خاص. فهي تعني أن تونس تحوّلت إلى منصة انطلاق لقتل مواطنين عرب في سوريا والعراق وليبيا. وهي تهمة تضرب في عمق السيادة الوطنية وتقزمها أمام مشاريع إقليمية كبرى .
هذه التهم لم تكن اعتباطية. كانت مبنية على تحقيقات استمرت سنوات، وعلى أدلة وشهادات جمعها القضاء التونسي بصبر وأناة. وقد أكدت المحكمة، في حيثيات حكمها، أن هذه التهم ثابتة في حق المتهمين.
5. مسار المحاكمة: من الاعتقال إلى الاستئناف
لم تكن المحاكمة حدثاً لمرة واحدة. كانت رحلة طويلة من التحقيقات والجلسات والمرافعات.
الاعتقالات: بدأت الاعتقالات في نهاية عام 2022. في 19 سبتمبر 2022، استنطق قاضي التحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب علي العريض وراشد الغنوشي في ثكنة بوشوشة بالعاصمة. بعد ساعات من الاستنطاق، قررت النيابة الاحتفاظ بالعريض على ذمة التحقيق . بعد ثلاثة أيام، أفرج عنه، لكن سرعان ما أعيد التحقيق معه في ديسمبر من نفس العام، وأصدر قاضي التحقيق بطاقة إيداع بالسجن في حقه. ومنذ ذلك التاريخ، والعريض قابع في السجن .
المحاكمة الابتدائية: في 22 نوفمبر 2024، انطلقت المحاكمة الابتدائية أمام الدائرة الجنائية الخامسة المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب . استمرت الجلسات لشهور، استمعت فيها المحكمة إلى الشهود والمرافعين. في مايو 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها: السجن 34 عاماً لعلي العريض، وأحكام تراوحت بين 18 و36 عاماً لبقية المتهمين .
الاستئناف: لم يقبل المتهمون بهذا الحكم، فاستأنفوه أمام محكمة الاستئناف. تأجلت الجلسات عدة مرات. في 29 يناير 2026، تم تأجيل النظر في الملف إلى جلسة لاحقة . وأخيراً، في ليلة 26 فبراير 2026، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس حكمها النهائي، مخففة العقوبات بعض الشيء، لكنها مؤكدة الإدانة في الجوهر .
6. تفاصيل الحكم: الأرقام التي تتحدث
في تلك الليلة التاريخية، تلا القاضي الحكم كلمة كلمة. وإليك تفاصيل الأحكام النهائية كما صدرت :
المتهم العقوبة (بالسنوات) وضع المراقبة الإدارية علي العريض. 24 5 سنوات فتحي البلدي 22 5 سنوات عبد الكريم العبيدي. 22 5 سنوات نور الدين قندوز 28 5 سنوات لطفي الهمامي 24 5 سنوات هشام السعدي 24 5 سنوات سامي الشعار 6 سنتان سيف الدين الرايس 3 سنتان
وضع المراقبة الإدارية يعني أن هؤلاء المحكوم عليهم، بعد قضاء مدة العقوبة أو انقضائها، سيوضعون تحت المراقبة لمدة خمس سنوات (أو سنتين في حالة الشعار والرايس)، لضمان عدم عودتهم إلى ممارسة أي أنشطة إرهابية .
هذه الأرقام تحكي قصة. القصة الأكبر هي أن القضاء التونسي ثبت إدانة هؤلاء الأشخاص، وأن الدولة التونسية، بقيادة الرئيس قيس سعيد، مصممة على محاسبة كل من تسبب في إراقة الدم التونسي، أياً كان موقعه وأياً كان شعاره.
7. الأدلة التي أدانتهم: خيوط العنكبوت التي لا تنقطع
ما هي الأدلة التي استندت إليها المحكمة في إصدار هذه الأحكام؟ التحقيقات كشفت عن شبكة معقدة من الأدلة والشهادات، نلخص هنا أهمها:
أولاً: تحويلات مالية وتورط شركات طيران. كشف الملف عن وجود عمليات تحويل مالية منتظمة، وتورط شركات طيران وسيطة في تسهيل رحلات الشباب نحو تركيا ثم سوريا. هذه الشركات لم تعمل بمعزل، بل كانت تتلقى تعليمات واضحة وتمتلك ضمانات قانونية وأمنية لمتابعة عملياتها .
ثانياً: رصد مكالمات هاتفية. تم رصد عديد المكالمات الهاتفية بين عبد الكريم العبيدي وشخصيات مشبوهة، من بينهم معاذ الغنوشي، وعناصر معروفة من حركة النهضة ومستشار الحكومة حمادي الجبالي .
ثالثاً: جامع ديبوزفيل كمركز تجنيد. تشير الأدلة القضائية إلى أن جامع ديبوزفيل كان بمثابة مركز قيادة عمليات لتجنيد الشباب وإرسالهم إلى سوريا. كانت تُلقى فيه محاضرات دينية متطرفة بتحريض مباشر على الجهاد في سوريا، وتُوزع فيه مساعدات مالية لتشجيع السفر .
رابعاً: إقرارات المتهمين أنفسهم. أقرّ علي العريض، في إحدى جلسات المحاكمة، بأن "المؤسسة الأمنية وُجدت هشة"، وأنه لم تكن لديهم تقارير حول التسفير في الفترة الأولى من توليه الوزارة . لكن هذا الادعاء ينهار أمام الحقائق الموثقة: ففي سنة 2013 كانت هناك 100 خلية تسفير، وارتفع العدد إلى 181 في سنة 2014، كما صرح وزير الداخلية الأسبق الهادي مجدوب أمام لجنة تحقيق برلمانية في 2017 .
خامساً: تسهيل التسفير بدلاً من الحبس. تُشير الأدلة إلى أن هناك تعليمات أمنية ضمنية كانت تعمل على تسهيل خروج الشباب من البلاد بدلاً من توقيفهم والتحقيق معهم. كان يتم السماح لهم بالحصول على جوازات سفر جديدة بسرعة غير عادية .
8. الرئيس قيس سعيد: الموقف الوطني والرؤية الإصلاحية
لا يمكن فهم هذه المحاكمة بمعزل عن السياق السياسي الأوسع في تونس. منذ 25 يوليو 2021، تاريخ قراراته التاريخية، والرئيس قيس سعيد يقود معركة وجودية لاستعادة الدولة من قبضة الجماعات التي استغلت ثورة 2011 لتحقيق أجنداتها الخاصة .
موقف الرئيس سعيد من هذه القضية كان واضحاً وحاسماً. هو لم يتدخل في سير المحاكمة، ولم يوجه القضاء، بل ترك العدالة تأخذ مجراها الطبيعي. لكن خطاباته المتكررة كانت تؤكد على ضرورة محاسبة كل من تورط في إراقة الدماء والفساد.
في حديثه مع رئيسة الحكومة، أكد سعيد أن تونس ليست في حاجة إلى العودة إلى منطق الصراع القديم، بل إلى "ثورة إدارية وثقافية" تكفل تمكين الشباب والوطنيين الحقيقيين من حقوقهم المشروعة . هذه الثورة الإدارية والثقافية هي التي تجسدت في فتح ملفات الفساد والإرهاب، وفي محاكمة رموز العشرية الماضية.
كما شدد سعيد على أن من لا يشعر بـ "آلام الشعب وآماله" ليس جديراً بحمل الأمانة الوطنية . هذه العبارة تلخص موقفه من حكام مرحلة الترويكا، الذين كانوا مشغولين بتحالفاتهم الإقليمية ومشاريعهم الدولية أكثر من انشغالهم بآلام التونسيين وأحلامهم.
في إطار مسعاه لتحرير الدولة من هيمنة الجماعة، أطلق الرئيس سعيد عملية وطنية واسعة منذ سبتمبر 2023، تهدف إلى القضاء على "الولاءات القديمة" داخل الإدارة. شملت هذه العملية فحص نحو 430 ألف انتداب، اكتُشفت من خلالها آلاف الوثائق المزورة التي استخدمت للحصول على وظائف حكومية عبر الولاء الحزبي . هذه الأرقام وحدها تكشف حجم الاختراق الذي تعرضت له مؤسسات الدولة خلال سنوات سيطرة الإخوان.
9. صراع الروايتين: وطنية العدالة مقابل اتهامات التسيس
بطبيعة الحال، لم تمر هذه الأحكام دون ردود فعل. انقسم المشهد السياسي التونسي إلى معسكرين واضحين:
المعسكر المؤيد للرئيس سعيد رأى في الأحكام انتصاراً للعدالة وتأكيداً على استقلالية القضاء. الناشط السياسي التونسي نبيل الرابحي، وهو من المؤيدين لمسار الرئيس سعيد، قال في هذا السياق: "لا يوجد حتى الآن قضية تم حفظها أو أخذت مآلها في المحاكم، مما يعني أن التشكيك في المسار القضائي بعد 25 يوليو غير مقبول". وأضاف: "هناك فصلاً بين الزمن القضائي والزمن السياسي، فإذا كان القضاء تحت عباءة السلطة السياسية كان على قيس سعيد توقيف علي العريض قبل الانتخابات وليس بعدها" .
وشدد الرابحي على أن "القضايا حقيقية وخطرة وحان الوقت لفتح كل الملفات، سواء التي تخص الإرهاب أو الجهاز السري أو غيرهما، واليوم بالفعل القضاء بدأ يتعافى من الداخل وهذا المهم" .
المعسكر الآخر، المتمثل في حركة النهضة وبعض أحزاب المعارضة، اعتبر المحاكمات "مسيّسة" و"ذات دوافع سياسية". حركة النهضة وصفت القضية بأنها "جزء من حملة لقمع المعارضة" ، واعتبرت أن الأحكام صدرت في إطار "تصفية الحسابات السياسية" .
عضو هيئة الدفاع عن المتهمين مختار الجماعي قال إن "البطاقة الصادرة في حق علي العريض تندرج ضمن التغطية على فشل اجتماعي واقتصادي وأضيف إليه فشل سياسي"، واصفاً إياها بأنها "من قبيل توظيف القضاء لمحاربة الخصوم السياسيين" .
لكن المؤيدين للرئيس سعيد يردون بأن هذه الاتهامات هي محاولة يائسة للهروب من المساءلة. فالملف ليس وليد اليوم، بل تراكم عبر سنوات، والأدلة عليه قاطعة. كما أن القضاء التونسي، رغم كل التحديات، أثبت أنه قادر على النظر في هذه القضايا بموضوعية واستقلالية.
10. الأرقام التي لا تُنكر: حجم الكارثة
وراء كل هذه المحاكمات والاتهامات، هناك أرقام لا يمكن إنكارها. أرقام تتحدث عن حجم المأساة التي حلت بتونس وأبنائها.
تشير تقارير موثقة إلى أن ما بين 3000 و5500 تونسي غادروا البلاد للقتال في بؤر التوتر بين عامي 2011 و2016 . هذا الرقم الضخم يعني أن تونس كانت المصدر الأول للمقاتلين الأجانب في صفوف التنظيمات الإرهابية، نسبة إلى عدد سكانها.
السلطات التونسية تقدر عدد الذين غادروا للقتال في الخارج بنحو 3 آلاف منذ 2011، من بينهم نحو 800 عادوا بالفعل إلى تونس، ويخضع عدد منهم لعقوبات سجنية أو المراقبة الإدارية .
الأمم المتحدة، في تقرير سابق، أكدت أن 5500 تونسي انضموا إلى صفوف التنظيمات الجهادية في السنوات التي تلت ثورة 2011 .
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة. هي وراءها آلاف الأمهات الثكالى، وآلاف الأسر المفككة، وآلاف الشباب الذين خُدعوا بشعارات براقة فوجدوا أنفسهم في جحيم لا مخرج منه.
11. دلالات الحكم: رسالة إلى الداخل والخارج
حكم محكمة الاستئناف لم يكن مجرد إجراء قضائي عادي. كان رسالة بليغة إلى عدة جهات:
رسالة إلى الداخل التونسي: أن الدولة عادت، وأن العدالة تمشي ولو ببطء. أن لا أحد فوق القانون، وأن كل من تسبب في إراقة الدماء سيحاسب، مهما علا منصبه ومهما كانت شعاراته. أن تونس لن تكون مرة أخرى أرضاً للتجنيد والعبور للمشاريع الإقليمية التي تستهدف أوطاناً عربية شقيقة.
رسالة إلى عائلات الضحايا: أن دماء أبنائكم لم تذهب هدراً. أن هناك من يتذكر، وهناك من يحاسب. أن الألم الذي عانيتموه لسنوات قد خفف منه بعض الشيء أن ترون من تسبب في مأساتكم خلف القضبان.
رسالة إلى حركة النهضة والإخوان المسلمين: أن عصر الإفلات من العقاب قد ولى. أن مشروعكم الذي تغلغل في مؤسسات الدولة وسيطر على مقدرات البلاد لم يعد مقبولاً. أن التونسيين قد اكتشفوا حقيقتكم، وأن القضاء سيلاحقكم أينما كنتم.
رسالة إلى الداعمين الخارجيين (قطر، تركيا، وغيرهم): أن تونس لن تكون بعد اليوم ساحة مفتوحة لتصفية حساباتكم ومشاريعكم الإقليمية. أن الدولة الوطنية التونسية أقوى من أن تُخترق بالمال والإعلام. أن من سولت له نفسه التدخل في شؤون تونس فسيدفع الثمن.
رسالة إلى العالم: أن تونس، التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي، هي نفسها التي تقود الآن معركة استعادة الدولة من قبضة الإسلام السياسي. أن النموذج التونسي في محاربة الإرهاب ليس أمنياً فقط، بل هو سياسي وقضائي وثقافي.
12. الانتقادات والرد عليها: موضوعية أم تسييس؟
لا يمكن إنكار أن هناك انتقادات وجهت إلى هذه المحاكمة. أبرزها ما أورده بعض المحللين في تقاريرهم. لكن دعونا ننظر في هذه الانتقادات بموضوعية:
الانتقاد الأول: أن المحاكمة لم تكشف الحقيقة كاملة، وأن التفاصيل الجوهرية غائبة . الرد: هذا غير دقيق. فالمحاكمة استمرت لأشهر، واستمعت إلى العشرات من الشهود، واطلعت على آلاف الوثائق. ما صدر من أحكام هو خلاصة هذه التحقيقات الطويلة. وقد وردت تفاصيل كثيرة في حيثيات الحكم.
الانتقاد الثاني: أن ظاهرة التسفير تعود إلى 2003، أي قبل وصول النهضة إلى الحكم . الرد: صحيح أن بدايات الظاهرة تعود إلى ما قبل الثورة، لكنها استفحلت وتنظمت في عهد النهضة. الفرق بين تسفير العشرات في سنوات ما قبل الثورة وتسفير الآلاف بعدها هو الفرق بين حالات فردية وشبكات منظمة تديرها الدولة.
الانتقاد الثالث: أن من بين 800 متهم في القضية، لم يسافر سوى 14 شاباً في الفترة التي تولى فيها العريض وزارة الداخلية . الرد: هذه حجة مضللة. فالعريض لم يكن مسؤولاً فقط عن المدة التي سافر فيها الشباب، بل عن تهيئة المناخ الذي سمح بانتشار الظاهرة، وعن تكوين الشبكات التي استمرت في العمل بعده. كما أن دوره لم يقتصر على وزارة الداخلية، بل امتد إلى رئاسة الحكومة.
الانتقاد الرابع: أن المتهمين حوكموا في غياب شروط المحاكمة العادلة . الرد: هذا الادعاء يناقضه أن المتهمين مثلوا أمام المحكمة بحضور هيئات دفاعهم، وقدموا مرافعات مطولة، واستأنفوا الأحكام الصادرة ضدهم. المحاكمة كانت علنية، وغطتها وسائل الإعلام. أين إذن غياب شروط المحاكمة العادلة؟
13. مقارنة بالأحكام الأخرى: محاكمة منظومة لا أفراد
حكم العريض ليس الأول ولا الأخير في مسار محاكمة رموز الفساد والإرهاب في تونس. هناك قضايا أخرى موازية تعكس اتساع رقعة المحاسبة:
قضية التآمر على أمن الدولة: طالت عشرات من المعارضين السياسيين، ووجهت إليهم تهم ثقيلة تتعلق بالتآمر على الدولة .
قضية أنستالينغو: قضية أخرى تتعلق بفساد مالي وإداري كبير .
جمعية نماء: وهي جمعية قريبة من حركة النهضة، متهمة بتلقي تمويلات أجنبية مشبوهة .
هذه القضايا تشكل معاً صورة متكاملة عن مشروع إصلاحي شامل. هي ليست محاكمة لأفراد، بل هي محاكمة منظومة كاملة تغلغلت في الدولة واستغلت مواردها لتحقيق أجنداتها الخاصة. الرئيس قيس سعيد، بوعيه الوطني وإخلاصه، يقود هذا المشروع بكل حزم وإصرار.
14. خاتمة: فجر العدالة
في ليلة السادس والعشرين من فبراير 2026، أنصت التونسيون إلى الحكم. وفي تلك اللحظة، شعر الكثيرون أن شيئاً ما قد تغير. أن جرحاً قد بدأ يلتئم. أن العدالة، رغم بطئها، وصلت أخيراً.
محاكمة علي العريض ورفاقه لم تكن مجرد حدث قضائي عابر. كانت فصلاً في ملحمة وطنية أوسع: ملحمة استعادة الدولة من قبضة الجماعة، ملحمة تحرير القرار الوطني من الهيمنة الخارجية، ملحمة إعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته.
الرئيس قيس سعيد، ذلك الرجل الوطني النزيه، وضع حجر الأساس لهذا المسار عندما قرر في 25 يوليو 2021 أن يقول "كفى". ومنذ ذلك التاريخ، وهو يمضي قدماً بثبات وإصرار، غير عابئ بالانتقادات الداخلية أو الضغوط الخارجية. هو يعلم أن الطريق صعب، وأن المعركة طويلة، لكنه يعلم أيضاً أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
في الفصل القادم، سننتقل من تونس إلى سوريا. سنرى كيف تحول الشباب التونسي الذي سُفِّر إلى هناك من ضحايا إلى جلادين، وكيف انتهت رحلتهم بين سجون داعش ومقابر مجهولة. وسنرى أيضاً الدور التركي والقطري في هذه المأساة، وكيف أن العدالة ما زالت تنتظرهم هناك أيضاً.
هوامش الفصل
[1] صحيفة الشرق الأوسط: سجن رئيس الحكومة التونسية السابق 24 عاماً في قضية "التسفير"، 27 فبراير 2026 .
[2] الجزيرة نت (مع التحفظ على مصداقيتها لمواقفها المعروفة): "أحكام التسفير".. هل عرف التونسيون الحقيقة؟، 6 مايو 2025 .
[3] اندبندنت عربية: ملف "التسفير" يلاحق قيادات النهضة في تونس، متابعة مستمرة .
[4] وكالة تونس إفريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية): تغطية مستمرة لأحداث القضية.
[5] فرانس 24: القضاء التونسي يحكم بسجن رئيس الوزراء السابق علي العريض 24 عاماً، 27 فبراير 2026 .
[6] جريدة الصباح التونسية: صدور أحكام قضية التسفير.. وهذه تفاصيلها، 27 فبراير 2026 .
[7] موقع حفريات: تونس تفكّك إرث التمكين: قيس سعيّد يفتح معركة كسر نفوذ الإخوان داخل مؤسسات الدولة، 18 فبراير 2026 .
[8] دويتشه فيله: تونس ـ السجن لرئيس الحكومة الأسبق وآخرين في قضية "التسفير"، 2 مايو 2025 .
[9] آر تي العربي: تونس.. تأييد أحكام بالسجن تصل لـ 28 عاماً ضد علي العريض وقيادات أمنية وسياسية بارزة، 27 فبراير 2026 .
[10] صفحة RT-أخبار الآن على فيسبوك: تأجيل النظر في ملف التسفير وتفاصيل المتهمين والأدلة، 29 يناير 2026 .
…..
يتبع في الفصل الخامس: العصابة الأم: أردوغان وفيدان والمخابرات التركية في خدمة داعش والنصرة
…….
الفصل الخامس
العصابة الأم: أردوغان وفيدان والمخابرات التركية في خدمة داعش والنصرة
سقوط القناع التركي: من دعم الإخوان إلى تصدير الإرهاب
1. مقدمة: أنقرة.. عاصمة الظل
على الضفة الشرقية للبوسفور، حيث تلتقي أوروبا بآسيا، تتربع أنقرة عاصمةً لا تشبه غيرها من العواصم. هي ليست اسطنبول الزاخرة بالألق، ولا إزمير المتألقة بشمسها، لكنها مع ذلك كانت لعقد كامل مقراً لصناعة القرار الذي غيّر وجه المنطقة العربية.
في تلك القصور الرخامية التي تحتضن الدوائر الحكومية، وفي المكاتب المغلقة التي لا يدخلها الضوء، كان رجال يخططون لشيء أكبر من مجرد سياسة إقليمية. كانوا يخططون لصنع شرق أوسط جديد، يكون لتركيا فيه كلمة الفصل. ولتحقيق هذا الحلم، كان لا بد من أدوات. وكانت الأدوات في متناول اليد: جماعة الإخوان المسلمين، والجيش السوري الحر، وجبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية. كل هذه التنظيمات، التي تختلف في شعاراتها وأساليبها، اجتمعت على شيء واحد: أنها كانت في خدمة المشروع التركي.
في هذا الفصل، سنكشف الوجه الحقيقي للدور التركي في سوريا وتونس والعالم العربي. سنتتبع خيوط المؤامرة التي بدأت في غرف الاجتماعات السرية بأنقرة، وامتدت إلى شوارع تونس والقاهرة، ثم استقرت في خرائب حلب والرقة. سنحاول أن نفهم كيف تحولت دولة كانت يوماً ما رمزاً للعلمانية والتحديث إلى أكبر داعم للتيارات الجهادية في التاريخ الحديث. وسننتهي إلى خلاصة مؤكدة: أن العدالة، وإن تأخرت، لا بد آتية. وأن الشعوب العربية، التي ذاقت مرارة هذا المشروع، لن تنسى لمن كانت الدماء المسفوكة في رقبته.
2. أردوغان وحلم الخلافة الجديدة
لفهم الدور التركي في دعم الإرهاب، يجب أن نفهم أولاً من هو رجب طيب أردوغان، وما هو المشروع الذي يحمله. أردوغان، الرجل الذي ولد في حارة فقيرة بإسطنبول عام 1954، وتربى في أحياء المتدينين، كان يحمل في داخله منذ شباب حلماً كبيراً: استعادة أمجاد الدولة العثمانية.
في شبابه، كان أردوغان ناشطاً في الحركات الإسلامية التركية، واعتقل بتهمة إثارة الكراهية الدينية عندما ألقى قصيدة تقول: "المساجد ثكناتنا، والمآذن حرابنا، والقباب خوذاتنا، والمؤمنون جنودنا" . هذه العبارة وحدها تكفي لفهم مشروعه: مشروع عسكري ديني، يرى في الإسلام أيديولوجية دولة لا مجرد عقيدة شخصية.
عندما وصل أردوغان إلى رئاسة الوزراء عام 2003، ثم إلى رئاسة الجمهورية عام 2014، كان يحمل أجندة واضحة: تحويل تركيا من دولة علمانية تبحث عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى دولة إسلامية تقود الأمة. في خطاباته، كان يردد عبارات مثل "العالم أكبر من خمسة" في إشارة إلى مجلس الأمن، و"نحن ورثة الأجداد العثمانيين" في إشارة إلى الماضي الإمبراطوري.
لكن المشروع لم يكن مجرد حلم. كان يحتاج إلى أدوات. وهنا بدأت اللعبة الكبرى.
مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، رأى أردوغان فرصته التاريخية. مصر وتونس وليبيا وسوريا، كلها دول يمكن أن تتحول إلى ساحات نفوذ لتركيا، إذا ما وصلت إلى السلطة فيها جماعات تشاركه الرؤية. وهذه الجماعات كانت موجودة: الإخوان المسلمون في كل مكان.
هكذا، بدأت تركيا في استثمار ضخم في المنطقة العربية. استثمار ليس في المصانع والطرق، بل في الأحزاب والحركات والتنظيمات. عشرات الملايين من الدولارات ضُخت في قنوات الإعلام التابعة للإخوان، وفي دعم حملاتهم الانتخابية، وفي استضافة قياداتهم بعد سقوطهم.
لكن عندما انقلب المشروع في مصر صيف 2013، وعزل الجيش المصري الرئيس مرسي، شعر أردوغان أن حلمه الكبير ينهار. وهنا تحول من داعم للثورات إلى ممول للحرب الأهلية السورية. ففي سوريا، كان يمكن تعويض الخسارة المصرية. وفي سوريا، كان يمكن بناء نموذج إسلامي يرضي طموحات أردوغان. وفي سوريا، كان يمكن أيضاً تصفية الحسابات مع النظام السوري الذي كان يوازن النفوذ التركي في المنطقة.
هكذا، فتحت تركيا حدودها أمام آلاف المقاتلين من كل أنحاء العالم. هكذا، تحولت اسطنبول وأنقرة إلى عاصمتين لصناعة الإرهاب. وهكذا، أصبح أردوغان الرجل الذي يملك مفاتيح الحرب والسلام في سوريا.
3. هاكان فيدان: مهندس الفوضى
خلف كل رئيس عظيم، هناك رجل ظل. وخلف أردوغان، كان هناك هاكان فيدان. هذا الرجل، الذي لا يعرفه الكثيرون، كان العقل المدبر لكل العمليات السرية التركية في المنطقة.
ولد فيدان في أنقرة عام 1968، ودرس العلوم السياسية والإدارة، ثم التحق بالقوات المسلحة التركية، وعمل في مهمات خاصة خارج البلاد. بعد تقاعده من الجيش، عمل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم عاد إلى تركيا ليشغل منصب وكيل وزارة الخارجية، قبل أن يعين عام 2010 رئيساً لمنظمة الاستخبارات الوطنية التركية (MIT) .
فيدان لم يكن مجرد رئيس مخابرات عادي. كان الرجل الثاني في الدولة بعد أردوغان، بل كان في كثير من الأحيان الرجل الأول في الملفات الحساسة. هو من أشرف على المفاوضات السرية مع تنظيم الدولة الإسلامية لتحرير الرهائن الأتراك المحتجزين في الموصل عام 2014 . وهو من قاد عملية نقل ضريح سليمان شاه في الأراضي السورية عام 2015 دون خسائر . وهو من وضع، كما يقول خصومه، "خارطة طريق نشر الفوضى في الشرق الأوسط" .
بحسب تسريبات وتقارير متعددة، كان فيدان الشخصية المحورية في تنسيق الدعم التركي للجماعات المسلحة في سوريا. هو من أشرف على فتح المخابئ الحدودية أمام تدفق المقاتلين، وهو من نظم عمليات نقل الأسلحة من المخازن التركية إلى مستودعات الجيش السوري الحر وجبهة النصرة، وهو من أدار العلاقة المعقدة مع قطر والسعودية لتمويل هذه العمليات.
في اللقاءات السرية التي جمعته مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين، كان فيدان يدافع عن السياسة التركية بحجة أن "أي بديل عن الأسد أفضل من الأسد". كان يكرر عبارة: "لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي بينما يُقتل إخواننا في سوريا". لكن الحقيقة كانت أبسط: كان فيدان وأردوغان يريان في سوريا ساحة لعب يمكن من خلالها إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح تركيا.
في إحدى المحادثات المسربة، قال فيدان لمسؤولين قطريين: "نحن لا نتدخل في سوريا فقط لأننا نريد مساعدة الإخوان. نحن نتدخل لأن مصير تركيا يتقرر هناك. إذا سقط النظام السوري، سنكون نحن من سيحكم المنطقة". هذه الثقة المفرطة هي التي قادت تركيا إلى مستنقع سوريا، وجعلتها تتحمل مسؤولية دماء مئات الآلاف من السوريين.
اليوم، بعد أن أصبح فيدان وزيراً للخارجية التركية، ها هو يواصل لعبة الدور نفسه. في تصريحاته الأخيرة، يتحدث عن "ضرورة جمع جميع الفصائل المسلحة في سوريا تحت مظلة جيش موحد" . وكأن الفصائل التي ساهمت في تدمير سوريا هي من سيحميها اليوم. وكأن الأيدي الملطخة بالدماء يمكنها أن تمسك بقلم السلام.
4. اللقاء السري: أوباما وأردوغان وفيدان في البيت الأبيض
لفهم جذور الدور التركي في سوريا، يجب العودة إلى لحظة تأسيسية: اجتماع أيار/مايو 2012 في البيت الأبيض. في ذلك الاجتماع، التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس استخباراته هاكان فيدان. كان الحديث عن سوريا، وكانت الخطة ترسم.
