|
|
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 23:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في بلادٍ تلتهم أبناءها
تمهيد إلى زمن الضريبة والظلال
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
……..
القسم الأول
خرافة الوجه الإنساني
……
الفصل الأول
حيث تبدأ الحكاية: في المسافة بين الشعار والجسد
في قلب أوروبا، حيث تُرفع الشعارات عن الكرامة والعدالة والإنسان أولاً، يتكشّف واقع آخر، واقعٌ لا يُرى في نشرات الأخبار ولا في خطابات الوزراء، بل في الوجوه التي تعبر الشوارع بصمت، وفي الرسائل التي تصل من مكاتب الدولة ببرودٍ يشبه برودة الحجر. هناك، في تلك المسافة بين ما يُقال وما يُعاش، تبدأ الحكاية. تلك المسافة ليست مجرد فجوة في التنفيذ، أو خلل إداري قابل للمعالجة. إنها هوة أنطولوجية، انفصال جوهري بين اللغة وأصل المعنى. عندما تعلن الدولة "الإنسان أولاً"، بينما يدها ممدودة إلى آخر قرش في جيب الفقير، فإن اللغة تصبح ستاراً، والسياسة تصبح مسرحاً للدمى.
ليست هذه الكتابة بحثاً في أرقام الميزانيات، بل هي غوص في روح زمن أصيب بالجفاف. زمن تحولت فيه القوانين إلى فخاخ، والخدمات الاجتماعية إلى وعود تذروها الرياح. في هذا الزمن، يشعر المواطن بأنه يقف وحيداً أمام آلة ضخمة، آلة لا وجه لها، لا قلب، لا ذاكرة. آلة تُصدر قراراتها ببرود، ثم تطلب من الناس أن يثقوا بها. آلة تُعيد تعريف الفقر، لا لتقضي عليه، بل لتجعله قابلاً للإدارة.
ففي بلجيكا، كما في كثير من الدول الأوروبية التي تُضرب بها المثل في العدالة الاجتماعية، لم يعد السؤال الجوهري: كيف نساعد الفقراء؟ بل أصبح السؤال الأكثر قسوة، الأكثر براغماتية، الأكثر تجريداً من الإنسانية: كيف نُعيد إدماجهم في النظام الضريبي؟ هكذا، وبهذا التحول اللغوي البسيط، يتحول الفقير من إنسان له كرامة وحق في الحياة، إلى مورد مالي يجب استغلاله، أو عبء يجب "إصلاحه" ليتوافق مع متطلبات السوق. يصبح الحد الأدنى للعيش ليس حقاً يجب تعزيزه وتوسيعه، بل بنداً في الميزانية يجب تقليصه، ورقماً في معادلة اقتصادية يجب موازنته. وتصبح الدولة، التي يفترض أن تكون الملاذ الأخير، طرفاً في الضغط، لا في الحماية.
إنها لحظة تاريخية فارقة. اللحظة التي تخلع فيها الدولة ثوب الأب الراعي، وترتدي ثوب المحاسب البارد. لحظة تتحول فيها المواطنة من علاقة وجودية قائمة على الانتماء والمسؤولية المتبادلة، إلى علاقة تعاقدية جافة قائمة على الأداء والاستحقاق الضريبي. نحن لا نواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل نواجه أزمة في المعنى، أزمة في تعريف العلاقة بين الإنسان والكيان الذي أنشأه ليحميه.
……..
الفصل الثاني
الضريبة كأداة: من التضامن إلى العقاب
لم يعد الحدّ الأدنى للعيش ضمانة، ولا صار الـ RIS ملاذاً آمناً لمن سقط من شبكة الاقتصاد. صار رقماً في جداول وزارة المالية، بنداً قابلاً لإعادة التصنيف، مادةً يمكن للدولة أن تمدّ يدها إليها باسم "الإصلاح". هكذا، وبجرة قلم، تحوّل ما كان يُفترض أن يكون الحدّ الأدنى للبقاء إلى "دخل تعويضي"، أي إلى شيء يمكن أن يُمسّ، يُعاد حسابه، يُخضع للضريبة، أو يُستخدم في لعبة التوازنات المالية التي لا يفهمها إلا من يصنعها.
هذا التحول في المفهوم هو جوهر المأساة. إنه تحول من الحق إلى الهبة، ومن الضمان إلى المساعدة المؤقتة. عندما كان الحد الأدنى للعيش "حقاً"، كانت الدولة ملزمة بتوفيره كجزء من العقد الاجتماعي. كان تعبيراً عن التضامن الجماعي، عن فكرة أن المجتمع يتحمل مسؤولية أفراده. أما عندما يتحول إلى "دخل تعويضي"، فإنه يصبح أشبه بتعويض تدفعه الدولة لتهدئة غضب الفقراء، أو لامتصاص احتقان اجتماعي محتمل. وكما يمكن إعطاء هذا التعويض، يمكن أيضاً سحبه، أو تخفيضه، أو إخضاعه للضريبة. وكما تقول إحدى الأمهات العازبات في بروكسل، التي تقطن في سكن اجتماعي ضيق: "كنت أعتقد أن الدولة أمي. الآن أدركت أنني يتيمة."
هذا الشعور باليتم الجديد هو ما يميز هذه المرحلة. إنه شعور بالانفصال، بالوحدة، بالخيانة. فالدولة التي وُجدت لتحمي الضعفاء، صارت تنظر إليهم كأرقام تثقل الميزانية. لم تعد تلك "الأم" التي تحتضن، بل أصبحت "زوجة الأب" في الحكايات الشعبية، التي تعتبر الأطفال أعباءً يجب التخلص منهم بأي طريقة.
لم تصل الدولة إلى هذه النقطة بين ليلة وضحاها. لقد كان طريقاً طويلاً من التفكيك التدريجي لمفهوم الرفاهية الاجتماعية. بدأ هذا الطريق مع صعود النيوليبرالية في ثمانينيات القرن الماضي، وتسارع مع الأزمات المالية المتتالية. في كل أزمة، كان يُطلب من الفقراء دفع الثمن باسم "التقشف" و"الإصلاحات الضرورية". وكأن الفقر هو المشكلة، وليس نتيجة طبيعية لسياسات اقتصادية تكرّس عدم المساواة. وكما تقول المفكرة الاجتماعية البلجيكية، سيمون ويف: "عندما نبني نظاماً اقتصادياً قائماً على المنافسة والجشع، لا يمكننا أن نلوم الفقراء لكونهم خسروا في السباق. السباق نفسه مزور من البداية."
…….
الفصل الثالث
اللغة كسلاح: عندما يتحول الفقير إلى "مستفيد"
في قاموس الدولة الجديد، لم يعد هناك "فقراء". لم يعد هناك "بؤساء" أو "محرومون". هذه الكلمات تحمل في طياتها نداءً أخلاقياً، تذكيراً بواجب المجتمع تجاه أفراده. لذلك تم استبدالها بمصطلحات أكثر حياداً، أكثر تقنية، أكثر برودة. أصبح الفقير "مستفيداً" من المساعدات الاجتماعية. هذا التحول اللغوي عبقري في بشاعته. فكلمة "مستفيد" توحي بأن الشخص يأخذ شيئاً لم يساهم فيه، أنه يتلقى هبة من المجتمع. إنها تخلق تمييزاً ضمنياً بين "دافعي الضرائب الشرفاء" وبين "المستفيدين الكسالى".
هذه اللغة الجديدة هي سلاح فتاك في معركة الرأي العام. إنها تعيد صياغة العلاقة الاجتماعية بلغة اقتصاد السوق. فالمجتمع لم يعد عائلة، بل أصبح شركة مساهمة. والمواطن لم يعد عضواً في هذه العائلة، بل أصبح مساهماً أو مستفيداً. وإذا كنت مستفيداً، فإن مكانتك في الشركة متدنية، وصوتك لا يزن شيئاً في الجمعية العمومية. أنت مدين للشركة، وليس للشركة واجبات تجاهك.
هذا التغيير في المصطلحات يتسلل إلى الوعي الجمعي ببطء. تراه في عناوين الصحف، في تصريحات السياسيين، في النقاشات اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي. "المستفيدون من المساعدات" يصبحون موضع شبهة، كسالى يفضلون العيش على حساب الآخرين. تُنسى حقيقة أن هؤلاء "المستفيدين" غالباً ما يكونون من كبار السن، أو من ذوي الإعاقات، أو من الأمهات العازبات، أو من العمال الذين فقدوا وظائفهم بسبب إغلاق مصانعهم. تُنسى حقيقة أنهم بشر، مثلي ومثلك، واجهتهم ظروف لم يستطيعوا مواجهتها وحدهم.
ولعل أخطر ما في هذه اللغة هو أنها تبرر القسوة. عندما يتحول الفقير إلى "مستفيد"، يصبح من الأسهل بكثير خفض مساعداته، أو إخضاعها للضريبة، أو فرض شروط تعجيزية للحصول عليها. لم يعد الأمر يتعلق بكرامة إنسان، بل بات يتعلق بإدارة "ملف" في دائرة اجتماعية. وكما قال أحد العاملين الاجتماعيين في مركز عام للرعاية الاجتماعية (CPAS) في لييج، طالباً عدم ذكر اسمه: "نحن لا نتعامل مع بشر بعد الآن. نتعامل مع ملفات. الملف إما كامل أو ناقص. إما منطبق أو غير منطبق. مشاعر الناس، آلامهم، خوفهم... كل هذا لا يظهر في الملف. لا يهم."
……
الفصل الرابع
الوعود التي تتبخر: الإصلاح الذي لا يأتي
في هذا المشهد، يبدو المواطن كمن يسير في ممر طويل بلا نوافذ. كل باب يطرقه يقوده إلى باب آخر. كل ورقة يملؤها تطلب ورقة أخرى. كل وعد يسمعه يتبخر عند أول اختبار. وكل إصلاح يُعلن عنه يأتي محمّلاً بعبارة واحدة: "من أجل مصلحة الجميع". لكن "الجميع" هنا كلمة بلا معنى، لأن من يدفع الثمن هم دائماً نفس الأشخاص: الذين يعيشون على الحد الأدنى، الذين ينتظرون رسالة من CPAS، الذين يحسبون الأيام بين دفعة وأخرى.
"الإصلاح" كلمة أصبحت مثيرة للريبة في قاموس المواطن الأوروبي. كم من إصلاح وعد بالخير والرخاء، وانتهى بمزيد من التقشف والحرمان؟ إصلاحات المعاشات، إصلاحات سوق العمل، إصلاحات الضرائب، إصلاحات الرعاية الصحية... كلها تأتي تحت شعار "الاستدامة" و"الكفاءة"، وكأن الخدمات الاجتماعية كانت مجرد رفاهية يمكن التضحية بها في سبيل بقاء النظام.
في بلجيكا، أثار مشروع إصلاح الحد الأدنى للعيش (RIS) موجة من الجدل. الحكومة تقدمه كخطوة نحو "العدالة" و"تحفيز العمل". تقول إنه يجب ألا يكون من المجدي مالياً البقاء في المنزل بدلاً من العمل. هذا المنطق يفترض أن الناس لا يعملون لأن المساعدات الاجتماعية مغرية، لا لأن سوق العمل لا يوفر فرصاً كافية، أو لا يوفر أجوراً تليق بالكرامة الإنسانية. وكأن البطالة اختيار شخصي، وليست نتيجة حتمية لنظام اقتصادي ينتج بطالة هيكلية.
لكن المعارضين لهذا الإصلاح يرون فيه وجهاً آخر. يرون فيه تجريداً للفقراء من كرامتهم، وتحويلاً لهم إلى مجرد أدوات في سوق العمل، يجب دفعهم إلى أي وظيفة، مهما كانت ظروفها قاسية وأجورها متدنية. إنه تحول من مفهوم "الدعم الاجتماعي" إلى مفهوم "الإكراه على العمل". الدولة لم تعد تريد مساعدة الفقراء، بل تريد إجبارهم على أن يكونوا منتجين بالطريقة التي تحددها هي. وكأن قيمة الإنسان لا تكمن في إنسانيته، بل في قدرته على الإنتاج واستهلاكه. ومن لا ينتج، لا يستحق الحياة الكريمة.
هذا الإصلاح، الذي يقدم نفسه على أنه تقني واقتصادي، هو في العمق مشروع أخلاقي وسياسي. إنه يعيد تعريف معنى المواطنة، ومعنى التضامن، ومعنى الكرامة. إنه يقول بصريح العبارة: أنت تستحق بقدر ما تنتج. ومن لا ينتج، فليستحق العوز والحرمان. في هذه المعادلة، يختفي الإنسان ويحل محله "المورد البشري"، أو "عنصر الإنتاج"، أو أي مصطلح آخر يجرّد الإنسان من روحه ويحوله إلى شيء.
.....
القسم الثاني
مملكة الظلال: الإعلام، الشركات، والسلطة
…….
الفصل الخامس
الإعلام: السلطة الرابعة التي انقلبت على الشعب
لكن كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف استطاعت دولة الرفاهية، صاحبة أعرق التقاليد الديمقراطية والاجتماعية في العالم، أن تتحول إلى هذه الآلة الباردة التي تلتهم أبناءها؟ الجواب يبدأ من الإعلام. فالإعلام الذي كان يوماً سلطة رابعة، رقيباً على الحكام، وصوتاً للمحرومين، ونافذة يطل منها المواطن على حقيقة ما يحدث، صار شركة مساهمة. لم يعد ملكاً للشعب، بل ملكاً لمجموعات مالية ضخمة، لمصالح اقتصادية متشابكة، لشبكات نفوذ تمتدّ من غرف الأخبار إلى مكاتب السياسيين.
هذا التحول في ملكية الإعلام هو أحد أهم العوامل التي غيّرت وجه الديمقراطية الغربية. عندما تكون وسائل الإعلام مملوكة لأثرياء أو شركات كبرى، فإنها تصبح بطبيعة الحال مدافعة عن مصالح مالكيها. لا يمكن لصحيفة مملوكة لرجل أعمال أن تنشر تحقيقاً يكشف تلاعبه بالضرائب أو استغلاله لعماله. ولا يمكن لقناة تلفزيونية تمولها إعلانات البنوك الكبرى أن تنتقد سياسات البنوك. هكذا تُصنع الروايات: حزب يُلمَّع، حزب يُشوَّه، قرار يُبرَّر، آخر يُدفن. والمواطنون، الذين لا يملكون إلا ما يُعرض عليهم، يجدون أنفسهم أمام صورة مشوّهة للعالم، صورة تُخفي أكثر مما تُظهر.
في بلجيكا، كما في فرنسا وألمانيا وهولندا، أصبح الإعلام شبيهاً بحديقة عامة: مساحات واسعة للترفيه والرياضة، وأركان صغيرة للطهي، وزوايا ضيقة للفضائح الفنية، وأخيراً، في الصفحات الخلفية أو في نشرات منتصف الليل، تتسرب أخبار السياسة والاقتصاد، لكنها أخبار مبتسرة، محايدة بشكل مخيف، تقدم "وجهتي النظر" وكأن الأمر يتعلق بمباراة كرة قدم، وليس بمصائر بشر. هذا "الحياد" الزائف هو في الحقيقة انحياز ضمني للوضع القائم. لأنه عندما تُعطى مساحة متساوية للظالم والمظلوم، فأنت تنحاز للظالم.
تتذكر إحدى الصحفيات المخضرمات في صحيفة "لوسوار" (Le Soir) كيف كان العمل الصحفي مختلفاً قبل ثلاثة عقود. تقول: "كنا نذهب إلى الأحياء الشعبية، نجلس في المقاهي، نستمع للناس. كنا نعتبر أنفسنا جزءاً من المجتمع، ولسنا مجرد ناقلين للبيانات الرسمية. الآن، معظم وقتنا نقضيه أمام شاشات الكمبيوتر، نعيد كتابة بيانات الأحزاب والوكالات. رئيس التحرير يسألني عن عدد النقرات التي ستحققها القصة، وليس عن تأثيرها الاجتماعي." هذا الاعتراف المرير يكشف تحولاً عميقاً في المهنة. الصحافة لم تعد رسالة، بل أصبحت صناعة. وصناعة تحتاج إلى زبائن، والزبون يريد ما يسليه، لا ما يقلقه أو يغضبه.
…..
الفصل السادس
صُنّاع الروايات: كيف تُبنى الحقائق في غرف الأخبار
في غرف الأخبار الزجاجية، في أبراج المال والأعمال في بروكسل، تُصنع الحقائق. ليس هناك مؤامرة كبرى في غرفة مظلمة، بل هناك عملية أكثر تعقيداً وانتظاماً: عملية "التأطير" (Framing). وسائل الإعلام لا تقدم لنا الأحداث الخام، بل تقدمها داخل أطر جاهزة، تحدد كيف يجب أن نفكر فيها.
خذ مثلاً قضية الحد الأدنى للعيش. يمكن تأطيرها بطريقتين مختلفتين تماماً:
· التأطير الأول: "الزيادة في المساعدات الاجتماعية تُثقل كاهل دافعي الضرائب وتُشجع على الاتكالية." · التأطير الثاني: "الحكومة تواصل تقليص شبكة الأمان الاجتماعي، مما يزيد من معاناة الفقراء في زمن الغلاء."
كلا التأطيرين يصف نفس الواقع، لكن كل واحد يقودنا إلى استنتاجات أخلاقية وسياسية مختلفة. التأطير الأول يجعلنا نغضب من الفقراء. التأطير الثاني يجعلنا نغضب من الحكومة. وسائل الإعلام، من خلال اختيارها لهذا التأطير دون ذاك، تمارس سلطة هائلة. إنها تشكل وعينا، وتحدد من هو البطل ومن هو الشرير في القصة.
هذه السلطة لا تُستخدم عشوائياً. هي نتاج عوامل متعددة: مصالح المالكين، الضغط الإعلاني، العلاقات الشخصية بين كبار الصحفيين والسياسيين، وحتى التكوين الأكاديمي للصحفيين أنفسهم، الذي يعلمهم "الموضوعية" و"الحياد" بطريقة تجعلهم غير قادرين على رؤية الهيكل الطبقي للمجتمع.
في تغطية الاحتجاجات الاجتماعية، يتجلى هذا التحيز بوضوح. عندما يحتج العمال، يركز الإعلام على "الاضطرابات في حركة المرور" و"خسائر الاقتصاد". وعندما يحتج أصحاب الياقات البيضاء ضد زيادة الضرائب، يركز الإعلام على "مخاوف الطبقة المتوسطة" و"هجرة الأدمغة". الفارق ليس في طريقة التغطية فقط، بل في اللغة نفسها. هناك احتجاجات "مشروعة" وأخرى "شعبوية". هناك مطالب "معقولة" وأخرى "غير واقعية". وهذا التصنيف لا يصدر عن إله محايد، بل عن مؤسسات محصنة ضد البؤس، لا تعرف معنى انتظار نهاية الشهر لتسديد فاتورة التدفئة.
….
الفصل السابع
الشركات التي لا وطن لها: إمبراطورية بلا ضمير
ثم تأتي الشركات المتعددة الجنسيات، تلك الكيانات العجيبة التي لا وطن لها، ولا ذاكرة، ولا انتماء إلا للأرباح. في عصر العولمة، أصبحت هذه الشركات أقوى من كثير من الدول. ميزانيات بعضها تفوق ميزانية دول كاملة. ونفوذها يمتد عبر القارات، وقراراتها تؤثر في حياة الملايين، ومع ذلك فهي لا تخضع لأي مساءلة ديمقراطية حقيقية.
هذه الشركات لا تحتاج إلى انتخابات لتصل إلى السلطة؛ يكفيها أن تموّل، أن تضغط، أن تلوّح بالاستثمار أو بالرحيل. فالسياسي الذي يفكر في فرض ضريبة على الأرباح الكبيرة، أو في تحسين ظروف العمل، أو في حماية البيئة، سرعان ما يواجه رسائل تهديد غير مباشرة: "إذا أصررت على هذه السياسات، فسنضطر إلى نقل مصانعنا إلى دولة أخرى، حيث بيئة الأعمال أكثر ملاءمة." هذا الابتزاز العاطفي، المغطى بلغة اقتصادية باردة، يجعل الحكومات في حالة استنفار دائم لإرضاء رأس المال، على حساب مواطنيها.
انظر إلى قطاع الصناعة الغذائية مثلاً، حيث تستحوذ شركات مثل مجموعة "Bel" على حصة كبيرة من السوق . هذه الشركة الفرنسية العملاقة، التي تتجاوز إيراداتها 3.6 مليار يورو ، بعلاماتها التجارية الشهيرة مثل "La vache qui rit" و "Babybel" و "Kiri"، ليست مجرد منتج للجبن. هي إمبراطورية تمتد مصانعها في 15 دولة ، وتوظف أكثر من 11 ألف شخص . قراراتها الاستراتيجية، مثل تحولها إلى شركة "ذات مهمة" (mission-led company) في 2024 ، أو شراكتها مع "أكسنتشر" للتتحول الرقمي ، أو استثماراتها في الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية ، كلها قرارات لا تخضع لتصويت الشعوب. هي قرارات تتخذ في غرف الاجتماعات المغلقة في ضاحية "سوريسن" الباريسية ، ومع ذلك فهي تؤثر على العمال، والمزارعين، والمستهلكين، والبيئة في عشرات البلدان.
لا تفهموني خطأ. الحديث هنا ليس عن هجوم على النجاح التجاري أو على خلق الثروة. الحديث عن توازن القوى. عندما تصبح الشركات قادرة على الضغط على الحكومات لتبني سياسات تخدم مصالحها الخاصة على حساب الصالح العام، فإن الديمقراطية تتعرض لخطر حقيقي. وعندما تكون وسائل الإعلام مملوكة لنفس الدوائر المالية، فلا مجال لمراجعة عامة حقيقية. هكذا، تصبح الدولة خاضعة لمن يفترض أن تخضع له. وتصبح السياسات الاجتماعية مجرد هامش صغير في معادلة كبرى لا يتحكم فيها المواطن، بل يتحكم فيها رأس المال.
……
الفصل الثامن
الديمقراطية كواجهة: حين يصوت الناس ولا يقررون
إذا كانت الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع نملؤه كل أربع أو خمس سنوات، ثم نعود إلى بيوتنا لننتظر ما ستسفر عنه قرارات من انتخبناهم، فإن هذه الديمقراطية ناقصة، بل مشوهة. إنها مثل قشرة جميلة على جدار مسوس. في أوروبا اليوم، يشعر ملايين المواطنين بأن صوتهم لا قيمة له. انتخبوا هذا الحزب أو ذاك، لكن السياسات بقيت كما هي. وعدوا بإنهاء التقشف، لكن التقشف ازداد. وعدوا بحماية الفقراء، لكن الفقراء ازدادوا فقراً. وعدوا بكبح جماح الشركات الكبرى، لكن نفوذها ازداد.
هذا الشعور بالعجز هو الوقود الذي يغذي "الشعبوية" و"التطرف". عندما يشعر الناس بأن القنوات التقليدية للتغيير الديمقراطي مسدودة، فإنهم يبحثون عن مخارج أخرى. يلتفون حول قادة "قويين" يعدونهم بكسر اللعبة. يلجأون إلى أحلام الماضي، إلى أوهام الانغلاق، إلى أوهام الهوية النقية. إنها سياسات اليأس. وكما يكتب المؤرخ البلجيكي دافيد فان ريبروك في كتابه "ضد الانتخابات": "الانتخابات وحدها لا تصنع الديمقراطية. بل قد تصبح أداة لتعزيز سلطة النخب إذا لم تكن مصحوبة بمشاركة شعبية حقيقية، وملكية عامة لوسائل الإنتاج الفكري، وشفافية في اتخاذ القرار."
في بلد مثل بلجيكا، حيث النظام السياسي معقد، والائتلافات الحكومية تتكون بعد شهور من المفاوضات الخلفية، والمواطن العادي يجد صعوبة في فهم من المسؤول عن ماذا، فإن الشعور بالاغتراب السياسي يبلغ ذروته. مئات الأحزاب، آلاف المسؤولين، لغات متعددة، مجالس مشتركة، حكومات إقليمية وحكومة فدرالية... وكأن النظام صُمم ليكون معقداً، ليصبح من المستحيل على المواطن البسيط أن يتابع ما يحدث، ناهيك عن التأثير فيه.
في هذا الغموض تنمو قوة اللوبيات. اللوبيات تعرف أين تضع أصابعها. تعرف أي وزير يجب استقباله، وأي برلماني يجب تمويل حملته الانتخابية، وأي صحفي يجب دعوته إلى الغداء. بينما المواطن الفقير لا يعرف حتى أي مستوى إداري يجب أن يتوجه إليه لحل مشكلته مع السكن أو البطالة. هذه الفجوة في الوصول إلى صناع القرار هي جوهر التفاوت السياسي، وهي التي تجعل من الديمقراطية مجرد واجهة للكثيرين.
….
