أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - جدلية الوعي المتسامي: بين المادية التاريخية والوجودية















المزيد.....

جدلية الوعي المتسامي: بين المادية التاريخية والوجودية


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 20:48
المحور: قضايا ثقافية
    


إشكالية الوعي وصراع الجواهر
تُمثّل إشكالية الوعي المحور الأساس الذي تتركز حوله أعقد السجالات في تاريخ الفكر الإنساني؛ إذ تتشابك فيها التفسيرات الحيوية مع التأملات الميتافيزيقية والتحليلات الاجتماعية. إن محاولة فهم الوعي ضمن إطار يدمج المادية التاريخية بالجدلية الهيجلية والطروحات الوجودية، تفرض بالضرورة إعادة تعريف "الروح" والوعي بوصفهما صيرورات متغيرة لا جواهر ساكنة. يحلل هذا البحث مفهوم الوعي مُثبتاً طبيعته "المتسامية" التي تتجاوز المعطى الحسي المباشر، و"المتناهية" التي تخضع لزمنية الوجود المادي وأفق الفناء، وذلك عبر تشريح أبعاده المعرفية في ضوء الفلسفات الكبرى، بعيداً عن الجمود التقليدي الذي فصل بين الذات وموضوعها.

نقد الذات العاقلة والتحول نحو الوعي المنخرط
ينطلق التحليل المعاصر للوعي من رفض التصور الديكارتي التقليدي الذي حصر الوعي في فكر مجرد ومنعزل عن الواقع. إن مبدأ "أنا أفكر إذن أنا موجود" يفترض وعياً خالصاً لا يتطلب تموضعاً في العالم، وهو ما واجه نقداً لاذعاً من الوجودية والمادية اللتين اعتبرتا هذا الوعي "وهماً" غير فاعل. فالوعي ليس حالة ذهنية ساكنة أو مجرد مرآة عاكسة، بل هو "فعل وجودي" يُكتسب عبر الانخراط المستمر في الواقع.
إن الوعي، في جوهره، ليس معطىً جاهزاً يسبق التجربة، بل هو مشروع يُبنى من خلال الممارسة والعمل. وهنا يبرز مفهوم "الوجود لذاته" في مقابل "الوجود في ذاته"؛ فالأشياء المادية توجد دون وعي بوجودها، بينما الإنسان هو الكائن الوحيد الذي "يوجد" بمعنى أنه يعي وجوده ويتحمل مسؤوليته. هذا الانخراط يمنح الوعي حقيقته الواقعية، حيث يسبق الوجود الفعلي نقاء الوعي الصوري (سارتر، 1943).

الوعي كصيرورة وانخراط في العالم
تكمن ماهية الوعي في ديناميكية العلاقة بالوجود؛ فالوعي المجرد كـ "شيء في ذاته" مستحيل إدراكه كقوة فاعلة. لذا، يُنظر للوعي في الحاضرية الشاملة كنشاط مبدع يمنح المعنى للموجودات التي كانت، قبل التفاعل البشري، صماء بلا قيمة. هذا الانخراط يحول الوعي من مجرد نظرية إلى قوة تحقق المعنى الكوني، متجاوزاً الانغلاق نحو فضاء يسمح بتحقيق الذات عبر العلاقة مع الآخر.
إن الوعي "قاصدٌ" بطبعه، أي أنه دائماً وعيٌ بشيء ما خارج حدود الذات. هذه القصدية هي التي تكسر عزلة الفرد وتجعله في حالة "تسامٍ" مستمر فوق واقعه المباشر. الإنسان لا يكتفي بما هو كائن، بل يسعى دائماً نحو ما "ينبغي أن يكون"، وهذا هو جوهر التسامي الوجودي الذي يجعل من الوعي طاقة تحررية لا تقبل القيد.

الجدلية الهيجلية وصعود الوعي نحو الاعتراف
يمثل الجدل الهيجلي حجر الزاوية في فهم تطور الوعي من الإدراك الحسي البسيط إلى الوعي بالذات الذي ينال حريته عبر الصراع والتاريخ. في جدلية "السيد والعبد"، يطرح هيجل أن الوعي بالذات لا يتحقق بمعزل عن الآخر، بل هو نتاج ثقافي واجتماعي يتطلب اعترافاً متبادلاً (هيجل، 1807).
حين يلتقي وعيان مستقلان، ينشأ صراع حياة أو موت؛ إذ يرى كل منهما في الآخر تهديداً لمركزيته ومحاولة لتحويله إلى مجرد "موضوع" أو شيء. تكمن المفارقة الهيجلية في أن العبد هو من يحقق الوعي الحقيقي عبر "العمل"؛ فالعمل يحول الطبيعة لتجسد إرادة العبد، مما يمنحه وعياً بقدراته المبدعة، بينما يظل السيد معتمداً على العبد، فاقداً لاستقلاله الحقيقي. هذا يثبت أن الوعي حركة تطورية، والروح هي "المسار التاريخي" للوعي في سعيه نحو المطلق، وهو مسار مرتبط بالزمن لا جوهراً خالداً فوقه.