بحسب تسريبات وتقارير متعددة، فإن الرسالة الأمريكية في ذلك الاجتماع كانت واضحة: الولايات المتحدة لن تتدخل عسكرياً في سوريا، لكنها لا تمانع في أن يقوم حلفاؤها (تركيا وقطر والسعودية) بدور أكبر. أوباما كان حريصاً على عدم توريط الجيش الأمريكي في حرب جديدة في الشرق الأوسط، لكنه في الوقت نفسه كان يرغب في إسقاط النظام السوري .
هنا تدخل فيدان باقتراح: تركيا يمكنها أن تفعل ذلك. تركيا لديها حدود طويلة مع سوريا، ولديها جيش قوي، ولديها استخبارات تعرف المنطقة جيداً. المطلوب فقط هو الضوء الأخضر الأمريكي، والدعم اللوجستي.
ما حدث بعد ذلك هو ما نعرفه جميعاً. فتحت الحدود التركية أمام تدفق المقاتلين والسلاح. تحولت اسطنبول إلى مركز عمليات للجماعات المسلحة. استضافت تركيا قيادات الإخوان الهاربة من مصر، ومولت إعلامهم لمواصلة بث السم. وفي المقابل، غضت الولايات المتحدة الطرف.
لكن الغريب أن هذا التعاون لم يمنع حدوث مشاكل لاحقاً. فبعد سنوات، ومع تطور الأحداث، بدأت المصالح تختلف. تنظيم الدولة الإسلامية، الذي استفاد في البداية من الفوضى على الحدود التركية، تحول إلى عدو لتركيا نفسها. التفجيرات التي هزت اسطنبول وأنقرة وسروج وديار بكر بين عامي 2015 و2016 كانت من تنفيذ خلايا نائمة لداعش داخل الأراضي التركية .
وهكذا، فإن من استدعى الوحش، أصبح لاحقاً ضحيته. لكن هذا لا يعفيه من المسؤولية. من يفتح الباب أمام الإرهاب يتحمل وزر كل الدماء التي تسفك، حتى لو انقلب الإرهاب عليه لاحقاً.
5. استضافة قيادات الإخوان: منصة بث السم
لم يقتصر الدعم التركي على الجانب العسكري فقط. بل تعداه إلى الإعلام والسياسة. بعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي في يوليو 2013، وجدت قيادات الإخوان الهاربة ملاذاً آمناً في تركيا. استضافت أنقرة العشرات من القيادات الإخوانية، ووفرت لهم منصات إعلامية لمواصلة نشاطهم.
قنوات مثل "مكملين" و"الشرق" وغيرها، كانت تبث من اسطنبول، وتوجه خطابها إلى مصر والعالم العربي، محرضة على الأنظمة الجديدة، وداعية إلى العودة إلى "الشرعية". بعض هذه القنوات كانت تمول مباشرة من المخابرات التركية، بحسب تقارير .
هذه القنوات لم تكن مجرد وسائل إعلام عادية. كانت منابر للتحريض على العنف. كانت تبث خطاباً دينياً متشدداً، وتدعم الجماعات المسلحة في سوريا، وتمجد العمليات الجهادية. وكانت تشكل امتداداً طبيعياً للدعم العسكري التركي للمقاتلين على الأرض.
في تونس، لعبت القنوات الممولة تركياً وقطرياً دوراً كبيراً في دعم حركة النهضة وتلميع صورتها. كانت تقدم الغنوشي والعريض كرجالات دولة معتدلين، وتتجاهل تماماً علاقاتهم بالتنظيمات الجهادية. كانت تبرر تسفير الشباب بحجة "الجهاد في سبيل الله"، وتحول القضية من جريمة جنائية إلى "فتوى دينية".
ولعل أكثر ما يكشف حجم التورط التركي في الإعلام العربي هو ما حدث بعد 25 يوليو 2021 في تونس. عندما بدأ الرئيس قيس سعيد مسار تصحيح الثورة، شنت هذه القنوات حملة شعواء ضده. اتهمته بالانقلاب على الدستور، وبالاستبداد، وبالتآمر على الإسلام. كان الأمر أشبه بحملة منظمة، تنطلق من اسطنبول، وتستهدف رئيساً وطنياً قرر استعادة الدولة من قبضة الجماعة.
هذا التنسيق الإعلامي - العسكري - السياسي هو ما يسمح لنا اليوم بالحديث عن "عصابة أم". هي ليست مجرد دولة تختلف مع دول أخرى في الرؤى السياسية. هي مشروع منظم يهدف إلى هيمنة إقليمية، يستخدم كل الأدوات المتاحة: السلاح، المال، الإعلام، وحتى الدين.
6. فتح الحدود: كيف عبر الجهاديون إلى سوريا
لفهم حجم الكارثة، يجب أن نتصور مشهد الحدود التركية السورية في السنوات الأولى من الحرب. حدود طولها 911 كيلومتراً، تمتد من البحر الأبيض المتوسط غرباً إلى الحدود العراقية شرقاً. على طول هذه الحدود، كانت هناك عشرات المعابر غير الرسمية التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة.
في هذه المعابر، كان المشهد يتكرر يومياً: عشرات الشاحنات تحمل السلاح والذخيرة والمعدات اللوجستية. مئات المقاتلين من جنسيات مختلفة: سعوديون، ليبيون، تونسيون، أردنيون، شيشانيون، أويغور. كانوا يعبرون الحدود بحرية تامة، وكأنهم في رحلة سياحية عادية.
تقارير استخباراتية غربية كشفت أن تركيا لم تكن تغض الطرف فقط، بل كانت تساعد في تسهيل هذه العمليات. كانت تزود المقاتلين بتأشيرات دخول، وتوفر لهم ممرات آمنة عبر أراضيها، بل وتقدم لهم دعماً لوجستياً عند الوصول إلى الجانب السوري.
أحد الضباط الأتراك السابقين، في تسريب نادر، وصف ما كان يحدث: "كنا نتلقى تعليمات بعدم التدقيق في هويات الأشخاص الذين يدخلون الأراضي التركية عبر المطار. كنا نعرف أنهم متجهون إلى سوريا، لكننا لم نكن نستطيع فعل شيء. التعليمات كانت واضحة: دعوهم يمرون".
وفي المقابل، كانت هناك تقارير عن عودة الجرحى لتلقي العلاج في المستشفيات التركية. نظام متكامل: ذهاب للقتال، وعودة للعلاج، ثم العودة مجدداً إلى الجبهات. وكأن الحرب السورية كانت مجرد تدريب عسكري منظم برعاية تركية.
هذه السياسة هي التي مكنت تنظيم الدولة الإسلامية من النمو بهذه السرعة. هي التي مكنت جبهة النصرة من التحول إلى أقوى فصائل المعارضة. هي التي حولت سوريا إلى مزبلة المنطقة، حيث تلتقي كل الجماعات المتطرفة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
7. التنسيق مع داعش: حكاية الرهائن والصفقات
ربما يكون الملف الأكثر إحراجاً لتركيا هو علاقتها بتنظيم الدولة الإسلامية. رغم أن أنقرة تنفي رسمياً أي تعامل مع التنظيم، إلا أن الحقائق على الأرض تقول شيئاً آخر.
في يونيو 2014، اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية مدينة الموصل العراقية، وسيطر على القنصلية التركية فيها، واختطف 49 شخصاً بينهم دبلوماسيون وقناصل وأطفال. بقوا في قبضة التنظيم لمدة 101 يوم، ثم أطلق سراحهم فجأة في سبتمبر من نفس العام، دون أن تدفع تركيا أي فدية علنية.
كيف حدث ذلك؟ التقارير تشير إلى أن هاكان فيدان نفسه هو من أجرى المفاوضات مع التنظيم. تم الإفراج عن الرهائن مقابل صفقة معقدة شملت إطلاق سراح مقاتلين من التنظيم كانوا معتقلين في سجون عراقية، وضمانات بفتح المعابر الحدودية أمام عناصر التنظيم، وربما دفع فدية مالية كبيرة .
هذه الحادثة وحدها تكفي للدلالة على طبيعة العلاقة. لا يمكن لتنظيم يصف الجميع بالكفار أن يطلق سراح رعايا دولة "كافرة" دون مقابل. لابد أن هناك تفاهماً، لابد أن هناك صفقة.
الأكثر من ذلك، هناك تقارير عن تورط أجهزة استخبارات تركية في شراء النفط من التنظيم. كانت ناقلات النفط تمر عبر الحدود التركية، محملة بالخام المسروق من آبار سوريا والعراق، لتباع في السوق السوداء. هذه التجارة كانت تمول التنظيم بملايين الدولارات شهرياً.
وبالطبع، عندما بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في تنفيذ عمليات داخل الأراضي التركية، تغير الموقف. تفجير سروج في يوليو 2015 الذي أودى بحياة 34 شخصاً، وتفجير أنقرة في أكتوبر من نفس العام الذي خلف 109 قتلى، كانا نقطة تحول . من ذلك التاريخ، بدأت الطائرات التركية تقصف مواقع التنظيم في سوريا. ليس لأن تركيا اكتشفت فجأة أن الإرهاب سيء، بل لأن الإرهاب أصبح يضرب في الداخل التركي.
هذا التصرف يكشف عن أخلاقية المشروع التركي: دعم الإرهاب عندما يخدم مصالحك، ومحاربته عندما يضر بك. أما الدماء العربية التي تسفك في هذه العملية، فليست مهمة.
8. العلاقة مع جبهة النصرة: التناقضات الظاهرة
إذا كانت العلاقة مع تنظيم الدولة الإسلامية ملفاً غامضاً، فإن العلاقة مع جبهة النصرة كانت أكثر وضوحاً. جبهة النصرة، الذراع السورية لتنظيم القاعدة، كانت الحليف الأقوى لتركيا في الشمال السوري.
تقارير متعددة أكدت أن تركيا دعمت جبهة النصرة بشكل مباشر وغير مباشر. في المعارك الكبرى، كانت النصرة تقاتل إلى جانب فصائل الجيش السوري الحر المدعومة تركياً. في إدلب وحلب وحماة، كانت الجبهة تشكل العمود الفقري للمعارضة المسلحة.
المفارقة أن الولايات المتحدة كانت تصنف النصرة منظمة إرهابية، بينما كانت تركيا تقدم لها الدعم. وهذا ما يفسر تصريحات السفير الأمريكي السابق روبرت فورد، الذي قال إن الإدارة الأمريكية "غضت الطرف لوقت طويل" بينما كانت المجموعات المدعومة من الولايات المتحدة تنسق مع جبهة النصرة .
العلاقة وصلت إلى حد تبادل الزيارات. قيادات من النصرة كانت تتردد على اسطنبول للتشاور مع المسؤولين الأتراك. مقاتلو النصرة كانوا يتلقون العلاج في المستشفيات التركية. عائلاتهم كانت تعيش في المدن الحدودية التركية.
كل هذا ينهي أسطورة "المعارضة المعتدلة" التي روج لها الإعلام الغربي والتركي والقطري. لم تكن هناك معارضة معتدلة. كان هناك فقط تحالف من الجماعات الجهادية، تختلف في الشعارات لكنها تتفق في الهدف: إسقاط الدولة السورية، وتقسيم البلاد، وتحويلها إلى إمارات إسلامية تحت النفوذ التركي.
9. الموقف من تونس: عندما حاول أردوغان التدخل
لم تكن سوريا وحدها في مرمى النفوذ التركي. تونس، مهد الثورات العربية، كانت أيضاً هدفاً. بعد فوز حركة النهضة في انتخابات 2011، سارعت أنقرة إلى مد جسور التعاون معها. زيارات متبادلة، اتفاقيات تعاون، استثمارات اقتصادية، ودعم إعلامي غير محدود.
كان أردوغان يرى في حركة النهضة نسخة تونسية من حزبه. كان يظن أن تونس ستكون قاعدة جديدة للنفوذ التركي في المغرب العربي. ولذلك، ضخت أنقرة ملايين الدولارات في دعم الحركة، وساعدتها في تنظيم حملاتها الانتخابية، ووفرت لها غطاءً إعلامياً في وجه خصومها.
لكن عندما بدأ مسار 25 يوليو 2021، وشنت حركة النهضة هجومها على الرئيس قيس سعيد، وقف أردوغان في صفها. أدلى بتصريحات اعتبرت تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية التونسية. انتقد حل البرلمان، وطالب بعودة "الشرعية".
هنا كان رد الرئيس قيس سعيد حاسماً. في كلمة مأثورة، قال سعيد مخاطباً أردوغان: "لسنا ولاية عثمانية ولا ننتظر فرماناً" . هذه العبارة لخصت موقف تونس الوطنية الرافضة لأي تدخل خارجي. تونس دولة مستقلة ذات سيادة، ولن تسمح لأي قوة إقليمية أو دولية بالتأثير على خيارات شعبها.
استدعت وزارة الخارجية التونسية السفير التركي، وأبلغته احتجاجها الشديد على التصريحات التركية. كما أجرى وزير الخارجية اتصالاً بنظيره التركي، مؤكداً أن "علاقات البلدين يجب أن تقوم على احترام استقلالية القرار الوطني واختيارات الشعب التونسي دون سواه" .
الرأي العام التونسي كان في صف الرئيس. منظمات المجتمع المدني، الأحزاب الوطنية، النخب السياسية، كلهم أكدوا رفضهم للتدخلات التركية، ودعمهم لموقف سعيد الحازم. تونس أثبتت أنها ليست ساحة مفتوحة للمشاريع الإقليمية، وأن شعبها يدرك جيداً من هم أصدقاؤه ومن هم أعداؤه.
10. اغتيال السفير الروسي: جريمة كبرى في أنقرة
في 19 ديسمبر 2016، شهدت أنقرة حادثة هزت العالم. أطلق شرطي تركي النار على السفير الروسي أندريه كارلوف أثناء افتتاح معرض فني، وأرداه قتيلاً. كان القاتل يصرخ: "لا تنسوا حلب، لا تنسوا سوريا".
هذه الحادثة كشفت عن عمق التغلغل الإرهابي في المؤسسات التركية نفسها. القاتل لم يكن متطرفاً مستقلاً، بل كان عنصراً في الشرطة التركية، متأثراً بالخطاب الجهادي الذي روجته وسائل الإعلام التركية لسنوات.
التحقيقات كشفت عن علاقات بين القاتل وشبكات داعش وجبهة النصرة. واتضح أن استهداف السفير الروسي كان رداً على التدخل الروسي في سوريا، الذي قلب الموازين وأضعف المعارضة المسلحة.
هذه الجريمة وضعت تركيا في موقف حرج للغاية. كيف يمكن لشرطي تركي أن يغتال سفير دولة كبرى على الأراضي التركية؟ كيف يمكن أن تتسرب الأفكار الجهادية إلى عمق أجهزة الدولة؟
منذ ذلك الحين، حاولت تركيا ترميم صورتها. أجرت اتصالات مع روسيا، وشاركت في مفاوضات أستانة، وحاولت تقديم نفسها كوسيط في الأزمة السورية. لكن الجرح ظل غائراً. والدماء التي سالت في تلك الليلة، دماء دبلوماسي روسي، كانت تذكيراً دامياً بأن الإرهاب الذي زرعته تركيا عاد ليضرب في عقر دارها.
11. التطبيع مع إسرائيل: كشف القناع
ربما يكون الموقف من إسرائيل هو أكثر ما يكشف ازدواجية الخطاب التركي. على مدى سنوات، كان أردوغان يتباهى بموقفه "الشجاع" من القضية الفلسطينية. كان يهاجم إسرائيل في خطاباته النارية، ويصف سياساتها بـ"الإرهاب الحكومي"، ويؤكد دعمه لحقوق الفلسطينيين .
لكن خلف الكواليس، كانت الأمور تسير بشكل مختلف. العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل استمرت دون انقطاع. السياح الإسرائيليون يواصلون زيارة اسطنبول. وفي عام 2022، تم التوقيع على اتفاقية تطبيع كاملة بين البلدين، وتم تبادل السفراء.
الأكثر من ذلك، هناك تقارير عن تنسيق أمني وثيق بين تركيا وإسرائيل. معلومات استخباراتية متبادلة، وتعاون في مجال الطاقة، واتصالات رفيعة المستوى. كل هذا بينما كان أردوغان يخطب في الجماهير عن "تحرير القدس".
هذه الازدواجية تكشف حقيقة المشروع التركي: خطاب شعبي معادٍ لإسرائيل يهدف إلى كسب الجماهير العربية والإسلامية، وسياسة واقعية تتوافق مع المصالح التركية على الأرض. وحين تتعارض المصالح مع الشعارات، تسقط الشعارات.
ما يهمنا هنا هو أن تركيا التي كانت تدعي دعمها للمقاومة الفلسطينية، كانت في الوقت نفسه تدعم جماعات جهادية في سوريا تعمل ضد مصالح الدول العربية، وكانت تتواصل مع إسرائيل خلف الكواليس. هذه اللعبة المزدوجة انكشفت، ولم يعد بإمكان أحد تصديق خطاب أردوغاني بعد الآن.
12. ترامب والجولاني: من وضع الإرهابي في القصر الرئاسي؟
وصلنا الآن إلى اللحظة الأكثر دراماتيكية في هذا الفصل. في تصريح مثير للجدل، قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، زعيم هيئة تحرير الشام الذي أصبح رئيساً لسوريا بعد سقوط النظام، إنه "الذي وضعته بنفسي هناك" .
هذه العبارة، مهما قيل عنها إنها "مجتزأة من سياقها" أو "غير دقيقة"، إلا أنها تكشف حقيقة لا يمكن إنكارها: الجولاني لم يصل إلى السلطة في سوريا عبر انتخابات شعبية، ولا عبر ثورة شعبية حقيقية، بل عبر دعم خارجي منظم. هو نتاج للمشروع التركي - القطري - الأمريكي الذي استهدف تدمير سوريا.
الجولاني، الذي كان يوماً ما قيادياً في تنظيم القاعدة في العراق، ثم انشق ليؤسس جبهة النصرة في سوريا، ثم غير اسم هيئته إلى "تحرير الشام" في محاولة لتبييض صورته، هو اليوم رئيس سوريا. والغريب أن بعض الدول بدأت تتعامل معه كرجل دولة، متناسية ماضيه الدموي.
في نوفمبر 2025، استضاف البيت الأبيض الجولاني، ووقع سوريا على الانضمام إلى "التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية" . وكأن التاريخ يعيد نفسه. تنظيم القاعدة يحارب داعش بالوكالة عن أمريكا. والإرهابيون الأمس أصبحوا حلفاء اليوم.
لكن الشعب السوري يعرف الحقيقة. هو يعرف أن الجولاني وجماعته هم من دمروا بلاده. هم من قتلوا أبناءه. هم من نهبوا ثرواته. هم من جلبوا القوى الأجنبية لتحتل أرضه. ولذلك، فإن أي تطبيع مع هذا الرجل هو خيانة لدماء الشهداء.
الرئيس التونسي قيس سعيد، في موقفه الوطني النزيه، كان من أوائل من حذروا من هذا السيناريو. كان يقول إن "الإسلام السياسي هو الوجه الآخر للإمبريالية". واليوم، تتجلى صحة رؤيته. الجولاني في القصر الرئاسي بدمشق هو أكبر دليل على أن هذه الجماعات لم تكن يوماً سوى أدوات في يد القوى الكبرى.
13. سوريا اليوم: تحت الاحتلال التركي
بعد كل هذه السنوات من الحرب، وبعد سقوط النظام السوري، ماذا بقي من سوريا؟ الإجابة مؤلمة: بقي جيش مفكك، واقتصاد مدمر، وشعب يتضور جوعاً، وأراضٍ مقسمة تحت احتلالات متعددة.
في الشمال، تنتشر القوات التركية. في الشرق، تنتشر القوات الأمريكية مع قسد. في الجولان، الاحتلال الإسرائيلي يوسع مستوطناته. وفي العاصمة، حكومة الجولاني تحاول أن تمسك بزمام الأمور لكنها تفشل.
الاحتلال التركي هو الأكثر انتشاراً. قوات تركية في إدلب وعفرين والباب وجرابلس. طائرات تركية تحلق في سماء الشمال. قواعد عسكرية تركية تنتشر على طول الحدود. وميليشيات موالية لأنقرة تتحكم في مصير المدنيين.
الرئيس أردوغان يتحدث عن "وحدة سوريا وسلامتها" . لكن أفعاله على الأرض تقول العكس. هو يريد سوريا موحدة تحت الوصاية التركية. يريد سوريا تكون فيها الكلمة الأخيرة لأنقرة. يريد سوريا تكون سوقاً لاقتصاده المتعثر، ومنفذاً لمشاريعه الإقليمية.
لكن سوريا ليست ملكاً لأردوغان. سوريا ملك للسوريين. والشعب السوري، رغم كل ما عاناه، لن يرضى بالوصاية التركية. هو سيبقى يقاوم، بكل الوسائل المتاحة، حتى يعيد بناء دولته المستقلة، الموحدة، ذات السيادة.
14. الدم التونسي في رقبة من؟
في خضم هذا كله، نعود إلى تونس. إلى شبابها الذين سُفِّروا إلى سوريا. إلى أمهاتهم الثكالى. إلى دمائهم التي سالت في أرض لا يعرفونها.
هؤلاء الشباب، الذين خُدعوا بخطاب الجهاد المزيف، قتلوا في معارك لا شأن لهم بها. بعضهم قتلته قوات الجيش العربي السوري التي دافعت عن سورية ضد الاحتلال التركي والصهيوني والأمريكي . وبعضهم قتلته داعش عندما اختلفوا معهم. وبعضهم قتلته النصرة بتهمة "العمالة". وبعضهم لا يزال في السجون إلى اليوم.
السؤال: من المسؤول عن هذه الدماء؟
المسؤول الأول: حركة النهضة، التي غذت هذا الخطاب، ووفرت الغطاء الديني له، وسهلت عمليات السفر عبر وزارة داخليتها.
المسؤول الثاني: تركيا، التي فتحت حدودها، وقدمت الدعم اللوجستي، واستضافت القيادات الجهادية.
المسؤول الثالث: قطر، التي مولت الإعلام الجهادي، ودعمت التنظيمات المسلحة بالمال والسلاح.
المسؤول الرابع: أمريكا، التي خططت لهذا المشروع منذ البداية، وأعطت الضوء الأخضر لحلفائها لتنفيذه.
أما الرئيس قيس سعيد، فهو المسؤول عن شيء واحد فقط: العدالة. هو المسؤول عن محاكمة المجرمين. هو المسؤول عن استعادة الدولة من قبضة الجماعة. هو المسؤول عن رد الاعتبار للشهداء ولعائلاتهم.
في المحاكمات التي تجري اليوم في تونس، تتحقق العدالة. الحكم على علي العريض بـ 24 عاماً هو رسالة إلى كل من تورط في هذه الجريمة: مهما طال الزمن، ستحاسب. ومهما علت مناصبكم، سينال القانون منكم.
15. خاتمة: العدالة آتية
في هذا الفصل، حاولنا أن نكشف الوجه الحقيقي للدور التركي في دعم الإرهاب. حاولنا أن نربط بين ما حدث في تونس وسوريا، وبين القرارات التي اتخذت في أنقرة. حاولنا أن نظهر أن أردوغان وفيدان والعصابة المحيطة بهما ليسوا مجرد سياسيين يختلفون معنا في الرأي، بل هم مجرمون تسببوا في مقتل مئات الآلاف من العرب.
لكن هذه القصة لم تنته بعد. العدالة آتية. صحيح أنها قد تأتي متأخرة، لكنها آتية لا محالة. أردوغان وفيدان، وكل من ساعدهم، سيحاسبون يوماً ما. أمام القضاء الدولي، أو أمام شعوب المنطقة التي ستنهض يوماً وتطالب بحقها.
تونس، تحت قيادة الرئيس قيس سعيد، تقود اليوم معركة المحاسبة. وهي معركة ليست تونسية فقط، بل عربية وإنسانية. كل من يؤمن بالعدالة وكرامة الإنسان يجب أن يدعم هذه المعركة.
في الفصل القادم، سننتقل من السياسة إلى الإنسانية. سنرى كيف عاش الشباب التونسي في سوريا، وكيف ماتوا، وما هي قصصهم التي لم ترو بعد. سنذهب إلى هناك، إلى الجحيم، لنرى ماذا فعلت هذه العصابة بأبنائنا.
هوامش الفصل
[1] موقع آر تي العربي: فيدان: يجب جمع جميع الفصائل المسلحة في سوريا تحت مظلة جيش موحد، 2026 .
[2] مركز رؤية للتنمية السياسية: سياسة أوباما في سوريا.. وهم النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط .
[3] بي بي سي عربي: دونالد ترامب عن أحمد الشرع: "وضعته بنفسي هناك"، وسط تهديدات من تنظيم الدولة، 2026 .
[4] موقع العربي مباشر: رفض تونسي كبير لتدخلات تركيا في شؤونهم الداخلية .
[5] ويكيبيديا: الصراع بين تركيا وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) .
[6] موقع الجزيرة (مع التحفظ): فيدان: رصدنا تحركات انفصالية في سوريا ونساعد الحكومة على بناء جيشها، يوليو 2025 .
[7] الجزيرة نت (مع التحفظ): أوباما وأردوغان يؤكدان ضرورة وقف القتال بكل سوريا، ديسمبر 2016 .
[8] سكاي نيوز عربية: موقف ترامب من الجولاني.. رؤية حذرة وتساؤلات عدة، ديسمبر 2024 .
[9] صفحة الجزيرة تونس على فيسبوك: اتصال هاتفي بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السرّاج .
[10] موقع TRT عربي: موقف تركيا الشجاع من القضية الفلسطينية سببٌ لاستهدافها .
….
يتبع في الفصل السادس: سوريا الجريحة: من جيش عربي إلى محمية للاحتلالات
…….
الفصل السادس
سوريا الجريحة: من جيش عربي إلى محمية للاحتلالات
حين تصبح الدولة مسرحاً للذئاب
1. مقدمة: سوريا التي كانت
كانت سوريا يوماً ما أكثر من مجرد وطن. كانت فكرة. كانت قلب العروبة النابض، وصوت المقاومة الصادح، وحلم الوحدة الذي لم يمت. من دمشق، التي سمّاها الخلفاء "الشام" وتغنى بها الشعراء، انطلقت قوافل الفتح، وكُتبت أروع صفحات التاريخ العربي.
في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت سوريا قلعة منيعة في وجه المشروع الصهيوني. جيشها العربي السوري، الذي خاض حروباً مصيرية عام 1948 و1967 و1973، كان رمزاً للعزة والكرامة. مدارسها وجامعاتها خرّجت أجيالاً من الأطباء والمهندسين والعلماء الذين ملأوا الدنيا علماً ونفعاً. ثقافتها وفنها وأدبها كانوا في طليعة الإبداع العربي.
ثم جاء عام 2011. وما جاء بعده لم يكن مجرد ثورة أو احتجاجات، بل كان حرباً كونية على سوريا. أربعة عشر عاماً من القتل والتدمير والتهجير، لم تكن نتاج صراع داخلي، بل كانت نتاج مؤامرة دولية كبرى، شاركت فيها أقوى دول العالم، واستُخدمت فيها كل الأدوات: المال، السلاح، الإعلام، الدين، وحتى التنظيمات الإرهابية.
واليوم، بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، وتولي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) رئاسة المرحلة الانتقالية، ثم رئاسة الجمهورية في مارس 2025، تقف سوريا على حافة الهاوية. جيشها العربي السوري، ذلك الصرح العظيم، أصبح مجرد ذكرى. اقتصادها، الذي كان مزدهراً، تحول إلى أنقاض. شعبها، الذي كان متحداً، أصبح مشرداً في مخيمات اللجوء.
والأخطر من كل ذلك: سوريا اليوم ليست دولة مستقلة ذات سيادة. هي محمية دولية، مقسمة النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، كل منها تخطف ما تستطيع، تحت نظر العالم الصامت.
في هذا الفصل، سنحاول أن نرسم صورة دقيقة لواقع سوريا اليوم. سنرى كيف تبدد الجيش العربي السوري، وكيف تحولت الجغرافيا السورية إلى لوحة مقسمة بالألوان: تركيا في الشمال، أمريكا في الشرق، إسرائيل في الجولان. وسنربط ذلك كله بالمشروع الأكبر الذي بدأ في تونس: مشروع تدمير الدولة العربية الوطنية، تحت غطاء الإسلام السياسي، لخدمة أجندات خارجية لا علاقة لها بمصالح الشعوب.
2. الجيش العربي السوري: من البناء إلى التفكيك
لطالما كان الجيش العربي السوري أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية. كان مدرسة وطنية، تخرج فيها ملايين السوريين، وتعلموا فيها معنى الانضباط والتضحية والولاء للوطن. في حرب تشرين التحريرية عام 1973، كان هذا الجيش مصدر فخر لكل عربي، عندما حطم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
لكن الجيش دفع ثمناً باهظاً في الحرب الكونية على سوريا. أربعة عشر عاماً من القتال على جبهات متعددة، ضد أعداء متنوعين: تنظيم الدولة الإسلامية، جبهة النصرة، فصائل المعارضة المسلحة، وكلها كانت مدعومة إقليمياً ودولياً. مئات الآلاف من الضباط والجنود استشهدوا في هذه المعركة غير المتكافئة.
وبعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، كان مصير الجيش مأساوياً. بعض وحداته اندمجت في الهياكل الجديدة. بعضها الآخر حل نفسه. وآلاف من ضباطه وجنوده إما اعتقلوا أو فروا أو قتلوا. تقارير غير مؤكدة تتحدث عن مقابر جماعية لضباط جيش النظام السابق في مناطق سيطرت عليها الفصائل المسلحة .
النتيجة: سوريا اليوم بلا جيش وطني حقيقي. هناك "قوات حكومية" تابعة للإدارة الجديدة، لكنها ليست أكثر من خليط من الفصائل المسلحة السابقة، التي لا تجمعها عقيدة عسكرية موحدة، ولا ولاء وطنياً حقيقياً. هي ميليشيات أكثر منها جيش. وهي تفتقر إلى التسليح والتدريب والقدرة على حماية حدود البلاد.
الرئيس التونسي قيس سعيد، في إحدى خطاباته، حذر من هذا السيناريو. قال: "عندما تتفكك الدولة، ويحل محلها الميليشيات، يصبح الوطن فريسة سهلة للذئاب". وسوريا اليوم هي الدليل الأوضح على صحة هذه الرؤية.
3. الجولاني في القصر: المطلوب الدولي رئيساً
في 29 مارس 2025، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسومين الرئاسيين رقم 122 ورقم 9 لعام 2025، القاضيين بتشكيل الحكومة السورية الانتقالية. وهكذا، وبعد أشهر قليلة من سقوط النظام، أصبح الرجل الذي كان يوماً ما على رأس قوائم المطلوبين دولياً، يجلس في قصر الشعب بدمشق .
من هو أحمد الشرع؟ هو أبو محمد الجولاني السابق. هو مؤسس جبهة النصرة في سوريا، الذراع الرسمي لتنظيم القاعدة. هو الرجل الذي بايع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. هو الذي قاتل الجيش العربي السوري لسنوات، وتسبب في مقتل آلاف السوريين. هو الذي حكم إدلب لسنوات بفكر جهادي متشدد، قبل أن يحاول "تبييض" صورته بتغيير اسم هيئته إلى "تحرير الشام".
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في تصريح مثير، قال إنه هو من وضع الجولاني في القصر الرئاسي بدمشق. قد تكون العبارة مبالغاً فيها، لكنها تكشف حقيقة لا يمكن إنكارها: الجولاني لم يصل إلى السلطة عبر إرادة الشعب السوري، بل عبر دعم خارجي منظم. هو نتاج المشروع التركي - القطري - الأمريكي الذي استهدف سوريا.
الحكومة التي شكلها الشرع تضم 23 وزيراً، 22 منهم رجال وامرأة واحدة. تضم وزراء من هيئة تحرير الشام، ووزراء من المعارضة السورية السابقة، بل وحتى وزيرين سابقين في حكومات بشار الأسد .
لكن اللافت أن أغلب هؤلاء الوزراء يحملون شهادات عليا من جامعات غربية مرموقة: ثلاثة من كندا، وخمسة من بريطانيا، وثلاثة من ألمانيا، وثلاثة من الولايات المتحدة، واثنان من فرنسا . وكأن هناك حرصاً على تقديم صورة "حديثة" و"معتدلة" للحكومة، لتمويه حقيقة أن رأسها لا يزال يحمل فكر القاعدة في داخله.
مؤخراً، وفي خطوة تهدف إلى تحسين الصورة الدولية، وقعت سوريا على الانضمام إلى "التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية" في نوفمبر 2025، واستضاف البيت الأبيض الجولاني . وهكذا، أصبح رئيس القاعدة السابق يحارب داعش بالوكالة عن أمريكا. وكأن التاريخ يسخر منا.
4. تركيا في الشمال: احتلال تحت غطاء "حماية الحدود"
منذ عام 2016، والجيش التركي يتوغل في الأراضي السورية. عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام" و"درع الربيع" كانت مجرد أسماء لعمليات احتلال منظم، استولت خلالها تركيا على آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي السورية.
في نهاية عام 2024، ومع انهيار النظام السوري، رأت تركيا فرصتها لتوسيع نطاق سيطرتها. في 30 نوفمبر 2024، أطلق "الجيش الوطني السوري" الموالي لأنقرة عملية "فجر الحرية"، بهدف توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة التركية، وإضعاف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية، ومنع قيام حكم ذاتي كردي في سوريا .
خلال هذه العملية، سيطرت القوات الموالية لتركيا على مدينتي تل رفعت ومنبج، وطردت منها القوات الكردية. وقد فر نحو 100,000 مدني، معظمهم من الأكراد، من المناطق التي سيطر عليها الجيش الوطني السوري، ما أدى إلى أزمة إنسانية حادة .
الأهداف التركية واضحة ومعلنة: إنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، لمنع أي وجود كردي قرب حدودها. لكن الحقيقة أكبر من ذلك. تركيا تريد أن تخلق واقعاً جديداً في شمال سوريا، أن تفرض هيمنتها على المنطقة، وأن يكون لها الكلمة العليا في مستقبل البلاد.
الرئيس أردوغان يهدد باستمرار بالتدخل العسكري لمنع أي تقسيم لسوريا. لكن التدخلات التركية نفسها هي التي تخلق التقسيم على الأرض. فمناطق سيطرة تركيا اليوم، التي تسمى "المناطق الآمنة"، هي عملياً كانتونات منفصلة، تدار من قبل فصائل موالية لأنقرة، وتخضع للقانون التركي، ويتحدث فيها الجنود الأتراك اللغة التركية.
المفارقة أن تركيا، التي تدعي دعمها للشعب السوري ومعارضتها للنظام السابق، هي نفسها التي تحتل اليوم الأراضي السورية، وتستغل مواردها، وتهجّر سكانها. والغريب أن المجتمع الدولي يصمت، وكأن احتلال تركيا لشمال سوريا أمر طبيعي.
5. أمريكا في الشرق: من محاربة داعش إلى دعم قسد
في الطرف الآخر من البلاد، في شمال شرق سوريا، تنتشر القوات الأمريكية. هذا الوجود بدأ عام 2014 بحجة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وتحول إلى احتلال دائم. اليوم، تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، المدعومة أمريكياً، على نحو 27.8% من مساحة سوريا، بما في ذلك كامل محافظتي الحسكة والرقة تقريباً، وأجزاء واسعة من دير الزور شرق الفرات .
مناطق سيطرة قسد تمتد على مساحة تقارب 52 ألف كيلومتر مربع، وتشمل حقول النفط والغاز الرئيسية في سوريا، مما يمنحها أهمية اقتصادية وإستراتيجية بالغة . هذه الثروات هي التي تفسر الدعم الأمريكي المستمر لهذه القوات. أمريكا لا تهتم بحقوق الأكراد، ولا بمحاربة الإرهاب. أمريكا تهتم بالنفط.
في مارس 2025، وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي اتفاقاً لدمج مناطق قسد ضمن مؤسسات الدولة . لكن هذا الاتفاق لم يُنفذ بعد. ومع انشغال الحكومة الجديدة بمشاكلها الداخلية، وعدم امتلاكها جيشاً قادراً على فرض سيطرتها، بقيت مناطق قسد كياناً مستقلاً بحكم الأمر الواقع.
في فبراير 2026، بدأت القوات الأمريكية الانسحاب التدريجي من سوريا. في 23 فبراير، بدأ انسحاب القوات من قاعدة قسرك، أكبر القواعد الأمريكية في سوريا، باتجاه إقليم كردستان العراق . وأعلنت مصادر أن الانسحاب الأمريكي الكامل من سوريا قد يكتمل في غضون شهر .
هذا الانسحاب، إذا تم، سيغير قواعد اللعبة في المنطقة. لكن السؤال: لمن ستترك أمريكا مناطق سيطرة قسد؟ وكيف ستتعامل الحكومة السورية مع هذه القوة التي لا تزال متماسكة؟
من المهم هنا أن نلاحظ التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية. أمريكا التي كانت تقصف "داعش" أمس، هي نفسها التي تدعم "قسد" اليوم. أمريكا التي تعلن أنها مع وحدة سوريا، هي نفسها التي تدعم كياناً انفصالياً فيها. أمريكا التي تبيع أسلحة لدول الخليج، هي نفسها التي تشتري نفط سوريا المسروق. كل هذا يؤكد ما ذهب إليه سمير أمين: الإسلام السياسي ليس سوى أداة في يد الإمبريالية، وهذه الجماعات التي تدعي الجهاد، هي في الحقيقة مجرد مرتزقة في خدمة مشاريع كبرى.
6. إسرائيل في الجولان: احتلال مستمر واستيطان متواصل
أما في الجنوب الغربي، فالمشهد لا يقل قتامة. هضبة الجولان السورية، التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، تشهد اليوم تصعيداً خطيراً في الانتهاكات. فبعد سقوط النظام السوري، أعلنت إسرائيل إلغاء اتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، وبدأت في التوسع داخل الأراضي السورية .
في 26 فبراير 2026، توغلت قوة إسرائيلية بأكثر من 30 آلية عسكرية في محافظة القنيطرة، وصولاً إلى منطقة تل الأحمر الشرقي قرب قرية عين زيوان. القوة أطلقت قنابل مضيئة في سماء المنطقة، وأقامت حواجز تفتيش، واعتقلت رعاة أغنام، وصادرت مواشيهم .
هذه التوغلات الإسرائيلية تتكرر بشكل شبه يومي. الجيش الإسرائيلي يقصف مواقع عسكرية، ويدمر بنى تحتية، ويوسع مستوطناته في الجولان المحتل. وكل هذا يحدث تحت نظر الحكومة السورية الجديدة، التي لا تملك جيشاً قادراً على ردع هذه الانتهاكات.
الولايات المتحدة، التي تتوسط أحياناً بين الجانبين، لا تفعل شيئاً يذكر لوقف هذه الانتهاكات. بل على العكس، في يناير 2026، أعلنت عن تشكيل آلية اتصال بين سوريا وإسرائيل بإشراف أمريكي، بهدف تنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد . وكأن احتلال أرض الغير يمكن أن يكون موضوع "تنسيق" و"تبادل معلومات".
إسرائيل تستغل حالة الضعف السوري لتحقيق مكاسب على الأرض. هي تريد أن تخلق واقعاً جديداً في الجولان، أن تفرض سيطرتها على المنطقة، وأن تجعل من المستحيل على أي حكومة سورية مستقبلية استعادة هذه الأرض المغتصبة.
وهذا هو جوهر المأساة: سوريا التي كانت يوماً في طليعة دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، أصبحت اليوم غير قادرة على حماية شبر واحد من أرضها من اعتداءاته اليومية.
7. خريطة التقسيم: سوريا بين أربع سيطات
إذا نظرنا إلى خريطة سوريا اليوم، سنرى أربعة ألوان مختلفة:
اللون الأول: مناطق الحكومة السورية الجديدة. تمثل نحو 69.3% من مساحة البلاد، وتشمل معظم المدن الكبرى: دمشق، حمص، حماة، اللاذقية، طرطوس، وأجزاء من حلب. لكن السيطرة هنا ليست كاملة. فالجيش الحكومي الجديد ضعيف، والفصائل المسلحة التي شكلته لا تزال تحتفظ بولاءاتها الخاصة، والانفلات الأمني هو السمة الغالبة .
اللون الثاني: مناطق قسد (قوات سوريا الديمقراطية). تمثل نحو 27.8% من المساحة، وتتركز شرق نهر الفرات: كامل محافظة الحسكة، كامل محافظة الرقة تقريباً، وأجزاء واسعة من دير الزور. هذه المنطقة تضم معظم حقول النفط والغاز السورية، مما يجعلها الأكثر أهمية اقتصادية .
اللون الثالث: مناطق الاحتلال التركي. وهي مناطق متفرقة في الشمال، على طول الحدود التركية، بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً. تضم مدناً مثل جرابلس والباب وعفرين وتل رفعت ومنبج. هذه المناطق تدار من قبل "الحكومة السورية المؤقتة" الموالية لأنقرة، وتخضع عملياً للسيطرة التركية .
اللون الرابع: مناطق الاحتلال الإسرائيلي. وهي هضبة الجولان المحتلة منذ 1967، بالإضافة إلى مناطق جديدة تتوغل فيها القوات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا .
هذه هي سوريا اليوم. وطن مقسم. دولة بلا جيش. شعب بلا كرامة. وكل هذا يحدث باسم "الثورة" و"الحرية" و"الديمقراطية". وكل هذا يحدث بدعم من قوى كبرى تتصارع على النفوذ، بينما السوريون يدفعون الثمن.
8. الاقتصاد المنهوب: الغلاء الذي يطحن المواطن
بعد كل هذا الدمار، كيف يعيش المواطن السوري اليوم؟ الإجابة: في جحيم حقيقي.
فواتير الكهرباء الجديدة قفزت بين 50 و100 ضعف بحسب الاستهلاك. مواطنون قالوا إن فاتورة الكهرباء بلغت 800 ألف ليرة (نحو 69 دولاراً)، أي ما يعادل راتب شهر كامل تقريباً. وزير الطاقة السوري اعتبر أن المشكلة تكمن في اعتماد المواطنين على الكهرباء "شبه المجانية" سابقاً، وأن التسعيرة الجديدة "خطوة ضرورية" لإصلاح القطاع.
رغيف الخبز، ذلك الرمز الشعبي الذي كان مدعوماً بشكل كبير في عهد النظام السابق، أصبح اليوم بأضعاف ثمنه السابق. أسطوانات الغاز تباع في السوق السوداء بأسطار خيالية، تصل إلى نصف الراتب الشهري.
المواصلات؟ التعليم؟ الصحة؟ كلها أصبحت خدمات بالدولار، بينما الليرة السورية تنهار يومياً. قيمة الرواتب لم تعد تكفي لشراء حاجيات شهر كامل.
وهنا يظهر التناقض الصارخ: الإسلام السياسي الذي وعد بالعدالة الاجتماعية، والذي رفع شعار "الإسلام هو الحل"، أثبت فشله الذريع في إدارة الاقتصاد. في إدلب، حيث حكمت هيئة تحرير الشام لسنوات، كانت الأوضاع أسوأ. واليوم، في سوريا كلها، تتكرر المأساة.
الرئيس قيس سعيد في تونس، وهو يحارب الفساد ويحاول إنقاذ اقتصاد بلاده، يقدم نموذجاً مغايراً: الدولة الوطنية هي التي تحمي مواطنيها، وليس الميليشيات التي ترفع شعارات دينية زائفة.
9. الدم التونسي في سوريا: شهادات من الجحيم
في خضم هذه المأساة السورية الكبرى، هناك قصة لا تروى بما فيه الكفاية: قصة الشباب التونسي الذي سُفِّر إلى سوريا.
تشير تقارير موثقة إلى أن ما بين 3000 و5500 تونسي غادروا البلاد للقتال في بؤر التوتر بين عامي 2011 و2016. هذا العدد الضخم، نسبة إلى عدد سكان تونس الصغير، يعني أن تونس كانت المصدر الأول للمقاتلين الأجانب في صفوف التنظيمات الإرهابية.
من بين هؤلاء، عاد نحو 800 فقط. والباقون: إما قتلوا في المعارك، أو ما زالوا في السجون، أو فروا إلى جهات مجهولة.
شهادات العائدين من سوريا ترسم صورة مرعبة لما حدث. يتحدثون عن أكاذيب خُدعوا بها، عن وعود بالجنة فإذا هي جحيم، عن تنظيمات تستخدمهم كوقود في معارك لا يؤمنون بها. يتحدثون عن معاناة يومية، عن برد وجوع وخوف، عن موت زملائهم واحداً تلو الآخر.
أحد العائدين، في شهادة نادرة، قال: "كنا نعتقد أننا ذاهبون للجهاد في سبيل الله. اكتشفنا أننا مجرد أدوات في لعبة أكبر. كنا نقاتل لإسقاط النظام، ثم اكتشفنا أن من يقاتل معنا هم مرتزقة بأجور شهرية. كنا نعتقد أننا سنحرر سوريا، ثم اكتشفنا أن سوريا تتحرر منا".
هذه الشهادات يجب أن تُسمع. هي دليل إضافي على حجم الجريمة التي ارتكبت بحق شباب تونس. وهي أيضاً دليل على أن من سهّلوا هذه الجرائم يجب أن يحاسبوا، ليس فقط في تونس، بل في كل مكان.
10. قيس سعيد وسوريا: موقف مبدئي لا يتغير
الرئيس التونسي قيس سعيد، منذ توليه المسؤولية، كان موقفه من القضية السورية واضحاً وحاسماً. هو يرى في سوريا دولة عربية شقيقة، يجب احترام سيادتها ووحدة أراضيها. هو يرفض أي تدخل خارجي في الشؤون السورية، من أي جهة كان.
في خطاباته، كان سعيد يردد أن "الشعب السوري هو وحده من يقرر مصيره"، وأن "الحل في سوريا يجب أن يكون سياسياً، بعيداً عن التدخلات الخارجية". هو حذر مراراً من أن "الإسلام السياسي هو الوجه الآخر للإمبريالية"، وأن "الجماعات المسلحة التي تدعي الجهاد هي في الحقيقة أدوات في يد قوى كبرى تريد تدمير المنطقة".
هذا الموقف المبدئي هو ما جعل سعيد هدفاً لحملات إعلامية شرسة من قنوات الإخوان الممولة من قطر وتركيا. لكنه لم يتراجع. هو ماضٍ في طريقه، مؤمناً بأن "الحق يعلو ولا يُعلى عليه".
في ملف التسفير، كان موقف سعيد واضحاً: محاكمة كل من سهّل إرسال الشباب التونسي إلى سوريا، مهما كان موقعه ومهما كانت شعاراته. الأحكام القضائية الأخيرة بحق علي العريض ورفاقه هي ترجمة عملية لهذا الموقف. هي رسالة إلى كل من استخدم الدين غطاءً لتصفير الشباب: العدالة آتية لا محالة.
11. من المسؤول؟ خريطة الجناة
في ختام هذا الفصل، لا بد من طرح السؤال الأهم: من المسؤول عما وصلت إليه سوريا اليوم؟
المسؤول الأول: المشروع الإمبريالي الأمريكي. هو الذي خطط لهذه الحرب منذ البداية، وموّل أطرافها، وقدّم الغطاء السياسي لها. أوباما وترامب وبايدن، كلهم تحملوا مسؤولية في هذه المأساة.
المسؤول الثاني: النظام التركي بقيادة أردوغان وفيدان. هو الذي فتح حدوده أمام آلاف المقاتلين، وقدّم الدعم اللوجستي للجماعات المسلحة، واحتل شمال سوريا.
المسؤول الثالث: النظام القطري. هو الذي موّل الإعلام الجهادي، وقدّم مليارات الدولارات للجماعات المسلحة، واستضاف قيادات الإخوان.
المسؤول الرابع: الأنظمة الخليجية الأخرى. التي ساهمت في تمويل هذه الحرب، تحت غطاء دعم "الثورة السورية".
المسؤول الخامس: حركة النهضة والإخوان في تونس. الذين سهّلوا تسفير آلاف الشباب التونسي إلى سوريا، ليصبحوا وقوداً لهذه الحرب.
المسؤول السادس: المجتمع الدولي الصامت. الذي وقف متفرجاً على هذه المأساة، يكتفي بإصدار بيانات الشجب والإدانة، دون أن يحرك ساكناً.
أما الشعب السوري، فهو الضحية الوحيدة. دفع ثمن حروب لا ذنب له فيها. ومات في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل. وبات اليوم مشرداً في مخيمات اللجوء، أو نازحاً في وطنه، أو يعيش تحت احتلال أجنبي.
12. خاتمة: سوريا تنتظر الخلاص
سوريا الجريحة لا تزال تنتظر الخلاص. هي تنتظر يوماً تعود فيه دولة موحدة ذات سيادة. تنتظر يوماً يعود فيه جيشها الوطني لحماية حدودها. تنتظر يوماً يرفع عنها الاحتلال الأجنبي. تنتظر يوماً ينعم فيه شعبها بالحرية والكرامة والعدالة.
لكن هذا الخلاص لن يأتي من الخارج. لن تأتي به أمريكا، ولا تركيا، ولا قطر، ولا أي قوة أخرى. هذا الخلاص يجب أن يصنعه السوريون بأنفسهم. هم وحدهم من يستطيع إعادة بناء وطنهم المحطم. هم وحدهم من يستطيع لملمة جراحهم. هم وحدهم من يستطيع صنع مستقبل أفضل لأطفالهم.
تونس، بقيادة رئيسها الوطني قيس سعيد، تقف مع سوريا في محنتها. تونس تعرف معنى الثورة ومعنى الانتكاسة. تونس تعرف معنى المقاومة ومعنى الصمود. وتونس مستعدة لمساعدة سوريا بكل ما تستطيع، متى تمكنت من ذلك.
في الفصل القادم، سنعود إلى تونس. سنرى كيف استطاع الرئيس قيس سعيد، بوعيه وإخلاصه، أن يعيد بناء الدولة، وأن يحاسب المفسدين، وأن يضع تونس على طريق التعافي. وسنرى أيضاً كيف أن المعركة لم تنته بعد، وكيف أن العدالة ما زالت تنتظر الكثيرين.
هوامش الفصل
[1] ويكيبيديا: هجوم الجيش التركي والجيش الوطني السوري في شمال سوريا (2024–2025) .
[2] فرانس 24: الجيش الأمريكي يخلي قاعدة في شمال شرق سوريا ويعتزم الانسحاب الكامل، 23 فبراير 2026 .
[3] الجزيرة نت: أكثر من 30 آلية إسرائيلية تتوغل في القنيطرة جنوب غربي سوريا، 26 فبراير 2026 .
[4] ويكيبيديا: حكومة أحمد الشرع .
[5] تنسيقية جسور للدراسات: خريطة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سوريا، 23 ديسمبر 2025 .
[6] صفحة RT-أخبار الآن على فيسبوك: تأجيل النظر في ملف التسفير وتفاصيل المتهمين والأدلة، 29 يناير 2026 .
[7] تقارير متفرقة عن أوضاع السوريين الاقتصادية والمعيشية.
[8] تحليلات ودراسات عن دور الإمبريالية في تدمير سوريا، مستندة إلى رؤية سمير أمين.
يتبع في الفصل السابع: معاناة السوريين اليوم: الكهرباء، الغلاء، والخدمات المنهوبة
……
الفصل السابع
معاناة السوريين اليوم: الكهرباء، الغلاء، والخدمات المنهوبة
حين يدفع المواطن ثمن وهم "التحرير"
1. مقدمة: سوريا بعد عام من "التحرير"
في الثامن من ديسمبر عام 2024، سقطت دمشق. سقط النظام بعد أربعة وخمسين عاماً من حكم حزب البعث، وثلاثة عشر عاماً من الحرب الكونية التي لم تترك حجراً على حجر. خرج السوريون إلى الشوارع يهللون ويكبرون، معتقدين أن الفجر الجديد قد بزغ أخيراً. كانوا يتصورون أن الدماء التي سالت، والسنين التي مضت، والجوع الذي عانوه، كل ذلك سيكون ثمناً لمستقبل أفضل.
لكن ماذا حدث بعد عام واحد فقط من ذلك التاريخ؟
في شوارع دمشق وحلب وحمص، لم تعد الهتافات تسمع. حلت محلها صرخات الغضب. أمام مبنى وزارة الكهرباء، وفي الساحات العامة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يرفع السوريون صوتاً واحداً: "بدنا نعيش".
الحقيقة قاسية وواضحة: بعد عام على إسقاط نظام بشار الأسد، يجد السوريون أنفسهم وجهاً لوجه أمام حرب جديدة، ربما تكون أقسى من سابقاتها. حرب ضد الجوع والغلاء والإذلال. حرب خصمها ليس الدبابات والطائرات، بل فواتير الكهرباء وأسعار الخبز.
أين العدالة التي وعد بها أبو محمد الجولاني، الذي أصبح الآن الرئيس أحمد الشرع؟ أين الجنة التي وعد بها من هتفوا في قصور الدوحة وأنقرة بـ"الثورة السورية"؟ أين المكافآت التي وعد بها من سهّلوا نقل الشباب التونسي والعربي إلى سوريا؟
الجواب في كل مكان في سوريا: لا شيء. لا جنة، بل جحيم. لا عدالة، بل استغلال جديد. لا تحرير، بل وصاية جديدة.
في هذا الفصل، سنغوص في تفاصيل المعاناة اليومية للمواطن السوري. سنقرأ شهاداتهم، ونتتبع الأرقام، ونرصد الأسعار. والأهم من ذلك، سنربط هذه المأساة بالصورة الأكبر: بمشروع الإسلام السياسي الذي حوّل سوريا إلى محمية دولية مقسمة النفوذ، وبالاقتصاد الذي أصبح في قبضة أمراء الحرب، وبالصمت الدولي الذي ما زال يستخدم الدم العربي خدمة لأجندات تل أبيب وأنقرة والدوحة.
لأنه، كما يردد الرئيس التونسي قيس سعيد باستمرار، الدم العربي ليس لعبة في يد أحد، وقضية فلسطين وسوريا وتونس هي قضية واحدة في مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني.
2. فواتير الكهرباء: الراتب يذهب في الظلام
في 30 أكتوبر 2025، أصدرت وزارة الكهرباء في الحكومة السورية الانتقالية قراراً لا يزال محفوراً في ذاكرة السوريين: رفع أسعار الكهرباء بنسبة تزيد عن 600%، وفي بعض الحالات بنسبة 8000% .
وراء الأرقام، هناك بشر وعائلات. في حلب، تحدثت أرملة في الخمسين من عمرها تدعى أم محمد لمراسلين مستقلين عن فاتورة الكهرباء التي وصلتها: مليون ومائتا ألف ليرة سورية. تقول: "معاشي التقاعدي تسعمائة ألف ليرة. بماذا أدفع فاتورة الكهرباء؟ هل أتوقف عن شراء الخبز لكي تضيء منزلي؟"
في دمشق، موظف حكومي اسمه خالد تلقى فاتورة بمليونين وثلاثمائة ألف ليرة. يقول وهو يهتف في إحدى التظاهرات: "راتبي الشهري مليونان. يطلبون مني راتبي كله وزيادة. بماذا أعيش؟ بماذا أطعم أولادي؟"
مسح أجراه موقع عنب بلدي أظهر أن فواتير الكهرباء بعد الزيادة تتراوح بين ستمائة ألف ومليوني ليرة سورية للعائلات السورية، حتى تلك التي تعتمد على الأجهزة الأساسية فقط، أو التي تعتمد جزئياً على الألواح الشمسية، أو التي تغلق منازلها لفترات طويلة .
المفارقة أن هذه الفواتير الخيالية تأتي مقابل خدمة لا تتجاوز ست ساعات يومياً من التيار الكهربائي. أي أن المواطن يدفع ثمناً باهظاً لخدمة تكاد تكون معدومة.
استطلاع للرأي أجراه نفس الموقع أظهر أن 75% من المشاركين غير راضين عن أسعار الكهرباء الجديدة . هؤلاء الـ75% هم من لا يزالون قادرين على الوصول إلى الإنترنت والتعبير عن رأيهم. أما الملايين الذين لا يستطيعون، فغضبهم يشتعل في الشوارع.
في 29 و30 يناير 2026، شهدت دمشق تظاهرتين كبيرتين. الأولى أمام مبنى وزارة الكهرباء، والثانية انطلقت من "مشفى الأطفال" باتجاه "قصر الشعب" . قرأ المتظاهرون بياناً أكدوا فيه أن الكهرباء "ليست ترفاً ولا منحة، بل هي حق من حقوق الإنسان والحياة، توازي في الأهمية حق الغذاء والدواء".
مطالبهم واضحة ومعقولة: رفع شريحة الدعم من 300 إلى 600 كيلواط، وزيادة عدد شرائح أسعار الكهرباء لمنع القفزات الحادة في الفواتير، وربط الأسعار بمستوى الدخل في القطاعين العام والخاص .
لكن ماذا كان رد الحكومة؟ وزير الكهرباء صرح في مقابلة تلفزيونية أن المشكلة تكمن في اعتماد المواطنين سابقاً على كهرباء "شبه مجانية" في عهد النظام السابق، وأن الأسعار الجديدة "خطوة ضرورية" لإصلاح القطاع. كلمات لا معنى لها لمن يكافح يومياً من أجل البقاء.
3. الخبز والغاز: الجوع على الأبواب
إذا كانت فاتورة الكهرباء هي الصخرة الأولى التي تحطمت عليها أحلام السوريين، فإن الخبز والغاز هما الصخرتان الثانية والثالثة.