القسم الثالث
الوقوف على الحافة: حياة ما بين الدفعات
……
الفصل التاسع
يوم في حياة من ينتظر الرسالة
لنحاول، في هذا الفصل، أن نعيش يوماً واحداً مع شخص يعيش على الحد الأدنى. ليس بطلاً، ولا شهيداً، ولا رمزاً. مجرد إنسان. دعنا نسميه "جان". جان في الخامسة والأربعين، كان يعمل في بناء السيارات في مصنع بمدينة "شارلروا". قبل خمس سنوات، أُغلق المصنع. منذ ذلك الحين، وهو يعيش على إعانات البطالة، ثم على الحد الأدنى من العيش (RIS) من مركز الرعاية الاجتماعية (CPAS). طلق زوجته، وأبناؤه الثلاثة يعيشون مع أمهم. هو وحيد في شقة صغيرة، يستأجرها بمساعدة المركز.
يبدأ يوم جان ليس بصوت المنبه، بل بصوت الرسائل النصية التي تصل إلى هاتفه. ليس رسائل حب، بل رسائل من البنك. "رصيدك أصبح أقل من 20 يورو". جان لا ينظر إليها بعد الآن. تعوّد. يستيقظ متأخراً، ليس من الكسل، بل لأن النوم هو أرخص ترفيه متاح. في النوم، لا تشعر بالجوع، ولا بالبرد، ولا بالخوف.
صباح جان طويل. لا يجد ما يفعله. يبحث عن عمل، لكنه يعرف أن فرصته ضئيلة. في الخامسة والأربعين، يُعتبر كبيراً في سوق العمل البلجيكي. قرأ ذات مرة أن أصحاب العمل يفضلون الشباب "المرن" الذي يقبل بأجور أقل. يرسل سيرته الذاتية إلى إعلانات هنا وهناك، لكن الردود نادرة، وغالباً ما تكون آلية: "نشكرك على اهتمامك، لكننا اخترنا مرشحاً آخر".
ظهراً، يتناول جان وجبة بسيطة: معكرونة بصلصة الطماطم. اللحم رفاهية لا يستطيع تحملها إلا مرة في الأسبوع. يفتح التلفاز، لكنه يغلقه بسرعة. النشرة الإخبارية تتحدث عن "إصلاحات" اجتماعية جديدة، وعن "ضرورة ترشيد الدعم". يعرف جان أن هذه اللغة الملساء تعني أن وضعه سيزداد سوءاً. يشعر بغصة في حلقه. هل يراه هؤلاء الناس الذين يتحدثون من شاشات التلفاز؟ هل يعرفون أنه موجود؟ هل يعرفون أنه ليس كسولاً، أنه كان يعمل منذ كان في السادسة عشرة، وأنه ساهم في بناء هذا البلد بيديه، وأنه دفع ضرائبه طوال حياته؟
بعد الظهر، يذهب جان إلى مكتب المركز الاجتماعي. لديه موعد مع "المستشارة الاجتماعية". اسمها صوفي، شابة حديثة التخرج، لطيفة لكنها عاجزة. تنظر جان إلى شاشة الكمبيوتر، لا إلى عينيه. تخبره أنه يجب عليه حضور دورة تدريبية، وإلا ستُخفض مساعداته. يسألها: "ما فائدة الدورة؟ هل ستؤدي إلى وظيفة؟" تنظر إليه صوفي بحرج: "لا يمكنني ضمان ذلك، لكن هذا هو الإجراء." يخرج جان من المكتب وهو يشعر بأنه دخل في متاهة كافكاوية. الإجراءات لم تعد تهدف لمساعدته، بل أصبحت غاية في حد ذاتها. حضور الدورة، التوقيع على الأوراق، تقديم الشهادات، انتظار الموافقات... كل هذا يملأ وقته، ويوهم النظام بأنه "يعمل" على حل مشكلته، بينما الحقيقة أنه يدور في حلقة مفرغة.
مساءً، يذهب جان إلى الحانة الصغيرة في الحي. لا يشرب كثيراً، ليس لديه مال لذلك. لكنه يذهب ليرى رفاقه القدامى من المصنع. يتجمعون هناك، مثل طيور على حافة نافذة. يتحدثون عن الماضي، عن أيام المصنع، عن التضامن بين العمال. يتحدثون عن الحاضر بخوف، عن المستقبل بيأس. أحدهم يقول: "كنا نعتقد أن الدولة الأب، لكن الأب طردنا من البيت." يضحكون بمرارة. جان يعود إلى بيته متأخراً. يخلد إلى النوم، يأمل أن يكون الغد مختلفاً. لكنه يعرف في قرارة نفسه أن الغد سيكون نسخة طبق الأصل من اليوم. وأن الوحيد الذي سيتغير هو رقم في حسابات وزارة المالية. رصيده سينخفض أكثر، واحتمالاته ستتقلص أكثر، وحياته ستصبح أقل معنى.
…….
الفصل العاشر
جيل الضياع: الشباب بين وهم الفرص وصرامة الإجراءات
جان جزء من جيل كامل ضاع بين وعود الأمس وصراعات اليوم. لكن ماذا عن الشباب؟ عن أولئك الذين ولدوا في هذا الزمن الجديد، زمن الدولة الجابية، زمن انحسار الأمل؟ كيف يرون مستقبلاً تبدو ملامحه قاتمة حتى قبل أن يبدأوا في رسمه؟
جيل اليوم من الشباب الأوروبي هو أكثر الأجيال تعليماً في التاريخ. نسب الحاصلين على شهادات جامعية ترتفع باستمرار. لكن هذه الشهادات لم تعد تذكرة عبور إلى حياة كريمة. كثير من الخريجين يجدون أنفسهم عالقين في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو في تدريبات غير مدفوعة الأجر، أو في بطالة مقنعة. يقول أحد الشباب العاطلين عن العمل في أنvers، وهو حاصل على ماجستير في الفلسفة: "نحن أول جيل سيكون أسوأ حالاً من آبائنا. آباؤنا اشتروا بيوتاً، وأسسوا عائلات، وتمتعوا بإجازات. نحن نعد الأيام لنهاية الشهر، ونعيش مع والدينا حتى الثلاثين، ونؤجل الأحلام حتى إشعار آخر."
هذا الجيل يواجه نظاماً اجتماعياً صارماً بشكل متزايد. شروط الحصول على المساعدات تزداد تعقيداً. الإجراءات الإدارية أصبحت أشبه بمتاهة. المراكز الاجتماعية، التي يفترض أن تكون مكاناً للدعم، تتحول إلى ساحات محاكمة حيث يجب على الشاب أن يثبت أنه يستحق العيش، يثبت أنه يبحث عن عمل، يثبت أنه ليس كسولاً، يثبت أنه... إنسان. هذا الإرهاق الإداري (Administrative Burden) هو شكل جديد من أشكال العنف الرمزي. إنه عنف لا يترك ندوباً على الجسد، لكنه يحفر عميقاً في الروح. يجعل الشاب يشعر بأنه متهم حتى تثبت براءته. براءته من جريمة الفقر.
في المراكز الاجتماعية، تجد هؤلاء الشباب. وجوههم شاحبة، وأعينهم تحدق في الفراغ. يأتون حاملين ملفاتهم، على أمل أن تُحل عقدة واحدة على الأقل من عقد حياتهم. لكنهم غالباً ما يغادرون بمشاكل جديدة. وثيقة ناقصة، إجراء لم يتبع، موعد لم يحضر. وكأن النظام صُمم ليكون فاشلاً، ليُخرج الناس وهم يشعرون بالذنب، وليس وهم يشعرون بالدعم.
شابة في الخامسة والعشرين، تحمل شهادة في التمريض، تعمل بوظائف مؤقتة بين الحين والآخر. تقول: "أشعر أنني أسبح في بحر من الأوراق. كل شهر، يجب أن أقدم شيئاً جديداً. شهادة بحث عن عمل، إثبات حضور دورة، بيان بالدخل... أحياناً أفكر أن الوقت الذي أقضيه في تلبية متطلبات الإدارة لو قضيته في العمل لكنت جمعت ثروة. لكن لا أحد يسألني عن رأيي. أنا مجرد رقم."
هذا الجيل لم يعد يؤمن بالوعود الكبرى. لم يعد يصدق أن الدراسة ستضمن له مستقبلاً، أو أن العمل سيكافأ بالعدالة، أو أن الدولة ستحميه عندما يسقط. يعيش في حالة من "الانتظار السلبي". ينتظر فرصة، ينتظر تحسناً، ينتظر معجزة. وبينما هو ينتظر، تمر السنوات، وتهرب الأحلام، ويتعلم أن يقنع بالقليل، أن يرضى بالفتات. إنه جيل تعلم ألا يطالب كثيراً، لأن المطالب الكبيرة توقظ غضب النظام.
……
الفصل الحادي عشر
النساء والأطفال أولاً: وهم الحماية في زمن التقشف
في كوارث السفن، في حرائق المباني، في لحظات الخطر، نقدم الأضعف. لكن في سياسات التقشف، في إعادة هيكلة الميزانيات، في معادلات الاقتصاد البارد، يحدث العكس تماماً. هناك، حيث تُرسم الخطوط التي تفصل بين من يستحق الحياة ومن لا يستحق، نجد أن النساء والأطفال ليسوا أولاً، بل أخيراً. وليس آخراً في الترتيب فحسب، بل في قائمة الانتظار الطويلة خلف البنوك، خلف الشركات، خلف صناديق التقاعد التي يجب إنقاذها، خلف الديون السيادية التي يجب سدادها.
لننظر إلى الأرقام، تلك الأرقام التي لا تكذب، والتي يقول عنها السياسيون إنها "عنيدة" و"صارمة". في بلجيكا، كما في معظم أوروبا، نسبة الفقر بين النساء أعلى منها بين الرجال. النساء هن الأكثر عرضة للعمل الجزئي غير الطوعي، هن الأكثر تمثيلاً في الوظائف منخفضة الأجر، هن الأكثر تضرراً من سياسات التقشف التي تقطع الخدمات العامة التي يعتمدن عليها: الرعاية النهارية للأطفال، دور الحضانة، الرعاية الصحية للمسنات. وعندما تترمل المرأة، أو تطلق، أو تنجب أطفالاً وحدها، تصبح على حافة الهاوية مباشرة.
ثم هناك الأطفال. أطفال الفقراء. أولئك الذين لم يختاروا أن يولدوا في عائلة تعيش على الحد الأدنى، لكنهم يدفعون الثمن كل يوم. يدفعونه في صحتهم، في تعليمهم، في فرصهم، في أحلامهم. طفل في مدرسة ابتدائية في شارلروا، عندما سألته معلمته ماذا يريد أن يكون عندما يكبر، أجاب: "أريد أن أكون غير مرئي. لأن غير المرئيين لا يحتاجون إلى أكل ولا تدفئة ولا ملابس جديدة." هذه ليست حكاية، هذه شهادة من واقع ملموس، من طفل تعلم أن الوجود نفسه مكلف، وأن الاختفاء قد يكون الحل الوحيد.
الدولة التي تعلن أن "النساء والأطفال أولاً" ثم تقطع الدعم عن الأمهات العازبات، وتغلق مراكز الرعاية النهارية، وتخفض ميزانية التعليم، وتجعل الرعاية الصحية رفاهية لا يستطيع الفقراء تحملها، هذه الدولة لا تكذب فقط، بل ترتكب جريمة في حق المستقبل نفسه. لأن أطفال اليوم هم مواطنو الغد. وإذا نشأوا وهم يعرفون أن الدولة لا تحميهم، بل تتركهم يتضورون جوعاً، فكيف سيكون ولاؤهم لهذه الدولة غداً؟ كيف سيثقون بمؤسساتها، وهم يرونها تبيع ممتلكاتها العامة للشركات، وتخفض رواتب المعلمين، وتقول لهم إن "الاقتصاد لا يسمح"؟
في أحد مراكز استقبال اللاجئين في بروكسل، تقف أم سورية مع ثلاثة أطفال. هربت من الحرب لتجد نفسها في حرب أخرى: حرب البيروقراطية، حرق الانتظار، حرب البرود. تنتظر منذ سنتين رداً على طلب اللجوء. تنتظر منذ سنتين أن تبدأ حياتها. أطفالها يكبرون في غرفة واحدة، يتعلمون من المدرسة عبر الإنترنت إن توفر جهاز وإن توفر اتصال. تقول: "هربت من الموت لأصل إلى هنا، لأتعلم أن الموت ليس فقط رصاصاً. الموت أيضاً انتظار. الموت أيضاً لا حياة." هذه المرأة، وأمثالها، يتعلمون أن أوروبا التي صورت لهم في أحلامهم كأرض العدالة والحماية، هي في الحقيقة أرض الأوراق، أرقام الملفات، أرقام الانتظار.
والأطفال الذين يكبرون في هذه الظروف لا يحملون فقط ذاكرة الحرب التي هربوا منها، بل يحملون أيضاً ذاكرة الإهمال الذي وجدوه في "أرض الأحلام". ذاكرة أنهم لم يكونوا مرحباً بهم حقاً، أنهم كانوا مجرد أرقام في ملفات، مجرد أعباء في ميزانيات. وكما قال أحد الأطفال في مخيم مؤقت: "أنا لا أريد أن أكبر. لأن الكبار لا يهتمون بالأطفال." جملة بسيطة، لكنها تلخص كل شيء. الكبار لا يهتمون. الدولة لا تهتم. المجتمع لا يهتم. النظام لا يهتم. الكل مشغول بحساباته، بمعادلاته، بأسهمه في البورصة، بينما الأطفال ينتظرون في الظل.
…..
الفصل الثاني عشر
الجوع الجديد: حين يصبح الطعام رفاهية
لم يعد الجوع في أوروبا مجرد ذكرى من حقبة ما بعد الحرب، أو مشهداً من أفلام وثائقية عن أفريقيا. الجوع عاد إلى أوروبا، لكنه هذه المرة يرتدي ثياباً مختلفة: ثياباً محترمة، تخفي تحت أناقتها جوعاً حقيقياً. إنه جوع الطبقة العاملة، جوع الموظفين، جوع أولئك الذين يعملون ولا يكفيهم ما يحصلون عليه. إنه جوع العائلات التي تذهب إلى بنوك الطعام نهاية كل شهر، لأن الرواتب لا تكفي لثلاثين يوماً.
في بلجيكا، تضاعف عدد المستفيدين من بنوك الطعام ثلاث مرات خلال العقد الأخير. ثلاث مرات! هذا يعني أن الجوع ليس حالة استثنائية، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية لمئات الآلاف. وبنوك الطعام، التي كانت في الماضي مؤسسات خيرية تساعد حالات نادرة، أصبحت شريان حياة لشريحة متزايدة من المجتمع. المعلمون، عمال النظافة، سائقو الشاحنات، العاملون في المطاعم، كل هؤلاء يجدون أنفسهم في طوابير بنوك الطعام، وهم ينظرون إلى الأرض خجلاً، يتساءلون: كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف وصلنا إلى هنا؟ سؤال مشروع. الجواب أن السياسات الاقتصادية على مدى عقود خلقت اقتصاداً ينتج الثروة للأقلية والفقر للأغلبية. الأجور لم تعد تواكب تكاليف المعيشة. العمل لم يعد ضماناً ضد الفقر. بل أصبح من الممكن أن تعمل بدوام كامل وأن تبقى تحت خط الفقر. هذا ما يسميه الاقتصاديون "العمال الفقراء" (Working Poor)، وهي فئة كانت مجرد مصطلح نظري، وأصبحت اليوم واقعاً يعيشه الملايين.
خذ مثالاً: عاملة نظافة في بروكسل. تعمل 40 ساعة أسبوعياً، براتب 1500 يورو. إيجار شقة صغيرة: 800 يورو. فواتير: 200 يورو. مواصلات: 100 يورو. يتبقى 400 يورو للطعام والملبس وأي طارئ. 400 يورو لثلاثين يوماً. أقل من 14 يورو في اليوم. للطعام والملبس والنقل والترفيه إن وجد. هذه المعادلة لا تنفع. هذه المعادلة تؤدي حتماً إلى بنك الطعام، إلى شراء أرخص الأطعمة، إلى تخطي الوجبات، إلى المرض.
وعندما تذهب هذه العاملة إلى بنك الطعام، تجد هناك معلمين، ممرضين، عمال بناء. ناس كانوا يعتبرون ذات يوم "الطبقة الوسطى". ناس كانوا يفخرون بأنهم لا يحتاجون إلى مساعدة. الآن يقفون في الطابور، صامتين، يحدقون في الأرض. ليس لأنهم لا يريدون التحدث، بل لأن الكلمات لا تكفي. ماذا يمكنك أن تقول عندما تجد نفسك، بعد ثلاثين عاماً من العمل، تقف لتحصل على علبة حليب مجانية؟
الطعام، هذا الشيء الأساسي الذي كان يوماً مجرد جزء طبيعي من الحياة، أصبح مصدر قلق دائم. ماذا سنأكل غداً؟ هل يكفي ما تبقى؟ هل نشتري الخبز أم الحليب؟ هل ندفع فاتورة الكهرباء أم نشتري الدواء؟ هذا التفكير اليومي في الطعام هو شكل جديد من أشكال العنف. عنف يجعل الإنسان يعيش في حالة تأهب دائم، حالة قلق لا تنتهي، حالة اكتئاب بطيء.
وأما الأطفال، فهم الأكثر تأثراً. طفل لا يأكل وجبة فطور كافية لا يستطيع التركيز في المدرسة. طفل لا يحصل على التغذية المناسبة يتأخر في النمو. طفل يعيش في قلق دائم على الطعام يكبر وفي داخله جرح لا يلتئم. جرح اسمه: العالم مكان لا يمكن الوثوق به. حتى الطعام، ذلك الشيء الذي يفترض أن يكون متاحاً دائماً، أصبح موضع شك. وكما قالت أم لطفلها الذي سألها "ماذا سنأكل غداً؟": "لا تقلق يا بني، الله كريم. والجمعيات الخيرية موجودة." أم تخفف عن ابنها، لكنها في داخلها تعرف أن "الله كريم" تعني "لا أعرف"، و"الجمعيات الخيرية" تعني "سنقف في طابور الذل".
…..
الفصل الثالث عشر
السكن: الجدار الرابع من جدران الجحيم
بعد الضريبة، بعد المساعدات، بعد الطعام، يأتي السكن. ذلك الحق الأساسي الذي حولته سياسات العقود الأخيرة إلى سلعة، إلى استثمار، إلى أداة لجني الأرباح. في مدن أوروبية عريقة مثل بروكسل، باريس، أمستردام، برلين، أصبح السكن حلماً بعيد المنال لمئات الآلاف. الإيجارات ترتفع، الأجور تركد، والمساكن الاجتماعية إما غير متوفرة أو لها قوائم انتظار تمتد لسنوات.
في بروكسل، قائمة انتظار المساكن الاجتماعية تضم أكثر من 50 ألف أسرة. خمسون ألفاً! هذا يعني أن الانتظار قد يستغرق عشر سنوات أو أكثر. عشر سنوات من العيش في سوق الإيجار الخاص، حيث الأسعار ترتفع كل عام، وحيث المالك يمكن أن يطلب منك المغادرة في أي وقت. عشر سنوات من عدم الاستقرار، من القلق، من الخوف من رسالة الإخلاص التي قد تصل في أي لحظة.
وماذا يفعل من لا يستطيع تحمل الإيجار؟ يبحث عن حلول أخرى. غرفة في بيت مع آخرين. قبو. علية غير مؤهلة للسكن. أحياناً، الشارع. نعم، الشارع. في بلجيكا، تشير الإحصائيات إلى أن عدد المشردين تضاعف خلال العقد الأخير. ليس فقط المدمنين أو المرضى النفسيين، بل عائلات بأكملها. عمال فقدوا وظائفهم. مهاجرون ينتظرون أوراقهم. شباب خرجوا من دور الرعاية. ناس عاديون، مثلنا تماماً، وجدوا أنفسهم في الشارع بسبب سلسلة من الأحداث لم يستطيعوا السيطرة عليها.
في محطة "ميدي" في بروكسل، يمكنك رؤيتهم في الليل. يتجمعون في الزوايا، يحتمون من البرد بصحف قديمة وكرتون. الناس تمر بهم صباحاً وهم ذاهبون إلى أعمالهم، تنظر إليهم للحظة ثم تحول بصرها. ليس لأنها قاسية، بل لأن المنظر مؤلم جداً. لأن رؤية إنسان ينام على الكرتون في أوروبا القرن الواحد والعشرين تجعلك تشك في كل شيء: في التقدم، في الحضارة، في الإنسانية.
أحد هؤلاء، رجل في الخمسين، كان يعمل في البناء لمدة ثلاثين عاماً. سقط من سقالة، كسرت ظهره. لم يعد يستطيع العمل. شركة التأمين رفضت تغطيته. صاحب العمل قال إنه كان يعمل "بشكل غير رسمي" أحياناً، لذا ليس له حقوق. بعد سنتين، خسر بيته. بعد ثلاث، خسر عائلته. بعد خمس، ها هو هنا، في المحطة، يحاول النوم دون أن يوقظه الشرطي. يقول: "لا أطلب الكثير. مجرد سرير. مجرد سقف. مجرد مكان أستطيع أن أقول فيه هذا بيتي . لكن هذا القليل أصبح أكثر من أن تستطيع الدولة توفيره." ويضحك بمرارة: "الدولة التي بنيت أنا جزءاً منها. كنت أدفع ضرائبي طول عمري. والآن، الدولة تقول لي: أنت مشكلتنا لست حلاً."
السكن ليس مجرد جدران وسقف. السكن هو كرامة. هو أمان. هو مكان تذهب إليه بعد يوم متعب. هو المكان الذي تنام فيه دون خوف. هو المكان الذي يمكن أن تقول فيه "أنا موجود". حرمان إنسان من السكن هو حرمانه من إنسانيته. وفي أوروبا اليوم، مئات الآلاف محرومون ليس فقط من السكن، بل من الكرامة التي تأتي معه. وهم ينتظرون، في الشوارع، في المحطات، تحت الجسور، أن تتذكرهم الدولة التي نسيتهم. لكن الدولة لا تتذكر. الدولة مشغولة بإنقاذ البنوك، بضبط الميزانيات، بدفع الفوائد على الديون. الدولة لا ترى من نام على الكرتون. ترى فقط الأرقام في جداول الإسكان.
……
الفصل الرابع عشر
الصحة: عندما يصبح المرض ترفاً
الحق في الصحة، ذلك الحق الأساسي الذي يفترض أنه مكفول للجميع في أوروبا، أصبح بدوره سلعة. ليس بشكل مباشر، ليس كما في أمريكا حيث تبيع الشركات وثائق التأمين بأسعار خيالية. لكن بشكل غير مباشر، عبر جعل الخدمات الصحية مكلفة بشكل متزايد، وعبر تحويل التركيز من الوقاية إلى العلاج، وعبر خصخصة الخدمات التي كانت يوماً عامة.
في بلجيكا، نظام التأمين الصحي لا يزال من الأفضل في العالم. نظرياً. عملياً، هناك فجوة متزايدة بين ما يغطيه التأمين وما يحتاجه المريض. الأدوية الجديدة باهظة الثمن غالباً لا تغطى بالكامل. علاجات الأسنان شبه معدومة التغطية. العلاج النفسي رفاهية لا يستطيع الفقراء تحملها. والانتظار لرؤية أخصائي قد يستغرق شهوراً.
ماذا يفعل الفقير إذا مرض؟ يؤجل العلاج. يتجاهل الأعراض. يأتي مسكناً من الصيدلية. يأمل أن يزول المرض من تلقاء نفسه. وأحياناً، عندما يكون المرض خطيراً، يصل إلى المستشفى متأخراً، حيث يكون العلاج أصعب وأغلى. هذا التأخير ليس خطأ المريض، بل خطأ نظام يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية عسيراً على من لا يملكون المال الكافي.
خذ مثالاً: عاملة تنظيف تشعر بألم في صدرها. تعرف أنها يجب أن تذهب إلى الطبيب. لكن الطبيب يعني 25 يورو للكشف، ثم ربما تحاليل، ثم ربما علاج. 25 يورو قد تكون ثمن طعام أسبوع كامل. تؤجل. الألم يزداد. تؤجل أكثر. حتى يصبح الألم لا يحتمل. تذهب إلى الطوارئ. يكتشفون أن لديها ورماً. السرطان في مرحلة متقدمة. العلاج الآن سيكون أقسى وأغلى، والفرصة أقل. تسأل نفسها: هل كان سيحدث هذا لو ذهبت مبكراً؟ الجواب: ربما لا. لكنها لم تستطع. ليس لأنها لا تهتم بصحتها، بل لأن صحتها كانت في منافسة مع طعام أطفالها. والطعام يفوز دائماً.
الأطفال أيضاً يعانون. طفل يحتاج إلى تقويم أسنان، لكن العائلة لا تستطيع تحمل التكلفة. طفل يعاني من مشاكل في النطق، لكن جلسات معالجة النطق مكلفة. طفل مكتئب، لكن لا يوجد طبيب نفسي في المنطقة أو ثمن الكشف باهظ. هذه المشاكل الصغيرة تتراكم، تكبر، تتحول إلى مشاكل كبيرة. والطفل الذي لم يحصل على الرعاية التي يحتاجها في الوقت المناسب، سيدفع الثمن طوال حياته.
