أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الترائب .














المزيد.....

مقامة الترائب .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 20:35
المحور: الادب والفن
    


مقامة الترائب :

يكثر المندلاوي الجميل من نصوصه العاطفية هذه الأيام , وكأنه يسابق الأيام , ونحن في آخر محطات العمر , وهاهو يقول : (( محطة استراحة , صورة شعرية مازالت تتكرر في الشرق ,لقد حاولن ان يرسلن قبلة في الهواء إشارة حب , ولكنهن خفن مراقبا, فانزلقت ايديهن فتظاهرن بوضع اليد على صدورهن , ثم ابتسمن فكشفن عن اسنان تشبه الوفر في البياض , فخاف من ان أنفاسه الحارة تذيب الوفر , لكنه اكتشف انه هو الذي ذاب , قال المتنبي : حاولن تفديتي وخفت مراقبا فوضعن ايدهن فوق ترائبا , وبسمن عن برد خشيت اذيبه من حر انفاسي فكنت الذائبا )) , أرأيتم كيف رسم المندلاوي جسراً جمالياً بين الخاطرة النثرية وبين كلاسيكيات الشعر العربي ؟؟

النص ليس مجرد اقتباس , بل هو عملية تحديث لصورة شعرية قديمة , بدأ المندلاوي بسرد مشهد عصري (( محطة استراحة )) , ثم كشف في النهاية أن هذا المشهد هو ذاته الذي صوره المتنبي قبل أكثر من ألف عام , هذا يؤكد فكرة (( ديمومة الشعور الإنساني )) , فالخوف من الرقيب وحيلة المحبين لم تتغير بتغير العصور , والمفارقة والذكاء الحسي في خداع الرقيب والتحول المفاجئ من حركة (( إرسال القبلة )) إلى (( وضع اليد على الصدر )) هو انتقال من التعبير الصريح إلى التعبير الرمزي المتردد , ولعبة الأضداد - الحرارة والبرودة -من خلال استخدام ثنائية (( البرد/الثلج )) مقابل (( الأنفاس الحارة )) , المفارقة هنا أن المتنبي (والكاتب) خافا أن تذوب أسنان الحبيبة (( التي تشبه الثلج )) من حرارة الشوق , لكن النتيجة كانت عكسية , فالحرارة لم تذب الثلج , بل أذابت كيان المحب نفسه.

لقد ركز نص المندلاوي في صورته البصرية على الحركة (( انزلاق الأيدي , الابتسام )) , بينما ركز بيت المتنبي على الوصف الثابت الذي ينفجر عاطفة , والتشبيه بـ (( الوفر )) - وهو الثلج المتراكم - يعطي إيحاءً بنقاء وبرودة تزيد من اشتعال نار الشوق , الا ان ما يثير الإعجاب في هذا النص هو قدرته على إثبات أن (( الشرق )) لا يزال يحتفظ بذات الحياء والقيود الاجتماعية التي تخلق بدورها (( جماليات الالتفاف )) , وفي الشرق , الحياء هو منبع الفن , فلو كانت القبلة قد وصلت في الهواء مباشرة , لأنتهى المشهد , لكن وجود (( المراقب )) هو الذي خلق الحركة الدرامية - وضع اليد على الصدر- التي تحولت إلى رمز أعمق للحب.

ثم نأتي على جمالية تفوق العاطفة على المنطق , ففي الفيزياء , الحرارة تذيب الثلج , لكن في فيزياء المتنبي , (( الثلج )) - الجمال البارد/الأسنان - هو الذي أذاب (( النار )) - المحب - وهذا قلب للموازين المادية لصالح الموازين العاطفية , أن الجمال البارد لم يذب , بل (( استهلك )) طاقة المحب حتى أفناه , مما جعل القوي (( النار )) يذوب أمام الساكن (( الثلج )) , ويظل بيت المتنبي هو (( القفلة )) المدهشة , لأن استخدام كلمة (( ترائبا )) - موضع القلادة من الصدر- يعطي بعداً حسياً رفيعاً , وكلمة (( الذائبا )) في الختام تلخص حالة الاستسلام التام للجمال , وخلاصة القول , يمثل النص تحية وفاء للمتنبي , وإثبات بأن الشعر العظيم لا يموت , بل يسكن في تفاصيل حياتنا اليومية , حتى في محطات الاستراحة العابرة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .


المزيد.....




- ليلةُ -سيمفونية الملكة- في رويال ألبرت هول
- تواصل الجدل.. هل تطيح حرب غزة بمديرة مهرجان برلين السينمائي؟ ...
- أزمة في مهرجان برلين السينمائي: اجتماع حكومي طارئ بعد احتجاج ...
- ابن بطوطة.. -عين التاريخ- التي رصدت نبض الأمة في ليالي رمضان ...
- من صوت أم كلثوم لاستعراض شريهان.. رحلة الفوازير من الإذاعة إ ...
- لحم خنزير على الطاولة.. مسلسل تركي يخسر جمهوره بعد عشاء مثير ...
- الملوخية.. طبق الملوك الذي يجمع الموائد العربية بين الأصالة ...
- ألمانيا تستدعي منظمي مهرجان برلين السينمائي بعد اتهامات بالت ...
- علي البرّاق.. صوت رمضان الغائب الحاضر في كل بيت تونسي
- 9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الترائب .