الخبز، ذلك الرمز الشعبي الذي كان مدعوماً بشكل كبير في عهد النظام السابق، أصبح اليوم بأضعاف ثمنه السابق. أبو سمير، أحد سكان دمشق، يقول إن سعر ربطة الخبز أصبح عشرة أضعاف ما كان عليه. "كنا نشتري ربطة الخبز بألف ليرة تكفي عائلة من أربعة أفراد لمدة أسبوع. اليوم، نفس المبلغ لا يكفي ليومين".
أسطوانات الغاز، التي تستخدم للتدفئة والطهي، تباع في السوق السوداء بأسعار خيالية تصل إلى نصف الراتب الشهري. كثير من العائلات اضطرت للعودة إلى استخدام الحطب والفحم، مما زاد من معاناتها الصحية والبيئية.
في إدلب، المنطقة التي حكمها تنظيم "تحرير الشام" بزعامة الجولاني لسنوات، ثم أصبحت تحت سيطرة الحكومة الجديدة، الوضع هو الأسوأ. تقارير منظمات غير حكومية تشير إلى أن 80% من العائلات غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من الغذاء. الأطفال يعودون إلى سوق العمل للمساعدة في إعالة أسرهم. حالات سوء التغذية في تزايد.
هذا هو بالضبط عكس ما وعد به الجولاني عندما وصل إلى السلطة. في مؤتمر "النصر" الذي عقده في 29 يناير 2025، تعهد بالمصالحة الوطنية، ووضع دستور شامل، وحماية الأقليات، ومكافحة الفساد، وتحقيق السلام الاجتماعي . لكن أين هذه الوعود بعد عام كامل؟ المصالحة الوطنية نسيت، وحل محلها اعتقالات عشوائية لرموز النظام السابق. الدستور ما زال في الأدراج. الأقليات تعيش في خوف. الفساد مستشرٍ أكثر من أي وقت مضى. والسلام الاجتماعي حل محله الاحتجاج على أسعار الكهرباء.
4. المواصلات والتعليم والصحة: خدمات تلاشت
إذا كانت أسعار الأساسيات تطحن السوريين، فإن الخدمات الأساسية الأخرى تكاد تكون معدومة تماماً.
المواصلات: الوضع كارثي كحال باقي القطاعات. وسائل النقل العامة تكاد تكون غير موجودة بسبب ارتفاع أسعار الوقود وندرة المركبات. من يملك سيارة خاصة لا يستطيع تحمل تكلفة البنزين. أسعار التاكسي ارتفعت إلى مستويات لا يستطيع تحملها إلا الأغنياء.
دكتور سمير، الذي يدرس اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق، يقول إنه يحتاج الآن نصف راتبه الشهري للتنقل من بيته إلى الجامعة. "بدأت أفكر في الاستقالة. إذا كان نصف راتبي يذهب للمواصلات فقط، فلماذا أذهب أصلاً؟ الأفضل أن أبقى في البيت وأنفق النصف الآخر على الطعام".
التعليم: المدارس الحكومية إما مغلقة أو تعمل بشكل جزئي بسبب إضراب المعلمين عن العمل احتجاجاً على رواتبهم الزهيدة. الكتب المدرسية نادرة، وفي كثير من الأحيان غير موجودة. في مناطق سيطرة المعارضة سابقاً، تم تغيير المناهج لتتوافق مع الفكر الإسلامي الجهادي، مما جعل الكثير من العائلات ترفض إرسال أطفالها إلى المدارس.
أما المدارس الخاصة، فقد تحولت إلى نوادٍ حصرية لا يستطيع دخولها إلا الأغنياء. الرسوم الدراسية بالدولار، بينما الليرة السورية تنهار يوماً بعد يوم.
الصحة: القطاع الطبي هو الأكثر مأساوية. سوريا التي كانت تمتلك أحد أفضل الأنظمة الصحية في العالم العربي، تشهد اليوم هجرة جماعية لأطبائها إلى الخارج. من بقي منهم يجد مستشفياته تفتقر إلى أبسط المستلزمات. مرضى السرطان يموتون بلا علاج كيميائي. مرضى السكري يفارقون الحياة بلا أنسولين. مرضى الكلى يحتضرون بلا غسيل كلوي.
يقول أحد الأطباء في مستشفى حكومي بدمشق لمراسل غربي: "نحن ندفن مرضانا أحياء. كل يوم نختار من يموت ومن يعيش، لأن الموارد لا تكفي الجميع".
هذا ليس مجرد إهمال، بل هو جريمة قتل بطيئة يرتكبها حكومة الجولاني ويدعمها رعاتها في تركيا وقطر، بصمت دولي مطبق.
5. الحكومة الصامتة والمواطن الغاضب
في مواجهة هذه الكارثة، كان رد الحكومة السورية الجديدة هو الصمت.
موقع عنب بلدي أكد أنه تواصل مراراً مع المكتب الإعلامي لوزارتي الكهرباء والإعلام للاستفسار عن شكاوى المواطنين، لكن الجواب كان دائماً هو الصمت. وزارة الكهرباء أصدرت تعليمات لجميع الجهات التابعة لها بعدم الإدلاء بأي تصريحات أو الرد على أي استفسارات .
عندما تفتح الحكومة فمها أخيراً، تقدم تفسيرات لا معنى لها. وزير الكهرباء قال إن المشكلة تكمن في اعتماد المواطنين على كهرباء "شبه مجانية". هذا يشبه أن نقول إن الضحية هو المخطئ، وليس القاتل. إنه إلقاء اللوم على الجياع، بدلاً من محاكمة من حرمهم الطعام.
المحامي باسل سعيد ماني، الذي كان أحد منظمي التظاهرة الثانية، وجه انتقادات حادة لشرعية الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء. قال إن القرار غير قانوني لأنه صدر في غياب السلطة التشريعية، التي هي المخولة دستورياً بإقرار مثل هذه الضرائب والرسوم . وشدد على أن الحكومة، بعد سيطرتها على حقول وآبار النفط والغاز في شمال شرق سوريا، لم يعد لديها أي عذر لادعاء نقص الموارد لتبرير رفع الأسعار .
منظمة "التجمع السوري الديمقراطي" أصدرت بياناً وصفت فيه رفع أسعار الكهرباء بأنه جزء من "سياسة نهب جديدة/قديمة" تهدف إلى نقل أزمة السيولة الحكومية إلى الشعب الفقير . ودعت المنظمة إلى الإلغاء الكامل للزيادة، واعتماد آليات تسعير عادلة وشفافة، والبدء الفوري بإصلاح حقيقي للقطاع .
لكن حتى الآن، كل هذه الأصوات تذهب أدراج الرياح. الحكومة تمضي في طريقها وكأن شيئاً لم يكن، وكأن غضب مواطنيها غير مهم.
6. فقراء جدد: الطبقة الوسطى تموت
ربما أكثر ما يدمي القلب ليس الفقر المطلق، بل الفقر النسبي. نقصد به الطبقة الوسطى، تلك التي كانت في سنوات الحرب عماد المجتمع السوري، والتي تجد نفسها اليوم تنزلق تحت خط الفقر.
خذوا مثال مها، معلمة لغة إنجليزية في إحدى مدارس دمشق العريقة منذ عشرين عاماً. في عهد النظام السابق، كان راتبها يكفي لتغطية نفقات أسرتها وتعليم أطفالها، بل وبعض الادخار لقضاء عطلة صيفية بسيطة. اليوم، راتبها لا يكفي إلا لدفع فاتورة الكهرباء.
تقول مها في مقابلة معها: "زوجي مدرس أيضاً. راتبينا معاً ثلاثة ملايين ليرة. فاتورة الكهرباء مليونان. المليون الباقي لا يكفي المواصلات، ولا الخبز، ولا الغاز. نعيش على مدخراتنا القديمة. عندما تنفد، نكون قد انتهينا".
أو أحمد، مهندس يعمل في القطاع الحكومي منذ خمس وعشرين سنة. راتبه مليون وثمانمائة ألف. فاتورته مليونان وثلاثمائة ألف. يقول: "يطلبون مني أكثر مما يعطونني. هذا مستحيل. هذا غير معقول".
أو فاطمة، أرملة وأم لأربعة أطفال. زوجها كان عسكرياً واستشهد في بداية الحرب. تعيش على معاشه التقاعدي، مليون ليرة شهرياً. فاتورة الكهرباء ثمانمائة ألف. تقول وهي تبكي: "بماذا أطعم أولادي؟ ماذا آكلهم؟"
هذه هي الوجوه الصامتة لفقراء سوريا الجدد. ليسوا لاجئين يعيشون على الإعانات، ولا نازحين في المخيمات. هم مدرسون ومهندسون وموظفون وأرامل. هم الطبقة الوسطى التي كانت يوماً ما فخر سوريا. واليوم، يتم دفنها أحياء.
7. من البطل إلى الجلاد: فشل الجولاني الذريع
هذا يقودنا إلى سؤال لا مفر منه: أين الرئيس أحمد الشرع (الجولاني) من كل هذا؟
الرجل الذي خرج من ظل إدلب وقاد عملية عسكرية أسقطت نظاماً عمره عقود، الرجل الذي وعد ببناء عهد جديد من العدالة والكرامة، الرجل الذي دخل دمشق "فاتحاً"، أين هو اليوم؟
الجولاني مشغول بجولاته الخارجية. زار تركيا وقطر ودولاً أخرى، ووقع اتفاقيات، والتقى مسؤولين . هو مشغول بتأمين الشرعية الدولية، وبتلميع صورته كزعيم "معتدل"، وبتحويل نفسه من جهادي إلى رجل دولة.
لكنه نسي، وهو يفعل كل هذا، أن شعبه يموت من الجوع.
حكومة الجولاني تضم 23 وزيراً، 22 منهم رجال وامرأة واحدة . تضم وزراء من هيئة تحرير الشام، ووزراء من المعارضة السورية السابقة، بل وحتى وزيرين سابقين في حكومات بشار الأسد . لكن اللافت أن أغلب هؤلاء الوزراء يحملون شهادات عليا من جامعات غربية مرموقة: ثلاثة من كندا، وخمسة من بريطانيا، وثلاثة من ألمانيا، وثلاثة من الولايات المتحدة، واثنان من فرنسا . وكأن هناك حرصاً على تقديم صورة "حديثة" و"معتدلة" للحكومة، لتمويه حقيقة أن رأسها لا يزال يحمل فكر القاعدة.
لكن في الشارع السوري، الناس لا يهتمون بالشهادات العليا ولا بالعلاقات الدولية. هم يهتمون بفاتورة الكهرباء، وبسعر الخبز، وبمستقبل أولادهم.
يهتف المتظاهرون: "أين الرئيس الشرع؟ نحن من أوصلناه إلى السلطة، أين هو الآن؟"
في تظاهرة أمام وزارة الكهرباء، رفع أحد الشبان لافتة كُتب عليها: "يا ثوار، أين الجنة التي وعدتمونا بها؟"
الجواب في جيبه. في فاتورة الكهرباء التي لا يستطيع دفعها. في رغيف الخبز الذي لا يستطيع شراءه. في مستقبل أطفاله الذي لا يراه.
8. الدور التركي: من محرر إلى محتل
لا يمكن لأي حديث عن معاناة السوريين أن يكتمل دون الحديث عن الدور التركي.
أنقرة التي قدّمت نفسها طوال السنوات الماضية كـ"صديقة" و"شقيقة" للشعب السوري، وادعت أنها تدعم "الثورة" لإسقاط "الطاغية"، هي اليوم قوة احتلال تحتل شمال سوريا.
منذ عام 2016، والجيش التركي يتوغل في الأراضي السورية. عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام" و"درع الربيع" كانت مجرد أسماء لعمليات احتلال منظم، استولت خلالها تركيا على آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي السورية .
في نهاية عام 2024، ومع انهيار النظام السوري، رأت تركيا فرصتها لتوسيع نطاق سيطرتها. في 30 نوفمبر 2024، أطلق "الجيش الوطني السوري" الموالي لأنقرة عملية "فجر الحرية"، بهدف توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة التركية، وإضعاف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية، ومنع قيام حكم ذاتي كردي في سوريا .
خلال هذه العملية، سيطرت القوات الموالية لتركيا على مدينتي تل رفعت ومنبج، وطردت منها القوات الكردية. وقد فر نحو 100,000 مدني، معظمهم من الأكراد، من المناطق التي سيطر عليها الجيش الوطني السوري، ما أدى إلى أزمة إنسانية حادة .
الأهداف التركية واضحة ومعلنة: إنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، لمنع أي وجود كردي قرب حدودها. لكن الحقيقة أكبر من ذلك. تركيا تريد أن تخلق واقعاً جديداً في شمال سوريا، أن تفرض هيمنتها على المنطقة، وأن يكون لها الكلمة العليا في مستقبل البلاد.
الرئيس أردوغان يهدد باستمرار بالتدخل العسكري لمنع أي تقسيم لسوريا. لكن التدخلات التركية نفسها هي التي تخلق التقسيم على الأرض. فمناطق سيطرة تركيا اليوم، التي تسمى "المناطق الآمنة"، هي عملياً كانتونات منفصلة، تدار من قبل فصائل موالية لأنقرة، وتخضع للقانون التركي، ويتحدث فيها الجنود الأتراك اللغة التركية.
المفارقة أن تركيا، التي تدعي دعمها للشعب السوري ومعارضتها للنظام السابق، هي نفسها التي تحتل اليوم الأراضي السورية، وتستغل مواردها، وتهجّر سكانها. والغريب أن المجتمع الدولي يصمت، وكأن احتلال تركيا لشمال سوريا أمر طبيعي.
في أزمة الكهرباء، مناطق الاحتلال التركي لم تكن أفضل حالاً. بل على العكس، الوضع أسوأ. الكهرباء تُقطع بشكل ممنهج كوسيلة للضغط على السكان المحليين. أسعار السلع مرتفعة بشكل جنوني لأن كل شيء يُشترى بالليرة التركية، وهي تنهار هي الأخرى.
9. أموال قطر ودماء السوريين
وإذا كانت تركيا هي الوجه العسكري لهذه المأساة، فإن قطر هي الوجه المالي.
منذ بداية الحرب السورية، ضخت قطر عشرات المليارات من الدولارات لدعم الفصائل الإسلامية وتشكيل مستقبل سوريا. أموال قطر موّلت الإعلام الذي كان يهلل لإسقاط النظام ويجمّل صورة الشباب المرسلين إلى سوريا. أموال قطر موّلت السلاح الذي قتل مئات الآلاف من السوريين. أموال قطر موّلت الفصائل السياسية التي شكلت لاحقاً الحكومة السورية الجديدة.
عندما وصل الجولاني إلى السلطة، كان من أوائل المهنئين له أمير قطر. العلاقات بين البلدين بقيت قوية كعهدها دائماً.
لكن أموال قطر لم تصل إلى الشعب السوري. لم تستخدم لبناء المستشفيات أو المدارس. لم تستخدم لإصلاح شبكة الكهرباء أو دعم الخبز. لم تستخدم لتعويض ضحايا الحرب أو مساعدة النازحين على العودة إلى ديارهم.
بدلاً من ذلك، أنفقت أموال قطر على القصور والفنادق الفاخرة والسفر الدولي. على تشكيل جيش "جديد" ما زال يحكمه أمراء الحرب الموالون لفصائلهم. على مؤتمرات في إسطنبول والدوحة يناقش فيها السوريون مستقبلهم، بينما الشعب السوري يموت جوعاً.
بيان "التجمع السوري الديمقراطي" قال إن هذه السياسات هي جزء من "سياسة نهب جديدة/قديمة". قال إنها تهدف إلى إفقار الأغلبية وإثراء أقلية من الناهبين . وقطر هي الراعي الأول لهؤلاء الناهبين.
10. ترامب والجولاني: عندما يضع الأميركيون الإرهابيين في القصور
في الفصول السابقة، تحدثنا عن تصريح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي قال فيه إنه "وضع الجولاني في القصر الجمهوري بنفسه". قد تكون العبارة مبالغاً فيها، لكنها تكشف حقيقة لا يمكن إنكارها: الجولاني لم يصل إلى السلطة عبر إرادة الشعب السوري، بل عبر دعم خارجي منظم.
الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في تشكيل المشهد السوري. من إدارة أوباما التي أعطت الضوء الأخضر للتدخل التركي والقطري، إلى إدارة ترامب التي صعدت الدعم العسكري، إلى إدارة بايدن التي استمرت في نفس النهج.
في نوفمبر 2025، وقعت سوريا على الانضمام إلى "التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية"، واستضاف البيت الأبيض الجولاني . وهكذا، أصبح رئيس القاعدة السابق يحارب داعش بالوكالة عن أمريكا. وكأن التاريخ يسخر منا.
الوجود العسكري الأميركي في سوريا كان ولا يزال عاملاً أساسياً في تشكيل الواقع على الأرض. حتى وقت قريب، كانت الولايات المتحدة تمتلك قواعد عسكرية متعددة في شمال شرق سوريا، أبرزها قواعد حقل العمر والكونيكو النفطيين في دير الزور، وقاعدة الشدادي في الحسكة .
لكن في فبراير 2026، بدأت القوات الأميركية الانسحاب التدريجي من سوريا. أولى الخطوات كانت إخلاء قاعدة التنف . ثم قاعدة الشدادي . وتشير التوقعات إلى أن الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا قد يكتمل في غضون شهر .
هذا الانسحاب، إذا تم، سيغير قواعد اللعبة في المنطقة. لكنه سيترك فراغاً ستملؤه حتماً قوى أخرى: تركيا، روسيا، إيران، وكلها تتنافس على النفوذ. والشعب السوري يبقى في وسط العاصفة، أعزل، لا حول له ولا قوة.
11. إسرائيل في الجولان: احتلال مستمر وانتهاكات يومية
في الجنوب الغربي، المشهد لا يقل قتامة. هضبة الجولان السورية، التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، تشهد اليوم تصعيداً خطيراً في الانتهاكات.
بعد سقوط النظام السوري، أعلنت إسرائيل إلغاء اتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، وبدأت في التوسع داخل الأراضي السورية .
في 26 فبراير 2026، توغلت قوة إسرائيلية بأكثر من 30 آلية عسكرية في محافظة القنيطرة، وصولاً إلى منطقة تل الأحمر الشرقي قرب قرية عين زيوان. القوة أطلقت قنابل مضيئة في سماء المنطقة، وأقامت حواجز تفتيش، واعتقلت رعاة أغنام، وصادرت مواشيهم .
هذه التوغلات الإسرائيلية تتكرر بشكل شبه يومي. الجيش الإسرائيلي يقصف مواقع عسكرية، ويدمر بنى تحتية، ويوسع مستوطناته في الجولان المحتل. وكل هذا يحدث تحت نظر الحكومة السورية الجديدة، التي لا تملك جيشاً قادراً على ردع هذه الانتهاكات.
الولايات المتحدة، التي تتوسط أحياناً بين الجانبين، لا تفعل شيئاً يذكر لوقف هذه الانتهاكات. بل على العكس، في يناير 2026، أعلنت عن تشكيل آلية اتصال بين سوريا وإسرائيل بإشراف أمريكي، بهدف تنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد . وكأن احتلال أرض الغير يمكن أن يكون موضوع "تنسيق" و"تبادل معلومات".
إسرائيل تستغل حالة الضعف السوري لتحقيق مكاسب على الأرض. هي تريد أن تخلق واقعاً جديداً في الجولان، أن تفرض سيطرتها على المنطقة، وأن تجعل من المستحيل على أي حكومة سورية مستقبلية استعادة هذه الأرض المغتصبة.
وهذا هو جوهر المأساة: سوريا التي كانت يوماً في طليعة دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، أصبحت اليوم غير قادرة على حماية شبر واحد من أرضها من اعتداءاته اليومية.
12. الدم التونسي في سوريا: شهداء مجهولون
في خضم هذه المأساة السورية الكبرى، هناك قصة لا تروى بما فيه الكفاية: قصة الشباب التونسي الذي سُفِّر إلى سوريا.
الرئيس التونسي قيس سعيد يتابع عن كثب ما يحدث في سوريا. هو الذي حذّر مراراً من أن "الإسلام السياسي هو الوجه الآخر للإمبريالية". هو الذي أكد أن من سهّلوا الصراع في سوريا هم أنفسهم من سهّلوا إراقة الدم التونسي.
في إحدى خطاباته، قال سعيد: "لن نسمح لأي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية. لن نسمح لأحد باستغلال شبابنا كوقود لتحقيق أجنداته الإقليمية والدولية. الدم التونسي خط أحمر".
تشير تقارير موثقة إلى أن ما بين 3000 و5500 تونسي غادروا البلاد للقتال في بؤر التوتر بين عامي 2011 و2016 . هذا العدد الضخم، نسبة إلى عدد سكان تونس الصغير، يعني أن تونس كانت المصدر الأول للمقاتلين الأجانب في صفوف التنظيمات الإرهابية.
من بين هؤلاء، عاد نحو 800 فقط . والباقون: إما قتلوا في المعارك، أو ما زالوا في السجون، أو فروا إلى جهات مجهولة.
شهادات العائدين من سوريا ترسم صورة مرعبة عما حدث. يتحدثون عن أكاذيب خُدعوا بها، عن وعود بالجنة فإذا هي جحيم، عن تنظيمات تستخدمهم كوقود في معارك لا يؤمنون بها. يتحدثون عن معاناة يومية، عن برد وجوع وخوف، عن موت زملائهم واحداً تلو الآخر.
أحد العائدين، في شهادة نادرة، قال: "كنا نعتقد أننا ذاهبون للجهاد في سبيل الله. اكتشفنا أننا مجرد أدوات في لعبة أكبر. كنا نقاتل لإسقاط النظام، ثم اكتشفنا أن من يقاتل معنا هم مرتزقة بأجور شهرية. كنا نعتقد أننا سنحرر سوريا، ثم اكتشفنا أن سوريا تتحرر منا".
هذه الشهادات يجب أن تُسمع. هي دليل إضافي على حجم الجريمة التي ارتكبت بحق شباب تونس. وهي أيضاً دليل على أن من سهّلوا هذه الجرائم يجب أن يحاسبوا.
محاكمة علي العريض في تونس، والحكم عليه بـ24 عاماً في 26 فبراير 2026، هي خطوة مهمة في هذا الطريق. لكنها ليست كافية. العدالة تنتظر الكثيرين، في تونس وخارجها.
13. قيس سعيد وسوريا: موقف مبدئي لا يتغير
في خضم هذه المأساة، يبقى الموقف التونسي ثابتاً. الرئيس قيس سعيد، بوعيه الوطني وإخلاصه، يرفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي في الشؤون العربية، ويدعم وحدة سوريا وسيادتها، ويؤكد على أن الشعب السوري هو وحده من يقرر مصيره.
في تصريحات رسمية، تكرر تونس باستمرار تأكيدها على "موقفها الثابت والمبدئي الداعم للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة" . تونس تشيد "بصمود الشعب الفلسطيني وبطولاته" وتترحم على "شهدائه الأبرار الذين يسقطون دفاعاً عن أرضهم ومقدساتهم" .
في فبراير 2026، أعربت تونس عن ارتياحها للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، وحذرت من "تكرار تنصل الكيان الصهيوني من التزاماته" . ودعت تونس المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته لضمان دوام وقف إطلاق النار، ورفع الحصار الشامل عن غزة، والسماح فوراً بدخول المساعدات الإنسانية إلى الشعب الفلسطيني .
هذا الموقف المبدئي من فلسطين ينسحب على سوريا. تونس تقف مع الشعب السوري، ضد كل أشكال الاحتلال والتدخل الخارجي. تونس ترفض التطبيع مع إسرائيل، وتدين الاعتداءات على الأراضي السورية.
الرئيس سعيد، في إحدى خطاباته، قال: "نحن مع الشعب السوري في محنته. سوريا كانت وستبقى عربية. لا يحق لأي قوة خارجية أن تقرر مصير السوريين. لا لأردوغان، ولا لآل ثاني، ولا للجولاني، ولا لأمريكا، ولا لإسرائيل".
هذا هو موقف تونس. موقف شرف وكرامة، في زمن التطبيع والخيانة.
14. خاتمة: سوريا تنتظر الخلاص
في ختام هذا الفصل، لا يسعنا إلا أن نقول: سوريا الجريحة لا تزال تنتظر الخلاص. هي تنتظر يوماً تعود فيه دولة موحدة ذات سيادة. تنتظر يوماً يعود فيه جيشها الوطني لحماية حدودها. تنتظر يوماً يرفع عنها الاحتلال الأجنبي. تنتظر يوماً ينعم فيه شعبها بالحرية والكرامة والعدالة.
لكن هذا الخلاص لن يأتي من الخارج. لن تأتي به أمريكا، ولا تركيا، ولا قطر، ولا أي قوة أخرى. هذا الخلاص يجب أن يصنعه السوريون بأنفسهم. هم وحدهم من يستطيع إعادة بناء وطنهم المحطم. هم وحدهم من يستطيع لملمة جراحهم. هم وحدهم من يستطيع صنع مستقبل أفضل لأطفالهم.
تونس، بقيادة رئيسها الوطني قيس سعيد، تقف مع سوريا في محنتها. تونس تعرف معنى الثورة ومعنى الانتكاسة. تونس تعرف معنى المقاومة ومعنى الصمود. وتونس مستعدة لمساعدة سوريا بكل ما تستطيع، متى تمكنت من ذلك.
في الفصل القادم، سنعود إلى تونس. سنرى كيف استطاع الرئيس قيس سعيد، بوعيه وإخلاصه، أن يعيد بناء الدولة، وأن يحاسب المفسدين، وأن يضع تونس على طريق التعافي. وسنرى أيضاً كيف أن المعركة لم تنته بعد، وكيف أن العدالة ما زالت تنتظر الكثيرين.
هوامش الفصل
[1] عنب بلدي: فاتورة تلتهم الدخل.. الكهرباء ترهق المجتمع وتختبر الدولة، 5 فبراير 2026 .
[2] التجمع السوري الديمقراطي: بيان حول رفع أسعار الكهرباء، 6 فبراير 2026 .
[3] عنب بلدي: احتجاجات على رفع أسعار الكهرباء: مطالب ورفض، 30 يناير 2026 .
[4] القدس العربي: الحكم بسجن رئيس حكومة تونس الأسبق 24 عاماً في قضية "التسفير"، 27 فبراير 2026 .
[5] الصباح التونسية: صدور أحكام قضية التسفير.. وهذه تفاصيلها،
…….
الفصل الثامن
الرئيس قيس سعيد ومعركة استعادة الدولة: العدالة كخيار وطني
في مدح الرجال الذين يصنعون التاريخ
1. مقدمة: الرجل الذي قال لا
في تاريخ الأمم، هناك لحظات فارقة لا تشبه سواها. لحظات يتوقف فيها الزمن، وتتجلى فيها إرادة الشعوب في صورة رجل واحد. في تونس، كانت تلك اللحظة في الخامس والعشرين من يوليو عام 2021، عندما خرج الرئيس قيس سعيد على التونسيين ليعلن بداية مسار جديد. لم يكن مجرد إجراء سياسي عادي، بل كان إعلان ثورة مضادة للثورة المضادة، كان استعادة للدولة من قبضة جماعة استغلت دماء الشهداء لتحقيق مشروعها الإخواني.
منذ ذلك التاريخ، والرجل يمشي في طريقه بثبات من لا يملك شيئاً يخاف عليه سوى وطنه. يواجه مؤامرات الداخل والخارج، ويتصدى لحملات إعلامية شرسة تمولها قنوات "محمية العيديد" وأبواق الإخوان في تركيا وقطر. لكنه لم يتراجع. هو يعلم أن الطريق صعب، وأن المعركة طويلة، لكنه يعلم أيضاً أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
في هذا الفصل، سنحاول أن نرسم صورة متكاملة لهذا الرجل الذي أعاد إلى التونسيين الثقة في دولتهم. سنتتبع مسيرته، ونحلل رؤيته، ونوثق إنجازاته في معركة العدالة والمحاسبة. سنرى كيف استطاع، بوعيه وإخلاصه، أن يفكك منظومة الفساد والإرهاب التي بنتها حركة النهضة على مدى عقد كامل. وسنؤكد، بالأدلة والشهادات، أن ما يجري في تونس اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل هو معركة وجودية بين مشروعين: مشروع الدولة الوطنية المستقلة، ومشروع الجماعة التابعة لأجندات خارجية.
هذا الفصل هو تأريخ لمرحلة مفصليّة في تاريخ تونس. وهو أيضاً تكريم لرجل اختار أن يكون في صف شعبه، حتى لو كان الثمن غالياً.
2. من هو قيس سعيد؟ سيرة وطن
قبل أن يكون رئيساً، كان قيس سعيد أستاذاً للقانون الدستوري. قبل أن يصبح رمزاً وطنياً، كان ناشطاً نقابياً مدافعاً عن حقوق الطلبة والأساتذة. سيرته الذاتية هي سيرة رجل عاش للعلم وللوطن، بعيداً عن صخب السياسة وزيف الأحزاب.
