أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بعد؟














المزيد.....

الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بعد؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 09:33
المحور: القضية الكردية
    


في غربي كوردستان، نتصرف أحيانًا وكأن الدولة قد وُلدت، وكأن السيادة قد استقرت، وكأن الصراع بيننا هو صراع برامج داخل نظامٍ مكتمل. أنصار الإدارة الذاتية يتحدثون بلغة السلطة، وأنصار المجلس الوطني يتحدثون بلغة المعارضة، وكأننا داخل دولة مستقرة لا تهددها الجغرافيا ولا تحاصرها الحسابات الإقليمية. غير أن هذا التصوير المريح يخفي مفارقة خطيرة: نحن نستعير منطق الدولة قبل أن تتوافر شروطها، وندير خلافاتنا بعقلية كيانٍ لم يُحسم بعد وجوده السياسي.
والمفارقة الأعمق أن هذا السجال يجري في لحظة تراجع حقيقية. ففي الشهور الأخيرة تحديدًا، خسر الطرفان جزءًا مهمًا من مكتسباتهما السياسية، سواء بفعل إعادة تموضع الحكومة السورية الانتقالية، أو نتيجة تبدّل الأولويات الإقليمية، أو في ظل انكفاء الدعم الأمريكي عن قوات سوريا الديمقراطية. لا الإدارة الذاتية بقيت سلطة مكتملة، ولا المجلس الوطني أصبح معارضة قادرة على فرض معادلة جديدة. ومع ذلك، يُدار الخلاف بينهما بلغة سلطة ومعارضة مستقرتين، بينما الواقع يشير إلى هشاشة مشتركة وتراجع متزامن.
فهل نحن فعلًا سلطة ومعارضة داخل دولة مستقلة، أم قوى متعددة داخل مشروع تحرري لم يكتمل بعد؟
منذ تصاعد الخلاف بين قوى الإدارة الذاتية وأحزاب المجلس الوطني الكوردي في غربي كوردستان، يتكرّر توصيف المشهد بلغة تبدو مألوفة في الدول المستقرة، سلطة في مقابل معارضة، حكومة في مقابل خصوم سياسيين، برنامج في مقابل برنامج. غير أن هذا التوصيف، على بساطته الظاهرية، يخفي خللًا مفاهيميًا عميقًا، هل نحن فعلًا في حالة دولة مكتملة السيادة حتى نستعير منطقها السياسي؟
الدولة المستقرة تُدار بمنطق تداول السلطة، وتوازن المؤسسات، ووجود سيادة معترف بها وحدود مصونة. أما غربي كوردستان، فالمجال فيها لا يزال مجالًا تحرريًا هشًا، يتشكّل تحت ضغط إقليمي ودولي، ويعيش في ظل تهديدات أمنية دائمة، ويعتمد في بقائه على توازنات دقيقة. في مثل هذا السياق، يصبح استيراد نموذج “السلطة والمعارضة” بصيغته الصفرية مخاطرة سياسية لا مجرد اختلاف في المصطلحات.
وهذا لا يعني أن الإدارة الذاتية معصومة من الخطأ، ولا أن المجلس الوطني بلا مسؤولية في تعميق الهوة. كلا الطرفين ارتكب أخطاء سياسية وإدارية وتقديرية ساهمت في توسيع مساحة الشك المتبادل. غير أن معالجة هذه الأخطاء بمنطق كسر العظم لا تؤدي إلى إصلاحها، بل إلى مضاعفتها.
ليس المقصود هنا الدعوة إلى إلغاء التعدد أو تعليق النقد، فحركات التحرر التي ألغت التعدد تحولت سريعًا إلى أنظمة مغلقة. لكن المقصود هو التمييز بين التعدد المنضبط داخل مشروع تحرري جامع، وبين الصراع الصفري الذي يفترض أن أحد الأطراف يجب أن يُقصى كي يستقر المجال. في المراحل التأسيسية، الإقصاء لا ينتج استقرارًا؛ بل يفتح الباب لتصدع أعمق.
التاريخ الحديث لحركات التحرر يوضح هذه المعادلة بجلاء، حين تُقدَّم المنافسة الحزبية على وحدة المجال التحرري، يتقدم الخصم الخارجي بخطوات أسرع مما يتقدم أي طرف داخلي. فالانقسام في مرحلة التحرر لا يُقرأ خارجيًا بوصفه ديمقراطية ناشئة، بل يُقرأ بوصفه هشاشة قابلة للاستثمار.
في غربي كوردستان، توازن القوى بين الأطراف ليس تفصيلًا ثانويًا؛ إنه معطى بنيوي. لا أحد قادر على إلغاء الآخر دون كلفة وجودية. وحين يكون الحسم مستحيلًا، يتحول التصعيد إلى استنزاف. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، من يستفيد من استنزاف متبادل في مرحلة لم تكتمل شروطها السياسية بعد؟
حين يتعامل كل طرف مع ذاته بوصفه “الممثل الأجدر”، ويتعامل مع الآخر بوصفه عبئًا على المشروع، فإننا ننتقل من تنافس سياسي إلى صراع هوية. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الخلاف أكثر خطورة من كونه مجرد اختلاف برامج.
