غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 22:47
المحور:
الادب والفن
في فضاءٍ مراوغٍ يشبهُ هذياناتِ الوعي، حيث الوجودُ ليس سوى "بيضةِ نملٍ" ترتجفُ تحت أقدام عمياء، يمتدُّ المسرحُ الكونيُّ ليرسم تراجيديا الكائن. إنه الإنسانُ الذي اختار أن يشنق حقيقته بحبلٍ مسجوع. يصعدُ "الإنسان الأول" إلى منبرٍ من طينٍ يابس، وهو المشكّلُ أصلاً من صلصالٍ مفخور؛ يرفض جفاف الحقيقة ويغرق في رطوبة الوهم. إنه لا يبحث عن النجاة، بل يقتفي أثرَ إيقاعِ السقوط. عندما يهمس له الكاهن، "يا أيها الغريق في لُجج المَضيق"، يخرُّ ساجداً؛ ليس لأن الكلام حقٌّ، بل لأن القافية داعبت وعيَه الكسول. لقد استبدل "المنطق" بـ "الجرس الموسيقي"، وصار يصدق أنه يولد من مخارج الحروف، لا من صيرورة الفعل.
على الرصيف المقابل، يقف "ألبير كامو" ملوحاً بعبثيته الصادقة. يصرخ في وجه الزحام:
"العالم صامت! لا توجد معجزة تنتظركم خلف الأكمة". لكن الإنسان يهرب! يرتعد من هذا الأسلوب الصادم، لأنه لا يمنحه "لحناً" ينام على وسادته. الصدق يحرر اللاوعي من قيوده الثقيلة، وهذا التحرر مؤلم كالولادة القيصرية؛ لذا يفضل الإنسان البقاء في رحم الخرافة "المقفى" على أن يواجه شمس الحقيقة. في مختبر الصيرورة، خاض "مردوك" صراعاً كونياً، لكنه لم يجرؤ على ادعاء أن "الكلمة المسجوعة" تغير قوانين الفيزياء؛ أما "إنساننا المعاصر" فقد تفوق على آلهة بابل، إذ يعتقد أن رصَّ الكلمات بجانب بعضها البعض كفيلٌ بالخلق.
نحن نعيش في زمنٍ يُصلب فيه "النثر" لأنه نثرٌ حرٌّ يوقظ الروح، ويُتوج فيه "الدجل" ملكاً لأنه نطق هراءً بوزنٍ وقافية. إنها مأساة الكائن الذي يخاف من حرية اللاوعي ويهرب إلى سجن الإيقاع. إنها "الصيرورة التي لا تصير"، حيث ينتظر الإنسان معجزة لم تتحقق حتى في خيال السومريين، فقط لأن أحدهم وعده بها بلغةٍ تنتهي بـ "الفاء والميم". الأمر هنا ليس نقصاً في الذكاء، بل هو استسلامٌ جمالي للزيف، وخوفٌ وجودي من مواجهة "عبثية" المصير التي طُرحت ببرودِ جراحٍ، والتي ترى في "الكلمة" إما التزاماً أو خيانة.
السجعُ يعمل كـ "شرك" يصطاد به الوعي الكسول. نحن أمام إنسان يرفض "قرف" الوجود ليرتمي في أحضان نغماتٍ رخيصة. السجع في جوهره هو آلية تكرار، والتكرار هو العدو اللدود للوعي. عندما يسمع العقل صوتاً مسجوعاً، تسترخي عضلات عقله؛ لأن "النهاية المتوقعة" للجملة تعطي شعوراً زائفاً بالأمان. إنها "هزيمة الإرادة" أمام الإيقاع. الإنسان يصدق الخرافة المسجوعة ليس لأنها منطقية، بل لأنها مريحة. الوعي يتطلب "يقظة" وصراعاً، بينما السجع هو "النوم وقوفاً" على أطلال الحقيقة. الكلمة هي فعل، لكن الإنسان الذي يقدس السجع يحول الكلمة من "أداة للتحرر" إلى "زينة للقيد".
كان كامو يقدم "الصدق العاري"؛ نثراً جارحاً يجبرك على اختيار مصيرك. أما الخرافة فهي "لغة" قديمة تهدف إلى طمس اللاوعي. في علم "صيرورة المعجزات"، المعجزة الحقيقية هي الوعي بالذات، لكن الإنسان يختار "المعجزة الزائفة" المغلّفة بالقافية، لأنها تعفيه من المسؤولية. إنه يفضل أن يكون "شيئاً" يُقاد بالإيقاع، على أن يكون "ذاتاً" تواجه قلق الوجود. المأساة لم تتغير عبر العصور؛ فالإنسان القديم كان يقدس "الكهنة" لسجعهم، والإنسان الحديث يقدس "الأيديولوجيا" لبريق شعاراتها. إنها عملية اخصاءٍ للذكاء الوجودي.