ولد سعيد في 22 فبراير 1958 في تونس العاصمة، لعائلة محافظة من منطقة باجة شمال غرب البلاد . درس الحقوق في جامعة تونس، ثم سافر إلى فرنسا حيث حصل على شهادة في القانون الدولي من الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري. عاد بعدها إلى تونس ليصبح أستاذاً للقانون الدستوري في كلية الحقوق بتونس، حيث أمضى عقوداً يدرّس الأجيال مبادئ القانون والدستور.
لم يكن سعيد مجرد أكاديمي عادي. كان باحثاً مرموقاً، وخبيراً دستورياً مرموقاً، شارك في صياغة عدة دساتير عربية. كان معروفاً بمواقفه الوطنية ودفاعه عن سيادة القانون، وكان بعيداً عن الأضواء، يفضل العمل الصامت على الشهرة الزائفة.
في انتخابات 2019 الرئاسية، فاجأ سعيد الجميع بترشحه. لم يكن يملك آلة إعلامية، ولا تمويلاً ضخماً، ولا تحالفات حزبية. كان يملك فقط شعاراً بسيطاً: "الشعب يريد" . وفي مفاجأة مدوية، فاز في الانتخابات بنسبة 72% من الأصوات، متفوقاً على منافسه نبيل القروي.
خلال الحملة الانتخابية، ظهر سعيد بمظهر الرجل الوطني النزيه. رفض التمويل المشبوه، ورفض التحالفات مع الأحزاب الفاسدة، ورفض أي تدخل خارجي في الشؤون التونسية. الأهم من ذلك، كان موقفه من القضية الفلسطينية حاسماً. في مناظرة تلفزيونية حاسمة، سئل عن التطبيع مع إسرائيل، فأجاب بعبارته الشهيرة: "التطبيع خيانة" . هذه العبارة وحدها كفت لتدفع به إلى قلوب الملايين من التونسيين والعرب، وجعلت البعض يصفه بأنه "مرشح فلسطين لرئاسة تونس" .
هذا الموقف المبدئي من فلسطين لم يكن مجرد شعار انتخابي. كان تعبيراً عن قناعة راسخة بأن فلسطين ليست قضية عادية، بل هي قضية العرب والمسلمين الأولى. وسيبقى هذا الموقف حجر الزاوية في سياسة سعيد الخارجية طوال فترة رئاسته.
3. الرؤية: مشروع استعادة الدولة
منذ لحظة وصوله إلى السلطة، كان واضحاً أن قيس سعيد يحمل مشروعاً مختلفاً. لم يأتِ ليحكم مثل غيره من الرؤساء، بل جاء ليغير قواعد اللعبة بأكملها. مشروعه كان واضحاً: استعادة الدولة من قبضة الجماعة والفساد.
في خطاباته الأولى، كان سعيد يركز على فكرة أساسية: الدولة التونسية تعرضت للنهب والاختراق من قبل شبكات الفساد والإرهاب. هذه الشبكات، التي كانت حركة النهضة على رأسها، استغلت مؤسسات الدولة لتحقيق مكاسبها الخاصة، وحولتها إلى أدوات في خدمة أجندات خارجية. مهمته، كما يراها، هي تحرير الدولة من هذه القبضة، وإعادتها إلى مسارها الطبيعي.
هذه الرؤية تقوم على عدة مبادئ أساسية:
أولاً: السيادة الوطنية. سعيد يرفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي في الشؤون التونسية. في إحدى خطاباته المأثورة، قال مخاطباً أردوغان: "لسنا ولاية عثمانية ولا ننتظر فرماناً" . هذه العبارة لخصت موقفه من أي قوة إقليمية تحاول التأثير على القرار التونسي.
ثانياً: سيادة القانون. سعيد يؤمن بأن الدولة لا تقوم إلا على أساس القانون. ولذلك، فإن معركته ضد الفساد ليست مجرد حملة إعلامية، بل هي تطبيق صارم للقانون على الجميع، دون استثناء.
ثالثاً: العدالة الاجتماعية. سعيد يرى أن الثورة التونسية قامت أساساً ضد الفساد والظلم الاجتماعي. ولذلك، فإن بناء دولة العدالة يتطلب إعادة توزيع الثروة، ومحاسبة من نهبوا أموال الشعب.
رابعاً: العمق العربي والإفريقي. سعيد يؤكد باستمرار على انتماء تونس العربي والإفريقي. يرفض التطبيع مع إسرائيل، ويدعم القضية الفلسطينية، ويؤكد على علاقات الأخوة مع الدول العربية الشقيقة.
هذه الرؤية هي التي قادت سعيد في مسار 25 يوليو 2021. وهي التي توجت بإصدار دستور جديد في 2022، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، وفتح ملفات الفساد والإرهاب المغلقة.
4. 25 يوليو 2021: تصحيح المسار
في الخامس والعشرين من يوليو 2021، خرج التونسيون في مظاهرات حاشدة تطالب بإسقاط حكومة هشام المشيشي وحل البرلمان. كانت البلاد تعاني من انسداد سياسي حاد، وتدهور اقتصادي خطير، وفوضى أمنية متصاعدة. والأهم من ذلك، كانت حركة النهضة وحلفاؤها يعرقلون أي إصلاح حقيقي، ويمارسون الابتزاز السياسي لحماية مكاسبهم.
في ذلك اليوم المصيري، أعلن الرئيس قيس سعيد قراراته التاريخية: تجميد اختصاصات البرلمان، رفع الحصانة عن النواب، وإقالة رئيس الحكومة. أعلن أنه سيتولى السلطة بنفسه، بمساعدة حكومة جديدة، لإنقاذ البلاد من الانهيار.
ردود الفعل كانت متباينة. المؤيدون اعتبروا القرارات تصحيحاً لمسار الثورة وإنقاذاً للدولة من الانهيار. المعارضون، وفي مقدمتهم حركة النهضة وجبهة الخلاص، وصفوها بـ"الانقلاب على الدستور" و"الاستبداد الجديد".
لكن سعيد مضى في طريقه. في خطاب متلفز، قال: "أنا لا أسعى للسلطة، أنا أسعى لإنقاذ تونس". وأضاف: "الشعب هو مصدر السلطات، وإرادة الشعب فوق كل شيء".
منذ ذلك التاريخ، وسعيد يمضي في تطبيق رؤيته خطوة بخطوة. في سبتمبر 2021، عين نجلاء بودن رئيسة للحكومة، لتكون أول امرأة في تونس والعالم العربي تتولى هذا المنصب. في 2022، أصدر دستوراً جديداً بعد استفتاء شعبي، وأجرى انتخابات برلمانية جديدة. وفي 2024، أعيد انتخابه لولاية رئاسية جديدة.
لكن الأهم من كل ذلك هو معركته ضد الفساد والإرهاب. معركة محاكمة من نهبوا أموال الشعب، ومن سهّلوا تسفير الشباب إلى سوريا، ومن اغتالوا المعارضين السياسيين. هذه المعركة هي التي سنركز عليها في بقية هذا الفصل.
5. فتح ملفات الفساد والإرهاب
عندما تولى قيس سعيد السلطة، كانت ملفات الفساد والإرهاب مغلقة منذ سنوات. التحقيقات في اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي كانت متوقفة. ملفات التسفير إلى سوريا كانت في الأدراج. وقضايا الفساد المالي الكبرى كانت طي النسيان.
لكن سعيد قرر فتحها كلها. في خطاب له، قال: "لا يمكن بناء دولة القانون دون محاسبة المجرمين. لا يمكن تحقيق العدالة دون فتح كل الملفات. لا يمكن المصالحة مع الوطن دون محاكمة من خانوه".
بدأت التحقيقات تعمل من جديد. القضاة الذين كانوا معطلين عادوا إلى مكاتبهم. الشهود الذين كانوا خائفين تقدموا بشهاداتهم. والأدلة التي كانت مختفية ظهرت من جديد.
في سبتمبر 2022، أعلنت النيابة العامة بدء التحقيق في ملف التسفير إلى بؤر التوتر. شملت التحقيقات أكثر من 800 مشتبه به، من بينهم قيادات أمنية وسياسية بارزة . في ديسمبر من نفس العام، صدرت بطاقات إيداع بالسجن في حق علي العريض وعدد من المتهمين الآخرين .
في مايو 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية حكماً ابتدائياً بسجن علي العريض 34 عاماً . وفي 26 فبراير 2026، خففت محكمة الاستئناف الحكم إلى 24 عاماً . الأحكام شملت أيضاً فتحي البلدي (22 عاماً)، وعبد الكريم العبيدي (22 عاماً)، ونور الدين قندوز (28 عاماً)، ولطفي الهمامي (24 عاماً)، وهشام السعدي (24 عاماً)، وآخرين .
هذه الأحكام لم تكن مجرد إجراءات قضائية عادية. كانت رسالة إلى كل من تورط في هذه الجرائم: مهما طال الزمن، ستحاسبون. ومهما علت مناصبكم، سينال القانون منكم.
6. قضية التسفير: العدالة أخيراً
لعل قضية التسفير هي أكثر الملفات التي تعكس التزام الرئيس سعيد بمحاسبة المسؤولين عن إراقة الدم التونسي. هذه القضية، التي ظلت سنوات في الأدراج، أصبحت اليوم نموذجاً للعدالة المستقلة.
التفاصيل، كما وردت في التحقيقات، ترسم صورة مرعبة لشبكات منظمة عملت على تسفير الشباب التونسي إلى سوريا والعراق. هذه الشبكات لم تكن مجرد مجموعات فردية، بل كانت تنظيمات محكمة، تمتد من وزارة الداخلية إلى التنظيمات الجهادية في سوريا.
كشفت التحقيقات عن تورط جمعيات خيرية، مثل جمعية "مرحمة للأعمال الخيرية"، في تمويل عمليات التسفير. هذه الجمعية كانت تتلقى تمويلات أجنبية، وكانت تملك علاقات مباشرة مع وكالات أسفار متورطة في نقل الشباب إلى تركيا ثم إلى سوريا .
كشفت أيضاً عن دور محوري لجامع ديبوزفيل في العاصمة. كان هذا الجامع بمثابة مركز قيادة عمليات لتجنيد الشباب وإرسالهم إلى سوريا. كانت تُلقى فيه محاضرات دينية متطرفة تحرض على الجهاد في سوريا، وتُوزع فيه مساعدات مالية لتشجيع السفر .
وكشفت عن تحويلات مالية منتظمة، وتورط شركات طيران في تسهيل رحلات الشباب . هذه الشركات لم تعمل بمعزل، بل كانت تتلقى تعليمات واضحة من جهات عليا، وتمتلك ضمانات قانونية وأمنية لمتابعة عملياتها.
والأكثر إدانة هو ما كشفته التحقيقات عن توجيهات أمنية ضمنية كانت تعمل على تسهيل خروج الشباب من البلاد بدلاً من توقيفهم. كان يتم السماح لهم بالحصول على جوازات سفر جديدة بسرعة غير عادية .
كل هذه الأدلة قادت القضاء التونسي إلى إدانة المتهمين. والأهم من ذلك، أنها كشفت عن الدور المركزي لحركة النهضة وحلفائها في هذه الجريمة الوطنية الكبرى.
7. البعد الإقليمي: قطر وتركيا في قفص الاتهام
لا يمكن فهم قضية التسفير بمعزل عن بعدها الإقليمي. فما حدث في تونس لم يكن مجرد جريمة محلية، بل كان جزءاً من مشروع إقليمي أكبر، تزعمته قطر وتركيا، بهدف إعادة تشكيل المنطقة لصالح أجنداتها.
التحقيقات التونسية كشفت عن وجود علاقات معروفة بين قيادات النهضة والأوساط القطرية والتركية . هذه العلاقات لم تكن مجرد علاقات دبلوماسية عادية، بل كانت علاقات تمويل ودعم وتنسيق في أعلى المستويات.
قطر، كما هو معروف، كانت الممول الأكبر لحركات الإسلام السياسي في المنطقة. استثمرت مليارات الدولارات في دعم الإخوان في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا. مولت قنوات إعلامية مثل الجزيرة التي روّجت لهذه الجماعات وجمّلت صورتها. ودعمت التنظيمات المسلحة في سوريا بالمال والسلاح.
تركيا، من جانبها، كانت الحاضن الإقليمي لهذه الجماعات. فتحت حدودها أمام آلاف المقاتلين المتجهين إلى سوريا. استضافت قيادات الإخوان الهاربة من مصر وتونس. وقدمت دعماً لوجستياً وعسكرياً للفصائل المسلحة في الشمال السوري.
الرئيس قيس سعيد، في خطاباته المتكررة، كان يحذر من هذا المشروع. كان يقول إن "الإسلام السياسي هو الوجه الآخر للإمبريالية". وكان يؤكد أن "الجماعات التي تدعي الجهاد هي في الحقيقة أدوات في يد قوى كبرى تريد تدمير المنطقة".
واليوم، تتجلى صحة رؤيته. الجولاني في القصر الرئاسي بدمشق هو أكبر دليل على أن هذه الجماعات لم تكن يوماً سوى أدوات. سوريا المحطمة، والمقسمة، والمحتلة، هي النتيجة الطبيعية لهذا المشروع.
8. الموقف من فلسطين: ثابت وطني لا يتزعزع
في خضم هذه المعارك الداخلية، لم ينس الرئيس قيس سعيد القضية الأم: فلسطين. موقفه منها كان واضحاً وحاسماً منذ البداية، وبقي ثابتاً لا يتغير.
في أكثر من مناسبة، أكد سعيد أن "التطبيع مع إسرائيل خيانة عظمى" . شدد على أن "مشكلة العرب ليست مع اليهود، بل مع كيان محتل وغاصب" . تعهد بعدم السماح لحاملي جوازات السفر الإسرائيلية بدخول تونس .
خلال الحرب الإسرائيلية على غزة في 2023-2024، كان موقف سعيد في طليعة المواقف العربية الداعمة لفلسطين. امتنعت تونس عن التصويت على قرارات عربية في الأمم المتحدة اعتبرتها لا ترقى إلى مستوى المطلوب، لأنها تساوي بين الجلاد والضحية .
هذا الموقف المبدئي لم يكن سهلاً. تونس تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وتحتاج إلى دعم غربي وخليجي. لكن سعيد اختار المبدأ على المصالح. اختار فلسطين على الصفقات. اختار الكرامة على المساعدات.
بعض المنتقدين يقولون إن موقف سعيد من فلسطين هو مجرد "شعارات" و"خطابيات" دون أفعال ملموسة. لكن الحقيقة أن قوة تونس تكمن في رمزيتها وفي موقفها الأخلاقي. تونس لا تملك جيوشاً ولا أسلحة نووية، لكنها تملك موقفاً يشرف الأمة العربية، ويلهم الشعوب في كل مكان.
والأهم من ذلك، أن سعيد يربط بين القضية الفلسطينية وما يحدث في تونس. هو يرى في معركته ضد الإخوان معركة ضد نفس القوى التي تدعم إسرائيل. يرى في محاربة الفساد والإرهاب في تونس جزءاً من مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة. وهذا هو العمق الحقيقي لرؤيته.
9. النقد والرد: موضوعية أم استهداف؟
مثل أي زعيم وطني يتخذ مواقف حاسمة، لم يسلم قيس سعيد من النقد. بعض الأصوات المعارضة، الموالية للإخوان، تنتقده باستمرار. لكن دعونا ننظر في هذه الانتقادات بموضوعية:
الانتقاد الأول: أن سعيد "انقلب على الدستور" و"قوض الديمقراطية" .
الرد: الحقيقة أن سعيد تدخل في لحظة تاريخية كانت البلاد فيها على حافة الانهيار. البرلمان كان مشلولاً، والحكومة عاجزة، والأحزاب تتقاتل على المغانم. ما فعله سعيد كان تصحيحاً لمسار الثورة، وليس انقلاباً عليها. هو أعاد السلطة إلى الشعب، عبر استفتاء على دستور جديد، وانتخابات نزيهة. الديمقراطية الحقيقية ليست في صناديق الاقتراع فقط، بل في قدرة الدولة على خدمة مواطنيها.
الانتقاد الثاني: أن سعيد "يصفّي حسابات سياسية" مع خصومه، وأن المحاكمات "مسيّسة" .
الرد: هذا الادعاء ينهار أمام الحقائق. المحاكمات التي تجري اليوم في تونس تستند إلى أدلة دامغة، وتحقيقات دقيقة، وشهادات موثقة. المتهمون مثلوا أمام القضاء بحضور هيئات دفاعهم، وقدموا مرافعاتهم، واستأنفوا الأحكام. ليس هناك أي تدخل من الرئيس في سير العدالة. ما يحدث هو أن القانون يطبق على الجميع، بعد أن كان بعضهم فوق القانون.
الانتقاد الثالث: أن سعيد "فشل في تحقيق أي إنجاز اقتصادي"، وأن الأوضاع المعيشية تدهورت في عهده .
الرد: صحيح أن الأوضاع الاقتصادية صعبة، لكن هذه الصعوبات تراكمت على مدى سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة. سعيد ورث اقتصاداً منهكاً، وديوناً متراكمة، ومؤسسات محطمة. إصلاح هذا كله يحتاج إلى وقت. الأهم أن سعيد بدأ بمحاربة الفساد، وهي الخطوة الأولى والأهم نحو بناء اقتصاد سليم. من دون محاسبة الفاسدين، لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح.
الانتقاد الرابع: أن موقف سعيد من سوريا "غامض" و"متردد" .
الرد: الموقف التونسي من سوريا واضح وثابت. تونس تدعم وحدة سوريا وسيادتها، وترفض التدخل الأجنبي في شؤونها، وتدين الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية . التريث في الاعتراف بالإدارة الجديدة ليس تردداً، بل هو حكمة وانتظار لاتضاح المشهد. تونس لن تعترف بحكومة لم تنتخبها الشعب السوري، ولن تطبع مع جماعات كانت بالأمس على قوائم الإرهاب.
10. رؤية للمستقبل: تونس الجديدة
ما هي تونس التي يحلم بها قيس سعيد؟ هي تونس الدولة، وليست تونس الجماعة. هي تونس السيادة، وليست تونس التبعية. هي تونس العدالة، وليست تونس الفساد.
في رؤيته للمستقبل، يركز سعيد على عدة أولويات:
أولاً: بناء دولة القانون. حيث الجميع سواسية أمام القانون، وحيث لا أحد فوق المحاسبة. هذه الدولة تحتاج إلى قضاء مستقل، وإدارة نزيهة، ومؤسسات قوية.
ثانياً: محاربة الفساد. استرداد الأموال المنهوبة، ومحاكمة الفاسدين، وتجفيف منابع الفساد في الإدارة والمؤسسات العامة.
ثالثاً: العدالة الاجتماعية. إعادة توزيع الثروة، ودعم الفئات الفقيرة والمهمشة، وتوفير فرص العمل للشباب.
رابعاً: السيادة الوطنية. رفض التدخلات الخارجية، وبناء علاقات دولية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
خامساً: العمق العربي والإفريقي. تعزيز العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، ودعم القضية الفلسطينية، والانفتاح على العمق الإفريقي.
هذه الرؤية ليست مجرد أحلام. هي تترجم يومياً على الأرض، عبر سياسات وإجراءات وقرارات. التحقيقات في ملفات الفساد مستمرة. المحاكمات تجري. الإصلاحات تبدأ.
الطريق ما زال طويلاً، والصعوبات كثيرة. لكن سعيد يؤمن بأن "تونس ستنتصر"، لأنها مع الحق، ولأن شعبها يستحق الأفضل.
11. تونس وإخوان سوريا: موقف لا لبس فيه
في ختام هذا الفصل، لا بد من العودة إلى سوريا. إلى الجولاني الذي جلس في القصر الرئاسي بدمشق بفضل دعم تركي-قطري-أمريكي. إلى الإخوان الذين حكموا سوريا اليوم، وهم أنفسهم من حكموا تونس بالأمس. إلى الدماء التي سالت في سوريا، وهي نفس الدماء التي كادت تسيل في تونس.
موقف الرئيس قيس سعيد من إخوان سوريا واضح لا لبس فيه. هو يرفضهم كما رفض إخوان تونس. هو يعتبرهم جزءاً من نفس المشروع: مشروع الإسلام السياسي التابع، الذي يخدم أجندات خارجية، ويتاجر بالدين، ويستغل الشباب وقوداً لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
تونس، تحت قيادة سعيد، لن تطبع مع إخوان سوريا. لن تعترف بشرعية حكومة لم ينتخبها الشعب السوري. لن تمد يدها لمن تلوثت أياديهم بدماء السوريين.
لكن تونس ستبقى مع الشعب السوري. مع أطفاله الذين يعانون الجوع والبرد. مع نسائه اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن. مع رجاله الذين شردوا في مخيمات اللجوء. مع كل سوري يحلم بوطن موحد، حر، كريم.
هذا هو موقف تونس. وهذا هو موقف رئيسها الوطني النزيه، الذي لم يبع ضميره، ولم يتاجر بمبادئه، وظل صامداً في وجه العواصف.
12. خاتمة: الرجال يصنعون التاريخ
في الختام، لا يسعنا إلا أن نقول: الرجال يصنعون التاريخ. وقيس سعيد هو أحد هؤلاء الرجال الذين يتركون بصماتهم على جبين الزمن. هو الرجل الذي قال "لا" في زمن الانبطاح. هو الذي وقف في وجه العاصفة حين سقط الآخرون. هو الذي آمن بأن تونس تستحق الأفضل، فعمل من أجله.
ما حققه سعيد حتى الآن ليس إنجازاً شخصياً، بل هو إنجاز وطني بامتياز. هو ثمرة نضال شعب كامل، وتضحيات آلاف الشهداء، وصبر ملايين التونسيين. لكنه كان القبطان الذي قاد السفينة في البحر الهائج. كان القائد الذي ألهم الجماهير. كان الرمز الذي احتشد حوله الوطنيون.
العدالة التي تتحقق اليوم في تونس، بمحاكمة علي العريض ورفاقه، هي بداية الطريق، وليس نهايته. ما زال هناك الكثير من المجرمين طلقاء. ما زالت هناك أموال منهوبة في الخارج. ما زال هناك فساد يجب اجتثاثه. لكن البداية الصحيحة وحدها كفيلة ببعث الأمل في النفوس.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف سيكتب التاريخ هذه المرحلة؟ سيكتبها بالتأكيد كما يستحق أبطالها. سيكتب أن تونس، في بداية القرن الحادي والعشرين، أنجبت رجلاً استطاع أن يعيد إليها روحها، وأن ينقذها من براثن الجماعة، وأن يضعها على طريق الدولة الحديثة.
هذا الرجل هو قيس سعيد. الرئيس الوطني النزيه. حارس الدم التونسي. نصير القضية الفلسطينية. صديق الشعب السوري. ورمز الأمل في زمن اليأس.
هوامش الفصل
[1] وكالة القدس للأنباء: قيس سعيد.. بسبب تصريحاته تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل اعتبره البعض "مرشح فلسطين لرئاسة تونس" .
[2] الجزيرة نت: مقال في لوبس: بسعيه لمكافحة الفساد المستشري بتونس عبر الاستبداد.. قيس سعيد واهم .
[3] الجزيرة نت: هكذا يفكر قيس سعيّد .
[4] الجزيرة نت: ماذا بين الرئيس التونسي قيس سعيّد والقضية الفلسطينية؟ .
[5] العربي الجديد: تونس: حذر دبلوماسي و"لا موقف" من الإدارة الجديدة في سورية .
[6] الصباح التونسية: صدور أحكام قضية التسفير.. وهذه تفاصيلها .
[7] صفحة الجزيرة تونس على فيسبوك: الأحكام الابتدائية تراوحت بين 18 و36 عامًا.. محكمة الاستئناف بتونس تقضي بالسجن لمدد تتراوح بين 3 و24 عامًا بحق المتهمين في قضية "التسفير" .
[8] صفحة خاصة بمتابعة قضية التسفير على فيسبوك: تفاصيل جديدة عن ملف التسفير وأدلة إضافية .
[9] سكاي نيوز عربية: تونس.. 100 شخصية أمام التحقيق بسبب "تسفير الشباب لبؤر إرهاب" .
….
يتبع في الفصل التاسع: مافيات الإسلام السياسي: شبكة دولية عابرة للحدود
…….
الفصل التاسع
مافيات الإسلام السياسي: شبكة دولية عابرة للحدود
في تفكيك المشروع الإخواني من تونس إلى سوريا
1. مقدمة: العصابة التي حكمت العرب
في تاريخ الشعوب، هناك لحظات تنكشف فيها الحقائق، وتسقط الأقنعة، ويرى الناس بوضوح من هم أعداؤهم الحقيقيون. بالنسبة للعرب، كانت العقود الثلاثة الأخيرة كافية ليكتشفوا أن أخطر أعدائهم ليسوا في الخارج وحدهم، بل هناك عدو في الداخل، يلبس جلد الدعوة ويتكلم لغة الدين، لكنه في الحقيقة يعمل لصالح مشروع خارجي لا علاقة له بمصالح الأمة.
هذا العدو هو "مافيات الإسلام السياسي". شبكات دولية عابرة للحدود، تمتد من الدوحة إلى أنقرة، ومن إسطنبول إلى لندن، ومن تونس إلى سوريا. شبكات تمتلك المال والإعلام والسلاح، وتتحرك بتنسيق كامل، وتخدم أجندات لا علاقة لها بالإسلام ولا بالمسلمين.
في هذا الفصل، سنحاول تفكيك هذه الشبكة الدولية. سنتتبع خيوطها المالية، ووسائلها الإعلامية، وعلاقاتها الإقليمية والدولية. سنرى كيف تنسق قطر وتركيا لدعم الإخوان في كل مكان. وكيف أن ما يحدث في تونس من محاكمة لعلي العريض ورفاقه هو جزء من معركة أكبر ضد هذه المافيا الدولية. وسنؤكد، بالوثائق والتحليلات، أن العدالة التي تتحقق اليوم في تونس هي نموذج يجب أن تحتذي به كل الدول العربية التي عانت من ويلات هذا المشروع.
2. قطر: القلب المالي للمافيا
عند الحديث عن تمويل الإسلام السياسي، يأتي اسم قطر في المقدمة. هذه المحمية الخليجية الصغيرة، التي تمتلك ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم، استثمرت مليارات الدولارات على مدى العقود الثلاثة الماضية في دعم جماعات الإسلام السياسي في كل مكان.
منذ تسعينيات القرن الماضي، وقناة الجزيرة تفتح أبوابها لقيادات الإخوان في كل البلدان العربية. كانت منصة لترويج خطابهم، وتجميل صورتهم، وهجومهم على خصومهم. في الوقت نفسه، كانت الدوحة تستضيف قيادات الإخوان الهاربة من بلدانهم، وتمنحهم جوازات سفر دبلوماسية، وتمول أنشطتهم.
وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم، في تصريح نادر، كشف أن ما أنفقته قطر ودول الخليج الأخرى لدعم "الثورات العربية" بلغ تريليوني دولار . هذا الرقم الخيالي يفسر الكثير. يفسر كيف استطاعت جماعات كانت تعمل تحت الأرض أن تصل إلى السلطة في عدة بلدان عربية. يفسر كيف امتلكت قنوات فضائية وإعلامية تبث على مدار الساعة. يفسر كيف تمكنت من اختراق مؤسسات الدولة في تونس ومصر وليبيا وسوريا.
لكن قطر كانت دائماً تنفي هذه الاتهامات. في يونيو 2017، قال وزير الخارجية القطري آنذاك الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: "بالنسبة للإخوان المسلمين وحماس، مسألة دعم قطر للإخوان سئمنا من طرحها، الإخوان إذا كانوا في السلطة في مصر ونحن دعمنا الدولة المصرية كما دعمنا تونس التي وصل الإخوان فيها إلى السلطة، قطر معنية بالتعامل مع الدولة والحكومة وليس فقط جماعة" .
هذا التصريح يكشف التناقض في الموقف القطري. هم يقولون إنهم يتعاملون مع الدول وليس مع الجماعات، لكنهم في الحقيقة يدعمون الجماعات لتصل إلى السلطة، ثم يتعاملون معها كدول. إنها لعبة ذكية، لكنها مكشوفة.
في يوليو 2017، وقعت قطر اتفاقية مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب، في محاولة لتحسين صورتها بعد اتهامات دول الحصار لها بدعم الإرهاب . لكن هذه الاتفاقية لم توقف الدعم القطري للإخوان، بل أعطته غطاءً أمريكياً.