الصحة العقلية هي الأفقر بين الفقراء. في مجتمع يزداد قسوة، تزداد معدلات الاكتئاب والقلق والانتحار. لكن العلاج النفسي لا يزال وصمة وكلفة. الفقير الذي يعاني من الاكتئاب يسمع غالباً: "أنت لا تحتاج إلى طبيب، تحتاج إلى عمل." وكأن الاكتئاب هو مجرد كسل، وكأن العمل سيحل مشكلة روحية عميقة. هذا الجهل بالصحة العقلية يضاعف معاناة الفقراء، ويجعلهم يعيشون في جحيم مزدوج: جحيم الفقر المادي، وجحيم الألم النفسي دون أمل في علاج.
في أحد مراكز الرعاية الأولية، قالت ممرضة: "نرى هنا كل شيء. نرى الأمراض التي يمكن علاجها بسهولة لو اكتشفت مبكراً. لكن الناس يأتون متأخرين. متأخرين جداً. ليس لأنهم أغبياء، بل لأنهم فقراء. الفقر يقتل ببطء، وبسرعة في نفس الوقت. يقتل ببطء عبر السنوات من الإهمال، وبسرعة عندما يتحول الألم البسيط إلى كارثة." هذه الممرضة تعرف ما تقول. تعرف أن الفقر هو المرض الأساسي، وكل الأمراض الأخرى هي مجرد أعراض. ومع ذلك، لا أحد يعالج الفقر. الكل مشغول بعلاج أعراضه.
……
الفصل الخامس عشر
التعليم: إعادة إنتاج الفقر جيلاً بعد جيل
في مدرسة ابتدائية في ضاحية شعبية في بروكسل، الفصل ممتلئ بأطفال من خلفيات متواضعة. الجدران متقشرة، الكتب قديمة، أجهزة الكمبيوتر من زمن مضى. المدرسة تحاول، المعلمون يحاولون، لكن الإمكانيات محدودة. على بعد عشرة كيلومترات، في مدرسة في ضاحية راقية، الوضع مختلف تماماً. مبانٍ حديثة، مختبرات مجهزة، صالات رياضية، أنشطة لا منهجية. هناك، أطفال الأغنياء يستعدون لجامعات مرموقة، لمستقبل مشرق. هنا، أطفال الفقراء يستعدون لسوق عمل لا يريدهم، لمستقبل غامض.
هذا هو التعليم في أوروبا اليوم. ليس نظاماً تكافؤ فرص، بل آلية لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي. من يولد غنياً، يذهب إلى مدارس جيدة، يحصل على تعليم ممتاز، يدخل جامعات مرموقة، يحصل على وظائف مرموقة. من يولد فقيراً، يذهب إلى مدارس متواضعة، يحصل على تعليم متواضع، يدخل سوق العمل في وظائف متواضعة، يبقى فقيراً. الدائرة مغلقة. والأمل الوحيد لكسرها هو استثناءات قليلة تؤكد القاعدة.
اللغة هي أول عقبة. في المدارس الشعبية، نسبة كبيرة من الأطفال لا يتكلمون لغة التعليم في البيت. هم أبناء مهاجرين، يتحدثون العربية أو التركية أو البربرية في البيت، ويواجهون الفرنسية أو الهولندية في المدرسة. يحتاجون إلى دعم إضافي لتعلم اللغة. لكن الدعم الإضافي غير متوفر، أو متوفر بشكل غير كاف. فيتأخرون، يتراكم عليهم التأخر، يصلون إلى نهاية التعليم الأساسي وهم لا يتقنون اللغة بما يكفي لمواصلة التعليم العالي. فيتجهون إلى التعليم المهني، إلى وظائف متواضعة، إلى تكرار دورة الفقر.
الأنشطة اللامنهجية هي عقبة أخرى. طفل الأغنياء يذهب إلى دروس موسيقى، رياضة، لغات إضافية، رحلات ثقافية. كل هذا يوسع مداركه، يبني شخصيته، يقوي ثقته بنفسه. طفل الفقراء يعود إلى البيت ليقضي وقته أمام التلفاز أو في الشارع. ليس لأن أهله لا يهتمون، بل لأنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة الأنشطة الإضافية. الفجوة تتسع. ليس فقط في المعرفة، بل في الثقافة، في العلاقات، في الفرص.
التعليم العالي هو الحاجز الأخير. حتى إذا نجح طالب من خلفية متواضعة في الوصول إلى الجامعة، يواجه عقبات جديدة: التكلفة، الحاجة إلى العمل أثناء الدراسة، نقص الدعم العائلي، غياب النماذج الملهمة. كثيرون ينقطعون عن الدراسة في السنوات الأولى. كثيرون يتخرجون وهم مثقلون بالديون. كثيرون يجدون أن الشهادة الجامعية لم تعد الضمان الذي كانت عليه. لأن سوق العمل أصبح أكثر تنافسية، والعلاقات أهم من المؤهلات، والأصل الاجتماعي يظهر حتى في مرحلة المقابلات.
أحد أساتذة الجامعة في بروكسل يقول: "أعرف في الأسبوع الأول من الدراسة أي الطلاب سينجحون وأي سيرسبون. لا من خلال ذكائهم، بل من خلال ثقتهم. طلاب الأغنياء يتحدثون بثقة، يطرحون أسئلة، يطلبون المساعدة. طلاب الفقراء صامتون، خائفون، يترددون. الفرق ليس في القدرات، بل في الشعور بالاستحقاق. الأولاد يشعرون أنهم يستحقون النجاح، لأن العالم قال لهم ذلك دائماً. الآخرون يشعرون أنهم يجب أن يثبتوا استحقاقهم، وأنه في أي لحظة قد يُقال لهم: هذا ليس مكانك." هذا الشعور بعدم الاستحقاق هو أحد أكثر أدوات إعادة الإنتاج الطبقي فعالية. إنه السجن الداخلي الذي يحمل الفقير معه أينما ذهب.
وفي النهاية، التعليم الذي يفترض أن يكون المصعد الاجتماعي، أصبح مصعداً معطلاً. الفقراء يبقون في الأسفل، والأغنياء في الأعلى، والمصعد لا يعمل إلا لمن لديه تذكرة ذهبية. وهذا ليس مجرد فشل للنظام التعليمي، بل فشل للمجتمع بأسره. لأن مجتمعاً لا يستثمر في أطفاله بالتساوي هو مجتمع يختار الفشل. يختار أن يكون أقل إنتاجية، أقل إبداعاً، أقل عدالة. يختار أن يكرر أخطاء الماضي بدلاً من بناء مستقبل أفضل.
……
الفصل السادس عشر
الشيخوخة في زمن التقشف: عندما تصبح الحياة بعد العمل عقاباً
كان يُفترض أن تكون الشيخوخة مكافأة. بعد عقود من العمل، بعد سنوات من الإنتاج، بعد مساهمة في بناء المجتمع، يأتي وقت الراحة. وقت الاستمتاع بأحفاد، وقت السفر، وقت القراءة، وقت التأمل. هذا كان الوعد. هذا كان حلم من قضوا حياتهم يعملون. لكن الواقع مختلف. في زمن التقشف، أصبحت الشيخوخة مرحلة جديدة من القلق، مرحلة الخوف على المعاش، مرحلة الاختيار بين الدواء والطعام.
المعاشات تتراجع. ليس بشكل مفاجئ، بل بشكل تدريجي، عبر سنوات من الإصلاحات التي ترفع سن التقاعد، وتخفض قيمة المعاشات، وتجعل من الصعب الحصول على معاش كامل. من يعمل في وظائف شاقة، في البناء، في التنظيف، في المصانع، يصل إلى سن الستين منهكاً، جسدياً، يحتاج إلى راحة. لكن سن التقاعد ارتفع إلى 67. ماذا يفعل؟ إما أن يستمر في العمل مع آلامه، أو أن يتقاعد مبكراً بمعاش منخفض لا يكفي للعيش.
ومع انخفاض المعاشات، ترتفع تكاليف الحياة. الإيجار لا ينخفض لأنك متقاعد. فواتير التدفئة ترتفع مع تقدم العمر لأنك تحتاج إلى تدفئة أكثر. الأدوية تكلف أكثر. الرعاية الصحية تكلف أكثر. المساعدة في المنزل تكلف أكثر. كل شيء يرتفع، والمعاش يبقى كما هو، أو يرتفع بنسبة أقل من التضخم. الفجوة تتسع. ومع اتساعها، يجد المتقاعد نفسه مضطراً للاختيار: أشتري الدواء أم أشتري الطعام؟ أدفع فاتورة التدفئة أم أشتري هدية لحفيدي؟
في أحد أحياء بروكسل الشعبية، تعيش سيدة في الثمانين. أرملة، وحدها، معاشها 1200 يورو. الإيجار 700. يتبقى 500. الفواتير تأخذ 200. يتبقى 300. للطعام، للملابس، للأدوية، للطوارئ. 300 يورو في الشهر تعني 10 يورو في اليوم. 10 يورو تشتري القليل من الطعام، والقليل من الدواء، لكنها لا تكفي لكليهما. تقول: "لم أتخيل أن حياتي ستنتهي هكذا. كنت أعتقد أنني سأجلس في حديقة، أقرأ، أستريح. لكنني الآن أجلس في البيت خوفاً من البرد، أقرأ فواتير لا أستطيع دفعها، وأستريح من التفكير في الموت." هذه المرأة عملت طوال حياتها. ساهمت في بناء هذا البلد. والآن، البلد يقول لها: شكراً، لكننا مشغولون.
دور المسنين، تلك المؤسسات التي يفترض أن ترعى كبار السن عندما لا يستطيعون البقاء وحدهم، أصبحت إما باهظة الثمن أو سيئة الخدمة. الدور الخاصة تكلف آلاف اليوروهات شهرياً، لا يستطيعها إلا الأغنياء. الدور العامة لها قوائم انتظار طويلة، وخدمات متواضعة، وأحياناً قصص إهمال تظهر في الأخبار. كثير من كبار السن يفضلون البقاء في بيوتهم، حتى لو كانوا يعانون، حتى لو كانوا وحيدين، حتى لو كانوا يخافون. البقاء في البيت أفضل من الذهاب إلى مكان لا يشعرون فيه بأنهم في بيت.
الوحدة هي الوباء الصامت لكبار السن. في مجتمع يقدر الإنتاجية والشباب، كبار السن يصبحون غير مرئيين. أسرهم مشغولة، جيرانهم لا يعرفونهم، المجتمع لا يراهم. يجلسون في بيوتهم، أمام التلفاز، ينتظرون زيارات نادرة، مكالمات هاتفية قصيرة. ينتظرون الموت ليس كعدو، بل كصديق ينهي الوحدة. هذه الوحدة هي شكل من أشكال العنف، عنف الإهمال، عنف عدم الاكتراث. تقول إحدى المسنات: "أتمنى لو يأتي أحد ويسألني كيف أنا. لا أحد يسأل. لا أحد يهتم. أصبحت مثل أثاث قديم، لا فائدة منه لكن لا أحد يتخلص منه."
المجتمع الذي يهمش كبار السن هو مجتمع يفقد ذاكرته. كبار السن هم حاملو التاريخ، هم الشهود على الماضي، هم الذين يمكنهم تعليم الأجيال الجديدة. لكن المجتمع الذي يقدر الربح السريع، الإنتاجية الفورية، لا وقت لديه للتاريخ. التاريخ لا يدر أرباحاً. الحكمة لا تظهر في الميزانيات. فيتم إهمال كبار السن، رميهم في زاوية، نسيانهم. وعندما نموت، نندم على أننا لم نسألهم أكثر، لم نستمع أكثر، لم نحبهم أكثر. لكن الندم لا يعيد الأموات، ولا يخفف عن الأحياء وحدتهم.
……
الفصل السابع عشر
المهاجرون: الآخرون الذين يدفعون الثمن مرتين
في كل أزمة، يظهر وجه مألوف للعنصرية. في كل مرة تتراجع الخدمات الاجتماعية، في كل مرة ترتفع البطالة، في كل مرة يضيق الخناق على الفقراء، يظهر خطاب يلقي باللوم على "الآخر". المهاجرون، الأجانب، اللاجئون، المسلمون، كل من يختلف في اللون أو اللغة أو الدين، يصبح كبش فداء مثالياً. إنهم هنا ليأخذوا وظائفنا، ليستنزفوا خدماتنا الاجتماعية، ليهددوا ثقافتنا، ليجعلوا حياتنا أسوأ. هذا الخطاب ليس جديداً، لكنه يتجدد مع كل أزمة، وكأن الأزمات تحتاج إلى عدو لكي تكون مفهومة.
الحقيقة مختلفة بالطبع. المهاجرون ليسوا سبب الأزمة، بل هم ضحيتها مثلهم مثل المواطنين. بل هم أكثر تضرراً. لأنهم يعيشون على هامش المجتمع، في وظائف أقل أجراً، في مساكن أسوأ، في أوضاع أكثر هشاشة. وعندما تأتي الأزمة، هم أول من يُطرد من العمل، أول من يُحرم من الخدمات، أول من يُلام.
في بلجيكا، كما في معظم أوروبا، المهاجرون يعملون في الوظائف التي لا يريدها البلجيكيون: في البناء، في التنظيف، في المطاعم، في الزراعة الموسمية. وظائف شاقة، متدنية الأجر، بدون ضمانات. وهم يدفعون ضرائبهم، يساهمون في التأمين الاجتماعي، لكنهم نادراً ما يحصلون على الخدمات التي يستحقون. وعندما يحاولون الحصول عليها، يواجهون بيروقراطية معقدة، لغة لا يتقنونها، نظرات شك، وأسئلة لا تنتهي: هل أنت هنا بصفة قانونية؟ كم من الوقت بقيت؟ لماذا أتيت؟ متى سترحل؟
اللاجئون هم الأكثر هشاشة. أولئك الذين فروا من حروب، من اضطهاد، من موت محقق، يصلون إلى أوروبا ليجدوا أنفسهم في مخيمات، في مراكز استقبال مكتظة، في انتظار لا نهاية له. سنوات ينتظرون قراراً. سنوات يعيشون في غرف ضيقة، بلا عمل، بلا أمل، بلا مستقبل. أطفالهم يكبرون وهم لا يعرفون وطناً. شبابهم ييأسون وهم لا يرون طريقاً. وعائلاتهم تتفكك تحت ضغط الانتظار والقلق.
في أحد مراكز الاستقبال، شاب سوري، طالب طب في بلده، يعمل الآن في توصيل البيتزا بدراجة. يقول: "درست سبع سنوات لأصبح طبيباً. سبع سنوات من العمل الجاد. الآن أدرس خرائط بروكسل لأوصل البيتزا في الوقت المحدد. لست نادماً على المجيء. كنت سأموت في سوريا. لكني لم أتوقع أن الموت هنا أيضاً، موت بطيء، موت الأحلام." هذا الشاب ليس كسولاً، ليس انتهازياً، ليس "لاجئاً اقتصادياً". هو إنسان يبحث عن حياة، وأوروبا تعطيه بقاء. فرق كبير بين الحياة والبقاء.
خطاب كراهية الأجانب لا يؤذي المهاجرين فقط، بل يؤذي المجتمع كله. لأنه يصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للأزمة. ليس المهاجرون هم من يخفضون الأجور، بل سياسات العمل. ليس المهاجرون هم من يقطعون الخدمات الاجتماعية، بل سياسات التقشف. ليس المهاجرون هم من يزيدون الفقر، بل نظام اقتصادي يخلق فقراء. لكن اتهام المهاجرين أسهل من مواجهة هذه الحقائق. أسهل من الاعتراف بأن النظام نفسه معطل. أسهل من تحمل مسؤولية التغيير.
في النهاية، المهاجرون والمواطنون الفقراء في نفس القارب. كلاهما ضحية نفس النظام. كلاهما ينتظر في نفس الطوابير. كلاهما يعاني من نفس السياسات. لكن خطاب الكراهية يفرق بينهما، يجعل الفقير يعتقد أن عدوه هو الفقير الآخر، وليس النظام الذي يفقرهم معاً. وهذا هو أنجح أدوات السلطة: تقسيم المحرومين، جعلهم يتقاتلون على الفتات، بينما الأغنياء يتقاسمون الكعكة.
…..
الفصل الثامن عشر
الشباب: ثورة مؤجلة أم انسحاب صامت؟
في كل جيل، هناك لحظة يقرر فيها الشباب أن يقول "كفى". لحظة يغضبون فيها بما يكفي ليخرجوا إلى الشوارع، ليعطلوا المدن، ليصرخوا بأن المستقبل الذي وُعدوا به ليس هذا. في الستينات، كان الشباب يثور ضد الحرب والرأسمالية. في السبعينات، ضد التسلح والاستعمار. في الثمانينات، ضد البطالة. في التسعينات، ضد العولمة. في الألفين، ضد العولمة مرة أخرى. ماذا عن شباب اليوم؟ أين ثورتهم؟
الجواب معقد. شباب اليوم غاضب، لكن غضبه مختلف. إنه غاضب لكنه متعب. غاضب لكنه محبط. غاضب لكنه يائس. لقد رأى آباءه يثورون، ثم يعودون إلى بيوتهم ليجدوا أن لا شيء تغير. رأى إخوانه الأكبر يخرجون في مظاهرات، ثم يلتقطهم النظام واحداً واحداً، إما بوظيفة أو بتهديد أو بإرهاق. تعلم أن الثورة لا تغير شيئاً، أو تغير القليل، أو تغير لفترة ثم يعود كل شيء كما كان. فاختار طريقاً آخر: الانسحاب الصامت.
الانسحاب الصامت يعني أن تستمر في الحياة، لكن دون أمل. تذهب إلى العمل إن وجدت، تعود إلى البيت، تتصفح هاتفك، تشاهد مسلسلات، تلعب ألعاب فيديو، تنسى العالم. لا تتابع أخبار السياسة لأنها محبطة. لا تشارك في انتخابات لأنها لا تغير شيئاً. لا تنضم إلى أحزاب لأنها كلها فاسدة. تعيش في فقاعتك الخاصة، وتحاول أن تستمتع بما تبقى من الحياة قبل أن تلتهمك المشاكل الكبرى.
هذا الانسحاب هو شكل من أشكال المقاومة، لكنها مقاومة سلبية. إنها تقول: "أنتم لا تريدونني، إذاً أنا لا أريدكم." لكنها لا تغير شيئاً. النظام يستمر، القرارات تتخذ، الثروات تتركز، والفقراء يزدادون فقراً. والشباب في فقاعاتهم، مشغولون بمسلسلاتهم، لا يرون ما يحدث، أو يرونه لكنهم لا يملكون القوة لمواجهته.
ومع ذلك، هناك بوادر صحوة. في كل مرة تزداد فيها الأزمة، يخرج شباب إلى الشوارع. احتجاجات المناخ، احتجاجات العدالة الاجتماعية، احتجاجات ضد رفع سن التقاعد. يخرجون، يصرخون، يرفعون شعارات، ثم يعودون إلى بيوتهم. النتائج محدودة، لكن الأمل في أن هذه الشرارات قد تتحول إلى نار يوماً ما. في أن هذا الغضب المتراكم قد يجد قناته الصحيحة. في أن شباباً سئموا من وعد لم يتحقق قد يقررون أخيراً أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم.
أحد هؤلاء الشباب، ناشط بيئي في العشرين، يقول: "نحن آخر جيل يمكنه إنقاذ الكوكب. وإذا لم نفعلها الآن، فلن يفعلها أحد. أخاف من المستقبل، أخاف من الغرق، أخاف من الجفاف، أخاف من كل شيء. لكن خوفي هذا يحولني إلى غضب، وغضبي يحولني إلى حركة. لست متأكداً أننا سننتصر، لكني متأكد أننا سنحاول. لأن المحاولة أفضل من الاستسلام." هذه العبارة تلخص روح جيل يرفض أن يموت صامتاً. جيل يريد أن يقول إنه موجود، حتى لو كان العالم لا يصغي.
الشباب ليسوا مجرد مستقبل، هم حاضر أيضاً. وهم يعانون الحاضر أكثر من غيرهم. بطالة، ديون دراسية، صعوبة في الحصول على سكن، مستقبل غامض، كوارث بيئية تلوح في الأفق. هذا ليس الحلم الذي وُعدوا به. هذا كابوس. والسؤال: متى سينتهي هذا الكابوس؟ وكيف؟ بالاستيقاظ أم بالاستمرار في النوم؟ الجواب عند الشباب أنفسهم. عند قدرتهم على تحويل الغضب إلى فعل، والإحباط إلى أمل، واليأس إلى مقاومة. الطريق طويل، والعقبات كثيرة، لكن الأمل ما زال ممكناً. والأمل، كما يقول الشاعر، هو الشيء ذو الريش الذي يحط في الروح.
….
الفصل التاسع عشر
البيئة: الرفاهية الخضراء للأغنياء
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن البيئة موضة. الكل يتحدث عن التغير المناخي، عن الكربون، عن الاستدامة. الحكومات تضع أهدافاً طموحة، الشركات تعلن برامج خضراء، الأفراد يحاولون تقليل بصمتهم البيئية. لكن تحت هذا السطح الجميل، هناك حقيقة أقل جمالاً: التحول البيئي يحدث بشكل غير عادل. الأغنياء يستطيعون تحمل كلفته، بينما الفقراء يدفعون الثمن.
خذ مثلاً السيارات الكهربائية. حل رائع لتلوث الهواء، لكن ثمنها يفوق قدرة معظم الناس. من يملك المال يشتري سيارة كهربائية، ويحصل على إعفاءات ضريبية، ويوفر في الوقود، ويشعر بأنه أنقذ الكوكب. من لا يملك، يستمر في سيارته القديمة الملوثة، ويدفع ضرائب أعلى على الوقود، ويتحمل تلوث الهواء في أحيائه. النتيجة: الفجوة تتسع، والأغنياء يصبحون أكثر خضرة، والفقراء أكثر سواداً.
الطاقة المتجددة هي مثال آخر. تركيب ألواح شمسية على السطح يحتاج إلى استثمار أولي كبير. من يملك هذا الاستثمار يخفض فاتورته، وقد يبيع الفائض. من لا يملكه، يبقى أسير شركات الطاقة، ويدفع فواتير ترتفع باستمرار. وفي النهاية، الفقير يدفع ثمناً مضاعفاً: ثمناً مادياً لفواتيره، وثمناً صحياً لتلوث الهواء في منطقته.
الغذاء العضوي، المنتجات المستدامة، الملابس الأخلاقية، كلها خيارات متاحة لمن يستطيع دفع ثمنها. الفقير يشتري ما هو متاح، ما هو رخيص، ما هو غالباً أقل جودة وأكثر ضرراً. يأكل طعاماً معلباً، يلبس ملابس من متاجر رخيصة تنتج في ظروف استغلالية، يعيش في مساكن غير معزولة تستهلك طاقة أكثر. ليس لأنه يختار ذلك، بل لأنه لا يملك خياراً آخر.
والأسوأ أن الفقراء هم الأكثر تضرراً من التغير المناخي. هم الذين يسكنون في مناطق معرضة للفيضانات، لأنها الأرخص. هم الذين يعيشون في مدن تعاني من جزر حرارية، لأن أحياءهم تفتقر إلى المساحات الخضراء. هم الذين يمرضون من تلوث الهواء، لأنهم يعيشون قرب الطرق السريعة والمصانع. هم الذين يموتون في موجات الحر، لأنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة التكييف. البيئة ليست محايدة. البيئة طبقية.
في مؤتمر المناخ الأخير، أحد الناشطين من الجنوب العالمي قال عبارة صادمة: "أنتم تتحدثون عن خفض الانبعاثات. نحن نتحدث عن البقاء. أنتم تخشون أن ترتفع درجة الحرارة درجة واحدة. نحن نخشى أن تختفي قرانا تحت الماء. أنتم تستطيعون التكيف. نحن نموت." هذه العبارة تذكرنا أن العدالة البيئية جزء من العدالة الاجتماعية. لا يمكن حماية الكوكب دون حماية سكانه. لا يمكن الحديث عن مستقبل أخضر دون ضمان أن هذا المستقبل يشمل الجميع.
في أوروبا، هناك وعي متزايد بهذه القضية. حركات مثل "عدالة مناخية" تحاول الربط بين القضايا البيئية والاجتماعية. تقول إن التحول البيئي يجب أن يكون عادلاً، يجب أن يدعم الفقراء، يجب ألا يزيد الفجوة. لكن الكلمات تحتاج إلى أفعال. والأفعال تحتاج إلى إرادة سياسية. والإرادة السياسية تحتاج إلى ضغط شعبي. وهذا الضغط لم يكتمل بعد. الفقراء مشغولون بالبقاء، والأغنياء مشغولون بالاستثمار في الحلول الخضراء لأنفسهم. وفي المنتصف، الكوكب يحترق.
…..
الفصل العشرون
الثقافة: عندما تصبح الروح رفاهية
في زمن الأزمة، أول ما يُضرب هو الثقافة. ليس فقط في الميزانيات، بل في الأولويات. عندما يضيق الخناق على الناس، تصبح الثقافة ترفاً، شيئاً يمكن الاستغناء عنه. المسرح غال، السينما غالية، الكتب غالية، حتى الدخول إلى المتاحف قد يكون عبئاً. والنتيجة أن الثقافة تصبح حكراً على الأغنياء، بينما الفقراء يُحرَمون من غذاء الروح.