إن الخلط بين “الدولة” و” المجال التحرري” يقود إلى سوء تقدير خطير. فالدولة يمكن أن تحتمل معارضة قوية لأنها محمية ببنيتها المؤسسية. أما المجال التحرري غير المكتمل، فكل شرخ داخلي فيه ينعكس مباشرة على قدرته الدفاعية والسياسية. هنا يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي شرطًا للبقاء، لا مجرد خيار أخلاقي.
لا يعني ذلك تجميد الخلافات أو تذويب الفوارق بين مشروع الإدارة الذاتية ورؤية المجلس الوطني الكوردي. بل يعني إعادة ترتيب الأولويات، هل الهدف هو إثبات تفوق طرف على آخر؟ أم حماية المجال الكوردستاني في غربيه من التآكل قبل أن يستكمل شروط تحوله إلى كيان سياسي معترف به؟
إذا اعتبرنا أنفسنا في طور حركة تحرر وطني، فإن المعيار الأعلى لا يكون من يملك الشرعية التمثيلية الأكبر، بل من يحافظ على المجال المشترك من الانهيار. أما إذا افترضنا أننا دولة مكتملة، فإن منطق الغلبة الحزبية سيستمر في إنتاج استقطابٍ يتجاوز السياسة إلى المجتمع ذاته.
إن تحويل الخلاف بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني إلى معركة إثبات شرعية نهائية يضع الشارع الكوردي أمام خيارين خاطئين: إما الاصطفاف الكامل، أو التخوين الكامل. وبين الاصطفاف والتخوين تضيع المساحة الوطنية المشتركة التي بدونها لا تقوم حركة تحرر أصلًا.
المرحلة تفرض تعريفًا دقيقًا للذات، هل نحن سلطة ومعارضة داخل دولة مستقرة؟ أم قوى متعددة داخل مشروع تحرري لم يُحسم بعد؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد شكل الخطاب فحسب، بل تحدد طبيعة الصراع ذاته.
وفي بيئة لم تُحسم فيها السيادة ولم يكتمل فيها الاعتراف، فإن أخطر ما يمكن فعله ليس الاختلاف، بل إدارة اختلافاتنا بعقلية دولة لم تولد بعد، فنحوّل خلافًا قابلًا للاحتواء إلى استنزاف قد يُفقدنا ما تبقى من المجال الذي نحاول حمايته.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
26/2/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
- هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل ...
- الشرع بين تكليف ترامب وتصدّع الداخل
- جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السوري ...
- الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول ...
- الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إ ...
- الكونغرس يضع ترامب أمام حدود السلطة، لا حرب بلا تفويض دستوري
- مؤتمر ميونيخ 2026 يكرّس حضور القيادات الكوردية في معادلة الق ...
- روجافا لم تفشل، بل أُسقِطت على طاولة الصفقات
- بعد جلسة الكونغرس حول سوريا
- خالد مشعل بين إيران وتركيا: تبدّل الرعاة وثبات الوظيفة
- أمريكا تستهدف المركز وإسرائيل تضرب الأطراف، من يدير معركة إي ...
- حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، ...
- حين تُعاد هندسة الشرق الأوسط بالخوارزميات كوردستان في قلب ال ...
- ترامب وإدارة الفوضى الشرق الأوسط كساحة اختبار
- ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم
- لماذا صدر قانون «حماية الكورد»؟ وتحوّل الإجماع الأمريكي إلى ...
- حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وو ...
- ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان


المزيد.....




- الأونروا: فرقنا بغزة ترصد زيادة حادة في الإصابات الجلدية وا ...
- المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين: الأمر سيكون كارثيا ف ...
- حين تُحاكم الوثيقة أمام ميزان القانون: مسؤولية الاحتلال ومعا ...
- كوبا: الأمم المتحدة تحذر من تداعيات أزمة إنسانية -تتفاقم يوم ...
- 10 ملايين دولار.. مكافأة أميركية لاعتقال شقيقين يقودان عصابة ...
- الأمم المتحدة: عدد القتلى المدنيين في حرب السودان تضاعف أكثر ...
- الأمم المتحدة: عدد قتلى المدنيين في السودان قفز بأكثر من الض ...
- حكاية الفارس نصر الله: إعدام بدم بارد على مشارف مخماس في أول ...
- اضطرابات داخل الأمم المتحدة: تهديدات بالاستقالة احتجاجاً على ...
- خطة أممية بـ2.9 مليار دولار لإغاثة السودانيين.. ومناوي يتوعد ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بعد؟