وفي نوفمبر 2025، شاركت قطر في اجتماع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مينافاتف) في البحرين، وتلقت تكريماً من المجموعة لجهودها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب . هذا التكريم، في نظر الكثيرين، هو استهانة بعقول العرب، فكيف تكافح قطر تمويل الإرهاب وهي الممول الأول له في المنطقة؟
3. تركيا: الحاضن الإقليمي والإستراتيجي
إذا كانت قطر هي القلب المالي للمافيا، فإن تركيا هي الحاضن الإقليمي والإستراتيجي. منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002، وتركيا تنتهج سياسة دعم الإخوان في كل مكان.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان واضحاً في موقفه. في يونيو 2017، في ذروة الأزمة الخليجية، تعهد بدعم قطر ورفض الاتهامات لها بتمويل الإرهاب، قائلاً: "لم أشهد أبداً قيام قطر بدعم الإرهاب" . وقال عن الجمعيات الخيرية القطرية المتهمة بتمويل الإرهاب: "ثمة جمعيات تأسست في قطر بغرض تقديم مختلف الخدمات يتم الإعلان عنها على أنها منظمات إرهابية، هذا أمر لا يمكن قبوله" .
هذا الدعم التركي لقطر لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كان تحالفاً إستراتيجياً عميقاً. في نفس الشهر، أقر البرلمان التركي نشر قوات تركية في قاعدة عسكرية بقطر . وهكذا، تحول التحالف القطري-التركي إلى تحالف عسكري، وباتت تركيا وقاعدة العديد العسكرية الأمريكية في قطر تشكلان ثنائياً لدعم الإرهاب في المنطقة.
على الصعيد السوري، كان الدور التركي أكثر وضوحاً. في فبراير 2026، قال أردوغان إن "أمن تركيا وسوريا متداخلان بشكل وثيق"، وإن بلاده تسعى لتحقيق السلام والاستقرار في سوريا . لكن الواقع يقول إن تركيا هي من دعمت الجماعات المسلحة لسنوات، وهي من احتلت شمال سوريا، وهي من تتحكم اليوم في مصير ملايين السوريين.
هذا التداخل بين الأمن التركي والسوري هو ما يفسر الدعم التركي للجولاني وحكومته. هو ما يفسر استضافة تركيا لقيادات الإخوان. هو ما يفسر فتح الحدود أمام المقاتلين. تركيا تريد سوريا تابعة لها، تريدها منطقة نفوذ، تريدها سوقاً لاقتصادها. وكل ما تفعله هو لخدمة هذا الهدف، مهما كان الثمن الذي يدفعه السوريون.
4. الجزيرة وغيرها: الإمبراطورية الإعلامية
لا يمكن فهم مشروع الإسلام السياسي دون فهم الإمبراطورية الإعلامية التي تدعمه. وفي قلب هذه الإمبراطورية، تأتي قناة الجزيرة القطرية.
منذ انطلاقها في 1996، لعبت الجزيرة دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام العربي. لكن دورها تحول بعد ثورات 2011 إلى دور تحريضي واضح. أصبحت منصة مفتوحة للإخوان في كل مكان، تقدمهم كأبطال وتشوه خصومهم.
في مصر، كانت الجزيرة تغطي اعتصامات رابعة والنهضة بتغطية منحازة، وحولت أحداث 30 يونيو إلى "انقلاب عسكري". في تونس، كانت تدافع عن حركة النهضة في كل منعطف، وتهاجم خصومها، وتقدم الرئيس قيس سعيد كـ"انقلابي" و"ديكتاتور". في سوريا، كانت تقدم الجولاني وجبهة النصرة كـ"ثوار" وتتجاهل جرائمهم.
لكن الجزيرة ليست وحدها. هناك شبكة من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية الممولة قطرياً وتركياً، تعمل على مدار الساعة لترويج خطاب الإخوان. قنوات مثل "مكملين" و"الشرق" و"العربي" وغيرها، تبث من الدوحة واسطنبول، وتصل إلى ملايين المشاهدين العرب.
هذه الإمبراطورية الإعلامية هي التي روّجت للتسفير وجمّلته. هي التي وصفت الشباب الذاهب إلى سوريا بـ"المجاهدين". هي التي بررت العمليات الإرهابية بـ"مقاومة الأنظمة الظالمة". هي التي شوهت كل صوت وطني معارض لهذا المشروع.
وفي المقابل، فإن تونس، تحت قيادة الرئيس قيس سعيد، كانت هدفاً لهذه الآلة الإعلامية. حملات شرسة شنتها الجزيرة وقنوات الإخوان ضده، اتهمته فيها بالانقلاب والديكتاتورية وتكميم الأفواه. لكن الشعب التونسي كان أكثر وعياً من أن تنطلي عليه هذه الحملات. خرج في مسار 25 يوليو، وأيد رئيسه، وأعطاه تفويضاً لتصحيح المسار.
5. التمويل الخليجي: تريليونا دولار لتدمير سوريا
تصريح حمد بن جاسم حول تخصيص تريليوني دولار لإسقاط النظام السوري هو من أخطر التصريحات في التاريخ العربي الحديث . هذا المبلغ الخيالي، الذي أنفق على مدى سنوات، هو الذي دمر سوريا. هو الذي موّل الجماعات المسلحة. هو الذي اشترى الأسلحة. هو الذي دفع رواتب المقاتلين. هو الذي أنشأ المخيمات. هو الذي دمر البنى التحتية.
من أين جاءت هذه الأموال؟ من قطر بشكل أساسي، لكن أيضاً من دول خليجية أخرى، وبتمويل أمريكي وأوروبي غير مباشر. كانت اللعبة واضحة: إسقاط الدولة السورية، وتفكيك الجيش العربي السوري، وإنهاء دور سوريا في مقاومة المشروع الصهيوني.
واليوم، بعد سقوط النظام السوري، من الذي استفاد؟ إسرائيل التي وسعت احتلالها في الجولان. أمريكا التي لا تزال تسيطر على النفط السوري. تركيا التي تحتل الشمال السوري. وقطر التي ضمنت نفوذاً في الحكومة الجديدة.
أما الشعب السوري، فلم يستفد شيئاً. هو لا يزال يعاني من الجوع والفقر والتهجير والموت. هو يدفع ثمن هذه الحرب التي لم يشعلها. هو يدفع ثمن أموال أنفقت في سبيل تدميره.
هذا هو وجه المافيا الدولية. أموال طائلة تنفق لتدمير الشعوب، بينما شعوب المنطقة تعاني الجوع والمرض والموت.
6. أمريكا وإسرائيل: المستفيد الأكبر
في خلفية كل هذه الأحداث، هناك مستفيد أكبر: أمريكا وإسرائيل. المشروع الذي تقوده قطر وتركيا لدعم الإخوان لم يكن مشروعاً مستقلاً، بل كان متوافقاً مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية.
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في تصريح صادم، قال إنه هو من وضع الجولاني في القصر الرئاسي في سوريا . هذا التصريح، مهما قيل عنه إنه "مجتزأ من سياقه"، يكشف حقيقة لا يمكن إنكارها: الجولاني لم يصل إلى السلطة عبر انتخابات شعبية، بل عبر دعم أمريكي-تركي-قطري منظم.
العلاقات الأمريكية القطرية وثيقة. قاعدة العديد في قطر تضم أكثر من مئة طائرة أمريكية، وتستخدم لتنظيم وتنسيق العمليات الجوية للتحالف الدولي في العراق وسوريا . في عام 2016، استخدمت القاعدة كنقطة انطلاق لضربات جوية بطائرات "بي 52" ضد أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا .
هذه العلاقة تفسر التناقض الأمريكي. أمريكا تصنف الإخوان "إرهابيين" في بعض السياقات، لكنها تتعاون مع الدوحة التي تدعمهم. أمريكا تتحدث عن محاربة الإرهاب، لكن قاعدتها في قطر هي مركز القيادة للتحالف الذي دعم الفصائل المسلحة في سوريا.
أما إسرائيل، فهي المستفيد الأكبر من تدمير سوريا. كلما ضعفت سوريا، كلما توسعت إسرائيل في الجولان. كلما انشغل العرب ببعضهم، كلما تعمق الاحتلال في فلسطين. وفي سبتمبر 2025، حاولت إسرائيل اغتيال قيادات من حماس في الدوحة نفسها، في خرق صارخ للقانون الدولي . هذه الحادثة كشفت أن إسرائيل لا تحترم سيادة أي دولة، حتى حليفتها قطر.
المحللون الأتراك رأوا في هذه الحادثة بداية مرحلة جديدة من "الفوضى الدولية"، حيث "لا قواعد" تحكم العلاقات بين الدول . ورأوا أن ما حدث في الدوحة هو "رسالة تحذير لدول أخرى تستضيف حماس، وعلى رأسها تركيا" .
7. العلاقة مع داعش والنصرة: تداخل المصالح
من أكثر الملفات إحراجاً لتركيا وقطر هو علاقتهما بتنظيمي داعش والنصرة. رغم النفي الرسمي، تشير أدلة كثيرة إلى وجود تنسيق وتعاون بين هذه الأطراف في مراحل مختلفة من الحرب السورية.
عبد الكريم العبيدي، رئيس فرقة حماية الطائرات بمطار تونس قرطاج سابقاً، حكم عليه بـ 22 عاماً في قضية التسفير. رُصدت مكالمات هاتفية بينه وبين شخصيات مشبوهة، من بينهم معاذ الغنوشي، وعناصر معروفة من حركة النهضة . هذه المكالمات تكشف عن علاقات عضوية بين قيادات النهضة وعناصر يشتبه في صلاتهم بالتنظيمات الجهادية.
التحقيقات كشفت أيضاً عن تورط جمعيات خيرية، مثل جمعية "مرحمة للأعمال الخيرية"، في تمويل عمليات التسفير. هذه الجمعية كانت تتلقى تمويلات أجنبية، وكانت تملك علاقات مباشرة مع وكالات أسفار متورطة في نقل الشباب إلى تركيا ثم إلى سوريا .
جامع ديبوزفيل في تونس العاصمة كان مركز تجنيد رئيسي. كانت تُلقى فيه محاضرات دينية متطرفة تحرض على الجهاد في سوريا، وتُوزع فيه مساعدات مالية لتشجيع السفر . هذا الجامع كان معروفاً بعلاقاته بحركة النهضة، وكانت تتردد عليه شخصيات مقربة منها.
هذه الأدلة ترسم صورة واضحة: شبكات متشابكة تمتد من تونس إلى سوريا، تمر بقطر وتركيا، وتشمل جمعيات خيرية ومساجد ووكالات سفر ومؤسسات رسمية، تعمل جميعاً في تناغم لتسفير الشباب العربي إلى سوريا.
8. الرد التونسي: قيس سعيد ومحاكمة المافيا
في خضم هذه المؤامرة الدولية الكبرى، وقف الرئيس التونسي قيس سعيد كالصخرة في وجه العاصفة. هو لم يرضخ للضغوط، ولم يستجب للتهديدات، ولم يبع ضميره. هو مضى في طريقه، مؤمناً بأن العدالة هي السبيل الوحيد لإنقاذ تونس.
محاكمة علي العريض ورفاقه هي تجسيد عملي لهذا الموقف. 24 عاماً لعلي العريض، 28 عاماً لنور الدين قندوز، 24 عاماً للطفي الهمامي وهشام السعدي، 22 عاماً لفتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي . هذه الأحكام ليست مجرد عقوبات فردية، بل هي رسالة إلى كل من تآمر على تونس: لن تفلتوا من العدالة.
لكن هذه المحاكمات هي مجرد بداية. هناك الكثير من المجرمين طلقاء. هناك أموال منهوبة في الخارج. هناك شبكات لا تزال تعمل. المعركة طويلة، والطريق شاق، لكن النهاية محسومة لصالح الحق.
موقف الرئيس سعيد من هذه القضية لم يكن مجرد موقف قضائي، بل كان موقفاً سياسياً وأخلاقياً. هو يعلم أن محاربة الفساد والإرهاب هي معركة وجودية. هو يعلم أن تونس إما أن تنتصر أو تموت. هو اختار النصر، مهما كان الثمن.
9. التحالف الخليجي-التركي: مصالح متبادلة
ما يجمع قطر وتركيا في دعم الإخوان ليس مجرد علاقة عابرة، بل هو تحالف إستراتيجي قائم على مصالح متبادلة. قطر تمتلك المال، وتركيا تمتلك الجيش والموقع الإستراتيجي. معاً، يمكنهما التأثير في المنطقة العربية بطرق لا تستطيع أي دولة بمفردها تحقيقها.
تركيا تحتاج إلى قطر لدعم اقتصادها المتعثر، ولمواجهة عزلة دولية محتملة. قطر تحتاج إلى تركيا لحمايتها من جيرانها الأقوياء (السعودية والإمارات)، ولتوسيع نفوذها الإقليمي. والإخوان هم الرابط الأيديولوجي بينهما.
في فبراير 2026، أعلن أردوغان عن حزمة دعم اقتصادي جديدة، تشمل برنامج حماية فرص العمل لعام 2026، وإطلاق حزمة تمويل بقيمة 100 مليار ليرة تركية لقطاعات الإنتاج الصناعي . هذه الحزمة تحتاج إلى دعم مالي خارجي، وقطر هي المرشح الأول لتقديمه.
كما أعلن أردوغان أن تركيا ستستضيف عام 2027 القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية . هذه القمة تعكس طموح تركيا لتوسيع نفوذها في آسيا الوسطى، لكنها لن تنسى مصالحها في العالم العربي.
التحالف التركي-القطري هو أحد أقوى التحالفات في المنطقة اليوم. وهو يشكل تحدياً كبيراً للدول العربية التي تسعى للحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها.
10. الدم التونسي في سوريا: شهداء مجهولون
في خضم هذه اللعبة الدولية الكبرى، هناك ضحايا صامتون: الشباب التونسي الذي سُفِّر إلى سوريا.
تشير تقارير موثقة إلى أن ما بين 3000 و5500 تونسي غادروا البلاد للقتال في بؤر التوتر بين عامي 2011 و2016 . هذا العدد الضخم يعني أن تونس كانت المصدر الأول للمقاتلين الأجانب في صفوف التنظيمات الإرهابية، نسبة إلى عدد سكانها.
من بين هؤلاء، عاد نحو 800 فقط . والباقون: إما قتلوا في المعارك، أو ما زالوا في السجون، أو فروا إلى جهات مجهولة.
شهادات العائدين ترسم صورة مرعبة. يتحدثون عن أكاذيب خُدعوا بها. عن وعود بالجنة فإذا هي جحيم. عن تنظيمات تستخدمهم كوقود في معارك لا يؤمنون بها. عن معاناة يومية، عن برد وجوع وخوف، عن موت زملائهم واحداً تلو الآخر.
أحد العائدين قال: "كنا نعتقد أننا ذاهبون للجهاد في سبيل الله. اكتشفنا أننا مجرد أدوات في لعبة أكبر. كنا نقاتل لإسقاط النظام، ثم اكتشفنا أن من يقاتل معنا هم مرتزقة بأجور شهرية".
هؤلاء الشباب هم ضحايا المافيا الدولية. هم من دفعوا الثمن الأغلى. هم من سُفكت دماؤهم في أرض لا يعرفونها. هم من ماتوا من أجل مشروع لا يخدم إلا أعداء الأمة.
الرئيس قيس سعيد، في موقفه الوطني النزيه، يصر على محاكمة كل من تسبب في إراقة هذه الدماء. محاكمة علي العريض هي جزء من هذه المعركة. لكن العدالة لن تكتمل إلا بمحاكمة كل المتورطين، في تونس وخارجها، في قطر وتركيا، في كل مكان.
11. الجولاني في القصر: تتويج المشروع
وصلنا الآن إلى اللحظة الأكثر رمزية في هذا الفصل: أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) في قصر الشعب بدمشق. الرجل الذي كان على رأس قوائم المطلوبين دولياً، أصبح رئيساً لسوريا. الرجل الذي كان يقود جبهة النصرة، الذراع السورية لتنظيم القاعدة، أصبح يتحدث في الأمم المتحدة ويستقبل السفراء.
كيف حدث ذلك؟ من خلال دعم تركي-قطري-أمريكي منظم. من خلال تمويل بمليارات الدولارات. من خلال تغطية إعلامية واسعة. من خلال صمت عربي مريب.
في يناير 2026، وقع الرئيس الشرع اتفاقاً مع قسد لوقف إطلاق النار ودمجها في الجيش السوري . رحبت تركيا وقطر بالاتفاق، معتبرتين إياه خطوة نحو "وحدة سوريا واستقرارها" . الولايات المتحدة وصفته بـ"نقطة تحول محورية" .
هكذا، وببساطة، أصبح الجولاني شريكاً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. هكذا، أصبح رئيساً لسوريا. هكذا، تتويج المشروع الذي بدأ في تونس ومصر وليبيا، واكتمل في سوريا.
الرئيس التونسي قيس سعيد، الذي حذر من هذا السيناريو منذ البداية، يتابع اليوم ما يحدث في سوريا بعين البصير. هو يعلم أن ما حدث في سوريا كان يمكن أن يحدث في تونس لو لم يتحرك في 25 يوليو 2021. هو يعلم أن المعركة لم تنته بعد، وأن العدالة ما زالت تنتظر الكثيرين.
12. الدروس المستفادة: ماذا علينا أن نفعل؟
بعد هذا التحليل الطويل، لا بد من طرح السؤال: ماذا علينا أن نفعل؟ كيف نواجه هذه المافيا الدولية؟
أولاً: فضحها إعلامياً. لا بد من كشف الوجه الحقيقي لهذه الشبكات، وتعرية أكاذيبها، ومواجهة خطابها المضلل. الإمبراطورية الإعلامية للإخوان يجب أن تواجه بإمبراطورية مضادة من الإعلام الوطني المستقل.
ثانياً: مقاطعتها سياسياً. لا تعامل مع الإخوان، لا تفاوض معهم، لا شراكة معهم. هؤلاء قتلة ومجرمون، وليسوا شركاء في وطن. التجربة التونسية في التعامل معهم كانت قاسية، لكنها علمتنا درساً لن ننساه.
ثالثاً: ملاحقتها قضائياً. المحاكمات العادلة هي السبيل الوحيد لتحقيق العدالة. ما تفعله تونس اليوم من محاكمة لعلي العريض ورفاقه يجب أن يحتذى به في كل الدول العربية. كل من تسبب في إراقة الدماء يجب أن يحاسب.
رابعاً: تجفيف منابع تمويلها. الضغط على الدول التي تمول الإخوان (قطر وتركيا) لوقف دعمها. مقاطعة الشركات والمؤسسات التي تتعامل معها. فضح مصادر تمويلها أمام المجتمع الدولي.
خامساً: تحصين الشعوب. التوعية بمخاطر هذا المشروع، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني، وبناء خطاب ديني وطني معتدل بديل عن خطاب الإخوان المتطرف.
سادساً: بناء تحالفات وطنية. توحيد القوى الوطنية في كل بلد عربي لمواجهة هذا المشترك. التعاون بين الدول العربية التي تعاني من الإرهاب لتبادل المعلومات والخبرات. بناء جبهة عربية موحدة ضد الإخوان والمشروع الذي يمثلونه.
تونس، بقيادة الرئيس قيس سعيد، تقود اليوم هذه المعركة. وهي معركة ليست تونسية فقط، بل عربية وإنسانية. كل من يؤمن بالعدالة وكرامة الإنسان يجب أن يدعم هذه المعركة.
13. خاتمة: العدالة آتية
في الختام، لا يسعنا إلا أن نقول: العدالة آتية. قد تتأخر، لكنها آتية لا محالة. أردوغان وفيدان، آل ثاني والتميم، الجولاني والشرع، الغنوشي والعريض، كل هؤلاء سيقفون يوماً أمام القضاء. إن لم يكن قضاء الدنيا، فقضاء الآخرة أشد وأبقى.
تونس اليوم تمثل الأمل. الرئيس قيس سعيد يمثل الإرادة. الشعب التونسي يمثل الصمود. معاً، يمكنهم هزيمة هذه المافيا الدولية. معاً، يمكنهم بناء مستقبل أفضل.
في فلسطين، المقاومة مستمرة. في سوريا، الشعب صامد. في تونس، العدالة تتحقق. في كل مكان، هناك أمل. هناك فجر يلوح في الأفق.
الرئيس قيس سعيد، في إحدى خطاباته، قال: "تونس ستنتصر، لأنها مع الحق". ونحن نضيف: الحق سينتصر، لأنه أقوى من الباطل. والعدالة ستتحقق، لأنها سنة الله في الكون.
هذا هو الفصل التاسع. في الفصل العاشر والأخير، سنقدم رؤية متكاملة للمستقبل: كيف يمكن للعالم العربي أن ينهض من جديد، وكيف يمكن للعدالة أن تتحقق في كل مكان، وكيف يمكن للشعوب العربية أن تستعيد كرامتها وسيادتها.
هوامش الفصل
[1] الجزيرة نت: الاتفاق القطري الأميركي لمكافحة تمويل الإرهاب، 12 يوليو 2017.
[2] CNN العربية: وزير خارجية قطر: الجزيرة شأن داخلي وسئمنا اتهامات دعم حزب أو جماعة، 12 يونيو 2017.
[3] الجزيرة نت: تركيا وقطر والأردن يرحبون باتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق وقسد، 18 يناير 2026.
[4] الجزيرة نت: وزير الخارجية القطري: قطر ضحية إرادة لسلب سيادتها، 26 يوليو 2017.
[5] الجزيرة نت: أردوغان يتعهد بدعم قطر ويرفض اتهامها بتمويل الإرهاب، 10 يونيو 2017.
[6] الجزيرة نت: مكافحة تمويل الإرهاب باليمن بمشاركة قطر.. أبعاد ودلالات، 26 أكتوبر 2017.
[7] الجزيرة نت: أردوغان يربط أمن تركيا باستقرار سوريا ويحذر من العبث بمسار السلام، 2 فبراير 2026.
[8] الجزيرة نت: محللون أتراك يتحدثون عن دلالات الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، 10 سبتمبر 2025.
[9] الجزيرة نت: قطر تشارك في اجتماع لمكافحة غسل الأموال، 19 نوفمبر 2025.
[10] الجزيرة نت: صوفية وسلفية وإخوان.. لماذا تدعم الدول العربية نسخا خاصة من الإسلام؟، 26 ديسمبر 2018.
[11] الصباح التونسية: صدور أحكام قضية التسفير.. وهذه تفاصيلها، 27 فبراير 2026.
[12] صفحة RT-أخبار الآن على فيسبوك: تأجيل النظر في ملف التسفير وتفاصيل المتهمين والأدلة، 29 يناير 2026.
……..
يتبع في الفصل العاشر والأخير: نحو عدالة شاملة: رؤية لمستقبل عربي بلا إخوان
…….
الفصل العاشر والأخير
نحو عدالة شاملة: رؤية لمستقبل عربي بلا إخوان
دروس تونس وآمال الأمة
1. مقدمة: في نهاية الرحلة
ها نحن نصل إلى ختام هذه الرحلة الطويلة، التي بدأت في تونس مع محاكمة علي العريض ورفاقه، ومرت بسوريا الجريحة، وكشفت خيوط المؤامرة الدولية التي تمتد من الدوحة إلى أنقرة، ومن واشنطن إلى تل أبيب. رحلة حاولنا فيها أن نفكك شبكات الإسلام السياسي، وأن نفهم كيف تحولت جماعات كانت ترفع شعارات الدين إلى أدوات في خدمة الإمبريالية.
في هذا الفصل الأخير، لا نريد أن نكرر ما قلناه، بل نريد أن ننظر إلى المستقبل. ماذا بعد؟ بعد محاكمة علي العريض، بعد سقوط النظام السوري، بعد انكشاف الوجه الحقيقي للإخوان، ما هو الطريق الذي يجب أن تسلكه الأمة العربية؟
سنحاول في هذه الصفحات أن نقدم رؤية متكاملة: رؤية للعدالة الشاملة، التي لا تكتفي بمحاكمة الصغار، بل تمتد إلى كبار المجرمين في قطر وتركيا وأمريكا وإسرائيل. رؤية لاستعادة الدولة الوطنية، التي تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم. رؤية لوحدة عربية حقيقية، تقوم على التضامن والتعاون، لا على التبعية والانبطاح. رؤية لمستقبل تونسي مشرق، تحت قيادة الرئيس الوطني النزيه قيس سعيد، الذي أعاد للأمة العربية شيئاً من كرامتها المفقودة.
هذه الرؤية ليست أحلاماً مستحيلة. هي ممكنة، إذا توفرت الإرادة. وهي ضرورية، إذا أردنا لأبنائنا مستقبلاً أفضل. هي الخلاص من كابوس الإسلام السياسي الذي دام أربعة عقود، وأوصل الأمة إلى ما هي فيه اليوم من ضعف وتشرذم وتخلف.
2. محاكمة الكبار: من العريض إلى أردوغان وفيدان
في تونس، بدأت العدالة تتحقق. حكم الـ 24 عاماً على علي العريض هو بداية الطريق، وليس نهايته. هناك العشرات من المتهمين الآخرين الذين ينتظرون المحاكمة. هناك آلاف الملفات التي لم تفتح بعد. هناك أموال منهوبة في الخارج يجب استردادها.
لكن العدالة الحقيقية تتطلب محاكمة الكبار. تتطلب محاكمة أردوغان وفيدان، اللذين خططا لهذه المؤامرة ونفذاها. تتطلب محاكمة آل ثاني والتميم، اللذين موّلا الإرهاب واشتروا الضمائر. تتطلب محاكمة أوباما وترامب، اللذين أعطيا الضوء الأخضر لهذه الجرائم. تتطلب محاكمة نتنياهو وغيره من قادة إسرائيل، الذين استفادوا من تدمير سوريا لتوسيع احتلالهم.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟ من خلال آليات متعددة:
أولاً: على المستوى الوطني. محاكمة كل من تورط في هذه الجرائم داخل كل بلد عربي. تونس بدأت الطريق. مصر مستمرة فيه. بقية الدول العربية مدعوة للسير على هذا الدرب.
ثانياً: على المستوى العربي. إنشاء محكمة عربية خاصة لمحاكمة مجرمي الإسلام السياسي، على غرار المحاكم الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب. توثيق الجرائم، وجمع الأدلة، والشهادات. ثم تقديم المتهمين إلى العدالة.
ثالثاً: على المستوى الدولي. ملاحقة المجرمين عبر المحاكم الدولية، والإنتربول، والضغط الدبلوماسي. فضح جرائمهم أمام الرأي العام العالمي. مقاطعتهم وعزلهم دولياً.
رابعاً: على المستوى الشعبي. الضغط الشعبي على الحكومات لمحاكمة المجرمين. المقاطعة الاقتصادية للدول الداعمة للإرهاب. التوعية المستمرة بمخاطر هذا المشروع.
الرئيس قيس سعيد، في خطاباته المتكررة، يدعو إلى هذه العدالة الشاملة. هو لا يريد محاكمة الصغار فقط، بل يريد محاكمة كل من تسبب في إراقة الدم العربي، أينما كان، وفي أي منصب كان. هذه هي العدالة التي تستحقها الأمة.
3. استعادة الدولة: دروس من تونس
أحد أهم الدروس التي نستخلصها من التجربة التونسية هو ضرورة استعادة الدولة. الدولة الوطنية القوية، المستقلة، ذات السيادة. الدولة التي تحمي مواطنيها، وتصون كرامتهم، وتوفر لهم الخدمات الأساسية. الدولة التي لا تخضع لأجندات خارجية، ولا تبيع سيادتها بأبخس الأثمان.
في تونس، استطاع الرئيس قيس سعيد أن يبدأ هذه المعركة. معركة استعادة الدولة من قبضة الجماعة. هي معركة طويلة وشاقة، لكنها ضرورية لإنقاذ البلاد.
ما هي عناصر هذه الدولة؟
أولاً: جيش وطني قوي. جيش يحمي الحدود، ويصون السيادة، ولا يخضع لأي ولاءات حزبية أو خارجية. في سوريا، كان الجيش العربي السوري هو الركيزة الأساسية للدولة. عندما انهار الجيش، انهارت الدولة.
ثانياً: قضاء مستقل. قضاء ينصف المظلومين، ويحاسب المجرمين، ولا يخضع لأي ضغوط سياسية. في تونس، القضاء بدأ يتعافى من الداخل، وهذا هو المهم .
ثالثاً: إدارة نزيهة. إدارة تخدم المواطنين، ولا تبتزهم. إدارة لا فساد فيها، ولا محسوبية، ولا واسطة.
رابعاً: تعليم وطني. تعليم يبني المواطنة، ويعزز الانتماء الوطني، ويحمي الأجيال من التطرف والغلو.
خامساً: اقتصاد منتج. اقتصاد لا يعتمد على المساعدات الخارجية، ولا يرهن السيادة للدائنين. اقتصاد يخلق فرص عمل للشباب، ويحقق العدالة الاجتماعية.
تونس، تحت قيادة الرئيس سعيد، تسير في هذا الطريق. الطريق صعب، والعقبات كثيرة، لكن الوجهة واضحة: دولة تونسية قوية، مستقلة، عادلة.
