أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ودلالاته















المزيد.....

تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ودلالاته


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 14:06
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


أعلن البنك المركزي المصري في فبراير 2026 أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 سجلت نحو 41.5 مليار دولار، بزيادة تقارب 40 بالمائة مقارنة بالعام السابق، وهو رقم قياسي غير مسبوق في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث. لا يمكن النظر إلى هذا الرقم بوصفه مجرد زيادة كمية في التدفقات النقدية، بل يتعين التعامل معه باعتباره مؤشرًا مركبًا يعكس تحولات في السياسة النقدية وسلوك المهاجرين وبنية سوق الصرف وموقع الهجرة في الاستراتيجية الاقتصادية للدولة.

أول ما يلفت الانتباه في هذه القفزة الكبيرة هو التوقيت، فقد جاءت بعد مرحلة اتسمت باضطرابات حادة في سوق الصرف ووجود فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وما صاحب ذلك من تراجع نسبي في التحويلات الرسمية خلال بعض فترات 2023 و2024 نتيجة اتجاه جزء من التدفقات إلى قنوات غير مصرفية، وعندما تم توحيد سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السوقين استعاد الجهاز المصرفي الرسمي قدرته على جذب التحويلات وهو ما يعني أن جزءًا كبيراً من الزيادة المسجلة في 2025 لا يعكس فقط ارتفاعًا في حجم الأموال المرسلة، بل أيضًا عودة تدفقات كانت موجودة خارج القنوات الرسمية إلى النظام المصرفي، وبهذا المعنى، نحن أمام “تصحيح إحصائي” يتمثل في انتقال جزء كبير من الأموال المرسلة من تحويلات غير رسمية إلى تحويلات رسمية.

غير أن الاقتصار على هذا التفسير يبقى قاصرًا، فالمعطيات الديموغرافية وسوق العمل تشير إلى استمرار تدفق العمالة المصرية إلى الخارج، خصوصًا إلى دول الخليج، مع توسع نسبي في أنماط الهجرة نحو أوروبا في بعض القطاعات. أدى ارتفاع الأجور في عدد من الاقتصادات النفطية خلال 2024 و2025، مدفوعًا بتحسن أسعار الطاقة وزيادة الإنفاق الاستثماري، إلى رفع قدرة العمالة المصرية على الادخار والتحويل، كما أن استقرار أوضاع كثير من المصريين في الخارج بعد سنوات من الاضطراب المرتبط بجائحة كوفيد-19 أتاح لهم إعادة بناء مدخراتهم وزيادة التحويلات لجوئهم في مصر.

من زاوية الاقتصاد الكلي، تمثل التحويلات أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي استقرارًا مقارنة بالاستثمار الأجنبي المباشر أو تدفقات المحافظ المالية التي تتسم بحساسية عالية للتقلبات السياسية والمالية العالمية، فالتحويلات، بحكم ارتباطها بالعلاقات الأسرية والالتزامات الاجتماعية أقل تأثرًا بالدورات الاقتصادية قصيرة الأجل وأكثر ارتباطًا باحتياجات الأسر في الداخل، وعندما ترتفع الضغوط التضخمية أو تتراجع القوة الشرائية في بلد المنشأ يميل المهاجرون إلى زيادة تحويلاتهم لدعم أسرهم، وهو ما يُعرف في الأدبيات بتأثير “الدافع التأميني” أو “تحويلات الأزمات”.

اللافت في الحالة المصرية أن ارتفاع التحويلات جاء في سياق ضغوط واضحة على ميزان المدفوعات وعجز تجاري مزمن واحتياجات كبيرة للاستيراد، خاصة في السلع الاستراتيجية، ومن ثم، فإن هذه الزيادة لعبت دورًا مهمًا في تخفيف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي ودعم استقرار سوق الصرف، وإذا ما قورنت التحويلات بعوائد قطاعات أخرى كالسياحة أو قناة السويس فإنها تبرز بوصفها ركيزة رئيسية من ركائز الاستقرار المالي، لا سيما في فترات التوتر الإقليمي أو تراجع حركة التجارة العالمية.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحجم التحويلات، بل بطبيعة استخدامها، فغالبية التحويلات في مصر، كما تشير الدراسات الميدانية، تُوجَّه إلى الاستهلاك الجاري المتمثل في الإنفاق على الغذاء والتعليم والصحة والسكن وسداد الديون. هذا الاستخدام يعزز الطلب المحلي ويسهم في تحسين مستويات المعيشة وخفض معدلات الفقر في بعض المناطق، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى استثمار إنتاجي طويل الأجل، لذلك فإن الارتفاع القياسي في 2025 يفتح بابًا للنقاش حول كيفية توجيه جزء من هذه التدفقات نحو مشروعات صغيرة ومتوسطة أو أدوات ادخارية واستثمارية منظمة بما يحول التحويلات من مجرد دعم استهلاكي إلى رافعة تنموية.