لكن الثقافة ليست ترفاً. الثقافة هي ما يجعلنا بشراً. هي القصص التي نرويها لأنفسنا عن أنفسنا. هي الموسيقى التي تبكينا وتفرحنا. هي اللوحات التي تجعلنا نرى العالم بعيون مختلفة. هي الكتب التي تأخذنا إلى عوالم أخرى. هي المسرح الذي يعكس لنا وجوهنا. حرمان إنسان من الثقافة هو حرمانه من جزء من إنسانيته.
الأطفال الفقراء هم الأكثر تضرراً. أطفال الأغنياء يذهبون إلى المسرح مع المدرسة، إلى المتاحف، إلى الحفلات الموسيقية. يقرؤون كتباً في البيت، يشاهدون أفلاماً وثائقية، يتعلمون العزف على آلة موسيقية. أطفال الفقراء لا يملكون هذه الفرص. مدرستهم لا تستطيع تمويل رحلات ثقافية. أهلهم مشغولون بتأمين لقمة العيش. الثقافة تصبح شيئاً بعيداً، شيئاً يرونه في التلفاز لكن لا يلمسونه. والفجوة تتسع. ليس فقط في المعرفة، بل في الذوق، في الرؤية، في الخيال.
الخيال هو ما يفقده الفقراء أولاً. عندما تكافح من أجل البقاء، يصبح الخيال رفاهية. لا وقت للتأمل، للتفكير، للحلم. الحياة اليومية تستهلك كل الطاقة. وبفقدان الخيال، نفقد القدرة على تخيل مستقبل مختلف. نصبح أسرى الواقع، غير قادرين على تصور أن الأمور يمكن أن تتغير. وهذا هو أنجح أشكال السيطرة: جعل الناس غير قادرين على تخيل البديل.
في أحد الأحياء الشعبية، تطوعت مجموعة من الفنانين لإنشاء ورشة مسرح للأطفال. في البداية، كان الأطفال خجولين، مترددين. لم يعتادوا على التعبير عن أنفسهم. لكن مع الوقت، بدأوا يخرجون من قوقعتهم. بدأوا يكتبون قصصاً، يمثلون شخصيات، يضحكون، يبكون، يحلمون. قالت إحدى المشرفات: "هؤلاء الأطفال ليسوا أغبياء، ليسوا أقل موهبة. هم فقط لم تتح لهم الفرصة. عندما تعطيهم الفرصة، تكتشف عوالم كاملة بداخلهم." هذه الفرصة هي ما توفره الثقافة. وهي حق للجميع، وليس امتيازاً للأغنياء.
المكتبات العامة، المراكز الثقافية، المسارح البلدية، كلها مؤسسات كانت تهدف إلى دمقرطة الثقافة، جعلها في متناول الجميع. لكن سياسات التقشف ضربت هذه المؤسسات بشدة. ميزانياتها تقلصت، ساعات عملها قصرت، بعضها أغلق. والنتيجة أن من كان يعتمد عليها، من لا يملك المال للذهاب إلى مسارح خاصة، يجد نفسه بلا ملاذ ثقافي. الفجوة تتسع، والفقر يصبح أكثر من مجرد نقص في المال، يصبح نقصاً في الروح.
في النهاية، مجتمع بلا ثقافة هو مجتمع ميت. قد يكون غنياً، قد يكون منتجاً، قد يكون قوياً، لكنه ميت. لأن الحياة لا تكفيها المادة. الحياة تحتاج إلى معنى، والثقافة هي التي تصنع المعنى. حرمان الفقراء من الثقافة هو حرمانهم من حقهم في المعنى، في الجمال، في الخيال. وهو شكل من أشكال العنف قد لا يظهر في الإحصائيات، لكنه يقتل الروح ببطء.
…..
الفصل الحادي والعشرون
الإعلام البديل: بصيص ضوء في نفق مظلم
في خضم هذا المشهد الكئيب، هناك بصيص أمل. ليس من الإعلام التقليدي، ذلك الذي أصبح شركة مساهمة تخدم مصالح مالكيها. بل من إعلام جديد، إعلام بديل، إعلام مستقل، يحاول أن يقول الحقيقة في زمن الكذب، أن يعطي صوتاً لمن لا صوت لهم، أن يكشف ما يخفيه الكبار.
الإعلام البديل يأتي بأشكال متعددة: مواقع إلكترونية مستقلة، بودكاست، قنوات يوتيوب، صحف صغيرة تطبع بأعداد محدودة، صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الوسائل لا تملك ميزانيات ضخمة، لا تملك شبكات توزيع واسعة، لكنها تملك شيئاً أهم: الاستقلال. الاستقلال عن المعلنين، عن المالكين، عن الضغوط السياسية. وهذا الاستقلال يسمح لها بقول ما لا يقال.
في بلجيكا، هناك عدة تجارب واعدة. صحف تصدر بعدد محدود لكنها تقوم بتحقيقات عميقة. مواقع تنشر تحليلات جريئة. بودكاست يستضيف خبراء ونشطاء يتحدثون عن القضايا المسكوت عنها. هذه المبادرات لا تصل إلى الجماهير العريضة، لكنها تخلق نواة صلبة من المواطنين الواعين، القادرين على فهم ما يحدث، والمستعدين للتحرك.
أحد مؤسسي موقع إخباري مستقل يقول: "نحن لا ننافس القنوات الكبرى. لا نستطيع. لكننا نقدم ما لا تقدمه: الحقيقة. قد لا نصل إلى الملايين، لكن من يصل إلينا يعرف أن ما يقرأه موثوق، غير منحاز، لا يخضع لضغوط المعلنين. وهؤلاء القراء هم نواة التغيير. هم من سينقلون المعرفة إلى غيرهم، هم من سيخرجون إلى الشوارع عندما يحين الوقت، هم من سيشكلون الرأي العام الحقيقي."
الإعلام البديل ليس مثالياً. يعاني من نقص التمويل، من صعوبات في التوزيع، من هجمات من الإعلام التقليدي الذي يراه تهديداً. لكنه موجود، وينمو، ويتطور. وفي عالم تسيطر عليه الشركات الإعلامية العملاقة، وجود هذه الأصوات المستقلة هو بحد ذاته انتصار. هو دليل على أن الرغبة في الحقيقة لا تموت، وأن المواطنين ليسوا مجرد متلقين سلبيين، بل يمكنهم أن يكونوا منتجين للمعرفة أيضاً.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مزدوجاً. من جهة، ساهمت في نشر المعلومات المضللة، في خلق غرف صدى، في تعميق الانقسامات. من جهة أخرى، أتاحت مساحة لمن لا صوت لهم. مجموعات الفيسبوك المحلية، قنوات التليغرام، هاشتاغات التويتر، كلها استخدمت لتنظيم احتجاجات، لكشف فضائح، لتبادل معلومات لا تنشر في الإعلام الرسمي. هذا الاستخدام البديل للتكنولوجيا هو جزء من المعركة. معركة من أجل المعرفة، من أجل الوعي، من أجل التغيير.
في أحد الأحياء الشعبية، أنشأ شباب مجموعة على واتساب لتبادل المعلومات عن الخدمات الاجتماعية: أين توجد مساعدات، كيف تملأ استمارات، أي المراكز تتعامل بإنسانية. هذه المجموعة الصغيرة أصبحت مرجعاً للمئات. تقول إحدى المشاركات: "الإعلام الرسمي لا يخبرنا بهذه الأشياء. الحكومة تجعل الإجراءات معقدة عمداً. نحن نساعد بعضنا على فهمها. هذا ليس عملاً ثورياً، لكنه يساعد الناس على البقاء." البقاء، في هذا الزمن، هو بداية المقاومة.
…….
الفصل الثاني والعشرون
التضامن: حين يصبح الجار هو الدولة
في غياب الدولة، يظهر الجار. عندما تنسحب المؤسسات، تتقدم المجتمعات المحلية. هذا هو الدرس الذي نتعلمه في أحياء الفقراء: أن التضامن الشعبي هو آخر خط دفاع. عندما لا تستطيع الدولة حمايتك، يحميك جارك. عندما لا توفر المؤسسة الرعاية، توفرها الجمعية المحلية. عندما تنقطع المساعدات، يمد المتطوعون يد العون.
في كل مدينة، في كل حي فقير، هناك شبكات تضامن غير مرئية. جارات يتبادلن رعاية الأطفال. متقاعدون يساعدون في توصيل الطعام. شباب يتطوعون في بنوك الطعام. جمعيات محلية تقدم دروس دعم مجانية. كنائس ومساجد تفتح أبوابها للمشردين. هذه المبادرات لا تظهر في الأخبار، لا تحصل على تمويل حكومي، لا توزع جوائز. لكنها تبقي الناس على قيد الحياة.
في حي "مولنبيك" في بروكسل، هناك مطبخ شعبي تأسس بمبادرة من نساء الحي. كل يوم، تطبخ مجموعة من المتطوعات وجبات ساخنة لتوزيعها على المحتاجين. لا يطلبون أوراقاً، لا يطلبون إثباتات، لا يطلبون أسئلة. فقط يأتون، يأخذون، يشكرون. تقول إحدى المؤسسات: "الدولة تقول إنها لا تستطيع. نحن نقول إننا نستطيع. ليس لدينا ميزانية، ليس لدينا دعم، لكن لدينا قلوب. وهذا يكفي."
هذا التضامن ليس عاطفة فقط، هو سياسة. هو إعلان أن المجتمع ما زال موجوداً رغم محاولات تفكيكه. هو قول إن العلاقات الإنسانية أقوى من علاقات السوق. هو مقاومة يومية للفردانية، للأنانية، للا مبالاة. هو بناء عالم مصغر، عادل ومتضامن، داخل عالم كبير غير عادل.
لكن هذا التضامن له حدود. لا يمكن للجمعيات المحلية أن تحل محل الدولة. لا يمكن للمتطوعين أن يعوضوا غياب سياسات اجتماعية حقيقية. التضامن الشعبي يملأ فراغاً، لكنه لا يستطيع ملء الفراغ كله. هو يساعد الناس على البقاء، لكنه لا يغير الأسباب التي تجعلهم بحاجة إلى مساعدة. يبقى الجوع، يبقى البرد، يبقى المرض، يبقى الخوف. يبقى كل شيء كما هو، فقط تصبح رحلة البقاء أقل وحدة.
أحد الناشطين الاجتماعيين يقول: "نحن نقدم السمك كل يوم. لكننا نريد تعليم الناس الصيد. المشكلة أن البحر مسموم. حتى لو تعلموا الصيد، سيموتون. نحن بحاجة إلى تنظيف البحر. وهذا يتطلب سياسة، وهذا يتطلب دولة. لكن الدولة مشغولة بإنقاذ السفن الكبيرة، وتركت الناس يغرقون في بحر ملوث."
هذا هو التحدي: كيف نحول التضامن المحلي إلى قوة سياسية قادرة على تغيير السياسات العامة؟ كيف ننقل التجارب الصغيرة إلى مستوى أكبر؟ كيف نربط بين مطابخ الأحياء والبرلمانات؟ كيف نجعل صوت الفقراء مسموعاً في القاعات حيث تتخذ القرارات؟ هذا هو السؤال الكبير، والإجابة عليه ستحدد مستقبل العدالة الاجتماعية في أوروبا.
……..
الفصل الثالث والعشرون
المستقبل: بين الاستسلام والأمل
نحن نقف الآن على حافة الهاوية. النظام الاجتماعي كما عرفناه ينهار. الثقة في المؤسسات تتداعى. الفجوات تتسع. الأزمات تتوالى. في هذه اللحظة، هناك طريقان: الاستسلام أو الأمل.
الاستسلام يعني أن نقبل بأن هذا هو الواقع. أن الفقراء سيبقون فقراء، وأن الأغنياء سيبقون أغنياء، وأن النظام غير قابل للتغيير. الاستسلام يعني أن ننسحب إلى فقاعاتنا الخاصة، أن ننشغل بحياتنا الصغيرة، أن ننسى من يعانون. الاستسلام يعني أن نموت واقفين، أن نظل أحياء لكن بلا روح، أن نشاهد العالم يحترق ونحن نتصفح هواتفنا.
الأمل يعني شيئاً آخر. ليس الأمل الساذج، الأمل الذي ينتظر المعجزة. بل الأمل النضالي، الأمل الذي يبنى بالعمل. الأمل الذي يقول إن المستقبل ليس مكتوباً، وإن ما بني يمكن أن يهدم، وإن ما هدم يمكن أن يبنى من جديد. الأمل الذي يدفع الناس إلى الخروج إلى الشوارع، إلى التنظيم، إلى المقاومة. الأمل الذي يجعل المستحيل ممكناً.
في كل ركن من أوروبا، هناك بوادر هذا الأمل. إضرابات عمالية، احتجاجات شبابية، مبادرات تضامنية، انتخابات محلية تفوز بها قوى بديلة. هذه ليست ثورة شاملة، لكنها شرارات. والشرارات قد تشعل ناراً إذا وجدت وقوداً كافياً. الوقود هو الوعي، هو التنظيم، هو الوحدة. هو أن يدرك الفقراء أن مصيرهم مشترك، وأن أعداءهم مشتركون، وأن النصر ممكن إذا اتحدوا.
أحد قادة نقابة عمالية يقول: "لقد خضنا معارك كثيرة. خسرنا بعضها، ربحنا بعضها. لكننا لم نستسلم أبداً. لأن الاستسلام هو الموت. طالما نحن نقاوم، نحن أحياء. وطالما نحن أحياء، هناك أمل." هذه العبارة تلخص روح النضال. إنها ليست انتصاراً، لكنها إصرار. ليست يقيناً، لكنها أمل. ليست نهاية، لكنها بداية.
المستقبل ليس مكتوباً. هو ما نصنعه بأيدينا. إذا بقينا صامتين، سيبقى العالم كما هو. إذا خرجنا إلى الشوارع، قد يتغير. ليس هناك ضمانات، لكن هناك احتمالات. وكما يقول المثل: "من لا يجازف لا يربح". المخاطرة ضرورية. التغيير مخاطرة. لكن البقاء في الوضع الحالي هو أيضاً مخاطرة. مخاطرة أن نخسر كل شيء، ببطء، بهدوء، دون أن نلاحظ.
في النهاية، الخيار لنا. لنا نحن المواطنين، نحن الفقراء، نحن المهمشين، نحن الذين ندفع الثمن. لنا أن نختار بين الاستسلام والأمل. بين الصمت والصراخ. بين القبول والمقاومة. بين الموت البطيء والحياة التي تستحق أن تعاش. الخيار صعب، لكنه واضح. والسؤال الوحيد: هل نملك الشجاعة لاختيار الأمل؟
……
الفصل الرابع والعشرون
إعادة تعريف المواطنة: من المستهلك إلى الفاعل
في قلب الأزمة، هناك حاجة ملحة لإعادة تعريف معنى المواطنة. المواطنة ليست مجرد بطاقة هوية، أو جواز سفر، أو حق في التصويت كل أربع سنوات. المواطنة هي علاقة، علاقة بين الفرد والمجتمع، بين الشخص والدولة، بين الحقوق والواجبات. وهذه العلاقة تحتاج إلى إعادة بناء من الأساس.
في العقود الأخيرة، تم اختزال المواطنة في الاستهلاك. صرنا مواطنين بقدر ما نستهلك. من يشتري أكثر هو مواطن أفضل. من لا يشتري، لا يهم. هذا التحول خطير، لأنه يجعل قيمتنا في ما نملك، لا في ما نحن. يجعل العلاقة الاجتماعية علاقة سوق، لا علاقة إنسانية. يجعل الدولة مجرد مزود خدمات، لا حامية للحقوق.
إعادة تعريف المواطنة تعني العودة إلى الجوهر: المواطن هو من يشارك. في صنع القرار، في إدارة الشأن العام، في تحديد الأولويات. المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمات، بل فاعل في المجتمع. ليس مجرد ناخب، بل مراقب ومحاسب. ليس مجرد دافع ضرائب، بل شريك في تحديد كيف تنفق هذه الضرائب.
هذا يتطلب تغييرات جذرية. يتطلب لامركزية في القرار، مشاركة شعبية في التخطيط، شفافية في الميزانيات، آليات للمساءلة. يتطلب تعليماً سياسياً للمواطنين، ليس ليجعلهم يتبعون، بل ليجعلهم يفكرون. يتطلب إعلاماً مستقلاً يساعدهم على الفهم، لا على التضليل. يتطلب ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد طقوس انتخابية.
في بعض المدن الأوروبية، هناك تجارب واعدة. موازنات تشاركية، حيث يقرر المواطنون كيفية إنفاق جزء من الميزانية البلدية. مجالس محلية منتخبة، لها صلاحيات حقيقية. مبادرات تشريعية شعبية، تسمح للمواطنين باقتراح قوانين. هذه التجارب لا تزال صغيرة، لكنها تظهر أن البديل ممكن. أن الديمقراطية يمكن أن تكون أعمق من مجرد صندوق اقتراع.
أحد المشاركين في تجربة الموازنة التشاركية في إحدى ضواحي بروكسل يقول: "لأول مرة أشعر أن صوتي يهم. لست مجرد ناخب أختار بين اسمين لا أعرفهما. أنا جزء من القرار. أنا من أقرر أي مشروع يمول، أي شارع يُصلح، أي مدرسة تُبنى. هذا هو معنى المواطنة الحقيقية." هذه الكلمات تعبر عن شعور يشاركه كثيرون: الرغبة في أن يكونوا فاعلين، لا مجرد متفرجين.
الطريق طويل، والعقبات كثيرة. الأنظمة القائمة لا تريد مواطنين فاعلين، تريد مواطنين مطيعين. النخب لا تريد مشاركة شعبية، تريد تفويضاً أعمى. رأس المال لا يريد ديمقراطية حقيقية، يريد استقراراً لاستثماراته. لكن الضغط الشعبي يمكن أن يغير هذا. التاريخ مليء بأمثلة حيث انتصرت الحركات الشعبية على الأنظمة القمعية. ليس بسهولة، ليس بسرعة، لكنها انتصرت. والدرس أن التغيير ممكن، إذا كان هناك إرادة.
……
الفصل الخامس والعشرون
دور المثقفين: شهادة في زمن الصمت
في زمن الأزمة، يبرز سؤال دور المثقفين. أولئك الذين منحهم المجتمع وقتاً للتفكير، للتحليل، للإبداع. أولئك الذين يفترض أن يكونوا ضمير الأمة، صوت العقل، مرآة الحقيقة. ماذا يفعل المثقفون اليوم؟ أين هم من معاناة الفقراء؟ لماذا صمتهم يطغى أحياناً على كلامهم؟
الحقيقة أن المثقفين اليوم في أزمة أيضاً. كثيرون منهم أصبحوا جزءاً من النظام، يعملون في جامعات تخضع لضغوط السوق، يكتبون في صحف تمولها الشركات، يظهرون في قنوات تلفزيونية تبحث عن الإثارة لا عن الحقيقة. استقلاليتهم تراجعت، جرأتهم تضاءلت، قدرتهم على قول الحقيقة تقلصت. أصبحوا خبراء، ليس مفكرين. متخصصين، ليس نقاداً. موظفين، ليس أحراراً.
لكن هناك دائماً استثناءات. مثقفون يرفضون الصمت، يكتبون ضد التيار، يخرجون إلى الشوارع، يقفون مع المضربين، يفضحون الظلم. هؤلاء يدفعون ثمناً: تهميش، نفي من المؤسسات، هجمات في الإعلام. لكنهم يستمرون. لأنهم يعرفون أن دورهم ليس الشهرة، بل الشهادة. أن وظيفتهم ليست التسلية، بل التنوير. أن رسالتهم ليست النجاح، بل الحقيقة.
أحد هؤلاء المثقفين، فيلسوف بلجيكي معروف، يقول: "لقد اخترت أن أكون مع الفقراء ليس لأني أشفق عليهم، بل لأني أعتقد أن الحقيقة تظهر من الأسفل. من يعاني يعرف. من يكافح يفهم. من يقاوم يرى. الأغنياء يعيشون في فقاعات، يرون العالم كما يريدون أن يكون. الفقراء يرون العالم كما هو. ولهذا، صوتهم هو الأهم."
هذه الكلمات تذكرنا بأن المعرفة ليست محايدة. المعرفة مرتبطة بالموقع الاجتماعي. من في القمة يرى جزءاً، من في القاع يرى الكل. ليس لأنهم أذكى، بل لأنهم لا يستطيعون تجاهل ما يرونه. الألم يعلم، المعاناة تكشف، الظلم يوضح. ولهذا، الاستماع إلى الفقراء ليس عملاً خيرياً، بل هو شرط للمعرفة الحقيقية.
المثقفون الحقيقيون هم الذين يستمعون، ثم يترجمون. يأخذون صوت الشارع، يعطونه شكلاً يمكن فهمه، يعيدونه إلى الشارع مقوّى. ليسوا قادة، بل مترجمين. ليسوا نجوم، بل جسور. ليسوا آباء، بل رفاق. دورهم ليس أن يقولوا للناس ماذا يفعلون، بل أن يساعدوهم على فهم ما يفعلون، وتعميق ما يفكرون، وتوسيع ما يرون.
في زمن الصمت، الشهادة ثورة. في زمن الكذب، الحقيقة خطر. في زمن الخوف، القول فعل. والمثقف الذي يختار أن يقول الحقيقة، يختار أن يكون في خطر. لكن هذا الخطر هو ثمن الشرف. وكما قال الشاعر: "إذا لم تكن مستعداً للموت من أجل شيء، فأنت لا تستحق الحياة". المثقف الذي لا يخاطر لا يستحق لقب مثقف. هو مجرد موظف، يتقاضى راتباً مقابل صمته.
…….
الفصل السادس والعشرون
الدين والمؤسسات الدينية: ملجأ أخير أم تواطؤ؟
في أحياء الفقراء، تبرز مآذن الكنائس وكنائسها كمعالم واضحة. ليس فقط كأماكن للعبادة، بل كمراكز للتضامن. ففي غياب الدولة، تلجأ المؤسسات الدينية لملء الفراغ. تقدم الطعام، تفتح ملاجئ، تنظم مساعدات، توفر عزاء. هذا الدور الإنساني مهم، لكنه يطرح أسئلة: هل هذا كاف؟ هل هو بديل عن العدالة الاجتماعية الحقيقية؟ أم هو مجرد مسكن يخدر الألم دون علاج السبب؟
المؤسسات الدينية في أوروبا تواجه تناقضاً. من جهة، تراجع أعداد المترددين عليها، تراجع تأثيرها الاجتماعي، تراجع دورها في الحياة العامة. من جهة أخرى، تزداد الحاجة إلى خدماتها الاجتماعية، خاصة بين الفقراء والمهمشين. هذا التناقض يضعها في موقف صعب: كيف تحافظ على رسالتها الروحية وهي منشغلة بتقديم الخبز؟ كيف تتحدث عن الخلاص والناس تفكر في لقمة العيش؟
بعض المؤسسات الدينية تتعامل مع هذا التناقض بشكل إيجابي. لا تكتفي بتقديم المساعدات، بل تنخرط في النضال من أجل العدالة الاجتماعية. تصدر بيانات تضامنية مع المضربين، تفتح أبوابها للاجئين، تستضيف اجتماعات للحركات الاجتماعية. تصبح أكثر من مجرد مؤسسات خيرية، تصبح جزءاً من الحركة التغييرية.
لكن أخرى تكتفي بالدور التقليدي: توزيع الصدقات، تقديم العزاء، تهدئة النفوس. هذا الدور، وإن كان إنسانياً، قد يكون تواطؤاً غير مقصود. لأنه يخفف الضغط عن النظام، يمتص الغضب، يجعل الفقراء يرضون بقدرهم بدلاً من أن يثوروا عليه. يصبح الدين "أفيون الشعوب" بالمعنى الماركسي: مسكن يخدر الألم دون علاج المرض.
رجل دين في إحدى كنائس بروكسل يعترف: "نحن نعيش هذا التناقض كل يوم. نرى الجوعى، نطعمهم. نرى المشردين، نؤويهم. لكننا نعرف أن هذا ليس كافياً. هم بحاجة إلى سياسات تغير أسباب جوعهم وتشردهم. لكن ماذا نفعل؟ السياسة ليست دورنا. دورنا هو الرحمة. لكن هل الرحمة كافية؟ لا أدري."
هذا الحيرة تعبر عن أزمة أعمق. أزمة المؤسسات الدينية في عالم يزداد علمانية، لكنه يزداد حاجة إلى قيم. عالم يبحث عن معنى، لكنه يرفض الوصاية. عالم يحتاج إلى تضامن، لكنه يشك في كل من يقدمه. في هذه الأزمة، يمكن للدين أن يكون جزءاً من الحل، إذا تجاوز دوره التقليدي. إذا أصبح قوة نقدية، لا مجرد قوة تعزية. إذا وقف مع المظلومين، لا مجرد من يساعدهم على تحمل الظلم.
هذا يتطلب جرأة. يتطلب أن يقول رجال الدين كلمة حق أمام السلطة. أن يفضحوا الظلم حتى لو كان الظالم من الطائفة نفسها. أن يختاروا العدالة على السلام الزائف. أن يذكروا أن الأنبياء كانوا ثواراً قبل أن يكونوا قديسين. أن موسى خرج على فرعون، وأن المسيح طرد الصيارفة من الهيكل، وأن محمداً وقف مع المستضعفين. هذا هو الإرث الحقيقي للدين. وهذا الإرث يحتاج إلى إحياء.