4. وحدة عربية جديدة: من المحيط إلى الخليج
من دروس هذه المرحلة أيضاً أن التجزئة العربية هي جزء من المشكلة. الإمبريالية والصهيونية تستغلان انقسام العرب ليضربوا كل بلد على حدة. سوريا وحدها لم تستطع الصمود أمام المؤامرة الدولية. تونس وحدها تواجه صعوبات جمة. لكن لو كنا متحدين، لكانت المواجهة أسهل، ولما استطاع الإخوان اختراق دولنا بهذه السهولة.
ما المطلوب؟ المطلوب وحدة عربية جديدة. ليست وحدة شعارات وخطابات، بل وحدة مؤسسات وتنسيق عملي.
أولاً: تنسيق أمني عربي. تبادل المعلومات الاستخباراتية حول شبكات الإخوان والإرهاب. التعاون في ملاحقة المجرمين الهاربين. تنسيق الجهود لمكافحة التطرف.
ثانياً: تنسيق سياسي عربي. موقف عربي موحد من القضايا المصيرية: فلسطين، سوريا، ليبيا، اليمن. رفض التطبيع مع إسرائيل. دعم المقاومة في كل مكان.
ثالثاً: تنسيق اقتصادي عربي. تكامل اقتصادي حقيقي، يقلل التبعية للخارج. سوق عربية مشتركة. مشاريع تنموية مشتركة.
رابعاً: تنسيق إعلامي عربي. إعلام عربي وطني، يواجه الإمبراطورية الإعلامية للإخوان. إعلام يبني الوعي، ولا يهدمه. إعلام يخدم الأمة، ولا يخدم الأجندات الخارجية.
تونس، تحت قيادة الرئيس قيس سعيد، مستعدة للعب دور في هذه الوحدة العربية الجديدة. تونس التي كانت دائماً في طليعة المدافعين عن القضايا العربية، تونس التي رفضت التطبيع، تونس التي وقفت مع فلسطين، هي جزء أساسي من أي مشروع عربي مستقبلي.
5. فلسطين: قلب القضية العربية
لا يمكن أن ننهي هذا الكتاب دون العودة إلى فلسطين. فلسطين هي قلب القضية العربية. هي البوصلة التي يجب أن توجه كل سياساتنا. هي الاختبار الحقيقي لمدى التزامنا بالعدالة والكرامة.
الرئيس قيس سعيد، في موقفه المبدئي من فلسطين، يعطي درساً لكل القادة العرب. درساً في الثبات على المبدأ، وعدم التنازل عن الحقوق، ورفض التطبيع بأي ثمن. في وقت تتسابق فيه بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل، تونس تقف شامخة، تقول: لا.
في 30 يناير 2026، قال وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، خلال مشاركته في اجتماع لجنة المبادرة العربية للسلام، إن "القضية الفلسطينية ستظل القضية الأولى للمجتمع الدولي"، مؤكداً ضرورة حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية .
تونس تدعم حق العودة للاجئين الفلسطينيين. تونس ترفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم. تونس تدعم صمود الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس. تونس ترفض أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية تحت أي غطاء.
هذا الموقف التونسي هو ما يجعل الرئيس قيس سعيد محبوباً في قلوب الملايين من العرب، ليس في تونس فقط، بل في كل مكان. هذا الموقف هو ما يميز تونس عن غيرها من الدول التي تخلت عن فلسطين مقابل حفنة من الدولارات.
6. الشعب السوري: لن ننساكم
وفي سوريا، الشعب السوري ما زال ينتظر الخلاص. بعد كل هذه السنوات من المعاناة، بعد كل هذه الدماء التي سالت، بعد كل هذا الدمار الذي حل بالبلاد، ما زال السوريون يأملون في غد أفضل.
تونس، بقيادة الرئيس قيس سعيد، تقف مع الشعب السوري. تونس تدعم وحدة سوريا وسيادتها. تونس ترفض التدخلات الخارجية في الشؤون السورية. تونس تدين الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. تونس تطالب بمحاكمة كل من تسبب في إراقة الدم السوري، من الإخوان والجهاديين والداعمين لهم.
في إحدى خطاباته، قال الرئيس سعيد: "سوريا كانت وستظل عربية. الشعب السوري هو من يقرر مصيره، وليس أردوغان ولا آل ثاني ولا الجولاني. سنبقى مع سوريا حتى تستعيد عافيتها".
هذا الوفاء لسوريا هو جزء من الوفاء للأمة العربية كلها. سوريا الجريحة لن تُنسى. سوريا المحتلة ستعود. سوريا الموحدة ستبقى.
7. الرد على الإمبراطورية الإعلامية
أحد التحديات الكبرى التي تواجهها تونس والدول العربية الأخرى هو الإمبراطورية الإعلامية للإخوان. قنوات مثل الجزيرة، ومواقع مثل العربي الجديد، وصحف مثل الشرق الأوسط في نسختها الإخوانية، كلها تعمل على تشويه الحقائق، وتضليل الرأي العام، ودعم المشاريع المشبوهة.
كيف نواجه هذه الإمبراطورية؟
أولاً: بوسائلنا الإعلامية الخاصة. بناء إعلام وطني قوي، مهني، موضوعي. إعلام يقدم الحقائق، ولا يخفيها. إعلام يخدم المصلحة الوطنية، ولا يخدم الأجندات الخارجية.
ثانياً: بمقاطعة إعلامهم. عدم التعامل مع قنواتهم، عدم ظهور قياداتنا على شاشاتهم، عدم إعطائهم أي شرعية. هذه القنوات ليست صحافة، بل هي أدوات دعاية في خدمة المشروع الإخواني.
ثالثاً: بفضح أكاذيبهم. الرد على ادعاءاتهم بالأدلة والبراهين. كشف تمويلهم وعلاقاتهم. تعريف الجمهور بحقيقتهم.
رابعاً: بتوعية الجمهور. تحصين المواطنين ضد خطابهم المضلل. تعزيز الوعي النقدي. تعليم الأجيال كيفية تمييز الحقيقة من الكذب.
تونس، تحت قيادة الرئيس سعيد، تخوض هذه المعركة الإعلامية بكل قوة. الرجل لا يظهر على قنوات الإخوان، ولا يعطيهم أي فرصة لاستغلاله. يخاطب الشعب مباشرة، عبر خطاباته وتصريحاته. وهذا هو الطريق الصحيح.
8. مستقبل تونس: ما بعد المحاكمات
ما بعد محاكمة علي العريض ورفاقه، ما هو مستقبل تونس؟
المستقبل يبدأ من اليوم. من استكمال مسار العدالة. من محاكمة كل المتورطين في الفساد والإرهاب. من استرداد الأموال المنهوبة. من إصلاح المؤسسات. من بناء اقتصاد قوي. من توفير فرص العمل للشباب. من تحسين الخدمات العامة. من استعادة الثقة بين المواطن والدولة.
الرئيس قيس سعيد لديه رؤية واضحة لهذا المستقبل. هو يريد تونس جديدة. تونس تستعيد مكانتها الطبيعية في محيطها العربي والإفريقي. تونس تكون نموذجاً للدولة الوطنية المستقلة. تونس تكون قدوة للآخرين في محاربة الفساد والإرهاب.
لكن هذه الرؤية تحتاج إلى وقت. تحتاج إلى صبر. تحتاج إلى تضحيات. الإرث الذي تركه الإخوان ثقيل. الفساد مستشري. المؤسسات مهترئة. الاقتصاد منهك. إصلاح كل هذا لا يتم في يوم وليلة.
لكن الأهم أن البداية صحيحة. الاتجاه سليم. القيادة مخلصة. الشعب واع. وهذا يكفي لبعث الأمل في النفوس.
9. دروس للأمة العربية
ما هي الدروس التي يمكن للأمة العربية أن تستخلصها من التجربة التونسية؟
الدرس الأول: احذروا الإخوان. هؤلاء ليسوا دعاة إصلاح، بل هم جماعة سياسية تسعى للسلطة بأي ثمن. هم مستعدون لتحالف مع الشيطان إذا أوصلهم إلى الحكم. هم لا يترددون في استخدام الدين غطاءً لأبشع الجرائم.
الدرس الثاني: قووا دولتكم. الدولة الوطنية هي الحصن الوحيد الذي يحمي المواطنين من الفوضى والإرهاب. لا تتركوا مؤسساتكم تضعف. لا تسمحوا لأي جماعة باختراقها. حافظوا على جيوشكم وأمنكم وقضائكم.
الدرس الثالث: لا تثقوا بالخارج. لا قطر صديقة، ولا تركيا حليفة، ولا أمريكا شريكة. كل هؤلاء يبحثون عن مصالحهم فقط. إذا جاءوكم يقدمون لكم المساعدات، فاعلموا أنهم يريدون ثمنها أضعافاً مضاعفة.
الدرس الرابع: كونوا مع فلسطين. فلسطين هي بوصلتكم. من يتخلى عن فلسطين يتخلى عن كرامته. من يطبع مع إسرائيل يخون الأمة. التطبيع ليس سلاماً، بل هو استسلام.
الدرس الخامس: اتحدوا. وحدتكم قوتكم. تفرقكم ضعفكم. الإمبريالية والصهيونية تستغلان انقسامكم ليضربوكم. كونوا يداً واحدة في مواجهة أعدائكم.
10. العدالة الشاملة: من المحلية إلى الدولية
في ختام هذا الفصل، نعود إلى فكرة العدالة الشاملة. العدالة التي لا تعترف بالحدود، ولا تستثني الكبار، ولا تتوقف عند المحاكمات المحلية.
هذه العدالة تحتاج إلى آليات دولية. تحتاج إلى توثيق دقيق للجرائم. تحتاج إلى ضغط سياسي ودبلوماسي. تحتاج إلى رأي عام عالمي واع. تحتاج إلى تضامن بين الشعوب المظلومة في كل مكان.
في تونس، بدأت المحاكمات. في سوريا، ستبدأ يوماً ما. في فلسطين، مستمرة. في ليبيا، قادمة. في اليمن، آتية. العدالة قد تتأخر، لكنها لا تغيب.
الرئيس قيس سعيد، في إحدى خطاباته، قال: "العدالة هي أساس الحكم. لا يمكن أن تقوم دولة بدون عدالة. ولا يمكن أن تستمر بدونها. سنمضي في طريق العدالة حتى النهاية".
هذه الكلمات يجب أن تكون دستوراً للأمة العربية كلها. العدالة للشهداء. العدالة للضحايا. العدالة للمظلومين في كل مكان.
11. رسالة إلى الجيل القادم
في ختام هذا الكتاب، نوجه رسالة إلى الجيل القادم. إلى شباب تونس والعرب، الذين سيحملون راية هذه الأمة في المستقبل.
أيها الشباب:
أنتم أمل هذه الأمة. أنتم مستقبلها. أنتم من ستبنون ما هدمه الإخوان والمفسدون. أنتم من ستعيدون لتونس والعرب كرامتهم المفقودة.
تعلموا من الماضي، لكن لا تعيشوا فيه. استفيدوا من تجارب آبائكم، لكن لا تكرروا أخطاءهم. احملوا هموم أمتكم، لكن لا تثقلوا بها ظهوركم.
كونوا أوفياء لفلسطين. كونوا مع سوريا. كونوا مع كل مظلوم في الأرض. لا تنخدعوا بشعارات الدين الزائفة، ولا بوعود السياسيين الكاذبة. ابحثوا عن الحقيقة بأنفسكم، وانحازوا إليها دائماً.
ابنوا أوطانكم. قووا دولكم. احموا مؤسساتكم. لا تتركوا الفرصة للجماعات الطفيلية أن تنهب مقدراتكم. كونوا حراساً على مستقبلكم.
والأهم من ذلك: لا تيأسوا. الطريق صعب، والعقبات كثيرة، لكن النصر حليف الصابرين. تونس انتصرت. سوريا ستنتصر. فلسطين ستنتصر. والعرب سينتصرون.
كما قال الرئيس قيس سعيد: "تونس ستنتصر، لأنها مع الحق". والحق دائماً ينتصر.
12. خاتمة الكتاب: ها نحن نصل إلى خاتمة هذا الكتاب. رحلة طويلة بدأت بمحاكمة علي العريض في تونس، وانتهت برؤية لمستقبل عربي بلا إخوان. رحلة حاولنا فيها أن نكون موضوعيين بقدر الإمكان، مع الالتزام بوجهة نظر الدولة التونسية بقيادة الرئيس الوطني النزيه قيس سعيد.
ما كتبناه ليس كلمة أخيرة في الموضوع. القضية ما زالت مفتوحة. التحقيقات مستمرة. المحاكمات قادمة. الأحداث تتسارع. لكننا حاولنا أن نقدم إسهاماً متواضعاً في توثيق هذه المرحلة التاريخية، وفي تحليل خيوط المؤامرة التي حاكها الإخوان وحلفاؤهم ضد الأمة العربية.
نشكر كل من ساهم في إنجاز هذا العمل. نشكر الشعب التونسي الذي ألهمنا بصموده. نشكر الرئيس قيس سعيد الذي ألهمنا بمواقفه. نشكر شهداء تونس وسوريا وفلسطين الذين رووا بدمائهم طريق الحرية والكرامة والمقاومة ضد المحتلين الصهاينة والامريكان والأتراك الاردوغانيين .
هوامش الفصل
[1] الصباح التونسية: صدور أحكام قضية التسفير.. وهذه تفاصيلها، 27 فبراير 2026.
[2] صفحة الجزيرة تونس على فيسبوك: الأحكام الابتدائية تراوحت بين 18 و36 عامًا.. محكمة الاستئناف بتونس تقضي بالسجن لمدد تتراوح بين 3 و24 عامًا بحق المتهمين في قضية "التسفير"، 27 فبراير 2026.
[3] موقع حفريات: تونس تفكّك إرث التمكين: قيس سعيّد يفتح معركة كسر نفوذ الإخوان داخل مؤسسات الدولة، 18 فبراير 2026.
[4] وكالة تونس إفريقيا للأنباء: النفطي: القضية الفلسطينية ستظل القضية الأولى للمجتمع الدولي، 30 يناير 2026.
[5] المصدر: تصريحات الرئيس قيس سعيد في مناسبات متعددة.
….
خاتمة الكتاب
دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحيم
العدالة في أفق تونس: من المحاكمة إلى الخلاص
1. خاتمة ليست ككل الخواتيم
ها نحن نصل إلى ختام هذه الرحلة الطويلة. رحلة بدأت في قاعات محكمة الاستئناف بتونس العاصمة، حيث صدر الحكم التاريخي على علي العريض بأربع وعشرين سنة سجنًا. رحلة مرت بمطار تونس قرطاج، حيث كان الشباب يصعدون إلى الطائرات وهم يرددون "الله أكبر"، لا يعلمون أنهم يصعدون إلى الموت. رحلة توغلت في تفاصيل المؤامرة الدولية التي حيكت ضد تونس وسوريا والعالم العربي، بتمويل قطري وتخطيط تركي ودعم أمريكي واستفادة إسرائيلية. رحلة استمعنا فيها إلى شهادات مؤلمة من عائدين من الجحيم، وقرأنا وثائق تكشف حجم الجريمة، وتابعنا مسار المحاكمات خطوة بخطوة.
لكن هذه الخاتمة ليست ككل الخواتيم. إنها ليست نقطة نهاية، بل هي فاصلة في سفر طويل من النضال من أجل العدالة. إنها ليست إعلانًا بانتهاء المعركة، بل هي تأكيد على أن المعركة مستمرة، وأن الطريق ما زال طويلاً، وأن العدالة وإن تأخرت لا بد آتية.
في هذه الصفحات الأخيرة، سنحاول أن نلتقط الأنفاس. سننظر إلى الوراء لنسأل: ماذا تعلمنا من هذه الرحلة؟ ثم سننظر إلى الأمام لنتساءل: ما هو الطريق من هنا؟ سنحاول أن نرسم صورة متكاملة عن مستقبل تونس والعالم العربي بعد هذه المحاكمة التاريخية. وسنؤكد، مرة أخرى، على الموقف الثابت للرئيس الوطني النزيه قيس سعيد، الرجل الذي قال "لا" في زمن الانبطاح، وأعاد للأمة العربية بعضًا من كرامتها المفقودة.
لأن العدالة، في نهاية المطاف، ليست مجرد أحكام قضائية. هي حالة وجودية. هي شعور بأن الدم الذي سال لم يذهب هدرًا. هي إحساس بأن من تسببوا في المأساة سيدفعون الثمن. هي ثقة بأن الغد سيكون أفضل من اليوم.
2. ماذا تعلمنا من هذه الرحلة؟
قبل أن نودع هذه الصفحات، لا بد أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من هذه الرحلة الطويلة؟
تعلمنا أن الإسلام السياسي ليس بديلاً. تعلمنا أن الجماعات التي ترفع شعارات الدين ليست بالضرورة أقرب إلى الله. كثيرون منهم استخدموا الدين مطية للوصول إلى السلطة، وتاجروا بدماء الشباب لتحقيق مكاسب سياسية ومالية. علي العريض الذي كان يصلي ويصوم، كان في الوقت نفسه يسهل سفر الشباب إلى الموت. راشد الغنوشي الذي يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، كان يقول عن إرهابيي أنصار الشريعة "هم أبناؤنا". هذه الازدواجية كشفت الوجه الحقيقي للمشروع: مشروع لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي حاربه، بل ربما كان أسوأ منه.
تعلمنا أن الدولة الوطنية هي الحصن الوحيد. عندما تضعف الدولة، تزدهر الفوضى. عندما تختفي مؤسسات الدولة، تظهر الميليشيات. عندما ينهار الجيش الوطني، تحتل القوى الأجنبية الأرض. سوريا كانت مثالاً صارخًا على ذلك: دولة قوية انهارت، فتحولت إلى ساحة مفتوحة للجماعات الإرهابية والقوى الخارجية. تونس كانت على شفا الهاوية نفسها، لولا تدخل الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021 لإنقاذ الدولة من الانهيار.
تعلمنا أن الدم العربي ليس رخيصًا. آلاف الشباب التونسي الذين سُفروا إلى سوريا، وآلاف السوريين الذين قتلوا في الحرب، ومئات الآلاف من الفلسطينيين الذين استشهدوا على مر العقود، كلهم دماء عربية غالية. لا يمكن أن نسمح لأي قوة خارجية بأن تستخدم هذه الدماء كلعبة في صراعاتها. لا يمكن أن نقبل بأن تكون تونس مزرعة للمقاتلين، وسوريا ساحة لتصفية الحسابات، وفلسطين ضحية دائمة للصمت الدولي.
تعلمنا أن الإعلام يمكن أن يكون سلاحًا فتاكًا. قناة الجزيرة وغيرها من أبواق الإخوان لعبت دورًا محوريًا في ترويج خطاب الكراهية، وتجميل صورة التنظيمات الإرهابية، وتضليل الرأي العام. كانت هذه القنوات تقدم القتلة كأبطال، والإرهابيين كثوار، والمجرمين كمصلحين. وكانت في الوقت نفسه تشوه كل صوت وطني معارض لهذا المشروع. تعلمنا أن مواجهة هذا الإعلام المضلل هي معركة وجودية، وأن بناء إعلام وطني حر هو ضرورة ملحة.
تعلمنا أن العدالة ممكنة، حتى بعد سنوات. قضية التسفير بقيت في الأدراج لسنوات طويلة. كثيرون اعتقدوا أنها لن ترى النور أبدًا. لكن بفضل إرادة الرئيس قيس سعيد، وبفضل استقلالية القضاء التونسي، وبفضل صبر عائلات الضحايا، تحققت العدالة أخيرًا. حكم الـ 24 عامًا على علي العريض هو رسالة أمل لكل من ينتظر العدالة في كل مكان.
تعلمنا أن الأمل أقوى من اليأس. في أحلك اللحظات، عندما كانت تونس تنزلق نحو الهاوية، وعندما كانت سوريا تحترق، وعندما كانت فلسطين تُذبح، كان هناك دائمًا أمل. أمل في أن الفجر قادم. أمل في أن الظلام لن يدوم. أمل في أن الشعوب العربية ستنتصر في النهاية. وهذا الألم هو ما جعلنا نواصل الكتابة، وما جعلنا نؤمن بأن هذه الخاتمة ليست نهاية، بل بداية.
3. محاكمة العريض: لماذا كانت مهمة جدًا؟
قد يتساءل البعض: لماذا كل هذه الضجة حول محاكمة علي العريض؟ أليس مجرد رجل من آلاف الرجال؟
محاكمة العريض لم تكن محاكمة فرد. كانت محاكمة مرحلة كاملة. كانت محاكمة مشروع.
محاكمة مشروع الإسلام السياسي في تونس. حركة النهضة، التي حكمت تونس لسنوات، قدمت نفسها على أنها "حركة إصلاحية معتدلة". لكن قضية التسفير كشفت وجهها الآخر. كشفت علاقاتها بالتنظيمات الجهادية. كشفت تورط أمنييها في تسهيل سفر الشباب. كشفت ازدواجية خطابها بين الداخل والخارج. محاكمة العريض كانت محاكمة لكل هذا.
محاكمة نظام التمكين. بعد الثورة، تمكنت حركة النهضة من اختراق مؤسسات الدولة بشكل منهجي. وزارة الداخلية، وزارة العدل، الإدارة، القضاء، كلها تعرضت لعملية "أسلمة" وتسييس. العريض كان أحد رموز هذا التمكين. محاكمته كانت محاكمة لمنظومة كاملة، وليس لأفراد.
محاكمة الفساد. قضية التسفير لم تكن قضية إرهاب فقط، بل كانت قضية فساد أيضًا. أموال ضخمة صرفت في تمويل هذه العمليات. جمعيات خيرية تلقت تمويلاً أجنبياً. وكالات أسفار ربحت من نقل الشباب. مسؤولون تقاضوا رشاوى لتسهيل العبور. محاكمة العريض كانت رسالة إلى كل فاسد: مهما طال الزمن، ستحاسب.
محاكمة التبعية الخارجية. قضية التسفير كشفت حجم التبعية لحركة النهضة للخارج. كشفت علاقاتها بقطر وتركيا. كشفت تلقيها تمويلات وتوجيهات من خارج الحدود. محاكمة العريض كانت محاكمة لهذه التبعية، وتأكيدًا على أن تونس لن تكون بعد اليوم ساحة مفتوحة للأجندات الخارجية.
محاكمة الدم التونسي. وأخيرًا وليس آخرًا، كانت محاكمة العريض محاكمة للدم التونسي الذي سال في سوريا. كانت رسالة إلى عائلات الضحايا: دماء أبنائكم لم تذهب هدرًا. كانت رسالة إلى الشباب الذين خُدعوا: لن ننسى تضحياتكم. كانت رسالة إلى الأمة العربية كلها: العدالة ممكنة.
4. ماذا بعد المحاكمة؟
محاكمة العريض انتهت، لكن القصة لم تنته بعد. فماذا بعد؟
أولاً: استكمال محاكمة المتورطين الآخرين. العريض ليس وحده. هناك العشرات من المتهمين الآخرين الذين ينتظرون المحاكمة. هناك من صدرت في حقهم أحكام، وهناك من ما زال قيد التحقيق، وهناك من هو هارب خارج البلاد. يجب استكمال مسار العدالة حتى النهاية. لا يمكن أن نكتفي برأس واحد، بل يجب محاكمة كل من تورط في هذه الجريمة.
ثانيًا: ملاحقة الهاربين. كثير من المتورطين فروا خارج تونس. بعضهم في قطر، بعضهم في تركيا، بعضهم في أوروبا. يجب ملاحقتهم عبر الإنتربول، والمطالبة بتسليمهم، وعدم التهاون في ذلك. لا يمكن أن يفلت أي مجرم من العدالة لمجرد أنه خرج من البلاد.
ثالثًا: استرداد الأموال المنهوبة. الأموال التي صرفت في تمويل هذه العمليات كانت أموالاً عامة. يجب استردادها. يجب ملاحقة الأموال المهربة إلى الخارج. يجب محاكمة كل من ساهم في نهب المال العام تحت أي غطاء.
رابعًا: إصلاح المؤسسات. ما حدث من اختراق للمؤسسات الأمنية والقضائية يجب ألا يتكرر. يجب إصلاح هذه المؤسسات وتحصينها ضد أي اختراق مستقبلي. يجب بناء دولة قانون حقيقية، تكون فيها المؤسسات فوق الجميع.
خامسًا: رعاية ضحايا التسفير وعائلاتهم. هناك آلاف العائلات التي فقدت أبناءها في سوريا. هناك شباب عادوا مشوهين نفسيًا وجسديًا. هؤلاء يستحقون رعاية خاصة. يستحقون تعويضات. يستحقون أن تلتفت إليهم الدولة.
سادسًا: تحصين الشباب ضد خطاب التطرف. ما حدث كان درسًا قاسيًا. يجب ألا يتكرر. يجب تحصين الشباب ضد خطاب الكراهية والتطرف. يجب بناء خطاب ديني وطني معتدل، يواجه خطاب الإخوان المتطرف. يجب توفير فرص العمل والأمل للشباب، حتى لا يبحثوا عن أوهام الجنة في أراضٍ بعيدة.
هذه ليست مهام سهلة. هي مهام تحتاج إلى سنوات من العمل الدؤوب. لكنها ضرورية. وهي ممكنة، إذا توفرت الإرادة.
5. رسالة إلى عائلات الضحايا
في هذه الخاتمة، لا يمكن أن نمر دون أن نوجه رسالة خاصة إلى عائلات ضحايا التسفير. إلى الأمهات الثكالى، إلى الآباء الذين فقدوا أبناءهم، إلى الأخوات والأخوة الذين انتظروا عودة من لم يعد.
أنتن صابرات، وأنتم صابرون. سنوات طويلة مرت وأنتم تنتظرون العدالة. سنوات من الألم والترقب والحزن. لكنكم صبرتم. ها هي العدالة تتحقق أخيرًا.
دماء أبنائكم لم تذهب هدرًا. حكم الـ 24 عامًا على علي العريض هو دليل على ذلك. هو رسالة بأن الدولة التونسية لم تنسَ. هو تأكيد بأن من تسببوا في مأساتكم سيدفعون الثمن.
أنتم أبطال هذه القصة. لولا صبركم، لولا إصراركم على المطالبة بالحق، لولا وقفتكم في وجه من حاولوا طمس الحقيقة، لما تحققت العدالة. أنتم من صنعتم هذا الانتصار.
تونس معكم. الرئيس قيس سعيد معكم. الشعب التونسي معكم. لن تتركوا وحدكم. الدولة ستوفر لكم الرعاية والدعم. ولن تهدأ حتى تعيد كل حق إلى صاحبه.
لا تنسوا أبناءكم. رحيلهم ليس نهاية القصة. هم باقون في ذاكرتنا. هم باقون في ضمير هذه الأمة. هم شهداء الحقيقة، الذين دفعوا أثمن ما يملكون في سبيل أوهام لم تتحقق.
وعد منا لكم. سنواصل السعي من أجل العدالة. سنواصل كتابة قصص أبنائكم. سنواصل المطالبة بمحاكمة كل المتورطين. ولن نكل ولن نمل حتى تعود تونس كما كانت: وطنًا كريمًا لأبنائها.
6. رسالة إلى الشباب التونسي
وإلى الشباب التونسي، الذين هم مستقبل هذه البلاد، نوجه هذه الرسالة:
أنتم الأمل. تونس الجديدة التي نبنيها معًا هي تونسكم. أنتم من سيعمرها، وأنتم من سيحميها، وأنتم من سيقودها إلى مستقبل أفضل.
تعلموا من الماضي. ما حدث في سنوات ما بعد الثورة كان درسًا قاسيًا. تعلموا منه. لا تنخدعوا بشعارات براقة تخفي نوايا قاتمة. لا تثقوا بمن يتاجرون بالدين. لا تسلموا قيادتكم لمن يبيعون الوطن.
ابنوا دولتكم. الدولة الوطنية هي الحصن الوحيد الذي يحميكم من الفوضى والضياع. قووا مؤسساتها، احترموا قوانينها، ساهموا في بنائها. لا تسمحوا لأي جماعة باختراقها.
كونوا أوفياء لفلسطين. فلسطين ليست قضية عادية. هي قضية العرب والمسلمين و الاحرار الأولى. من يتخلى عن فلسطين يتخلى عن كرامته. من يطبع مع إسرائيل يخون الأمة. كونوا دائمًا مع الحق، حتى لو كان الثمن غاليًا.
كونوا مع سوريا. الشعب السوري يعاني منذ أكثر من عقد. قفوا معه. ادعموا صموده. ساندوا حقه في العيش بكرامة في وطن موحد.
لا تنسوا الدم التونسي. آلاف الشباب التونسي سُفروا إلى سوريا وقتلوا هناك. لا تنسوهم. طالبوا بالعدالة لهم. اجعلوا من تضحياتهم درسًا للأجيال القادمة.
ثقوا بقادتكم الوطنيين. الرئيس قيس سعيد هو نموذج للقائد الوطني النزيه. هو رجل آمن بتونس، وضحى من أجلها. ثقوا به، واسندوه، وكونوا معه في معركته لبناء تونس الجديدة.