المادية التاريخية والوعي كنتاج للوجود الاجتماعي
أحدث ماركس وإنجلز ثورة فكرية بقلب الجدل الهيجلي، مؤكدين أولية المادة وأن الوعي نتاج متطور لها. في المادية التاريخية، لا يصنع الوعي التاريخ بشكل مستقل أو من فراغ، بل هو ظاهرة تابعة للوجود الاجتماعي والظروف المادية للإنتاج. القاعدة الاقتصادية والاجتماعية هي التي تشكل البناء الفوقي المتضمن للأفكار والقوانين والأخلاق (ماركس، 1859).
الوعي هنا ليس سراً غامضاً، بل هو لغة الحياة الواقعية. وبذلك، فإن تحرر الوعي لا يتم عبر التأمل الفلسفي وحده، بل عبر تغيير الظروف المادية التي تستلب هذا الوعي. إن الوعي الطبقي، على سبيل المثال، هو إدراك الذات لموقعها في العملية الإنتاجية، وهو الخطوة الأولى نحو الفعل الثوري الذي يغير العالم.

الوعي كظاهرة بزوغية متناهية
من منظور مادي علمي، يعد الوعي نتاجاً لأعضاء مادية معقدة، وعلى رأسها الدماغ. الروح في هذا السياق هي "أرقى نتاج للمادة"، ولا توجد بمعزل عن العمليات الحيوية والفسيولوجية. هذا الارتباط الوثيق ينفي خلود الوعي بالمعنى الغيبي؛ إذ يتغير الوعي بتغير أنماط العيش وينتهي بانتهاء ركيزته المادية.
ومع ذلك، يظل الوعي "متسامياً" بقدرته على التنبؤ وتجاوز المعطى المباشر. الوعي ليس مجرد رد فعل ميكانيكي، بل هو قدرة بزوغية تظهر حين تصل المادة إلى مستوى معين من التعقيد والتنظيم. إنه "المتجاوز" الذي يسمح للإنسان بصياغة مشاريع مستقبلية وتخيل عوالم لم توجد بعد (إنجلز، 1878).

الطروحات الوجودية: الوعي بوصفه عدماً وحرية
قدم سارتر برهاناً فريداً على أن الوعي "متسامٍ" لأنه في جوهره "عدم". يفرق سارتر بين "الوجود في ذاته" (الأشياء المكتملة والمغلقة على نفسها) و"الوجود لذاته" (الوعي البشري). الوعي ليس شيئاً ثابتاً، بل هو الفجوة التي تسمح بالحرية. وصفه بـ "العدم" يعني افتقاره لمحتوى محدد سلفاً؛ فالإنسان ليس له "ماهية" ثابتة كالحجر، بل هو ما يصنعه بنفسه.
الوعي يمتلك قدرة "النفي"، أي قول "لا" للواقع الراهن، وهذا النفي هو مصدر الحرية ومصدر القلق في آن واحد. التسامي هنا يعني أن الوعي دائماً "أكثر" من حاضره، إنه وثبة دائمة نحو المستقبل، وهروب من الجمود الذي تمثله المادة الصماء (سارتر، 1943).

تناهي الوعي في مواجهة الموت والزمنية
رغم قدرة الوعي الفائقة على التسامي، يظل وعياً "متناهياً" ومحكوماً بالزمن. يرى هايدغر أن الوجود الإنساني هو "كينونة نحو الموت"؛ فالموت ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو الإمكانية الجوهرية التي تحدد زمنية الوعي وتمنحه معناه. الوعي الأصيل هو الذي يواجه فناءه دون هروب، ويتحمل مسؤولية وجوده المحدود في زمن ضيق (هايدغر، 1927).
بالنسبة للوجودية، الموت هو اللحظة التي يتحول فيها الوعي من "مشروع" مفتوح إلى "شيء" منتهٍ، مما يثبت أن الوعي مرتهن بالفاعلية الحيوية. الروح، في هذا الإطار، هي "طاقة التجاوز" التي تجعل الإنسان كائناً أخلاقياً ومبدعاً، دون أن تمنحه حصانة من القدر المحتوم بالتناهي والعدم.