……
الفصل السابع والعشرون
الفن والمقاومة: جمال في زمن القبح
في زمن القبح، يبقى الفن ملاذاً. ليس فقط كتسلية، بل كمقاومة. الفن الذي يعكس الواقع، يفضح الظلم، يعطي صوتاً للصامتين. الفن الذي لا يجمّل، لا يزيّف، لا يخدع. الفن الذي يكون مرآة، لكنها مرآة لا تكذب.
في أحياء الفقراء، يظهر فن مختلف. رسوم على الجدران تحكي قصصاً. موسيقى تعبر عن غضب. شعر يصرخ بألم. مسرح يعيد تمثيل الواقع. هذا الفن ليس للبيع، ليس للعرض في المعارض الفاخرة، ليس لنيل الجوائز. هو فن للبقاء، فن للتعبير، فن للمقاومة. هو فن يقول: "نحن موجودون. نحن نشعر. نحن نفكر. نحن نرفض."
في إحدى ضواحي بروكسل، مجموعة من الشباب رسموا جدارية ضخمة. فيها، رجل فقير يحمل طفله، وخلفهما أبنية البنوك تعلو، وأسلاك شائكة تفصل بينهما. عنوان الجدارية: "المسافة بيني وبين حلمي: 5 أمتار من الأسلاك و 2000 يورو في الشهر". الجدارية أصبحت نقطة تجمع، مكاناً يلتقي فيه الناس، يلتقطون صوراً، يتحدثون. فن أصبح فضاءً عاماً حقيقياً، ليس فقط مادياً، بل فكرياً أيضاً.
الموسيقى أيضاً سلاح. الراب، الهيب هوب، أصبحا لسان حال الشباب الغاضب. كلمات تقول ما لا يقال: عن البطالة، والعنف، والإهمال، واليأس. عن حياة لا تشبه الأحلام. عن مستقبل مسروق. في حفلات الراب في الأحياء الشعبية، يصرخ الشباب بكلماتهم، يرقصون بحركات تعبر عن الغضب، يعيشون لحظات ينسون فيها واقعهم. لكنهم بعد الحفلة يعودون إلى نفس الشوارع، نفس البيوت، نفس المشاكل. السؤال: هل الموسيقى تغير شيئاً؟ أم أنها مجرد متنفس يخفف الضغط دون أن يغير مصدره؟
مسرح الشارع هو شكل آخر من أشكال الفن المقاوم. فرق تمثيل تقدم عروضاً في الساحات العامة، في محطات المترو، في أسواق الخضار. تمثل قصصاً من واقع الناس: قصة أم تنتظر دورها في مركز الرعاية، قصة عامل فقد وظيفته، قصة شاب يبحث عن عمل منذ سنوات. الجمهور يرى نفسه على الخشبة، يضحك و يبكي في نفس الوقت. الضحك هنا ليس تسلية، بل اعتراف. اعتراف بأن هذه قصصنا، وهذه حياتنا، وهذا ما نحن عليه.
لكن الفن الرسمي، فن المؤسسات، فن المتاحف والقاعات الكبرى، غالباً ما يكون بعيداً عن هذا كله. هناك، في صالات العرض الفاخرة، يُعرض فن لا يزعج أحداً. لوحات جميلة، مناظر طبيعية، تجريدات أنيقة. فن يزين جدران الأغنياء، ولا يقول شيئاً عن الفقراء. وهذا انقسام آخر: فن للفقراء (يقول الحقيقة لكن لا يراه إلا القليل) وفن للأغنياء (لا يقول شيئاً لكن يراه الكثيرون). الفجوة تتسع حتى في عالم الفن.
أحد فناني الشارع في بروكسل يقول: "الفن الحقيقي ليس ما يعلق على الجدران في المتاحف. الفن الحقيقي هو ما يعلق في القلب. هو ما يجعلك تفكر حتى بعد أن تغمض عينيك. هو ما يبقى معك في الشارع، في البيت، في الحلم. الفن الذي نصنعه هنا، على الجدران، في الشوارع، أمام الناس، هذا الفن لا يموت. قد يمحوه البلدية، قد يطلى بالأسود، لكنه يعود في مكان آخر. لأنه ليس مجرد ألوان، هو صرخة."
هذه الصرخة هي ما نحتاجه. في زمن تموت فيه الكلمات، تبقى الصرخة. في زمن يخفت فيه الصوت، تعلو الموسيقى. في زمن ينام فيه الضمير، يستيقظ الفن. الفن ليس رفاهية، هو ضرورة. ليس ترفاً، هو حاجة. ليس ديكوراً، هو حياة.
…….
الفصل الثامن والعشرون
الذاكرة: من يكتب تاريخ الفقراء؟
التاريخ يكتبه المنتصرون. هذه مقولة قديمة، لكنها ما زالت صحيحة. من يكتب تاريخ الفقراء؟ من يوثق معاناتهم، نضالاتهم، أحلامهم، إخفاقاتهم؟ في المكتبات، في المتاحف، في المناهج الدراسية، نجد تاريخ الأغنياء: الملوك، الرؤساء، القادة، المبتكرين. نادراً ما نجد تاريخ الفقراء: عمال المناجم، عاملات النسيج، فلاحين بلا أرض، عاطلين عن العمل. هؤلاء لا يظهرون إلا في الهوامش، في الإحصائيات، في لمحات عابرة.
هذا الغياب ليس مصادفة. هو نتيجة لتركيز السلطة على نفسها. من يملك المال يملك الوسائل لتوثيق تاريخه. من يملك النفوذ يضمن بقاء اسمه في الكتب. أما الفقراء، فتاريخهم يكتب على الجدران، في الأغاني الشعبية، في الحكايات المتناقلة، في ذاكرة شفوية تموت بموت أصحابها. وعندما يموت آخر من يتذكر، يموت معه تاريخ كامل.
في بلجيكا، هناك محاولات لتوثيق تاريخ الطبقة العاملة. متاحف صغيرة، أرشيفات شعبية، كتب يصدرها مؤرخون مستقلون. لكن هذه المبادرات تواجه تحديات كبيرة: نقص التمويل، قلة الاهتمام الرسمي، صعوبة الوصول إلى الشهادات الحية. ومع ذلك، تستمر. لأن الذين يعملون فيها يعرفون أن توثيق التاريخ هو شكل من أشكال المقاومة. هو قول: "نحن هنا. كنا هنا. لن ننسى."
أحد القيمين على متحف صغير للطبقة العاملة في شارلروا يقول: "هذا المتحف ليس فخماً. ليس لدينا لوحات أصلية، ولا قطع نادرة. لدينا صور، وأدوات عمل قديمة، وشهادات مسجلة. لدينا ذاكرة. ذاكرة رجال ونساء عملوا في مناجم الفحم، في مصانع الحديد، في مصانع الزجاج. هؤلاء بنوا هذا البلد بأيديهم، ثم نسوا أنفسهم. نحن هنا لنذكرهم، ونذكر أبناءهم، ونذكر من سيأتي بعدنا."
الذاكرة الجماعية للفقراء هي سلاح. هي التي تمنع تكرار الأخطاء. هي التي تذكر الأجيال الجديدة بأن ما يحدث اليوم ليس جديداً، وأن المقاومة ممكنة، وأن النضال من أجل الكرامة له تاريخ طويل. عندما يعرف الشاب العاطل أن جده شارك في إضرابات الثلاثينيات، أن أباه ناضل من أجل حقوقه في السبعينيات، يشعر أنه جزء من سلسلة. أنه ليس وحده. أن معاناته جزء من معاناة جماعية، وأن حلها يحتاج إلى نضال جماعي.
لكن هناك أيضاً محاولات لطمس هذه الذاكرة. المناهج الدراسية تركز على التواريخ الكبرى، الأحداث السياسية، الحروب. تهمش تاريخ الحركات الاجتماعية، تاريخ النقابات، تاريخ الإضرابات. النتيجة أن الأجيال الجديدة تنشأ وهي لا تعرف شيئاً عن نضالات من سبقوها. تظن أن ما لديها من حقوق نزلت من السماء، أو منحت من الدولة، لا أنها انتزعت بفضل نضال طويل. وهذا الجهل يسهل على السلطة انتزاع هذه الحقوق مرة أخرى.
في النهاية، معركة الذاكرة هي جزء من معركة المستقبل. من يتحكم في الماضي، يتحكم في الحاضر. ومن يتحكم في الحاضر، يخطط للمستقبل. لهذا، توثيق تاريخ الفقراء ليس عملاً أكاديمياً بحتاً، بل هو عمل سياسي. هو قول إننا موجودون، وإننا لن ننسى، وإننا مستعدون لمواصلة النضال.
…….
الفصل التاسع والعشرون
الأمل: في انتظار الغد
بعد كل هذا السواد، يبقى السؤال: هل هناك أمل؟ هل يمكن أن يتغير الواقع؟ هل يمكن للفقراء أن ينتصروا؟ أم أن هذا كله مجرد وهم، ونحن ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها؟
الجواب معقد. الأمل ليس شيئاً نملكه أو لا نملكه. الأمل هو فعل. هو قرار. هو اختيار نصنعه كل يوم. الأمل هو أن نستيقظ صباحاً ونقرر أن اليوم قد يكون أفضل. أن نخرج إلى الشارع ونقرر أن نصرخ. أن ننضم إلى حركة ونقرر أن نناضل. الأمل ليس نتيجة، هو بداية.
في كل ركن من أوروبا، هناك بوادر أمل. إضرابات ناجحة. احتجاجات أوقفت مشاريع ظالمة. مبادرات تعاونية أثبتت أن بديلاً ممكناً. انتخابات محلية فازت بها قوى بديلة. هذه ليست ثورة، لكنها شقوق في جدار النظام. والشقوق قد تتسع، إذا وجدت من يعمل على توسيعها.
أحد الناشطين الاجتماعيين في بروكسل يقول: "أنا لا أعرف إذا كنا سننتصر. لا أعرف إذا كان أولادي سيعيشون في عالم أفضل. لكني أعرف أنني إذا لم أناضل، سأعيش في ندم. الندم أسوأ من الفشل. الفشل يعني أنك حاولت. الندم يعني أنك لم تحاول. أنا أفضل الفشل على الندم." هذه الكلمات تلخص روح النضال. ليست ضماناً للنصر، لكنها رفض للاستسلام.
الأمل يظهر في أشكال صغيرة. في أم تتعلم القراءة لتساعد أولادها في الواجبات. في شاب يأسس جمعية لمساعدة العاطلين. في مجموعة جيران تنشئ حديقة مشتركة. في عمال يرفضون العمل الإضافي غير مدفوع الأجر. في طلاب يحتجون على رفع الرسوم. هذه الأفعال الصغيرة لا تغير العالم وحدها، لكنها تخلق ثقافة مقاومة. ثقافة تقول: "لا" في وجه من يقول "لا يمكن".
الأمل يحتاج إلى رؤية. رؤية لعالم مختلف. ليس مجرد عالم أفضل، بل عالم مختلف جوهرياً. عالم لا يكون فيه الفقر جريمة، والغنى فضيلة. عالم تكون فيه الكرامة حقاً للجميع، لا امتيازاً للقلة. عالم تكون فيه الدولة حامية للضعفاء، لا خادمة للأقوياء. هذه الرؤية ليست يوتوبيا، هي ضرورة. بدونها، يبقى النضال عملاً أعمى، يتحرك دون وجهة.
في الأدب، في الفلسفة، في الأفلام، هناك رؤى كثيرة لعالم أفضل. بعضها واقعي، بعضها خيالي. لكن كلها تشترك في شيء: رفض الواقع الحالي، والإيمان بإمكانية التغيير. هذه الرؤى هي وقود النضال. هي التي تذكرنا، في لحظات اليأس، أن ما هو كائن ليس كل ما يمكن أن يكون. أن المستقبل مفتوح، وأننا نستطيع كتابته بأيدينا.
الأمل ليس ساذجاً. الأمل يعرف حجم التحديات. يعرف قوة الخصم. يعرف احتمالات الفشل. لكنه يختار المقاومة رغم ذلك. لأنه يعرف أن البديل أسوأ. أن الاستسلام موت بطيء. أن الصمت خيانة. لهذا، الأمل ليس ترفاً، هو ضرورة. ليس حلماً، هو قرار. ليس نهاية، هو بداية.
---
الفصل الثلاثون
الخاتمة: لمن تنتمي البلاد؟
نعود هنا إلى السؤال الذي بدأنا به: لمن تنتمي البلاد؟ للدولة؟ للشركات؟ للإعلام؟ أم للناس الذين يعيشون فيها؟
الرحلة التي قطعناها في هذه الصفحات حاولت أن تقترب من إجابة. أظهرت كيف تحولت الدولة من حامية إلى جابية. كيف أصبح الإعلام شركة لا سلطة رابعة. كيف تحولت الشركات إلى قوى سياسية بلا مساءلة. كيف أصبح الفقراء مجرد أرقام في ميزانيات.
لكن الإجابة ليست بسيطة. البلاد تنتمي لمن يملكون. هذا هو الجواب الواقعي. لمن يملكون المال، يملكون الإعلام، يملكون النفوذ، يملكون القرار. البلاد تنتمي للأقلية التي تمسك بكل شيء، وتترك للأغلبية فتات ما تبقى.
لكن هذا الجواب ليس نهائياً. لأن الملكية ليست قدراً. ما يملكه البعض اليوم، قد ينتزع منهم غداً. التاريخ مليء بأمثلة لثورات غيرت ميزان القوى. لحركات شعبية استرجعت ما سلب منها. لإرادات جماعية كسرت جدراناً كانت تبدو صلبة.
البلاد تنتمي لمن يبنونها. لمن يعملون فيها. لمن يدفعون ضرائبهم (حتى لو كانت قليلة). لمن يربون أطفالهم على حبها. لمن يمرضون ويموتون في مستشفياتها. لمن ينامون في شوارعها. لمن يحلمون بتغييرها. البلاد تنتمي للناس، حتى لو كانوا لا يشعرون بذلك.
لكن الشعور لا يكفي. الشعور بالانتماء يحتاج إلى ترجمة عملية. إلى مشاركة حقيقية في القرار. إلى قدرة على التأثير. إلى آليات تضمن أن صوت المواطن مسموع. إلى ديمقراطية أعمق من مجرد صندوق اقتراع. إلى عدالة اجتماعية توزع الثروة بشكل عادل. إلى كرامة لا تعتمد على حجم الحساب البنكي.
هذا هو التحدي: كيف نعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن؟ كيف نستعيد الثقة المفقودة؟ كيف نجعل البلاد حقاً ملكاً للجميع، وليس فقط لمن يملكون؟
لا توجد إجابة سهلة. لكن هناك طريق. طريق يبدأ بالوعي، ويمر بالتنظيم، ويؤدي إلى الفعل. طريق يعترف بصعوبة التحدي، لكنه لا يستسلم له. طريق يرى في كل أزمة فرصة، في كل هزيمة درساً، في كل صباح بداية جديدة.
في النهاية، هذه ليست مجرد كتابة صحفية. هي شهادة. شهادة على زمن تمر به أوروبا، زمن تلتهم فيه أبناءها. شهادة على معاناة الفقراء، وصمت الأغنياء، وتواطؤ الإعلام، وفشل السياسة. شهادة على أمل لا يموت، رغم كل شيء.
لأن الفقراء ما زالوا موجودين. وما زالوا يقاومون. وما زالوا يحلمون. وما زالوا ينتظرون غداً أفضل. وهذا الانتظار، هذه المقاومة، هذا الحلم، هو ما يبقي البلاد حية. هو ما يجعلها تستحق أن ننتمي إليها. هو ما يجعلنا نكتب، ونقرأ، ونفكر، ونحلم، ونناضل.
البلاد تنتمي لمن لا يملكون. لمن ينتظرون في طوابير الطعام. لمن ينامون في المحطات. لمن يمرضون ولا يجدون دواء. لمن يعملون ولا يكفيهم راتب. لمن يدرسون ولا يجدون عملاً. لمن يهاجرون بحثاً عن حياة. لمن يبقون رغم كل شيء.
البلاد تنتمي لهؤلاء. لأنهم هم الأغلبية. لأنهم هم الحقيقيون. لأنهم هم المستقبل.
هذه الشهادة هي وقفة على حافة الهاوية، نظرة في العمق، ثم التفات إلى الأمام. إلى أفق لا نراه بوضوح، لكننا نؤمن بوجوده. إلى غد لا نعرف شكله، لكننا نعمل ليكون أفضل. إلى حياة تستحق أن تعاش، لجميع الناس، وليس فقط للقلة.
تمت.
بروكسل - 2025
……..
المادة الساخرة :
في بلادٍ تلتهم أبناءها
أو: كيف علَّمونا أن الفقر "إصلاح" وأن الحرب "حل اقتصادي"
(مسرحية هزلية من ثلاثين مشهداً، بطولة حكومة أريزونا ونجوم الشركات الكبرى)
……
الفصل الأول
الستار يرفع: نرى أوروبا... ولكن!
(المسرح مظلم. فجأة، تضاء الأنوار على خريطة ضخمة لأوروبا. لكن الخريطة ليست عادية. فوق كل دولة لافتة: "للبيع"، "تخفيضات"، "تنازل عن السيادة مقابل وجبة غداء". موسيقى "نشيد الفرح" تعزف ولكن ببطء وكأن شريط التسجيل يوشك أن ينقطع)
الراوي (بصوت جهوري، يشبه صوت المذيع في الأفلام الوثائقية القديمة): "في قلب أوروبا، حيث تُرفع الشعارات عن الكرامة والعدالة والإنسان أولاً... حسناً، تُرفع فعلاً. في المهرجانات. وفي الحملات الانتخابية. أما في الواقع، فالكرامة في تخفيض، والإنسان أولاً... في قائمة الانتظار خلف البنوك والشركات متعددة الجنسيات. استناداً إلى إحصاءات دقيقة، 87% من الشعارات الأوروبية تتبخر فور ملامستها أرض الواقع. النسبة المتبقية 13% تستخدم لتغليف المواد الغذائية في البنوك الاجتماعية."
(يدخل مواطن عادي، يحمل كومة من الأوراق تعلو رأسه. يتعثر، تسقط الأوراق، يجمعها، يتعثر مجدداً)
المواطن العادي (للجمهور): "مساء الخير. أنا مواطن أوروبي. عمري 45 سنة. قضيت 30 سنة منها في ملء الاستمارات. هذا هو ناتج الأسبوع الماضي فقط. 47 استمارة. 23 نموذجاً. 12 طلب توثيق. 9 إثباتات عنوان. 4 شهادات ميلاد. و3 طلبات لإعادة النظر في طلبات سابقة رُفضت بسبب نقص الأوراق التي قدّمتها سابقاً ولكنها ضاعت في قسم الأرشفة الذي تمت خصخصته ونقله إلى الهند."
(يسقط مغشياً عليه. ستارة سوداء)
……
الفصل الثاني
تعريفات أساسية: ماذا يعني "الحد الأدنى للعيش" في قاموس الحكومة؟
(على المسرح، فصل دراسي. أستاذ أنيق يرتدي بذلة ويقف أمام سبورة. مكتوب على السبورة: "الاقتصاد للمبتدئين: كيف تشرح للفقراء أنهم أغنياء بالقدر الكافي" )
الأستاذ (بصبر المعلم مع طفل بطيء الفهم): "طيب يا أولاد، نبدأ بالدرس الأول: الحد الأدنى للعيش. من يعرف معناه؟"
طالب في الصف الأول (يرفع يده): "الحد الأدنى للعيش هو المبلغ الذي إذا لم تحصل عليه، لن تتمكن من العيش؟"
الأستاذ (يضحك طويلاً): "هذه سذاجة يا بني. هذا تعريف عفا عليه الزمن. في اقتصاد اليوم، الحد الأدنى للعيش هو... لحظة... عندي التعريف الجديد هنا في النشرة الحكومية... (يقرأ) الحد الأدنى للعيش هو دخل تعويضي مؤقت يُمنح للمواطنين الذين لم يتمكنوا بعد من فهم أن الفقر اختيار شخصي، وأن العوز فرصة للاكتفاء الذاتي، وأن الجوع نظام غذائي صحي ومجاني . "
(تصفيق حار من زملاء الأستاذ في الصف الخلفي. هم يرتدون بدلات أيضاً ويحملون حقائب تحمل شعارات شركات كبرى)
الأستاذ (يكمل): "لاحظوا التطور اللغوي الرائع هنا. كلمة دخل توحي بأنك تحصل على شيء. كلمة تعويضي توحي بأنك خسرت شيئاً ونحن نعوضك عليه. معاً، تعنيان أنك مدين لنا بالشكر لأننا نسمح لك بالعيش. العبارة القديمة كانت تقول: للفقير حق في الحياة . العبارة الجديدة تقول: للدولة الحق في منحك الإذن بالبقاء على قيد الحياة . فرق كبير!"
(يصفق الجميع. يخرج الأستاذ كتيباً سميكاً)
الأستاذ: "وهذا هو دليل الإصلاح الجديد. ألف وثمانمائة صفحة. خلاصته: إذا كنت فقيراً، فهذا خطؤك. وإذا لم تكن فقيراً، فتهانينا! أنت ضمن الفئة التي ستدفع ضرائب أكثر لدعم من هم أقل كفاءة منك. وإذا كنت شركة متعددة الجنسيات، فتفضل بالدخول من الباب الخلفي، الضرائب عليك اختيارية، مثل البقشيش في المطاعم."
…….
الفصل الثالث
حكاية الـ RIS: عندما يصبح حقك في العيش "بنداً قابلاً لإعادة التصنيف"
(مشهد في وزارة المالية. اجتماع طويل. طاولة ضخمة. حولها رجال ونساء ببدلات أنيقة. على الحائط شاشة ضخمة تعرض أرقاماً)
وزير المالية (يضرب بقلمه على الطاولة): "السيدات والسادة، لدينا مشكلة. هناك أناس لا يدفعون ضرائب. بل الأسوأ، أنهم يأخذون منا أموالاً. ماذا نسمي هؤلاء؟"
مستشار أول: "نسميهم... الفقراء؟"
وزير المالية (بسخرية): "رائع! عبقري! لهذا أنت مستشار أول. نعم، الفقراء. ووجودهم يزعجني. يزعج الميزانية. يزعج النمو. يزعج منظر المدينة. كيف نتخلص منهم؟"
مستشارة ثانية (بلهفة): "نحن في حكومة أريزونا لدينا خطة! نعيد تسميتهم! بدلاً من الفقراء ، نسميهم حاملي الدخل التعويضي المؤقت . بدلاً من مساعدات اجتماعية ، نقول برامج تمكين المواطن من المشاركة في الاقتصاد . بدلاً من حق أساسي ، نقول بند في الميزانية قابل للمراجعة الدورية . اللغة يا سيدي، اللغة هي المفتاح!"
(الجميع يصفقون بحماس)
وزير المالية: "أحببت هذا! تابعي."
المستشارة الثانية: "الخطوة التالية: نخضع الـ RIS للضريبة. لماذا؟ لأن كل شيء يجب أن يخضع للضريبة. الضريبة هي حب الدولة لمواطنيها. كلما دفعت أكثر، كلما أحبتك الدولة أكثر. الفقير لا يدفع ضرائب، إذن الدولة لا تحبه. إذا فرضنا عليه ضريبة على الـ RIS، فجأة تصبح الدولة تحبه. إنها معادلة عاطفية رائعة."
مستشار ثالث (متحمس): "ويمكننا أن نذهب أبعد! نطبق ضريبة القيمة المضافة على المساعدات العينية. الخبز الذي تأخذه من بنك الطعام؟ 21% ضريبة. الملابس المستعملة من الجمعيات الخيرية؟ 21% ضريبة. سريرك في مركز الإيواء؟ إيجار خاضع للضريبة!"
وزير المالية (يدوّن ملاحظات): "هذا رائع. لكن ماذا لو اعترضوا؟ ماذا لو تظاهروا؟"
المستشار الأول (بثقة): "لدينا قسم كامل للتعامل مع هذا: إدارة توجيه الغضب الشعبي نحو قنوات آمنة . سنقول إنهم غير متفهمين ، متطرفين ، شعبويين . سنصورهم وهم يغضبون، ثم نعرض الصور في النشرات ونقول: انظروا إلى هؤلاء الفوضويين . الناس العاديون سيكرهونهم. والفقراء سيبقون فقراء. دائرة مثالية."
(الكل يصفق وقوفاً. يوزعون الحلوى)
…….
الفصل الرابع
يا له من إصلاح جميل! حين تصبح الضريبة على الفقر حلاً ذكياً
(مشهد في مؤتمر صحفي حكومي. منصة عليها شعار "معاً نبني بلداً أفضل: إصلاحات 2025". وزير المالية يقف خلف منصة، مبتسماً كمن باع سيارة مستعملة لشخص غبي)
وزير المالية (بحرارة): "أيها المواطنون الأعزاء، يسرني أن أعلن عن حزمة الإصلاحات الاجتماعية التاريخية. هذه الإصلاحات تهدف إلى... (ينظر إلى الورقة)... إلى تحقيق العدالة الاجتماعية للجميع! نعم، العدالة تعني أن يدفع الجميع ضرائب. حتى من لا يملكون. لماذا؟ لأن الضريبة ليست مجرد التزام مالي، إنها... إنها... (يبحث عن كلمة)... تعبير عن الانتماء! نعم! الفقير الذي يدفع ضريبة على مساعدته هو مواطن حقيقي. الفقير الذي لا يدفع، هو مجرد... مستفيد!"