هناك بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد الاجتماعي والسياسي، فحين تصل التحويلات إلى هذا المستوى فإنها تعكس وزن الجاليات المصرية في الخارج وقدرتها على التأثير غير المباشر في الاقتصاد الوطني. هذا التأثير يعيد طرح مفهوم “الاقتصاد العابر للحدود”، حيث لا تصبح الهجرة مجرد حركة أفراد، بل شبكة ممتدة من العلاقات المالية والاجتماعية والثقافية، وعليه فإن التحويلات في هذا السياق ليست أموالًا فقط، بل تعبيرًا عن استمرار الارتباط بالوطن وعن دور الجاليات المصرية في الخارج كشركاء اقتصاديين مؤثرين.

غير أن الاعتماد المتزايد على التحويلات يحمل أيضًا بعض المخاطر الضمنية، فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات الخارج يصبح عرضة لتقلبات أوضاع أسواق العمل في دول الاستقبال، وأي تغيرات في سياسات الهجرة أو التوطين في تلك الدول قد تنعكس مباشرة على تدفقات النقد الأجنبي، كما أن الإفراط في الاعتماد على التحويلات قد يؤجل إصلاحات هيكلية ضرورية في هيكل الإنتاج والصادرات. بعبارة أخرى، التحويلات مورد مهم، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن استراتيجية تنموية شاملة تقوم على رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية.

دلالات الرقم القياسي لعام 2025 تمتد كذلك إلى مستوى الثقة في النظام المصرفي، فعودة التحويلات إلى القنوات الرسمية تعني أن المغتربين وجدوا حافزًا كافيًا لاستخدام البنوك الوطنية بدلًا من السوق الموازية، سواء بفعل استقرار سعر الصرف أو تحسن الخدمات المصرفية الرقمية أو زيادة العائد على الودائع. هذا التطور يعزز الشمول المالي ويرسخ دور الجهاز المصرفي كوسيط أساسي في إدارة موارد النقد الأجنبي.

في النهاية، يمكن القول إن ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلى 41.5 مليار دولار في عام واحد يمثل حدثًا اقتصاديًا ذا دلالات متعددة، أهمها تصحيح في مسار سوق الصرف وتعبير عن قوة الروابط الأسرية بسبب الهجرة المؤقتة للعمالة المصرية ومؤشر على أهمية الهجرة في الاستراتيجية الاقتصادية ودليل على مرونة أحد أهم مصادر العملة الصعبة، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في كيفية توظيفه ضمن رؤية تنموية أوسع تحول التدفقات المالية العابرة للحدود إلى استثمار في المستقبل، لا مجرد استجابة ظرفية لضغوط الحاضر.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات
- العالم العصري والنزعة الفردانية
- بين النبوءة والواقع: قراءة نقدية لأحداث نهاية الزمان
- متى ينقرض البشر؟
- الهجرة النظامية: هل توقف الهجرة غير النظامية؟
- جيل ألفا: جيل المستقبل الذي سيحمل عبء شيخوخة العالم
- بين الماضي والحاضر: هل يصلح حاضر المجتمعات بما صلح به ماضيها ...
- الذكاء الاصطناعي: أداة قديمة في ثوب جديد


المزيد.....




- -لا تُجارِ خطابًا هابطًا-.. أنور قرقاش: تعامل الإمارات مع ال ...
- هل استعانت روسيا بخبراء من حماس وحزب الله في حربها السرية ضد ...
- جنود إسرائيل بخوذات ذكية.. هل يصبح التواصل على الجبهات ذهنيً ...
- فقدان الأمل وتشويه الوعي من أخطر ما نواجه.
- صفقة تبادل موقوفين وأسرى بين الحكومة السورية والحرس الوطني ب ...
- الشرطة تعتقل شخصا من منزله بسبب خطأ في برمجيات التعرف على ال ...
- على خلفية حراك غزة.. جامعة كاليفورنيا تتحصن ماليا ضد إجراءات ...
- سجال بين -غروك- وخبير بالشأن الكوري حول مزاعم تعيين ابنة كيم ...
- اتفاق أمريكي صيني على تجنب الحرب وروبيو يتحدث عن استقرار في ...
- هل تعيد واشنطن هندسة العملية السياسية في العراق؟


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ودلالاته