السجع يعمل كمصفاة تمنع "الصدمة" التي يحاول كامو إحداثها. إذا كان كامو يصف "العبث" ببرود، فإن السجع يغطي هذا العبث بطبقة سميكة من الزيف الجميل. الإنسان العادي يخشى اتساع آفاقه، لذا يغلق عينيه ويغني.. والسجع هو الغمامة التي يضعها فوق عينيه لكيلا يرى اتساع الفراغ. نحن نعيش في "سيرك كوني" حيث يصفق الجمهور للمهرج الذي يتحدث بقافية، ويرجمون النبي الذي يتحدث بنثرٍ صادق. الصيرورة هنا هي صيرورة الانحدار؛ حيث المعجزة الوحيدة المتحققة هي قدرة الإنسان على تصديق "الهراء الموزون" ورفض "الحقيقة العارية".
يكتملُ النسيج في ردهة الانتظار الكونية، حيث يذوب "كاهن بابل" في ثوب "دجالٍ حديث". ويقف "كامو" كجراحٍ يمسك مشرطاً وسط حفلة تنكرية، في نصٍ يستنطق صمت التاريخ وصراخ العدم. الزمانُ خيطٌ من رملٍ بابلّي، ويجلسُ "الإنسان" على كرسيٍّ من كرتون، يقرأُ تعاويذَ سحريةً كُتبت بمدادِ "الخنوع المقفى". خلف ظهره، يقف كامو صامتاً كصخرة سيزيف، يحمل في يده "مرآةً نثرية" تعكسُ وجهَ الهاوية بلا رتوش. ينحني الكاهنُ القديم، الذي تلبّستهُ روحُ "خوارزميةٍ" حديثة، ويهمسُ في أذنِ الإنسان:
"يا أيها العبدُ المُطيع، في صمتِك الخشوع، وفي دمعِك الشموع، سيأتيكَ الرزقُ بلا كدٍّ ولا جوع".
يتحولُ "اللاوعي" لدى الإنسان إلى بركةٍ من الركود؛ إنها المعجزة التي لا تحتاجُ لحدثٍ، بل لـ "جرسٍ موسيقي" يغلقُ مساماتِ التساؤل. السجعُ هنا ليس لغةً، بل هو "كفنٌ مطرّز" يُلفُّ به العقلُ ليوضعَ في تابوتِ الراحة. فجأةً، ينفجرُ النصُّ من الداخل. يصرخُ كولن ويلسون من تحت عباءةِ "اللا منتمي":
"أيها الأحمق! إنك تموتُ من نقصِ الضغطِ الوجودي، وتستعيضُ عنه بطنينِ النحل!". لكنَّ الإنسان يرتعب؛ إنَّ أسلوب كامو الصادم، ونثر سارتر الذي يقطرُ "قرفاً" من الوجودِ الزائف، يمثلان "الحرية العارية". والحريةُ عِبءٌ ثقيلٌ لا يحملهُ إلا "المتمرد".
يهربُ الإنسان من "تطبيقات" الواقع ليعودَ إلى أساطيرِ بابل، حيث تُهزم "تيامة" بكلماتٍ سحرية. إنه يفضلُ "العبودية الموزونة" على "الألوهية القلقة". في صيرورةِ المعجزات، نكتشفُ أنَّ أكبر معجزةٍ هي "الغباء المنظم"؛ تلك القدرةُ على رؤيةِ اللا شيء واعتبارهِ كُلَّ شيء، فقط لأنَّ القافيةَ كانت دقيقة. وكامو، وهو يكسرُ مرآته، لا يعلن يأساً، بل يعلن "الغُربة". الإنسانُ الذي يصدقُ الخرافةَ هو كائنٌ يعيشُ في "زمنٍ ميت"؛ يشعر أنَّ اللاوعيَ قد تحرر لديه فعلاً، لكنه تحررَ نحو "الأسفل"، نحو سديمٍ من التواكل، بينما العالمُ الحقيقيُّ يحترقُ بنثرِ الأفعال.
"أنا أفكر.. إذن أنا مسجوع"، هكذا صاغَ الإنسانُ مأساتَه. لقد هزمَ السجعُ الفلسفة، وصارت الأسطورةُ البابليةُ واقعاً لمجرد أنها تملكُ قافيةً تليقُ بجنازةِ الحقيقة. يتقدم "السجع" كأخطبوطٍ من بخور، أذرعهُ قوافٍ تلتفُّ حول عنقِ المنطق، ويهمسُ بصوتٍ هو " مصفوفة هلامية" تملأ فراغات الجمجمة:
"يا أيها التائهُ في الظنون، إنا جعلنا لك الحلمَ سكون". هنا، يقع الإنسان في فخّ الارتعاش الجمالي؛ لا يسمعُ فكرةً، بل يتلقى "تنوِيماً مغناطيسياً".