(تصفيق من الصحفيين المدعوين. بعضهم يصفق بأقدامهم)
صحفي (يرفع يده): "لكن سيدي الوزير، إذا كان المواطن لا يملك المال أصلاً، كيف سيدفع ضريبة على المساعدة التي تمنحونه إياها؟"
وزير المالية (مبتسماً، كأنه سمع سؤالاً ذكياً من طفل): "سؤال ممتاز! الجواب: بالتقسيط. نعم، سيدي، ابتكرنا نظام تقسيط للضريبة على المساعدات. تخيل: تحصل على 100 يورو مساعدة. نخصم 20 يورو ضريبة. يتبقى 80. بعد شهر، تطلب مساعدة جديدة، نخصم 20 أخرى. وهكذا. بهذه الطريقة، تبقى العلاقة مع الدولة مستمرة، والمواطن يشعر بأنه يساهم. إنها عبقرية!"
صحفي آخر: "لكن هذا يعني أنه لن يتبقى له ما يعيش به؟"
وزير المالية (بنفس الابتسامة): "العيش له معانٍ كثيرة. العيش ليس مجرد أكل وشرب وسكن. العيش هو... المشاركة. العيش هو... المواطنة. العيش هو... الضريبة!"
(الجميع يصفق. يدخل مساعد ويهمس في أذن الوزير. يتغير وجه الوزير للحظة، ثم يعود مبتسماً)
وزير المالية: "يؤسفني أن أقول إن الوقت نفد. شكراً لكم. ولا تنسوا: الإصلاح مؤلم لكنه ضروري. مثل الدواء المر. مثل الحقنة المؤلمة. مثل... (يبحث عن تشبيه)... مثل ضريبة القيمة المضافة على أدوية الأطفال!"
(يغادر مسرعاً. الستارة تسقط)
…….
الفصل الخامس
علاقة مكسورة: حين تتحول الدولة من أم إلى زوجة أب شريرة
(مشهد في عيادة نفسية. مواطن جالس على أريكة. طبيب نفسي يدوّن ملاحظات)
الطبيب النفسي: "متى بدأت هذه المشاعر؟"
المواطن (بصوت متعب): "منذ أن اكتشفت أن الدولة ليست أمي."
الطبيب النفسي: "شرح من فضلك."
المواطن: "كنت أعتقد أن الدولة مثل الأم. تحميك، ترعاك، تطعمك إذا جعت، تمسح دموعك إذا بكيت. لكنني اكتشفت أنها زوجة أب. وزوجة أب شريرة في قصة خيالية. زوجة الأب التي تعتبر الأولاد أعباءً يجب التخلص منهم. تعطيك التفاحة المسمومة وتقول لك هذه هدية . تضعك في غرفة ضيقة وتقول هذه غرفتك الخاصة . ترسل إلى الغابة وتقول هذه رحلة استكشاف . "
الطبيب النفسي: "متى كانت لحظة الاكتشاف؟"
المواطن: "عندما وصلتني رسالة من مركز الرعاية الاجتماعية. كنت أتوقع أن يقولوا لا تقلق، سنساعدك . لكن الرسالة كانت تقول: نود إعلامك أن ملفك قيد المراجعة. قد يتم تخفيض مساعداتك. قد يتم إيقافها. قد يُطلب منك إثبات أنك لا تزال فقيراً. أحضر 47 وثيقة تثبت أنك لا تملك شيئاً. وإذا نسيت وثيقة واحدة، فمعناه أنك لست فقيراً بما يكفي، وبالتالي لن تحصل على مساعدة. مع خالص التحية، قسم الفقراء، مركز الرعاية. "
الطبيب النفسي (يدوّن): "تشخيص مبدئي: خيبة أمل حادة مع أعراض رفض مؤسساتي. العلاج: قراءة كتيب كيف تحب الدولة التي تهمشك من إصدار وزارة السعادة الإجبارية."
المواطن: "وهل هذا الكتيب متوفر مجاناً؟"
الطبيب النفسي: "للأسف لا. ثمنه 20 يورو. لكن يمكنك الحصول عليه بخصم إذا قدمت إثباتاً بأنك فقير وتستحق الخصم. عليك ملء استمارة 7-ب-9 وإرفاق صورة عن بطاقة هويتك وإيصال كهرباء وفاتورة هاتف وشهادة ميلاد جدك لأبيك."
المواطن (يبكي): "حتى الكتيب الذي يعلمني كيف أحب الدولة، الدولة تبيعه لي!"
(الستارة تسقط ببطء)
………
الفصل السادس
الانتخابات: وهم الديمقراطية أو كيف نصوت كل أربع سنوات ثم ندفع الثمن كل يوم
(مشهد مركز اقتراع. طوابير طويلة. مواطنون يدخلون أكشاك الاقتراع. على الحائط شعارات: "صوتك أمانة"، "الديمقراطية تبدأ بك"، "كل صوت مهم". موسيقى حماسية في الخلفية)
مواطن (واقف في الطابور، لجاره): "لمن ستصوت؟"
جار (بملل): "لا أدري. ربما للحزب الذي وعد بخفض الضرائب."
مواطن: "لكن جميعهم وعدوا بخفض الضرائب."
جار: "إذاً، سأصوت للحزب الذي سيخفضها أكثر."
مواطن: "وإذا لم يخفضوها؟"
جار: "سأنتظر أربع سنوات وأصوت لآخر. هذا اسمه ديمقراطية."
(يدخلان الكشك. نرى ما يحدث خلف الستار)
صوت من داخل الكشك: "مرحباً بك في نظام الاقتراح الذكي. الرجاء الاختيار من بين الخيارات التالية:
الخيار أ: حزب يعد بخفض الضرائب على الأغنياء وزيادتها على الفقراء باسم الإصلاح. الخيار ب: حزب يعد بخفض الضرائب على الأغنياء وزيادتها على الفقراء باسم العدالة. الخيار ج: حزب يعد بخفض الضرائب على الأغنياء وزيادتها على الفقراء باسم التنمية. الخيار د: حزب يعد بفعل العكس، لكنه بمجرد وصوله إلى السلطة سيفعل نفس الشيء لأن الظروف تغيرت و الواقع مختلف و الأرقام لا تسمح ."
المواطن (يحاول الضغط على الخيار د): "سأعطيهم فرصة..."
الصوت: "عذراً، الخيار د غير متوفر في هذه الدورة. اقتصار الخيارات على أ، ب، ج. شكراً لتفهمك."
(المواطن يختار أ بشكل عشوائي. يخرج من الكشك)
مواطن آخر (يقابله): "لمن صوتت؟"
المواطن: "للحزب الذي سينقذنا."
مواطن آخر: "كلهم قالوا ذلك."
المواطن: "نعم، لكن هذا قالها بشكل أجمل. وكانت ربطة عنقه زرقاء. أحب الأزرق."
(يدخلان إلى حانة قريبة. على شاشة التلفاز: نتائج الانتخابات. الحزب الفائز هو... نفس الحزب الذي خسر في الدورة الماضية، لكن تحت اسم جديد)
معلق سياسي (على التلفاز): "فوز ساحق لتحالف الأمل والتغيير! الشعب قال كلمته! آمال جديدة! مستقبل مشرق!"
مواطن في الحانة (يحتسي بيرة): "كم مرة سمعنا هذا؟"
صاحب الحانة: "في الدورة الماضية قالوا نفس الشيء. وقبلها قالوا نفس الشيء. وقبلها..."
مواطن: "ربما هذه المرة مختلفة."
صاحب الحانة (يضحك): "طبعاً. هذه المرة الحكومة ستخفض الضرائب حقاً. وهذه المرة الفقراء سيصبحون أغنياء حقاً. وهذه المرة الشركات ستدفع ضرائبها حقاً. وهذه المرة... (يسكت) ...اسمع، أنا لا أصدق. لكني أقول لأنني تعبت من اليأس. اليأس متعب. الأمل مريح حتى لو كان وهمياً."
(الكل يصمت. الستارة تسقط)
……
الفصل السابع
قصة حب: الشركات متعددة الجنسيات والدولة الأوروبية
(مشهد رومانسي. على أنغام موسيقى هادئة، نرى شركة متعددة الجنسيات (شاب وسيم ببذلة غالية) والدولة الأوروبية (سيدة أنيقة). يجلسان على مقهى. بينهما شمعة وأوراق مالية)
الدولة (بخجل): "أشعر أننا نقضي وقتاً رائعاً معاً. أنت تجعلني أشعر بأنني... مختلفة."
الشركة (بابتسامة ساحرة): "وأنت تجعلينني أشعر بأنني في وطن. بالمناسبة، لدي اقتراح صغير."
الدولة: "تفضل."
الشركة: "أريد تخفيضاً في الضرائب. ليس كبيراً. مجرد... 99%."
الدولة (مندهشة): "99%؟ هذا يعني أنك ستدفع 1% فقط."
الشركة (يضع يده على يدها): "لكنني سأبقى هنا. سأستثمر. سأخلق فرص عمل. حسناً، ربما ليس فرص عمل كثيرة، سأستخدم الروبوتات. لكن سأبقي المكتب الرئيسي هنا. المكتب الرئيسي مهم جداً. فيه 12 موظفاً. 12 فرصة عمل!"
الدولة (مترددة): "لكن ماذا عن مواطني؟ ماذا عن الخدمات العامة؟ ماذا عن المدارس والمستشفيات؟"
الشركة (بصوت ناعم): "حبيبتي، المدارس والمستشفيات تكلف كثيراً. لماذا لا تخصخصينها؟ ستصبح أفضل. وأرخص. للبعض. وأما البعض الآخر... (يبتسم) ...هناك دائماً الجمعيات الخيرية."
الدولة (تتنهد): "أنت مقنع جداً."
الشركة: "هذه موهبتي. والآن، هل نوقع الاتفاقية؟"
(يخرج عقداً ضخماً. الدولة توقعه دون قراءة. موسيقى رومانسية تعلو)
الشركة (بعد التوقيع، لهمس): "بالمناسبة، لدي صديق. اسمه لوبي . ستحبينه. يقنع أي شخص بأي شيء. سيساعدك في إقناع الوزراء الآخرين."
الدولة (مسحورة): "أنت تفكر في كل شيء!"
(يحتضنان. على الطاولة الأخرى، مواطن عادي يحاول لفت نظرهما)
مواطن عادي: "عفواً، أنا موجود هنا. أنا من يدفع ضرائبي كاملة. أنا من يعاني من التقشف. أنا من سيدفع ثمن هذه الاتفاقية."
الشركة (للدولة): "هل تسمعين صوتاً؟"
الدولة: "لا. ربما مكيف الهواء."
مواطن عادي (بصوت أعلى): "أنا هنا! أنا مواطن! أنا الذي انتخبتك!"
الشركة: "الآن سمعته. يبدو متذمراً. ربما هو من هؤلاء الشعبويين ."
الدولة: "آه، هؤلاء. لا تهتم. هم دائماً يتذمرون. لكنهم في النهاية يصوتون لنا. أين سيذهبون؟"
(يضحكان. الستارة تسقط على المواطن وهو يلوح بيديه)
……
الفصل الثامن
الإعلام: السلطة الرابعة التي انقلبت على صاحبها
(مشهد في غرفة أخبار. صحفيون يركضون. شاشات تعرض أخباراً. رئيس التحرير يجلس في مكتب زجاجي يشرف على الجميع)
رئيس التحرير (بصوت عالٍ): "أين الأخبار؟"
صحفي شاب (يجرى نحوه): "سيدي، لدينا تحقيق خطير عن شركة كبرى تتهرب من الضرائب!"
رئيس التحرير (يهتم فجأة): "أي شركة؟"
صحفي شاب: "شركة غلوبال بروفيت . تهرب سنوياً من ضرائب تقدر بمليارات!"
رئيس التحرير (يفكر): "غلوبال بروفيت... أليست هي التي تمتلك 30% من أسهم مؤسستنا؟"
صحفي شاب: "لا أدري..."
رئيس التحرير (يتصل بسرعة، بهمس): "مدير المالية؟ هل غلوبال بروفيت من مساهمينا؟... نعم... نعم... فهمت."
(يغلق الهاتف، يبتسم للصحفي)
رئيس التحرير: "ابني العزيز، تحقيق رائع. لكن... ألا تعتقد أن هناك زاوية أفضل؟"
صحفي شاب: "كيف؟"
رئيس التحرير: "بدلاً من الشركات الكبرى تهرب من الضرائب ، ماذا عن الضرائب المرتفعة تطرد الشركات ؟ نعم! هذه زاوية ممتازة! نلقي اللوم على الضرائب، ليس على الشركات. نصور الشركات كضحايا. الناس يتعاطفون مع الضحايا."
صحفي شاب (مصدوم): "لكن سيدي، الشركات ليست ضحايا. هي التي تقرر عدم الدفع. هي التي تستخدم محامين لاستغلال الثغرات. هي التي..."
رئيس التحرير (يقاطعه): "أنت شاب ومتحمس. أحب هذا. لكن الشباب يمر. والحماس يزول. ما يبقى هو... الوظيفة. تذكر، لديك قرض لسيارة. وأقساط لشقة. وزوجة تريد عطلة في الصيف. هل تريد الاحتفاظ بكل هذا؟"
صحفي شاب (بعد صمت): "...لا."
رئيس التحرير: "إذاً، نكتب الزاوية الجديدة. ونسعد مساهمينا. وتبقى وظيفتك. صفقة عادلة، أليس كذلك؟"
صحفي شاب (بمرارة): "...نعم."
رئيس التحرير: "هذا ولدي. والآن، اذهب واكتب عنواناً مثيراً: ضرائب جشعة تطرد المستثمرين . سيكون رائعاً. والجمهور سيصدق. يصدقون دائماً."
(يذهب الصحفي الشاب إلى مكتبه. يكتب. دموع في عينيه. لكنه يكتب)
معلق (صوت من خارج المسرح): "هكذا تُصنع الأخبار. ليس في غرف مظلمة مع مؤامرات معقدة. بل في مكاتب زجاجية، مع تذكير بلطيف بالأقساط الشهرية."
(الستارة تسقط ببطء)
…….
الفصل التاسع
الضغط واللوبي: عندما يشتري المال القرار
(مشهد في بهو فندق فخم في بروكسل. رجال ونساء ببدلات باهظة الثمن يتجولون. كؤوس شمبانيا في الأيدي. ابتسامات عريضة. في الزاوية، مجموعة من النشطاء يحاولون الدخول، يحرس الباب رجل ضخم)
مندوب شركة أدوية (لزميله): "مؤتمر ممتاز هذا العام. عدد الوزراء الحاضرين قياسي."
مندوب شركة نفط: "نعم، ونوعية الوزراء ممتازة. هناك وزير المالية، ووزير الاقتصاد، ونائب رئيس الوزراء. كلهم هنا."
مندوب شركة أدوية: "وهل سنلتقي بهم جميعاً؟"
مندوب شركة نفط (يغمز): "لقاءات خاصة. في الأجنحة. بدون حضور. بدون محاضر. بدون... ديمقراطية."
(يضحكان. يقترب منهما وزير سابق، الآن يعمل "مستشاراً" لإحدى الشركات)
وزير سابق: "أيها السادة، يسعدني رؤيتكم. لدينا جلسة خاصة بعد قليل مع وزير البيئة. سنناقش مرونة المعايير البيئية ."
مندوب شركة نفط: "مرونة؟ تقصد... تخفيض؟"
وزير سابق (يضحك): "كلمة تخفيض حادة جداً. مرونة أفضل. تكيف أفضل. استجابة لمتطلبات السوق أفضل كثيراً. اللغة يا صديقي، اللغة."
(يدخلون جميعاً إلى قاعة مغلقة. على الباب لافتة: "اجتماع خاص بدعوة فقط". خارج الباب، النشطاء يحاولون الدخول)
ناشط (يصرخ): "نحن ممثلو الشعب! لنا الحق في حضور الاجتماعات!"
الحارس: "معذرةً، هذه اجتماعات خاصة."
ناشط: "لكنها تناقش قوانين تخص الشعب!"
الحارس: "القوانين تناقش في البرلمان. هذا اجتماع... تحضيري. تمهيدي. استشاري. غير رسمي. أي شيء تريد تسميته. لكنه ليس برلمانياً، لذا ليس للشعب دخل فيه."
ناشط آخر: "إذاً، أين تناقش القوانين الحقيقية؟ هنا أم في البرلمان؟"
الحارس (يبتسم): "هذا سؤال جيد. الإجابة ستكلفك عضوية في نادي اللوبي. تكلف 100 ألف يورو سنوياً. هل تدفع؟"
الناشط: "لا أملك 100 ألف."
الحارس: "إذاً، لا يمكنك معرفة الإجابة. والآن، ابتعد من فضلك، أنت تعيق حركة من يستحقون التواجد هنا."
(النشطاء يبتعدون بخيبة أمل. داخل القاعة، أصوات ضحكات وقرقعة كؤوس. الستارة تسقط)
…….
الفصل العاشر
أزمة الركود: عندما لا يشتري الناس، من يشتري؟
(مشهد في قمة اقتصادية كبرى. قادة الدول، رؤساء الشركات، خبراء الاقتصاد. الجو قاتم. الجميع عابس)
خبير اقتصادي (يعرض رسماً بيانياً): "السيدات والسادة، الأرقام لا تكذب. الاستهلاك في انخفاض. الإنتاج في انخفاض. الاستثمار في انخفاض. كل المؤشرات حمراء. نحن ندخل في ركود عميق."
رئيس شركة سيارات (بقلق): "الناس لا يشترون سيارات. يقولون إنها غالية. غالية! بعد كل التخفيضات التي حصلنا عليها؟"
رئيس شركة إلكترونيات: "نفس المشكلة. الناس يمسكون أموالهم. لا يشترون. لا يستثمرون. لا... يستهلكون."
خبير اقتصادي: "المشكلة أن الطبقة الوسطى تقلصت. والفقراء لا يستطيعون الشراء. والأغنياء اشتروا كل ما يريدون. السوق متشبع."
صمت طويل. الجميع يفكر
رئيس شركة أسلحة (يتقدم، ببطء): "أيها السادة... لدي اقتراح."
الكل (باهتمام): "تفضل."
رئيس شركة أسلحة: "متى يشتري الناس؟ عندما يحتاجون. كيف نخلق حاجة كبيرة جداً، كبيرة لدرجة أن الجميع سيضطر للشراء؟"
رئيس شركة سيارات: "لا أفهم."
رئيس شركة أسلحة (بابتسامة): "الحرب. الحرب تخلق حاجة هائلة. دبابات، طائرات، ذخيرة، معدات. كل شيء. مصانعنا ستعمل 24 ساعة. العمال سيعودون للعمل. البطالة ستنخفض. الاقتصاد سينتعش."
رئيس شركة إلكترونيات: "لكن الحرب تقتل الناس. والناس القتلى لا يشترون."
رئيس شركة أسلحة: "صحيح. لكن الناس الذين يبقون أحياء يشترون. والناس في مناطق الحرب لا يشترون فقط، بل يدفعون أي ثمن للبقاء أحياء. إنه سوق بائع ممتاز."
وزير دفاع أحد البلدان (متحمس): "وفكرة أخرى! الحرب تحل مشكلة الفائض السكاني. الفقراء، العاطلون، المحتجون... كلهم يمكن... (يصمت) ...المساهمة في المجهود الحربي."
رئيس شركة أسلحة: "بالضبط! نحن لا نبيع الأسلحة فقط. نبيع حلاً متكاملاً: ننعش الاقتصاد، نخلق فرص عمل، ونقلص عدد المحتاجين للمساعدات الاجتماعية في نفس الوقت. ثلاث مشاكل بحل واحد!"
الكل (ينهضون مصفقين): "عبقري! عبقري!"
خبير اقتصادي (بتردد): "لكن... هناك شيء اسمه أخلاق... حقوق الإنسان..."
الكل (يضحكون): "أخلاق؟ في الاقتصاد؟ أيها الزميل، أخلاق كلمة من أربعة أحرف. مثل دَيْن و فَقْر . نتعامل معها بحذر."
رئيس شركة أسلحة: "والآن، لنبدأ العمل. نحتاج إلى حرب صغيرة. محدودة. محلية. في مكان بعيد. فقط لتحريك السوق. ثم يمكننا التوسع حسب الحاجة."
(يبدأون في التخطيط. على الشاشة خلفهم، خريطة العالم. تظهر دوائر حمراء على مناطق مختلفة. الستارة تسقط)
……..
الفصل الحادي عشر
الفاشية: الحل النهائي لمشكلة الفائض البشري
(مشهد في ناد سري. أعضاء حكومة أريزونا مجتمعون مع كبار رجال الأعمال. الجو هادئ، جاد)
وزير المالية: "السيدات والسادة، دعونا نكون صريحين مع بعضنا. السياسات الاجتماعية الحالية لا تعمل. الفقراء يزدادون. الميزانية تضيق. دافعو الضرائب الحقيقيون (نقصد أنتم) يدفعون أكثر مما ينبغي. نحتاج إلى حل جذري."
رجل أعمال كبير: "مثل ماذا؟"
وزير المالية: "مثل... حل نهائي. فكر في الأمر: المجتمع مثالي عندما يتكون من منتجين ومستهلكين. الفقراء ليسوا منتجين (لا يعملون) وليسوا مستهلكين (لا يشترون). إذن هم عديمو الفائدة. فائض. عبء."
رجل أعمال آخر: "لكن لا يمكننا التخلص منهم... أليس كذلك؟ هناك قوانين... إعلام... منظمات حقوق..."
وزير الداخلية (يتقدم): "هذا صحيح. لكن مع الحرب، كل شيء يتغير. الحرب لها قوانينها. في الحرب، يمكننا تجنيدهم. إرسالهم إلى الجبهة. يصبحون فجأة أبطالاً وليسوا فقراء . وعندما يموتون، يصبحون شهداء وليسوا أرقاماً في ميزانية الرعاية ."
رجل أعمال كبير (متفكراً): "إذاً... نحل مشكلة الفقر بإرسال الفقراء إلى الحرب؟"
وزير الداخلية: "بالضبط. والميزة أنهم يموتون وهم سعداء. يموتون من أجل الوطن. يموتون وهم يشعرون بأنهم مهمون. أفضل من أن يموتوا في شققهم الباردة وهم يشعرون بالإهمال."
وزير المالية: "واقتصادياً، إنه حل رائع. تنخفض نفقات الرعاية الاجتماعية، تزداد نفقات الدفاع (التي تعود إلى شركاتكم)، وينتعش الإنتاج. الكل رابح. ما عدا... هم."
رجل أعمال كبير: "وهل سيقبلون؟"
وزير الإعلام (يتقدم): "دوري هنا. سنصنع منهم أبطالاً. سنصورهم وهم يرتدون الزي العسكري. سنكتب أغاني وطنية عن تضحياتهم. سنقول إنهم يحمون الحضارة الغربية . سنخترع أعداء. سنخترع تهديدات. وفي النهاية، سيرفعون أيديهم قائلين: أرسلوني، أنا مستعد للموت من أجل بلدي ."
وزير الداخلية: "بلدي؟ بلدهم هو الذي تخلّى عنهم. لكنهم لا يعرفون. أو يعرفون لكنهم يفضلون الموت بكرامة على العيش بذل."
صمت طويل
رجل أعمال كبير: "أيها السادة... أنا معجب. هذا حقاً... حل نهائي. لكن اسمه؟ كيف نسميه؟"
وزير الإعلام: "لا تقل فاشية . الكلمة صارت سيئة السمعة. قل حلول جذرية للتحديات السكانية . قل إعادة هيكلة ديموغرافية . قل تحسين نوعية الجينات البشرية ."
رجل أعمال كبير: "أو فقط... إصلاح ."
الكل (يضحكون): "إصلاح! نعم! الإصلاح الشامل!"
(يرفعون كؤوسهم)
وزير المالية: "إلى الإصلاح! إلى الحرب! إلى الأرباح!"
الكل: "إلى الإصلاح! إلى الحرب! إلى الأرباح!"
(الستارة تسقط)
………..
الفصل الثاني عشر
الحرب: السوق المثالي الذي يخلق طلباً لا ينتهي
(مشهد في مصنع أسلحة. خطوط إنتاج تعمل بسرعة. عمال يكدون. آلات تزمجر. مالك المصنع يتجول مبتسماً)
مالك المصنع (للمدير): "ما حجم الإنتاج هذا الشهر؟"
المدير: "ضعف الشهر الماضي. وطلب الشهر القادم ثلاثة أضعاف."
مالك المصنع: "رائع! والمواد الخام؟"
المدير: "نتسلم شحنات يومياً. الموانئ تعمل 24 ساعة."
مالك المصنع: "والعمال؟"
المدير: "نعمل بثلاث ورديات. استأجرنا 500 عامل جديد."
مالك المصنع (بسعادة): "500 عامل جديد! هذا يعني... 500 عائلة لن تحتاج إلى مساعدات اجتماعية! نحن لا نصنع أسلحة فقط، نصنع... فرص عمل!"
المدير: "صحيح سيدي. وهؤلاء العمال سيصبحون مستهلكين. سيشترون، سيأكلون، سيسكنون. الاقتصاد ينتعش!"