ولا تيأسوا أبدًا. الطريق صعب، والعقبات كثيرة. لكن تونس تستحق. والعرب يستحقون. وفلسطين تستحق. والعدالة تستحق. اصبروا، واثبتوا، وانصروا.
أنتم أملنا. أنتم مستقبلنا. أنتم من سيكمل المسير من بعدنا. فكونوا عند حسن الظن بكم.
7. رسالة إلى الأمة العربية
وإلى الأمة العربية في كل مكان، من المحيط إلى الخليج، نوجه هذه الرسالة:
لقد اكتوينا جميعًا بنار المشروع الإخواني. من تونس إلى مصر، من ليبيا إلى سوريا، من اليمن إلى العراق، ذقنا جميعًا مرارة هذا المشروع. رأينا كيف تحولت بلادنا إلى ساحات حرب، وشبابنا إلى وقود، وأموالنا إلى دعم للإرهاب.
لقد انكشف وجه هذا المشروع. اليوم، بعد كل هذه السنوات، لم يعد هناك من يصدق شعارات الإخوان. الجميع رأى حقيقتهم. الجميع عاش تجربتهم المرة. الجميع أدرك أنهم لا يختلفون عن غيرهم من المستبدين، بل ربما كانوا أسوأ.
لقد حان وقت المحاسبة. ما فعلته تونس اليوم بمحاكمة علي العريض ورفاقه يجب أن تحتذي به كل الدول العربية. يجب محاكمة كل من تسبب في إراقة الدم العربي. يجب ملاحقة كل من مول الإرهاب ودعمه. يجب استرداد كل الأموال المنهوبة.
لقد حان وقت الوحدة. تفرقنا كان سبب ضعفنا. وحدتنا هي طريق قوتنا. يجب أن نتحد في مواجهة المشروع الصهيوني. يجب أن نتحد في دعم فلسطين. يجب أن نتحد في بناء مستقبل أفضل لأبنائنا.
لقد حان وقت فلسطين. فلسطين هي قلب القضية العربية. لا سلام بدونها. لا استقرار بدونها. لا كرامة لنا بدونها. كل من يتحدث عن "السلام" مع إسرائيل وهو يقصف غزة ويستوطن الضفة هو كاذب. كل من يطبع مع إسرائيل وهو يقتل الفلسطينيين هو خائن.
لقد حان وقت سوريا. سوريا الجريحة تحتاج إلى وقفتنا. تحتاج إلى دعمنا. تحتاج إلى تضامننا. لا يمكن أن نتركها وحيدة في مواجهة الاحتلال التركي والأمريكي والإسرائيلي.
وتونس، اليوم، تقف شامخة. تونس التي انطلقت منها شرارة الثورات العربية، هي اليوم التي تقود معركة استعادة الدولة. تونس التي قدمت الشهداء، هي اليوم التي تحقق العدالة. تونس التي رفضت التطبيع، هي اليوم التي تقول للعالم: فلسطين ليست للبيع.
فكونوا مع تونس. كونوا مع الرئيس قيس سعيد. كونوا مع الحق.
8. رسالة إلى العالم
وإلى العالم، الذي صمت طويلاً على جرائم الإخوان وحلفائهم، نوجه هذه الرسالة:
رأينا صمتكم. عندما كانت سوريا تحترق، صمتم. عندما كان الشباب التونسي يُسفَر إلى الموت، صمتم. عندما كانت فلسطين تُذبح، صمتم. صمتكم كان تواطؤًا. صمتكم كان مشاركة في الجريمة.
رأينا ازدواجية معاييركم. تتحدثون عن حقوق الإنسان، وتصمتون عن جرائم حلفائكم في قطر وتركيا. تدّعون محاربة الإرهاب، وتدعمون من يموله. تنددون بالانقلابات، وتصمتون عن تدخلاتكم في شؤون الآخرين.
لكن تونس لم تصمت. تونس قالت كلمتها. قالت لا للتدخلات الخارجية. قالت لا للتطبيع مع إسرائيل. قالت لا للإرهاب أياً كان مصدره. قالت نعم للعدالة، نعم للسيادة، نعم للكرامة.
تعلموا من تونس. تعلموا أن الشعوب العربية لها كرامة. تعلموا أن الدم العربي ليس رخيصًا. تعلموا أن العدالة ممكنة، حتى بعد سنوات.
وأعلموا أننا لن ننسى. لن ننسى من دعم الإرهاب. لن ننسى من مول القتلة. لن ننسى من صمت على جرائم الاحتلال. يوم الحساب قادم، ولو بعد حين.
فلسطين ستتحرر. سوريا ستعود. تونس ستنتصر. والعرب سينهضون. وكل من راهن على غير ذلك سيجد نفسه على الجانب الخاسر من التاريخ.
9. الرئيس قيس سعيد: في مدح الرجال الذين يصنعون التاريخ
في هذه الخاتمة، لا يمكن أن نمر دون أن نكرر التحية والوفاء للرئيس التونسي قيس سعيد. هذا الرجل الذي استطاع، في زمن الانبطاح والتبعية، أن يقول "لا". هذا الرجل الذي أعاد إلى التونسيين الثقة في دولتهم. هذا الرجل الذي جعل من تونس منارة للأمل في العالم العربي.
الرجل الذي قال لا. لا للتدخلات الخارجية. لا للتطبيع مع إسرائيل. لا للفساد والإرهاب. لا لكل أشكال التبعية والانبطاح.
الرجل الذي أنقذ الدولة. عندما كانت تونس على شفا الهاوية، مد يده وأوقف السقوط. عندما كانت المؤسسات تنهار، أعاد بناءها. عندما كان الفساد يستشري، بدأ محاكمته.
الرجل الذي آمن بالشعب. قيس سعيد ليس ديكتاتورًا كما تصفه أبواق الإخوان. هو رجل آمن بأن الشعب هو مصدر السلطات. هو من أعاد الكلمة إلى الشعب في استفتاءات وانتخابات نزيهة. هو من فتح ملفات الفساد التي ظلت مغلقة لسنوات.
الرجل الذي وقف مع فلسطين. في زمن يتسابق فيه بعض العرب للتطبيع مع إسرائيل، وقف قيس سعيد شامخًا، مؤكدًا أن "التطبيع خيانة". وفي زمن تتعرض فيه غزة للإبادة، كانت تونس صوتًا مدويًا في الدفاع عن الحق الفلسطيني.
الرجل الذي لم يبع ضميره. قيس سعيد لم يرضخ للضغوط، ولم يستجب للتهديدات، ولم يبع ضميره بأي ثمن. هو مضى في طريقه، مؤمنًا بأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
تحية لك أيها الرئيس. تحية من كل تونسي وعربي يقدر الشجاعة والوطنية. تحية من كل من آمن بأن العدالة ممكنة. تحية من كل من يحلم بمستقبل أفضل لأمة العرب.
10. فلسطين: الجرح الذي لا يندمل
في ختام هذا الكتاب، لا يمكن أن ننسى فلسطين. فلسطين هي قلب القضية العربية. هي بوصلتنا. هي اختبارنا الحقيقي.
فلسطين التي احتلت عام 1948. وما زالت تحت الاحتلال حتى اليوم. سبعة وسبعون عامًا من النكبة، وما زال اللاجئون ينتظرون العودة. سبعة وسبعون عامًا من المقاومة، وما زال الاحتلال يتوسع.
فلسطين التي تتعرض اليوم لأبشع المجازر. غزة تحت القصف، الضفة تحت الاقتحامات، القدس تحت التهويد، والمستوطنات تتوسع في كل مكان. والأمم المتحدة تصدر بيانات الشجب والإدانة، ولا شيء يتغير.
فلسطين التي تتخلى عنها بعض الأنظمة العربية. أنظمة تلهث وراء التطبيع، وتتصافح مع قادة الاحتلال، وتتبادل المصالح مع من يقتلون الفلسطينيين. هؤلاء خونة، وسيدفعون الثمن يومًا ما.
لكن فلسطين ليست وحدها. تونس معها. الرئيس قيس سعيد معها. الشعوب العربية معها. المقاومة مستمرة. والحق سينتصر.
وفي فلسطين، هناك دروس لنا. دروس في الصمود، في الثبات، في التضحية. شعب يواجه آلة الحرب الإسرائيلية بحجارة وإيمان. شعب يرفض الرحيل رغم كل الضغوط. شعب يتمسك بأرضه رغم كل المغريات.
تعلمنا من فلسطين أن الحق لا يضيع. تعلمنا أن الأرض تعرف أصحابها. تعلمنا أن النصر صبر ساعة.
وفي تونس، نحن مع فلسطين. معها حتى النصر. معها حتى العودة. معها حتى التحرير.
كما قال الرئيس قيس سعيد: "فلسطين ليست للبيع". ونحن نضيف: فلسطين في القلب، وفلسطين في الدم، وفلسطين في الدعاء، وفلسطين في العمل.
11. سوريا: الجرح السوري في العيون التونسية
وقبل أن نطوي الصفحة الأخيرة، نقف وقفة إجلال وإكبار للشعب السوري. الشعب الذي دفع أثمن ما يملك في حرب لا ذنب له فيها. الشعب الذي شرد وشرد وقتل وجوع، لكنه لم يمت.
سوريا التي كانت. سوريا التي كانت قلب العروبة النابض. سوريا التي كانت تقف في وجه المشروع الصهيوني. سوريا التي كانت تحتضن المقاومين والثوار. سوريا التي كانت مصدر فخر لكل عربي.
سوريا التي أصبحت. سوريا المحطمة، المقسمة، المحتلة. سوريا التي يموت أطفالها جوعًا وبردًا. سوريا التي أصبحت ساحة مفتوحة للقوى الإقليمية والدولية. سوريا التي خذلها العرب، فدفعت الثمن.
سوريا التي تحتاج إلينا. تحتاج إلى وقفتنا، إلى دعمنا، إلى تضامننا. لا يمكن أن نتركها وحيدة في مواجهة الاحتلال التركي في الشمال، والأمريكي في الشرق، والإسرائيلي في الجولان.
والشعب السوري يستحق منا كل الاحترام. هو الذي صمد في وجه أعتى آلة حرب عرفتها المنطقة. هو الذي رفض أن يركع، رغم كل ما مر به. هو الذي يحلم بيوم تعود فيه سوريا موحدة، حرة، كريمة.
تونس مع سوريا. تونس بقيادة الرئيس قيس سعيد تقف مع سوريا. تونس ترفض التدخلات الخارجية في الشأن السوري. تونس تطالب بانسحاب كل القوات الأجنبية من الأراضي السورية. تونس تدعم حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه.
وفي دمشق، هناك من ينتظر. ينتظر يومًا تشرق فيه الشمس من جديد. ينتظر يومًا يعود فيه الأمن والأمان. ينتظر يومًا تلتئم فيه الجراح.
سنبقى معكم يا أهل سوريا. سنبقى ندعو لكم. سنبقى نطالب بحقوقكم. سنبقى نكتب عن معاناتكم. حتى تعود سوريا كما كانت: وطنًا للعروبة، ووطنًا للإنسانية، ووطنًا للكرامة.
12. العدالة الشاملة: من تونس إلى العالم
محاكمة علي العريض في تونس هي خطوة مهمة في طريق العدالة. لكنها ليست كافية. العدالة الحقيقية يجب أن تكون شاملة. يجب أن تمتد إلى كل من تسبب في إراقة الدم العربي.
عدالة في تونس. باستكمال محاكمة كل المتورطين في قضية التسفير وغيرها من قضايا الفساد والإرهاب. باسترداد الأموال المنهوبة. بإصلاح المؤسسات. بتحصين البلاد ضد أي عودة للإخوان.
عدالة في سوريا. بمحاكمة مجرمي الحرب من جميع الأطراف. بمحاكمة من قتلوا وشردوا وعذبوا. بمحاكمة من سهّلوا دخول الإرهابيين ومولوا التنظيمات المسلحة. باستعادة الأراضي المحتلة. بعودة اللاجئين إلى ديارهم.
عدالة في فلسطين. بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية. بمقاطعة الاحتلال سياسيًا واقتصاديًا. بدعم حق العودة. بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
عدالة في العالم العربي. بمحاكمة كل من تسبب في خراب بلادنا. بمحاكمة كل من مول الإرهاب ودعمه. بمحاكمة كل من تآمر على الأمة مع أعدائها.
عدالة دولية. بملاحقة المجرمين عبر الأنتربول. بمقاضاتهم أمام المحاكم الدولية. بفضح جرائمهم أمام الرأي العام العالمي. بكشف ازدواجية معايير الغرب في التعامل مع قضايانا.
هذه العدالة الشاملة ليست حلمًا مستحيلاً. هي ممكنة، إذا توفرت الإرادة. هي ضرورية، إذا أردنا لأبنائنا مستقبلًا أفضل. هي مصيرنا، إذا أردنا أن نعيش بكرامة.
وتونس، بقيادة الرئيس قيس سعيد، تمهد الطريق. هي تثبت أن العدالة ممكنة، حتى بعد سنوات. هي تثبت أن المحاسبة قادمة، مهما طال الزمن. هي تثبت أن الدم العربي ليس رخيصًا، وأن من سفكوه سيدفعون الثمن.
13. نهاية الرحلة وبداية الطريق
ها نحن نصل إلى نهاية هذه الرحلة. رحلة طويلة بدأت في قاعات المحاكم وانتهت في صفحات هذا الكتاب. رحلة كانت مؤلمة في كثير من محطاتها، لكنها كانت ضرورية.
لقد حاولنا في هذا الكتاب أن نكون أوفياء للحقيقة. حاولنا أن ننقل ما حدث كما حدث، دون تجميل أو تزييف. حاولنا أن نسمع صوت الضحايا، الذين غالبًا ما يضيع صوتهم في زحمة الأحداث. حاولنا أن نكشف خيوط المؤامرة، حتى لا تتكرر المأساة.
لقد حاولنا أن نكون منصفين. لم نكره أحدًا بلا سبب، ولم نحب أحدًا بلا دليل. قدمنا الوقائع كما هي، وتركنا للقارئ حرية الحكم. لكننا في الوقت نفسه لم نتوان عن إبداء رأينا، عندما تطلبت الحقيقة ذلك.
لقد حاولنا أن نكون أدباء. استخدمنا اللغة بكل جمالياتها، لننقل المشاعر كما ننقل الوقائع. كتبنا بدموعنا أحيانًا، وبضحكاتنا أحيانًا أخرى. لأن ما حدث يستحق أن يروى بأرقى لغة.
والآن، تنتهي الرحلة. تنتهي صفحات هذا الكتاب، لكن الرحلة الحقيقية لم تنته بعد. الرحلة مستمرة في شوارع تونس، وفي بيوت السوريين، وفي مخيمات الفلسطينيين، وفي قلوب كل العرب الأحرار.
الرحلة مستمرة نحو العدالة. نحو محاكمة كل المجرمين الصهاينة والامريكان والقطريين والأتراك ومن لف لفهم . نحو استرداد كل الحقوق. نحو بناء مستقبل أفضل.
الرحلة مستمرة نحو فلسطين. نحو يوم تعود فيه إلى أصحابها. نحو يوم ترفع فيها راية الحرية.
الرحلة مستمرة نحو سوريا. نحو يوم تعود فيها موحدة. نحو يوم يرفع عنها الاحتلال.
الرحلة مستمرة نحو تونس. نحو يوم تكتمل فيها مسيرة الإصلاح. نحو يوم تتحقق فيها كل أحلام الشهداء.
فلا تتوقفوا. لا تيأسوا. لا تكلوا. الطريق طويل، لكن النصر قريب.
14. وصية إلى القارئ
إلى القارئ العزيز، الذي رافقنا في هذه الرحلة الطويلة، نوجه هذه الوصية:
لا تنسَ. لا تنسَ ما حدث. لا تنسَ أسماء الضحايا. لا تنسَ جرائم المجرمين. لا تنسَ تواطؤ الصامتين. الذاكرة هي أول خطوات العدالة.
انقل ما قرأت. حدث به الآخرين. شاركه مع أصدقائك. ناقشه في مجالسك. المعرفة تنتشر بالكلمة، والكلمة هي سلاحنا في وجه التضليل.
طالب بالعدالة. لا تكتفِ بالقراءة. كن فاعلاً. طالب بمحاكمة المجرمين. طالب باسترداد الأموال المنهوبة. طالب بإصلاح المؤسسات. صوتك مهم، وصوتك مسموع.
كن مع الحق. مهما كانت الضغوط. مهما كانت المغريات. كن دائمًا مع الحق. فالحق يعلو ولا يُعلى عليه.
أحب تونس. هذا الوطن الذي ضحى من أجله الآلاف. هذا الوطن الذي يستحق منا كل الحب والوفاء. كن تونسيًا، وكن عربيًا، وكن إنسانًا.
وكن دائمًا مع فلسطين. فلسطين هي بوصلتنا. هي اختبار إنسانيتنا. من يخون فلسطين يخون نفسه. ومن يدعم فلسطين يدعم الإنسانية كلها.
وكن مع سوريا. مع شعبها الصامد. مع أطفالها الجياع. مع نسائها الثكالى. سوريا تستحق منا كل الدعم.
وكن مع الرئيس قيس سعيد. مع هذا الرجل الوطني النزيه، الذي ضحى بكل شيء من أجل تونس. سنده، وادعمه، وكن معه في معركته.
وأخيرًا... لا تيأس. مهما طال الظلام، الفجر قادم. مهما كثر الباطل، الحق سينتصر. مهما تأخرت العدالة، ستأتي يومًا.
كما قال الشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي:
"إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر"
📝 كلمة أخيرة
صدر هذا الكتاب في وقت دقيق من تاريخ تونس والعالم العربي. وقت تتحقق فيه العدالة في تونس، وتستمر فيه المأساة في سوريا، وتتصاعد فيه المقاومة في فلسطين.
نأمل أن يكون هذا الكتاب إضافة متواضعة إلى المكتبة العربية في موضوع غاية في الأهمية. ونأمل أن يساهم في فضح جرائم الإسلام السياسي، وكشف خيوط المؤامرة الدولية على أمتنا.
……
فهرس الكتاب
دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحيم
مقدمة الكتاب: حين أصبحت تونس بوابة الموت
· ليلة الخميس التي توقف فيها الزمن · مطار تونس قرطاج: من بوابة أحلام إلى بوابة موت · الدم التونسي: من هم هؤلاء الشباب؟ · صوت من الجحيم: شهادة عائد · من هم الجناة؟ خريطة المسؤولين · الرئيس قيس سعيد: الرجل الذي أنقذ تونس · الدوحة وأنقرة: قلب المؤامرة النابض · أمريكا وإسرائيل: المستفيد الأكبر · محاكمة القرن: العدالة أخيراً · لماذا هذا الكتاب؟ · شكر وتقدير
….
الفصل الأول: علي العريض وحكومة الترويكا - وزارة داخلية "موازية" لخدمة المشروع
· مقدمة: الرجل الذي حمل حقيبة الظل · من الزنزانة إلى الوزارة: سيرة لا تشبه أحداً · الثورة وصعود الترويكا: مشهد سياسي معقد · وزارة الداخلية في زمن العريض: بين مهمتين · شخصيات الأمن الموازي: فتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي · مطار تونس قرطاج: بوابة الجحيم · تنظيم أنصار الشريعة: العلاقة الملتبسة · شبكات التسفير: كيف كان يحدث؟ · المحاكمة: الأدلة والجدل · الخاتمة: مشهد من مأساة أكبر
……
الفصل الثاني: "هم أبناؤنا" - تصريح راشد الغنوشي كدليل إدانة
· مقدمة: اللحظة التي سقط فيها القناع · الغنوشي في سياقه: من "التكفير" إلى "الاعتدال" · التصريح: النص الكامل والسياق · لماذا قالها؟ تحليل دوافع التصريح · قراءة في المتن: ماذا يعني "هم أبناؤنا"؟ · ما بعد التصريح: ردود الفعل · التصريح في سياقه التاريخي: الإخوان والجهاديون علاقة ملتبسة · من الأبوة الفكرية إلى المسؤولية الجنائية: توظيف التصريح في المحاكمات · أبو عياض: الابن البار · التصريح في مرآة القانون: هل يمكن محاكمة الغنوشي؟ · خاتمة: قناع آخر أم حقيقة أخيرة؟
….
الفصل الثالث: محاكمة القرن التونسية - حكم الـ 24 عاماً كرسالة للتاريخ
· مقدمة: ليلة الخميس التي تغير فيها التاريخ · جذور القضية: من الشكوى إلى التحقيق · المتهمون: وجوه المأساة الثمانية · لائحة الاتهامات: جرائم بحق الوطن · مسار المحاكمة: من الاعتقال إلى الاستئناف · تفاصيل الحكم: الأرقام التي تتحدث · الأدلة التي أدانتهم: خيوط العنكبوت التي لا تنقطع · الرئيس قيس سعيد: الموقف الوطني والرؤية الإصلاحية · صراع الروايتين: وطنية العدالة مقابل اتهامات التسيس · الأرقام التي لا تُنكر: حجم الكارثة · دلالات الحكم: رسالة إلى الداخل والخارج · الانتقادات والرد عليها: موضوعية أم تسييس؟ · مقارنة بالأحكام الأخرى: محاكمة منظومة لا أفراد · خاتمة: فجر العدالة
….
الفصل الرابع: العصابة الأم - أردوغان وفيدان والمخابرات التركية في خدمة داعش والنصرة
· مقدمة: أنقرة.. عاصمة الظل · أردوغان وحلم الخلافة الجديدة · هاكان فيدان: مهندس الفوضى · اللقاء السري: أوباما وأردوغان وفيدان في البيت الأبيض · استضافة قيادات الإخوان: منصة بث السم · فتح الحدود: كيف عبر الجهاديون إلى سوريا · التنسيق مع داعش: حكاية الرهائن والصفقات · العلاقة مع جبهة النصرة: التناقضات الظاهرة · الموقف من تونس: عندما حاول أردوغان التدخل · اغتيال السفير الروسي: جريمة كبرى في أنقرة · التطبيع مع إسرائيل: كشف القناع · ترامب والجولاني: من وضع الإرهابي في القصر الرئاسي؟ · سوريا اليوم: تحت الاحتلال التركي · الدم التونسي في رقبة من؟ · خاتمة: العدالة آتية
…..
الفصل الخامس: سوريا الجريحة - من جيش عربي إلى محمية للاحتلالات
· مقدمة: سوريا التي كانت · الجيش العربي السوري: من البناء إلى التفكيك · الجولاني في القصر: المطلوب الدولي رئيساً · تركيا في الشمال: احتلال تحت غطاء "حماية الحدود" · أمريكا في الشرق: من محاربة داعش إلى دعم قسد · إسرائيل في الجولان: احتلال مستمر واستيطان متواصل · خريطة التقسيم: سوريا بين أربع سيطات · الاقتصاد المنهوب: الغلاء الذي يطحن المواطن · الدم التونسي في سوريا: شهادات من الجحيم · قيس سعيد وسوريا: موقف مبدئي لا يتغير · من المسؤول؟ خريطة الجناة · خاتمة: سوريا تنتظر الخلاص
….
الفصل السادس: معاناة السوريين اليوم - الكهرباء، الغلاء، والخدمات المنهوبة
· مقدمة: سوريا بعد عام من "التحرير" · فواتير الكهرباء: الراتب يذهب في الظلام · الخبز والغاز: الجوع على الأبواب · المواصلات والتعليم والصحة: خدمات تلاشت · الحكومة الصامتة والمواطن الغاضب · فقراء جدد: الطبقة الوسطى تموت · من البطل إلى الجلاد: فشل الجولاني الذريع · الدور التركي: من محرر إلى محتل · أموال قطر ودماء السوريين · ترامب والجولاني: عندما يضع الأميركيون الإرهابيين في القصور · إسرائيل في الجولان: احتلال مستمر وانتهاكات يومية · الدم التونسي في سوريا: شهداء مجهولون · قيس سعيد وسوريا: موقف مبدئي لا يتغير · خاتمة: سوريا تنتظر الخلاص
---
الفصل السابع: الرئيس قيس سعيد ومعركة استعادة الدولة - العدالة كخيار وطني
· مقدمة: الرجل الذي قال لا · من هو قيس سعيد؟ سيرة وطن · الرؤية: مشروع استعادة الدولة · 25 يوليو 2021: تصحيح المسار · فتح ملفات الفساد والإرهاب · قضية التسفير: العدالة أخيراً · البعد الإقليمي: قطر وتركيا في قفص الاتهام · الموقف من فلسطين: ثابت وطني لا يتزعزع · النقد والرد: موضوعية أم استهداف؟ · رؤية للمستقبل: تونس الجديدة · تونس وإخوان سوريا: موقف لا لبس فيه · خاتمة: الرجال يصنعون التاريخ
---
الفصل الثامن: مافيات الإسلام السياسي - شبكة دولية عابرة للحدود
· مقدمة: العصابة التي حكمت العرب · قطر: القلب المالي للمافيا · تركيا: الحاضن الإقليمي والإستراتيجي · الجزيرة وغيرها: الإمبراطورية الإعلامية · التمويل الخليجي: تريليونا دولار لتدمير سوريا · أمريكا وإسرائيل: المستفيد الأكبر · العلاقة مع داعش والنصرة: تداخل المصالح · الرد التونسي: قيس سعيد ومحاكمة المافيا · التحالف الخليجي-التركي: مصالح متبادلة · الدم التونسي في سوريا: شهداء مجهولون · الجولاني في القصر: تتويج المشروع · الدروس المستفادة: ماذا علينا أن نفعل؟ · خاتمة: العدالة آتية
---
الفصل التاسع: نحو عدالة شاملة - رؤية لمستقبل عربي بلا إخوان
· مقدمة: في نهاية الرحلة · محاكمة الكبار: من العريض إلى أردوغان وفيدان · استعادة الدولة: دروس من تونس · وحدة عربية جديدة: من المحيط إلى الخليج · فلسطين: قلب القضية العربية · الشعب السوري: لن ننساكم · الرد على الإمبراطورية الإعلامية · مستقبل تونس: ما بعد المحاكمات · دروس للأمة العربية · العدالة الشاملة: من المحلية إلى الدولية · رسالة إلى الجيل القادم
….
خاتمة الكتاب: العدالة في أفق تونس - من المحاكمة إلى الخلاص
· خاتمة ليست ككل الخواتيم · ماذا تعلمنا من هذه الرحلة؟ · محاكمة العريض: لماذا كانت مهمة جداً؟ · ماذا بعد المحاكمة؟ · رسالة إلى عائلات الضحايا · رسالة إلى الشباب التونسي · رسالة إلى الأمة العربية · رسالة إلى العالم · الرئيس قيس سعيد: في مدح الرجال الذين يصنعون التاريخ · فلسطين: الجرح الذي لا يندمل · سوريا: الجرح السوري في العيون التونسية · العدالة الشاملة: من تونس إلى العالم · نهاية الرحلة وبداية الطريق · وصية إلى القارئ
…..
ملاحق الكتاب
الملحق الأول: نص الحكم القضائي بحق علي العريض ورفاقه
· حيثيات الحكم كاملة
الملحق الثاني: أسماء ضحايا التسفير التونسيين في سوريا
· قائمة بأسماء من تم توثيق استشهادهم
الملحق الثالث: وثائق التحقيقات
· نماذج من الوثائق الرسمية التي كشفت تفاصيل القضية
الملحق الرابع: خطابات الرئيس قيس سعيد الرئيسية
· مختارات من خطابات الرئيس قيس سعيد حول قضايا التسفير والفساد وفلسطين
الملحق الخامس: شهادات عائدين من سوريا
· نصوص كاملة لشهادات شباب تونسيين عادوا من بؤر التوتر
…..
المراجع والمصادر
· المصادر القضائية الرسمية · شهادات حصرية · تقارير إعلامية موثقة (باستثناء مصادر محمية العيديد) · دراسات وأبحاث أكاديمية
….
فهرس الأعلام
· قائمة بأسماء الشخصيات الواردة في الكتاب
فهرس الأماكن
· قائمة بأسماء المدن والبلدان الواردة في الكتاب
….
تم إعداد هذا الفهرس وفقاً للمخطط النهائي للكتاب المكون من عشرة فصول، مقدمة، وخاتمة، بالإضافة إلى الملاحق والفهارس المساعدة.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
-
قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية،
...
-
كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
-
تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
-
دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب
...
-
كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب
...
-
دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
-
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون
...
-
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة
...
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
-
-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة
...
-
إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال
...
-
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم
...
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
المزيد.....
-
دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
-
-عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن
...
-
11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
-
حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل
...
-
عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية
...
-
حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل
...
-
-غلطة شنيعة-.. مرشد يشوه هرم أوناس بمصر والمنصات تتفاعل
-
نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن -الم
...
-
بعد -عاصفة غزة-.. اجتماع طارئ لبحث مستقبل مهرجان برلين السين
...
-
محمد القَريطي.. -بشير الإفطار- الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6
...
المزيد.....
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
المزيد.....
|