الأبعاد المعرفية والعلوم العصبية: بناء المعنى
تسهم العلوم العصبية الحديثة في كشف آليات تحويل الإشارات الحيوية إلى تجربة ذاتية غنية. تشير النظريات المعاصرة إلى أن الدماغ يعمل "كآلة تنبؤ" تعيد بناء العالم داخلياً ولا تكتفي باستقباله. الوعي يظهر كخاصية "بزوغية" لنظم عصبية فائقة التعقيد، حيث يخلق الدماغ "فضاء عمل عالمي" يوحد المعلومات المشتتة ويجعلها مادية متاحة للذات المدركة (ديهاين، 2014).
هذا المنطق العلمي لا يلغي البعد الفلسفي، بل يعززه؛ فالتسامي الذي تحدث عنه الفلاسفة يجد صداه في قدرة الدماغ البشري على "المحاكاة الذهنية" للواقع وتجاوزه عبر التخيل والابتكار، وهي عمليات مادية في أصلها، لكنها متعالية في نتاجها.

برهان المتسامي المتناهي
بناءً على ما تقدم، يمكن استنتاج أن الوعي "متسامٍ" بفعل خاصية القصدية وقدرته على النفي وتصور ما ليس موجوداً، وهو "متناهٍ" وغير خالد لارتهانه بالوجود التاريخي والركيزة المادية (الدماغ) وأفق الموت الحتمي. الروح، بهذا المفهوم، ليست كياناً أزلياً يسكن الجسد، بل هي "قدرة التجاوز" والفعل التي تحول الوجود من حالة "الشيء" الصامت إلى حالة "المعنى" الحي. إن الوعي هو التجلي الأسمى للحرية البشرية، وهي حرية تجد عظمتها في وعيها بحدودها وتناهيها، وفي سعيها الدائم لخلق القيم في عالم يفتقر إليها أصلاً.
----------------------------------------
المراجع
ديهاين، ستانيسلاس (2014). الوعي والدماغ: كيف يصوغ الدماغ رموز تفكيرنا. (ترجمة علمية متخصصة تبحث في ربط الفلسفة بالعلوم العصبية الحديثة).
سارتر، جان بول (1943). الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية. (المصدر الأساسي لبحث الوعي كعدم وحرية وقصدية).
ماركس، كارل (1859). إسهام في نقد الاقتصاد السياسي. (المرجع الرئيس حول تحديد الوجود الاجتماعي والظروف المادية للوعي).
هايدغر، مارتن (1927). الوجود والزمان. (لتحليل مفهوم التناهي، والزمنية، والكينونة نحو الموت).
هيجل، جورج ويلهلم فريدريك (1807). ظاهراتية الروح. (لفهم تطور الوعي عبر التاريخ وجدلية الاعتراف بين السيد والعبد).



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تجليات العدم المضيء - نص ميتا سريالي
- رقصةُ -المخدّر الموزون- على مِقصلةِ -العدم- نص ميتا سريالي
- جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي
- التفاعل الجدلي بين الموروث الحيوي والسيادة الثقافية
- كرنفال المسخ: رقصة أوربوروس نص ميتا سريالي
- الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضار ...
- يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا ...
- قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
- الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات ...
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية


المزيد.....




- منها طفلة تقبل إبستين.. CNN تعثر على أكثر من 100 صورة نشرت د ...
- تحليل لـCNN يوضح: هل نفدت خيارات ترامب بشأن موقفه من إيران؟ ...
- وزير خارجية عُمان: أمريكا وإيران أحرزتا تقدمًا كبيرًا الخميس ...
- مسلسل -القيصر لا زمان ولا مكان-: استغلال درامي لمعاناة السجن ...
- عُمان: انتهاء الجولة الثالثة من المحادثات الإيرانية الأمريكي ...
- بين الاستدامة وغلاء المعيشة: سوق السلع المستعملة تحقق المليا ...
- إدارة ترامب تلجأ للقضاء لإنهاء وضع الحماية المؤقتة للسوريين ...
- فرص التفاهم بين طهران وواشنطن والفخاخ المحتملة
- أيام الله.. مقاصد الصيام في القرآن الكريم
- -تقدم مهم- في مفاوضات أميركا وإيران.. وجولة رابعة منتظرة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - جدلية الوعي المتسامي: بين المادية التاريخية والوجودية