مالك المصنع: "والأجمل أن منتجنا... يُستهلك. تتذكر أزمة الركود عندما كانت المصانع تنتج سيارات لا يشتريها أحد؟ هنا، المنتج يختفي. ينفجر. يُستعمل لمرة واحدة. ثم يأتي طلب جديد. طلب لا ينتهي!"
المدير: "إنه الحلم يا سيدي. سوق بلا حدود. طلب لا يشبع. زبون دائم."
(يدخل مسؤول حكومي)
مسؤول حكومي: "سيد (فلان)، تحية من الوزير. يطلب مني أن أبلغك أن العقود الجديدة مع الجيش وقعت. زيادة 40% على الكمية المتفق عليها."
مالك المصنع: "40%؟ لماذا هذه الزيادة؟"
مسؤول حكومي (بسرية): "الوضع في الجبهة... متطور. الخسائر أكبر من المتوقع. نحتاج تعويض سريع."
مالك المصنع (بفرح ثم يتحول إلى حزن مصطنع): "آه... الخسائر... مؤسف. شهداء أوفياء. (للمدير) زود الوردية الرابعة. نعمل ليل نهار. الشهداء لا ينتظرون!"
المدير: "تحت الأمر يا سيدي."
(الكل يعود للعمل. على الحائط، ساعة ضخمة تعد تنازلياً. الستارة تسقط)
………
الفصل الثالث عشر
الدعاية: كيف تجعل الفقير يحب من يقنله
(مشهد استوديو تلفزيوني. برنامج توك شو شعبي. الجمهور يصفق)
المذيع: "والآن، فقرة أبطالنا في الجبهة مع مراسلنا الميداني."
المراسل (في موقع عسكري، خلفه جنود): "شكراً (اسم المذيع). أنا هنا مع الجنود الأبطال الذين يدافعون عن وطننا ضد... ضد... (ينظر إلى ورقة)... ضد القوى التي تهدد أسلوب حياتنا. معي الجندي جان. جان، كيف تشعر وأنت تدافع عن الوطن؟"
الجندي جان (وهو في الأصل عاطل عن العمل كان يعيش على الـ RIS): "أشعر... أشعر بأنني إنسان. كنت عاطلاً، كنت لا شيء. الآن أنا جندي. أنا أحمي بلدي. أنا مهم."
المراسل: "رائع! وهل تتقاضى راتباً؟"
الجندي جان: "أكيد! راتب جيد. وأكل. وسكن. حتى أنني أرسل مالاً لأهلي. أول مرة في حياتي أرسل مالاً بدلاً من أن أطلب."
المراسل: "إذاً، الحرب غيرت حياتك؟"
الجندي جان (بفخر): "غيرتها 180 درجة. أنا ممتن للحكومة التي أتاحت لي هذه الفرصة. فرصة أن أموت من أجل بلدي."
المراسل (يتردد للحظة): "...أن تموت؟"
الجندي جان: "نعم! الموت من أجل الوطن شرف. أفضل من الموت جوعاً في شقتي. أفضل من الموت بطيئاً بسبب البرد والإهمال. هنا، موتي سريع، ونبيل، ومصور!"
(يبتسم للكاميرا. الجمهور في الاستوديو يصفق بحرارة)
المذيع: "يا له من بطل! يا لها من قصة ملهمة! من الفقر إلى البطولة، بفضل... الحرب!"
ضيف في الاستوديو (كاتب معارض): "لكن هذا فظيع! أنتم تستغلون فقر الناس لترسلوهم إلى الموت!"
المذيع (ببرود): "أيها الكاتب العزيز، لا أحد يُجبر أحداً. هؤلاء متطوعون. هم أحرار في اختياراتهم. ونحن نحترم اختيارهم."
الكاتب: "أحرار؟ من لا يملك خياراً بين الجوع والموت ليس حراً!"
المذيع (للمخرج): "نقطع الإعلانات من فضلك."
(ينقطع البث. يعود بعد دقيقتين مع برنامج طبخ)
مقدمة برنامج الطبخ: "واليوم سنتعلم كيف نعد فطيرة التفاح اللذيذة..."
(الستارة تسقط)
……..
الفصل الرابع عشر
العبيد الجدد: عندما تصبح الحرب فرصة عمل دائمة
(مشهد في معسكر تدريب عسكري. مجندون جدد، وجوههم شاحبة، يجرون تدريبات شاقة)
ضابط التدريب (يصرخ): "أسرع! أسرع! أنتم هنا لتصبحوا رجالاً! ليس كما كنتم في السابق، عاطلين، فاشلين، لا قيمة لكم! هنا ستتعلمون معنى الحياة!"
مجند (يهمس لجاره): "كنت أعيش على 800 يورو في الشهر. هنا لا آخذ شيئاً، لكني آكل وأنام. فرق كبير."
جاره: "كنت أنام في الشارع. هنا لي سرير. حتى لو كان ممزقاً، إنه سرير."
ضابط التدريب: "لا تتحدثوا! أنتم هنا لتطيعوا، لا لتفكروا!"
(يدخل مسؤول حكومي برفقة صحفيين)
مسؤول حكومي (للصحفيين): "هنا أيها السادة، نصنع الأبطال. هؤلاء الشباب كانوا عبئاً على المجتمع. الآن هم درعه الواقي. من متلقين للمساعدات إلى مقدمين للتضحية. أليست هذه قصة نجاح؟"
صحفي: "لكن بعضهم قد يموت. هل هذا يعتبر نجاحاً؟"
مسؤول حكومي: "الموت ليس فشلاً. الفشل هو أن تعيش بلا هدف. هؤلاء الشباب وجدوا هدفهم. إنهم سعداء. اسألوهم."
صحفي (لمجند): "هل أنت سعيد؟"
مجند (بتردد): "...سعيد... طبعاً. أنا... أحمي بلدي."
صحفي: "لكن هل اخترت هذا طواعية؟"
مجند: "...نعم. (بعد صمت) كنت أستطيع البقاء في الشارع. أستطيع الاستمرار في البحث عن عمل لا يوجد. أستطيع الاستمرار في ملء استمارات لا تنتهي. لكنني فضلت هنا. هنا على الأقل أعرف ما سأفعله غداً."
صحفي آخر (للمسؤول): "ماذا بعد الحرب؟ إذا انتهت، أين سيعمل هؤلاء؟"
مسؤول حكومي (يبتسم): "الحرب لا تنتهي. الحرب مستمرة. وإذا انتهت هذه، سنبدأ أخرى. هناك دائماً عدو. هناك دائماً تهديد. وهناك دائماً حاجة إلى جنود."
صحفي: "إذاً هم جنود مؤبدون؟"
مسؤول حكومي: "قل محترفون . أفضل. أو أبطال دائمون ."
(يضحك. الصحفيون يدونون)
مجند (لجاره، بصوت خفيض): "أعتقد أنني استبدلت سجناً بآخر."
جاره: "لكن هذا السجن يقتلنا ببطء أقل. أو بسرعة أكثر. لم أعد أعرف."
(الستارة تسقط)
……..
الفصل الخامس عشر
الاقتصاد ينتعش: الأرقام التي لا تكذب
(مشهد في وزارة الاقتصاد. مؤتمر صحفي. وزير الاقتصاد يقف خلف منصة. خلفه رسوم بيانية ترتفع)
وزير الاقتصاد (بفخر): "السيدات والسادة، يسعدني أن أعلن عن أرقام النمو القياسية هذا الربع. 5% نمو! لم نشهد مثل هذا منذ عقود!"
صحفي: "ما سبب هذا النمو المفاجئ؟"
وزير الاقتصاد: "بفضل... (ينظر إلى الورقة)... السياسات الاقتصادية الحكيمة للحكومة. نعم، سياساتنا أثمرت."
صحفي آخر: "لكن التقارير تشير إلى أن النمو ناتج أساساً عن زيادة الإنفاق العسكري بسبب الحرب."
وزير الاقتصاد (يتغير وجهه للحظة): "الحرب... جزء من السياسات الاقتصادية. نعم. الدفاع جزء من الاقتصاد. الأمن جزء من الاقتصاد. الاستقرار جزء من الاقتصاد."
صحفي: "والفقراء؟ ماذا حدث للفقراء؟"
وزير الاقتصاد (بابتسامة): "الفقراء؟ أي فقراء؟ أرقام البطالة انخفضت إلى أدنى مستوى. لم يعد هناك عاطلون. الجميع يعمل. في المصانع الحربية، في الجيش، في الخدمات المساندة. البطالة انتهت!"
صحفي: "لكن كثيرين منهم قتلوا في الحرب. القتلى لا يحتسبون في إحصاءات البطالة."
وزير الاقتصاد (ببرود): "صحيح. القتلى لا يحتسبون في إحصاءات البطالة. يحتسبون في إحصاءات الشهداء. وهي إحصاءات مرتفعة جداً هذا العام. وهذا يثبت روح التضحية العالية لدى شعبنا."
صحفي (بذهول): "أنت تقول إن قتل الفقراء حل لمشكلة البطالة؟"
وزير الاقتصاد: "أنا لا أقول ذلك. الإحصائيات تقوله. انظر: عدد العاطلين انخفض بنسبة 90%. عدد مستلمي المساعدات الاجتماعية انخفض بنسبة 95%. الميزانية في فائض. الضرائب انخفضت على الشركات. المؤشرات كلها خضراء. هل تريد أن ترى الأرقام؟"
صحفي: "لكن ثمن هذه الأرقام هو حياة البشر!"
وزير الاقتصاد (بضجر): "البشر... البشر أرقام أيضاً. وأرقامهم الآن أفضل. كانوا عبئاً، أصبحوا أبطالاً. كانوا يأخذون، أصبحوا يعطون. كانوا يشتكون، أصبحوا لا يشتكون (لأنهم ماتوا). أليست هذه قصة نجاح؟"
(صمت في القاعة. بعض الصحفيين يصفقون بارتباك. آخرون يغادرون)
وزير الاقتصاد: "شكراً لحضوركم. ولا تنسوا: الأرقام لا تكذب. الاقتصاد يزدهر. والمستقبل مشرق. لمن بقي على قيد الحياة."
(يبتعد عن المنصة. الستارة تسقط)
……….
الفصل السادس عشر
الإعلام يواكب: تغطية خاصة من قلب الحدث
(مشهد في شاحنة البث المباشر لقناة إخبارية كبرى. مراسلة حربية تستعد للظهور على الهواء)
المخرجة (في أذن المراسلة): "استعدي. 10 ثوانٍ. 5 ثوانٍ. أنتِ على الهواء."
المراسلة (بصوت جاد): "هذه (اسم القناة) في تغطية خاصة من قلب الأحداث. خلفي، يمكنكم رؤية المعارك الدائرة. الجيش البطل يواصل تقدمه لتحرير... (تنظر إلى ورقة)... لتحرير الأراضي من الإرهابيين."
صوت من خارج الشاشة: "إنهم ليسوا إرهابيين، إنهم فلاحون يدافعون عن قراهم!"
المراسلة (تتجاهل): "الخسائر في صفوف العدو كبيرة، بينما خسائرنا محدودة بفضل الله ثم بفضل قيادتنا الحكيمة."
صوت آخر: "ابني قتل الأسبوع الماضي! كان في الجيش!"
المراسلة (تتمتم): "يا إلهي... (تستمر في التقديم) التضحيات كبيرة، لكن النصر قريب. نعم، هناك خسائر، لكنها خسائر ضرورية في سبيل الهدف الأسمى."
المخرجة (في الأذن): "جاهزي رداً على المشاهدين. هناك تعليقات غاضبة."
المراسلة: "ننتقل الآن إلى ردود الفعل الدولية. (تتنفس الصعداء) مراسلنا في واشنطن، هل هناك تعليق أمريكي؟"
مراسل واشنطن (يظهر على الشاشة): "نعم (اسم المراسلة). البيت الأبيض أصدر بياناً يدعم فيه حق الدفاع عن النفس ويشيد بـ الجهود الإقليمية لتحقيق الاستقرار . كما أعلن عن حزمة مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 5 مليار دولار."
المراسلة: "رائع! دعم دولي مستمر لموقفنا العادل. (للمخرجة) كم تبقى؟"
المخرجة: "دقيقتان. صمدي."
المراسلة: "نعود الآن إلى الاستوديو. (تقطع الإشارة) يا إلهي، أنا تعبت. هؤلاء الناس يصرخون خلفي طوال الوقت."
مساعد: "الشرطة أزالتهم. لا تقلقي."
المراسلة: "كم قتيلاً اليوم؟"
مساعد: "البيان الرسمي يقول 15. المصادر الميدانية تقول 200."
المراسلة: "طبعاً سنأخذ البيان الرسمي. (تتنهد) أتمنى أن ينتهي هذا قريباً."
مساعد: "ينتهي؟ هذا أفضل شيء حدث للقناة. نسب المشاهدة تضاعفت 5 مرات. الإعلانات تضاعفت 10 مرات. المالك سعيد. المالك جداً سعيد."
المراسلة (بمرارة): "صحيح. الموت يبيع. الدم يبيع. الحرب تبيع."
المخرجة: "استعدي. 10 ثوانٍ لفقرة التحليل."
المراسلة (تعدل مكياجها، تبتسم): "مرحباً بكم من جديد في تغطية خاصة..."
(الستارة تسقط)
…….
الفصل السابع عشر
الرفاهية في زمن الحرب: حياة الأثرياء تستمر
(مشهد في منتجع فاخر في جبال الألب. أثرياء يتزلجون، يشربون الشمبانيا، يستلقون تحت أشعة الشمس)
رجل أعمال ثري (لصديقه): "الجو رائع هذا العام. الثلج ممتاز."
صديقه: "نعم، والمنتجع هادئ. لا توجد زحمة."
رجل أعمال ثري: "الحرب جعلت السياحة تنخفض. الناس يخافون السفر. هذا جيد لنا. المنتجع لنا وحدنا تقريباً."
صديقه: "كيف تسير أعمالك؟"
رجل أعمال ثري: "ممتاز. مصانعي تعمل 24 ساعة. الطلبات تتضاعف كل شهر. أنا لا أستطيع تلبية الطلب."
صديقه: "نفس الشيء. مصانع الأغذية المعلبة تعمل بطاقتها القصوى. الجيش يشتري كل شيء."
رجل أعمال ثري: "والجميل أن التكاليف انخفضت. العمال لا يجرؤون على المطالبة بزيادات. النقابات صمتت. الحكومة تجاملنا في الضرائب. إنه وقت ذهبي."
صديقه: "بالضبط. كنت خائفاً من الركود. كنت خائفاً من انهيار السوق. لكن الحرب أنقذتنا."
رجل أعمال ثري: "الحرب دائماً تنقذ الاقتصاد. المشكلة أن بعض الناس لا يفهمون. يتذمرون من القتلى. يتذمرون من الدمار. يتذمرون من الألم. لا يفهمون أن هذه مجرد... تكاليف تشغيلية."
صديقهما الثالث (ينضم إليهما): "أتحدثان عن الحرب؟ أنا سعيد لأن ابني في الجيش."
رجل أعمال ثري: "ابنك في الجيش؟ لماذا؟"
الصديق الثالث: "كان عاطلاً، فاشلاً، مديناً. الجيش أعطاه انضباطاً، هدفاً، راتباً. والأهم، أعطاه كرامة. آخر مرة تحدثت معه، قال إنه سعيد. سعيد لأنه أخيراً يفعل شيئاً مهماً."
رجل أعمال ثري (بدهشة): "سعيد وهو يقتل أو يُقتل؟"
الصديق الثالث: "هذا أفضل من كونه مكتئباً في بيته. صدقني، رأيته قبل الجيش وبعده. فرق كبير."
صديقه: "إذاً، الحرب تنفع الجميع. تنفعك أنت في مصانعك، وتنفعني في مصانعي، وتنفع ابن صديقنا في إيجاد هدف لحياته."
الثلاثة (يضحكون): "نخب الحرب!"
(يرفعون كؤوس الشمبانيا. في الخلفية، على شاشة تلفاز في المنتجع، مشاهد للقصف والدمار. لا أحد ينظر إليها)
نادل (يقدم لهم المقبلات): "هل تريدون المزيد من الشمبانيا يا سادة؟"
رجل أعمال ثري: "نعم، وليموناضة للكلب."
النادل: "طبعاً سيدي."
(يذهب النادل. الستارة تسقط)
……….
الفصل الثامن عشر
الجنود العائدون: عندما ينتهي دورهم في الحرب
(مشهد في مستشفى عسكري. جنود جرحى. أطباء وممرضون. جو من الكآبة)
جندي مبتور الساق (يبكي): "ماذا سأفعل الآن؟ أنا بلا ساق، بلا وظيفة، بلا مستقبل."
ممرضة (تحاول مواساته): "ستحصل على معاش. ستحصل على رعاية. الدولة لن تتركك."
جندي مبتور الساق: "الدولة؟ الدولة هي التي أرسلتني إلى هناك. قالت إنها ستهتم بي. والآن أنظر إلى نفسي. ساقي هناك، في حفرة في الصحراء. ومستقبلي هنا، في سرير في مستشفى مكتظ."
طبيب (يدخل): "كيف حال بطلنا اليوم؟"
جندي: "أنا لست بطلاً. أنا أحمق. صدقت وعودهم."
طبيب (بجفاف): "المريض في الجناح 3 بحاجة إلى مسكن. سأعطيك جرعة إضافية."
جندي: "لا أريد مسكناً. أريد ساقي. أريد حياتي. أريد وظيفة. أريد مستقبلاً."
طبيب: "هذا ليس قسمي. أنا هنا لأعالج الجسد. الروح... الروح عندكم أنتم والكاهن."
(يغادر. يدخل مسؤول حكومي)
مسؤول حكومي (بابتسامة رسمية): "السلام عليكم أيها الأبطال. جئت لأشكركم نيابة عن الأمة. تضحياتكم لن تنسى."
جندي: "لن تنسى؟ كيف؟ هل ستنصبون تمثالاً لساقي؟"
مسؤول حكومي (يتردد): "...لدينا برنامج تأهيل. دورات تدريبية. إعادة اندماج في سوق العمل."
جندي: "سوق العمل؟ بساق واحدة؟ في أي وظيفة؟ حارس؟ عامل هاتف؟ متسول؟"
مسؤول حكومي: "هناك شركات توظف المحاربين القدامى. لدينا اتفاقيات."
جندي آخر (من سرير قريب): "اتفاقيات؟ شركة الأمن الخاصة وظفت زميلي. راتبه 1200 يورو في الشهر. كان يحصل على 2500 في الجيش. وفقد عينه هناك."
مسؤول حكومي: "الظروف صعبة للجميع. الاقتصاد يمر بمرحلة..."
جندي (يقاطعه): "الاقتصاد! سمعنا كثيراً عن الاقتصاد. الاقتصاد ينتعش، والشركات تربح، والحكومة تفتخر، ونحن هنا، بلا أطراف، بلا آمال، بلا شيء."
مسؤول حكومي (يحاول إنهاء الزيارة): "سأبلغ المسؤولين بمشاكلكم. شكراً لاستقبالي."
(يغادر مسرعاً)
جندي (لجاره): "هل رأيت؟ استخدموا جسدي، رموا بي، والآن يهربون."
جاره: "ماذا توقعت؟ نحن كنا فائضاً فأرسلونا إلى الحرب. الآن نحن عبء ثانية. الفرق أننا الآن بلا أطراف."
(يبكيان. الستارة تسقط)
…….
الفصل التاسع عشر
الذكرى السنوية: احتفال وطني بالأبطال الشهداء
(مشهد في ساحة كبيرة. منصة عليها المسؤولون. حشود من الناس. أعلام كثيرة. موسيقى وطنية)
وزير الدفاع (على المنصة): "أيها المواطنون، نحتفل اليوم بالذكرى السنوية الأولى لانتصاراتنا المجيدة. في مثل هذا اليوم، قبل عام، بدأت ملحمتنا الوطنية. في مثل هذا اليوم، وقف أبطالنا في وجه العدو. في مثل هذا اليوم، سالت دماؤهم الطاهرة دفاعاً عن... عن..."
مساعد (يهمس): "عن القيم الأوروبية."
وزير الدفاع: "...عن القيم الأوروبية! نعم! عن الحرية! عن الديمقراطية! عن أسلوب حياتنا!"
جمهور (يصفق بحرارة. في الصفوف الأمامية، عائلات الشهداء يبكون)
وزير الدفاع: "لقد استشهد منا 15 ألف بطل. 15 ألف شهيد! لكن تضحياتهم لم تذهب هباءً. بفضلهم، نحن الآن أكثر أماناً. بفضلهم، اقتصادنا يزدهر. بفضلهم، نحن نعيش في رغد!"
أم شهيد (تصرخ من بين الجمهور): "ابني كان ينام في الشارع قبل الحرب! التحق بالجيش لأنه لم يجد طعاماً! والآن تقول إنه مات من أجل الازدهار؟ أي ازدهار هذا الذي نعيشه وأنا لا أستطيع دفع فاتورة الكهرباء؟"
حراس (يقتربون منها): "اهدئي من فضلك."
أم شهيد: "لا أهدأ! ابني مات، والميداليات التي أعطيتوني إياها لا تطعم أولاده!"
حراس (يخرجونها بالقوة)
وزير الدفاع (يتجاهل): "هذه بعض المشاعر الإنسانية الطبيعية. لكننا نفهم. نعم، نفهم الألم. ونقدر التضحية. ولذلك، أعلن اليوم عن زيادة 10% في معاشات الشهداء!"
(تصفيق. العائلات تنظر في حيرة)
رئيس جمعية المحاربين القدامى (من على المنصة): "معاشات الشهداء؟ أي معاشات؟ أبناء الشهداء يتضورون جوعاً!"
وزير الدفاع (يغمز له): "بعد الاحتفال، سنناقش هذا."
المذيع: "والآن، فقرة فنية مع الفنانة (فلانة) تؤدي أغنية أم الشهيد ."
(مغنية تصعد، تبدأ الغناء. الكل يصفق. العائلات تبتسم بشكل مصطنع. الستارة تسقط)
……
الفصل العشرون
الهدنة: توقف القتال، تعود المشاكل
(مشهد في غرفة اجتماعات حكومية. الاجتماع طارئ. الوجوه شاحبة)
وزير المالية (بقلق): "السيدات والسادة، لدينا مشكلة. الحرب توقفت."
الكل (بذهول): "توقفت؟ لماذا؟"
وزير الدفاع: "لا مزيد من الأهداف. لا مزيد من الأراضي. لا مزيد من الأعداء. لقد انتصرنا. انتصار كامل."
وزير المالية: "هذا كارثة! مع انتهاء الحرب، ستعود المشاكل القديمة. البطالة سترتفع. المصانع الحربية ستغلق. العمال سيعودون إلى بيوتهم. الفقراء سيعودون إلى قوائم الانتظار."
وزير الاقتصاد: "والأرقام... الأرقام ستنهار. النمو سيتحول إلى انكماش. الميزانية ستدخل في عجز."
رئيس وزراء: "إذاً، ما الحل؟"
وزير الدفاع: "حرب جديدة."
الكل: "حرب جديدة؟"
وزير الدفاع: "نعم. هناك دائماً عدو. إن لم يوجد، نصنعه. هناك جيران، أقليات، دول صغيرة. نختار واحداً، نبدأ新一轮."
وزير الخارجية: "لكن الرأي العام قد لا يقبل. الناس تعبوا من الحرب."
وزير الإعلام: "الرأي العام يقبل ما نصوره له. نصنع عدواً جديداً. نصوره كتهديد وجودي. نصور شريطاً وثائقياً عن أسلحته السرية. نصور مقابلات مع خبراء يحذرون من خطر وشيك. وفي غضون أسابيع، سيطالب الناس بالحرب بأنفسهم."
وزير الدفاع: "وهكذا، تستمر الدورة. حرب، راحة قصيرة، حرب جديدة. الفقراء يموتون، الاقتصاد ينتعش، الشركات تربح، ونحن نحكم."
رئيس وزراء: "أليس هذا... غير أخلاقي؟"
صمت طويل
وزير المالية (يضحك): "أخلاقي؟ أيها الرئيس، الأخلاقي هو أن نحمي الاقتصاد. الأخلاقي هو أن نحمي الوظائف. الأخلاقي هو أن نحمي الشركات. كل ما عدا ذلك... تفاصيل."
الكل (يضحك): "نخب الأخلاق!"
(يرفعون أكواب الماء. الستارة تسقط)
---
الفصل الحادي والعشرون
الجدار التذكاري: أسماء لا نهاية لها
(مشهد في ساحة الذكرى. جدار طويل من الرخام الأسود، منقوش عليه آلاف الأسماء. الناس يتجولون، يبحثون عن أسماء أحبائهم)
أرملة (تبحث): "هو هنا. رقم 12,473. جان بيير. زوجي. كان يعمل في بناء السيارات. أغلق المصنع. أصبح عاطلاً. التحق بالجيش. مات في الشهر الثالث."
صديقتها: "كم هو جميل هذا الجدار. أسماءهم محفورة إلى الأبد."
أرملة: "محفورة؟ هذا مجرد حجر. زوجي كان لحم ودم. كان يضحك، يبكي، يغني في الحمام. الآن مجرد رقم على حجر. والناس يمرون، ينظرون، ثم يذهبون لتناول الآيس كريم."