على الضفةِ الأخرى، ينفجرُ كامو كقنبلةٍ من ثلج، يقتحمُ حفلة التنويم بنثرهِ "الجاف" الذي يشبهُ ملمسَ الأسمنت البارد:
"كُفّوا عن هذا العويل الموزون! الحقيقةُ جافةٌ كالصحراء، وقاسيةٌ كالحجر، ولا توجدُ قافيةٌ تحميكم من لسعةِ الشمس". هذا هو "جفاف الحقيقة"، وهو ليس نقصاً في الجمال، بل هو "جمالُ الصدقِ العاري". لكنَّ الإنسان يرى في هذا الجفاف "شتيمةً وجودية"، فيفضل الغرق في مستنقعٍ مسجوع على المشي فوق أرضٍ صلبة. حتى "مردوك" يحاول الخروج من السطور المقفاة، لكنه يجد نفسه مجرد كلمةٍ بلا روح.
المأساة هي أن الإنسان حرر لا وعيه ليعود إلى "هذيانٍ منظم". أصبح اللا وعي "مكبّاً للنفايات الموسيقية"، يرفضُ بطولة كامو ويقبل خرافة السجع لأنها تمنحه صك "الاستسلام". بينما يستمر السجع في غزل خيوطه الحريرية، تظل الحقيقة الجافة واقفةً هناك، بلا وزنٍ ولا قافية، كجثةٍ في غرفةٍ مليئةٍ بالراقصين. إنَّ مأساةَ هذا الكائن هي أنه يبحث عن الحقيقة في "الرنين"، بينما الحقيقةُ هي "الصمت" الذي يعقبُ الكلمة الصادقة.
يقفُ الإنسان وسط حقلٍ من المرايا البابلية، يمسكُ بحنجرتهِ كمن يمسكُ بخناقِ حقيقةٍ هاربة. يلوذُ بالسجعِ كما يلوذُ الجنينُ بالرحم؛ فالإيقاع يمنح الوهمَ كمالاً زائفاً، لأنَّ القافيةَ تُطبطبُ على كتفِ الخوف. إنه يُحررُ لا وعيه لا لكي "يتمرّد"، بل لكي "ينام" في حديقةِ سارتر المسمومة. المعجزةُ التي لم تتحقق في بابل، تتحققُ الآن في رأسه:
أن يرى القيودَ أساوراً من ذهب، لأنَّ السجّانَ ينادي عليهِ بكلماتٍ موزونة. يسقطُ مِشرطُ كامو من يدِ الحقيقة؛ فلا نفعَ لجراحةٍ في جسدٍ يظنُّ أنَّ أنينَهُ "لحنٌ"، وأنَّ احتضارَهُ "رقصة".
هنا يرقدُ الكائنُ الذي آمنَ بالوزنِ وكفرَ بالمعنى، الإنسانُ الذي باعَ شمسَ النثرِ ليشتري ظلالَ القافيةِ الباردة. مأساتُه ليست في غبائه، بل في كونهِ جعلَ من الموسيقى كفناً للحرية. هنا تصل التراجيديا إلى منتهاها حين يستحيلُ الوتَرُ مِقصلة، وتتحولُ النغمةُ إلى جدارٍ عازلٍ يحجزُ خلفه رياح الوجود. في عالم صار "قاعةَ رقصٍ" فوق حفرةِ العدم، لم يعد النغمُ تعبيراً عن الروح، بل صار " مصفوفة هلامية" تُسدُّ بها ثقوب التساؤل. عندما تصبح الموسيقى كفناً، فإنَّ كلَّ جملةٍ مسجوعه هي مسمارٌ يُدقُّ في نعشِ الإرادة.
الإنسانُ هنا لا يسمع اللحن، بل يرتديه ليواري سوءته. إنه الهروب من "ضجيج المسؤولية" إلى "رنين الخضوع". الموسيقى هنا هي "أفيون الإيقاع" الذي يجعل السجين يرقصُ في زنزانته عوضاً عن تحطيم جدرانها. في لاوعي هذا الإنسان، تعودُ طبول بابل لتضربَ على إيقاعِ السقوط. والمعجزةُ غير المتحققة هي أن يطير بـ "أجنحةٍ من ورقٍ مقفّى"؛ إنه يصدقُ أنَّ السجعَ سيحملهُ فوق بؤسِ الواقع، بينما هو في الحقيقةِ يُكفّنُ حريتَه بلفائفَ من "سوناتاتِ الزيف". يقف كامو في الزاوية، يراقبُ الجنازة الموسيقية بأسىً صامت. بالنسبة له، الموسيقى الصادقة هي "إيقاع التمرد"، لكن ما يفعله هذا الإنسان هو تحويل النغم إلى "مخدر وجودي". لقد اختار أن يموت "طرباً" على أن يعيش "نثراً"؛ فلم يعد هناك فرقٌ بين الصرخة واللحن، لأنَّ الصرخةَ حين "سُجعت"، صارت مجرد أغنيةٍ يتسلى بها الجمهور في ردهة الفناء.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