طفل صغير (يسأل أمه): "ماما، بابا هنا؟"
أم: "نعم حبيبي. بابا هنا."
طفل: "هل سنراه؟"
أم (تبكي): "لا حبيبي. لكن اسمه هنا. يمكننا أن نلمس اسمه."
طفل: "لكني أريد أن ألمس يده، لا اسمه."
(يبكيان)
رجل عجوز (يقف وحيداً): "ابني الوحيد. التحق بالجيش لأنه لم يجد عملاً. قلت له لا تفعل. قال لي: بابا، الجوع أسوأ من الموت . أكان يعرف؟ هل الجوع أسوأ حقاً من رصاصة في الرأس؟ لا أدري. لم أذق الجوع. لكني الآن أذق الموت. موت ابني كل يوم."
سائح (يلتقط صورة): "مكان مؤثر جداً. (لرفيقته) تعالي نلتقط صورة سيلفي مع الجدار."
رفيقته: "فكرة رائعة!"
(يلتقطان صورة مبتسمين. الأرملة تنظر إليهما بغضب)
أرملة: "هذا ليس متحفاً. هذه مقبرة."
سائح (محرج): "آسف... أنا فقط..."
أرملة: "أنت فقط لا تشعر. أنت فقط لا تعرف. أنت فقط محظوظ لأن أحداً من أحبائك ليس هنا."
(السائح يبتعد. الستارة تسقط)
……….
الفصل الثاني والعشرون
النصب التذكاري للجندي المجهول: من هو حقاً؟
(مشهد تحت قوس النصر. جندي مجهول، قبر، شعلة أبدية. حراس. سياح)
مرشد سياحي (لمجموعة): "وهنا أيها السيدات والسادة، قبر الجندي المجهول. جندي ضحى بحياته من أجل الوطن، ولا نعرف اسمه. رمز لكل من ضحوا."
سائحة: "كم هذا مؤثر!"
صوت من خلفهم: "مؤثر؟ أتعرفون من هو هذا الجندي المجهول؟"
المرشد (مستغرب): "لا أحد يعرف. لهذا هو مجهول."
الصوت: "أنا أعرف. كان عاطلاً. كان يعيش في الشارع. كان يسرق الخبز ليأكل. ثم جاءت الحرب، فأرسلوه إلى الجبهة. مات في اليوم الأول. ولم يجدوا هوية. لم تكن له هوية أصلاً. كان مجهولاً في حياته، فاستمروا في تجهيله بعد موته."
المرشد: "من أنت؟"
الصوت: "أنا صديقه الوحيد. كنا ننام جنباً إلى جنب في كارتون تحت الجسر. كنت معه عندما أرسلوه. كنت معه قبل أن يموت. أنا الوحيد الذي يعرف اسمه. اسمه... لا، لن أخبركم. احتفظوا بجنديكم المجهول. واتركونا نحن في سلام."
(يخرج رجل مشرد من بين الظلال. يمشي ببطء. الجميع ينظرون)
سائحة: "يا إلهي... هذا الجندي المجهول كان... مشرداً؟
في بلادٍ تلتهم أبناءها
أو: كيف علَّمونا أن الفقر "إصلاح" وأن الحرب "حل اقتصادي"
(مسرحية هزلية من ثلاثين مشهداً - الجزء الثاني)
……
الفصل الثالث والعشرون
الجيش: أكبر برنامج للتأهيل المهني في التاريخ
(مشهد في مركز تجنيد. لافتة كبيرة: "الجيش: لأن البطالة اختيار، والشهادة خيار، والحياة قرار". طابور طويل من الشباب العاطلين)
ضابط التجنيد (جالس خلف مكتب، مبتسماً كبائع سيارات مستعملة): "مرحباً يا شباب! مرحباً بالمستقبل! من منكم يريد وظيفة؟"
شاب في الطابور: "أنا! أنا عاطل منذ سنتين!"
ضابط التجنيد: "ممتاز! الجيش يقدم لك: عملاً فورياً، راتباً ثابتاً، وزياً أنيقاً، وفرصة للسفر إلى مناطق سياحية استوائية! (يهمس) قد تكون ساخنة قليلاً، لكن هذا يضفي إثارة!"
شاب آخر: "لكنني سمعت أن الجنود يموتون هناك."
ضابط التجنيد (يضحك): "يموتون؟ كلمة قاسية. نقول: ينتقلون إلى الخدمة الأبدية . فرق كبير! وهؤلاء الذين ينتقلون، أسرهم تحصل على معاش. إذاً، حتى الموت فرصة عمل!"
شاب: "وهل هناك تأمين صحي؟"
ضابط التجنيد: "تأمين صحي ممتاز! المشكلة أن المستشفيات العسكرية مكتظة قليلاً، لكن هذا يعني أنك ستقضي وقتاً ممتعاً مع رفاقك في الانتظار. انتظار جماعي!"
(الكل يضحك. يدخل شاب بملابس رثة)
الشاب الرث: "أنا لا أجيد القتال. أعرف فقط كيف أصلح السيارات."
ضابط التجنيد (بحماس): "رائع! الجيش يحتاج إلى ميكانيكيين! ستصبح مسؤولاً عن إصلاح الدبابات. نفس المهارة، فقط حجم السيارة أكبر قليلاً. وبدلاً من أن تنقل عائلة إلى البحر، تنقل دبابة إلى الحرب. نفس الشيء تقريباً!"
شاب: "وهل نستطيع ترك الخدمة متى أردنا؟"
ضابط التجنيد (يضحك طويلاً): "يا بني، هذا سؤال لطيف. بالطبع تستطيع! فقط قدم استقالتك... بعد انتهاء الحرب... التي قد تطول... ربما 30 سنة... لكن من يدري؟ ربما تنتهي غداً! (يغمز) لا تنتظر كثيراً."
(الكل يوقع عقوداً دون قراءتها. لافتة في الخلفية تكشف: "بالتوقيع، أنت توافق على أن تكون وقوداً للحرب. لا تراجع عن التوقيع حتى بعد الموت".)
ضابط التجنيد (للكاميرا، بصراحة مفاجئة): "بصراحة، هذا أفضل حل للبطالة اخترعناه منذ اختراع الحروب. قبل الحرب، كان العاطلون مشكلة. الآن، العاطلون جنود. الجنود إما أحياء (فلا مشكلة) أو شهداء (فلا مشكلة أيضاً). رياضياً: عاطل + جيش = إما جندي (لا مشكلة) أو شهيد (لا مشكلة). الطرفان يؤديان إلى حل المشكلة. إنها عبقرية!"
(الستارة تسقط)
…….
الفصل الرابع والعشرون
الإعلام الحربي: دورة مكثفة في صناعة الأبطال
(مشهد في استوديو تلفزيوني. برنامج صباحي. مقدمة مبتسمة، ضيوف، جمهور)
مقدمة البرنامج: "والآن، فقرتنا المفضلة: أبطال من ورق ! معنا اليوم العقيد روجيه، المتحدث باسم الجيش. أهلاً بك عقيد!"
العقيد روجيه (بابتسامة عسكرية): "أهلاً بك. سعيدة بالوجود في برنامجكم الجميل."
مقدمة البرنامج: "عقيد، حدثنا عن الانتصارات الأخيرة. نسمع أن الجيش يتقدم بسرعة في الجبهة الشرقية."
العقيد روجيه: "صحيح! قواتنا البطلة تواصل تقدمها. حررنا 15 قرية الأسبوع الماضي. خسائر العدو فادحة. (يبتسم) بالمناسبة، لدينا خطة لتسمية القرى المحررة بأسماء رعاة البرنامج!"
الجمهور (يصفق): "واو!"
مقدمة البرنامج: "رائع! وهل هناك خسائر في صفوفنا؟"
العقيد روجيه (يتحول وجهه للحظة): "خسائر... نقول: تضحيات . نعم، هناك بعض التضحيات. لكنها تضحيات بطولية. كل شهيد يتحول إلى... (يفكر) ...إلى مصدر إلهام! وإلى توفير في الميزانية! (يضحك) أقصد، إلى وسام شرف لعائلته."
مقدمة البرنامج: "كم عدد الشهداء هذا الأسبوع؟"
العقيد روجيه: "الإحصائيات... (ينظر إلى ورقة) ...تقول إن العدد مقبول. مقبول جداً. ضمن المعدل الطبيعي. مثل... مثل حوادث السير تقريباً."
مقدمة البرنامج: "إذاً لا داعي للقلق! والآن، فقرة اتصل ببطل . لدينا اتصال من الجبهة. ألو؟ من معنا؟"
صوت جندي من الهاتف (بهدوء): "أنا الجندي بيير. أنا في الجبهة منذ 6 أشهر. الجو بارد جداً. والطعام سيئ. و..."
العقيد روجيه (يقاطع): "ها هو البطل بيير! ماذا تريد أن تقول لعائلتك يا بيير؟"
الجندي بيير: "أريد أن أقول إني..."
العقيد روجيه: "تقول إنك فخور بخدمتك! وإنك ستعود منتصراً! وإن العائلة يجب أن تفخر بك! صحيح؟"
الجندي بيير (بتردد): "...صحيح."
مقدمة البرنامج: "يا له من بطل! يا لها من مشاعر! شكراً لك جندي بيير. والآن، فقرة غنائية مع المطربة سيلفي تقديم أغنية أمي أنا ذاهب للحرب ."
(مغنية تصعد، تبدأ الغناء. الجمهور يبكي تأثراً. الستارة تسقط)
…….
الفصل الخامس والعشرون
الاقتصاد يزدهر: كيف تحولت الدماء إلى أرقام خضراء
(مشهد في وزارة الاقتصاد. وزير الاقتصاد جالس خلف مكتب فخم. أمامه شاشات تعرض رسوماً بيانية ترتفع. يدخل مستشاروه)
وزير الاقتصاد (مبتهج): "أيها السادة، أرقام رائعة! النمو 7%! البطالة 2%! الميزانية في فائض! ماذا يحدث؟"
مستشار أول: "إنها الحرب يا سيدي الوزير. الحرب تخلق وظائف، تخلق طلباً، تخلق أرباحاً. إنها أفضل منشط للاقتصاد منذ اختراع المطبعة."
وزير الاقتصاد: "لكن هناك من يقول إن الحرب تقتل الناس. وهذا مكلف. الجنود القتلى لا يدفعون ضرائب."
مستشار ثان: "صحيح، لكن الجنود الأحياء لا يدفعون ضرائب أيضاً! إنهم معفيون! والقتلى لا يستلمون رواتب. إذاً، القتلى أوفر اقتصادياً."
وزير الاقتصاد (يدوّن): "نقطة ممتازة. ماذا أيضاً؟"
مستشار أول: "القطاع الخاص يزدهر. شركات الأسلحة أرباحها تضاعفت. شركات البناء تعيد إعمار ما دمرته الحرب. شركات النفط تبيع للجيش. الكل رابح!"
وزير الاقتصاد: "والمواطن العادي؟"
مستشار ثان: "المواطن العادي... (يتردد) ...البعض منهم في الجبهة. لكن من بقي في البيت، يستهلك أقل، يوفر أكثر، لا يشتكي كثيراً. إنه مواطن مثالي!"
وزير الاقتصاد: "إذاً، ما المشكلة؟"
مستشار أول: "لا مشكلة. لكن هناك... تفاصيل صغيرة. العائلات الثكلى بدأت تحتج. يقولون إن معاشات الشهداء لا تكفي. ويطالبون بتحقيق في سبب موت أبنائهم."
وزير الاقتصاد (بضجر): "العائلات الثكلى... دائماً هناك متذمرون. ذكّرهم بأن ابنهم مات بطلاً. وأن البطولة لا تقدر بثمن. وأننا سنرسل لهم شهادة تقدير مؤطرة. هذا يكفي عادة."
مستشار ثان: "لكن بعضهم يريد المال، لا الشهادات."
وزير الاقتصاد: "المال؟ المال الذي ندفعه لهم هو مال كان سيذهب إلى أبنائهم كرواتب لو بقوا أحياء. إذاً، هم يوفرون علينا الفرق بين الراتب والمعاش. يجب أن يشكروا!"
الكل (يصفق): "عبقرية! عبقرية!"
وزير الاقتصاد (ينظر إلى الشاشات): "انظروا إلى هذه الأرقام! كلها خضراء! هل تعرفون ما أجمل شيء في اللون الأخضر؟ إنه يخفي اللون الأحمر تحته. دم أحمر، أرقام خضراء. معادلة مثالية!"
(الكل يصفق وقوفاً. الستارة تسقط)
……
الفصل السادس والعشرون
التأمين على الحياة في زمن الحرب: صفقة العمر
(مشهد في مكتب شركة تأمين. موظف أنيق، وزبون في منتصف العمر)
موظف التأمين (بابتسامة احترافية): "تفضل سيدي. كيف يمكنني مساعدتك؟"
الزبون: "ابني في الجيش. أريد أن أؤمن على حياته. في حالة... لا سمح الله..."
موظف التأمين (يتحمس): "آه! وثيقة البطل الخالد ! ممتاز! هذه أفضل وثيقة لدينا. صممت خصيصاً لعائلات الجنود."
الزبون: "ماذا تغطي؟"
موظف التأمين: "تغطي كل شيء! إذا أصيب ابنك، تحصل على تعويض جزئي. إذا فقد عضواً، تحصل على تعويض كامل للعضو المفقود (حسب سعر العضو في السوق). وإذا... لا سمح الله... انتقل إلى الخدمة الأبدية، تحصل على مبلغ مقطوع كبير!"
الزبون: "كم هو الكبير هذا؟"
موظف التأمين: "(ينظر إلى الأوراق) حسب الباقة. الباقة الأساسية: 10 آلاف يورو. الباقة الممتازة: 20 ألفاً. الباقة البلاتينية: 30 ألفاً مع نعش مجاني وحفل تأبين مخفض!"
الزبون: "30 ألفاً؟ هذا جيد. لكن كم أدفع شهرياً؟"
موظف التأمين: "الباقة البلاتينية: 500 يورو شهرياً. دفعة أولى 6 أشهر مقدماً."
الزبون (يحسب): "500 يورو في الشهر. إذا بقي ابني حياً 5 سنوات، أكون دفعت 30 ألفاً. إذا مات بعد سنة، أكون دفعت 6 آلاف وأستلم 30 ألفاً. صفقة جيدة!"
موظف التأمين: "بالضبط! إنه مثل الرهان على سباق خيل. لكن هنا، الحصان هو ابنك، والسباق هو الحرب، والجائزة كبرى!"
الزبون (متردد): "هذا يبدو... بشعاً."
موظف التأمين (بجدية): "سيدي، في الحرب، كل شيء بشع. لكن على الأقل، بشاعته مؤمن عليها. هل تفضل أن تكون بشاعته بدون تعويض؟"
الزبون: "...لا."
موظف التأمين: "إذاً، وقع هنا. ولا تنسَ البند 7-ج: إذا تبين أن ابنك مات بسبب خطأ عسكري (قصف صديق، حادث تدريب، سوء تغذية)، فإن التعويض ينخفض إلى النصف. لأن هذه حالات غير قتالية ، وأقل قيمة."
الزبون: "لكن هذا ظلم!"
موظف التأمين: "الظلم كلمة قاسية. نقول: تعديل تصنيفي ."
(الزبون يوقع. الموظف يبتسم. الستارة تسقط)
………
الفصل السابع والعشرون
جنود العودة: كيف نرحب بالأبطال؟
(مشهد في مطار عسكري. جنود عائدون من الجبهة. حشود تستقبلهم. أعلام، زهور، دموع. لكن معظم الجنود مبتوري الأطراف، على كراسي متحركة)
مذيع (يقف بجانب المدرج): "نحن هنا في المطار العسكري لاستقبال أبطالنا العائدين من الجبهة. يا لها من لحظة مؤثرة! دموع الفرح تغمر الجميع!"
جندي على كرسي متحرك (يمر بجانبه): "دموع الفرح؟ أنا فقدت ساقي!"
المذيع (يبتسم للكاميرا): "تسمعون؟ فقد ساقه! لكنه ما زال مبتسماً! يا له من بطل!"
الجندي: "أنا لست مبتسماً! هذه عضلات وجهي مشدودة من الألم!"
المذيع (يتجاهل): "وها هو جندي آخر! يبدو متعباً قليلاً، لكنه بطل!"
جندي آخر: "أنا متعب لأنني لم أنم منذ 3 أيام. المستشفى العسكري مكتظ، يناموننا على الأرض."
المذيع: "على الأرض؟ يا لها من بساطة! أبطالنا لا يطلبون الرفاهية، ينامون على الأرض مثل أسلافنا في الحروب القديمة! الأصالة والتاريخ!"
(الجنود ينظرون إليه باستغراب. يدخل مسؤول حكومي)
مسؤول حكومي (على منصة): "أيها الأبطال، نيابة عن الحكومة، أرحب بكم. تضحياتكم محل تقدير. ولكي نعبر عن امتناننا، سنمنح كل واحد منكم... (يخرج ورقة) ...شهادة تقدير! واشتراكاً مجانياً لمدة سنة في نادي رياضي! (ينظر إلى مبتوري الأطراف) لتقوية ما تبقى من أجسادكم!"
جندي: "نحتاج إلى وظائف، لا إلى نوادي رياضية!"
مسؤول حكومي: "الوظائف؟ (يضحك) هناك وظائف كثيرة! مثلاً... (يفكر) ...يمكنك العمل في متجر؟ لا، الوقوف صعب. في مكتب؟ لا، الكتابة صعبة. في مصنع؟ لا، الحركة صعبة. (يبتسم) لكن يمكنك العمل في استقبال المكالمات! تجلس على كرسي، ترد على الهاتف. مثالي!"
جندي: "أنا كنت سائق دبابة. كيف أعمل في استقبال المكالمات؟"
مسؤول حكومي: "المهارات تكتسب! سنرسلك في دورة تدريبية. 6 أشهر. بدون راتب. مع امتحان في النهاية. نسبة النجاح 10%."
الجندي: "إذاً، 90% سيفشلون. ماذا سيحدث لهم؟"
مسؤول حكومي (يبتسم): "سينضمون إلى الدورة التالية! وهكذا دواليك. في النهاية، إما ينجحون، أو يتقاعدون مبكراً. وفي الحالتين، مشكلتهم تحل!"
(الجنود ينظرون إلى بعضهم. الستارة تسقط)
……
الفصل الثامن والعشرون
الشركات والحرب: قصة حب أبدية
(مشهد في اجتماع سري لمجلس إدارة شركة أسلحة كبرى. طاولة طويلة، رجال ببدلات فاخرة، سيجار، كؤوس ويسكي)
رئيس مجلس الإدارة: "أيها السادة، أرباح هذا الربع تضاعفت. الطلب يفوق العرض. المصانع تعمل 24 ساعة. ما سر هذا النجاح؟"
عضو مجلس: "الحرب يا سيدي. الحرب مستمرة، ولن تتوقف قريباً."
رئيس مجلس الإدارة: "لكن التقارير تقول إن الجبهة هادئة. إن الجيش حقق أهدافه. قد تنتهي الحرب قريباً."
عضو آخر (بقلق): "هذا كارثة! إذا انتهت الحرب، سنعود إلى الركود. ستعود البطالة. ستعود المشاكل القديمة."
رئيس مجلس الإدارة: "إذاً، علينا ألا تنتهي الحرب."
الكل (ينظرون إليه): "كيف؟"
رئيس مجلس الإدارة: "بسيط. نبيع السلاح للطرفين."
عضو: "لكننا نبيع لجيشنا فقط."
رئيس مجلس الإدارة: "حتى الآن. لكن من قال إن العدو لا يمكنه شراء سلاح أيضاً؟ لدينا فروع في دول محايدة. يمكننا شحن السلاح إلى العدو عبر وسيط. سراً. بأسعار مضاعفة."
عضو آخر: "لكن هذا يعني أن جنودنا سيواجهون سلاحنا!"
رئيس مجلس الإدارة (يبتسم): "بالضبط! وهكذا، تدوم الحرب. الطلب مستمر. الأرباح تتضاعف. جنودنا يقتلون بسلاحنا، وعدونا يقتل بسلاحنا. نحن نربح من الجانبين!"
عضو: "وهل هذا قانوني؟"
رئيس مجلس الإدارة (يضحك): "القانون؟ أيها الصديق، عندما يكون لديك 50 محامياً على قائمة الرواتب، القانون يصبح مرناً. مثل العلكة. يمكنك مضغه، ولفه، وتشكيله كما تريد."
الكل (يضحك): "نخب القانون المرن!"
رئيس مجلس الإدارة: "والأجمل أننا بهذا نضمن استمرار الحرب. والحرب تعني استمرار الطلب. واستمرار الطلب يعني استمرار الأرباح. واستمرار الأرباح يعني استمرار سعادتنا. دائرة مثالية!"
عضو: "لكن هناك ضحايا."
رئيس مجلس الإدارة (بجدية): "الضحايا ليسوا عملاءنا. عملاؤنا نحن. الضحايا هم المنتج. والمنتج يُستهلك. هذا هو قانون السوق. السيارة تستهلك بنزين، المصباح يستهلك كهرباء، الحرب تستهلك بشراً. هذه هي الطبيعة."
الكل (يصمتون لحظة، ثم يصفقون): "عبقري! عبقري!"
(الستارة تسقط)
…….
الفصل التاسع والعشرون
إعادة الإعمار: فرصة ثانية للاقتصاد
(مشهد في مدينة مدمرة. دمار شامل. مباني مهدمة، شوارع محطمة. لكن في وسط الخراب، لافتة كبيرة: "شركة إعادة الإعمار الوطنية: نبني مستقبلاً أفضل من الماضي!" وفريق بناء يعمل)
مدير المشروع (للكاميرا): "هنا يا سادة، نصنع المستقبل. هذه المنطقة دمرتها الحرب بالكامل. فرصة ذهبية لإعادة البناء!"
صحفي: "فرصة ذهبية؟ الناس فقدوا بيوتهم!"
مدير المشروع: "بالضبط! البيوت القديمة كانت قديمة، متداعية، غير مطابقة للمواصفات. الآن سنبني بيوتاً جديدة، عصرية، باهظة الثمن! وسيدفعون ثمنها بالتقسيط على 30 سنة!"
صحفي: "لكنهم لا يملكون مالاً. فقدوا كل شيء."
مدير المشروع (يبتسم): "لهذا نحن موجودون! سنمنحهم قروضاً. بفوائد ممتازة! منخفضة! 15% فقط! وسنأخذ بيوتهم كضمان. إذا لم يدفعوا، نسترجع البيت. ونبيعه لشخص آخر. دائرة مثالية!"
صحفي: "إذاً، الحرب دمرت بيوتهم، وأنتم تعيدون بناءها لتربحوا منها مرة أخرى؟"
مدير المشروع: "هذا هو الاقتصاد الحديث. الخسارة تخلق فرصة. الدمار يخلق طلباً. الموت يخلق... (يفكر) ...مساحات فارغة!"
عامل بناء (يهمهم لجاره): "هذا البيت الذي نبني، كان بيت خالي. مات في القصف. الآن نبني نفس البيت، وسأدفع ثمنه لأشتريه مرة أخرى. شيء غريب."
جاره: "لا تفكر كثيراً. فكر فقط في الراتب. الراتب موجود، والحرب انتهت، ونحن نعمل. هذا أفضل من لا شيء."
العامل: "لكن من قصف بيت خالي؟ طائرات اشترتها الحكومة من شركات... نعمل الآن لدى نفس الشركات؟"
جاره: "أنا قلت لا تفكر كثيراً."
(يدخل مسؤول حكومي)
مسؤول حكومي: "تهانينا! المرحلة الأولى من إعادة الإعمار اكتملت. 1000 بيت جديد! الآن، نبدأ في بيعها للمواطنين. سعر البيت: 200 ألف يورو. الدفعة الأولى: 50 ألفاً. الباقي على 30 سنة."
مواطن: "لكن تعويضاتي من الحكومة كانت 20 ألفاً فقط!"
مسؤول حكومي: "هذا يكفي للدفعة الأولى! ممتاز! ستحصل على بيت وتدفع أقساطاً لبقية حياتك. أفضل من لا بيت!"
مواطن: "لكن بيتي القديم كان أصغر وأرخص!"
مسؤول حكومي: "القديم ذهب. الجديد أغلى. هذا اسمه تطور. هذا اسمه تحضر. هذا اسمه... (يبحث عن كلمة) ...قدر."
المواطن (يبكي): "قدر؟ من قصف بيتي؟"
مسؤول حكومي (يربت على كتفه): "لا تفكر في الماضي. فكر في المستقبل. المستقبل مبني على ديونك!"
(الكل يوقع عقوداً. الستارة تسقط)
…….
الفصل الثلاثون
النهاية السعيدة: الجميع رابحون!
(مشهد ختامي كبير. على المسرح، كل الشخصيات. حكومة ائتلاف أريزونا، رجال أعمال، جنود (باقٍ منهم)، عائلات شهداء، فقراء، لاجئون. الجميع واقف في مكانه. في الخلف، لافتة ضخمة: "النهاية السعيدة: الجميع رابحون!" )
الراوي (يظهر في الأعلى): "وها نحن نصل إلى نهاية قصتنا. النهاية السعيدة كما يحبها الجمهور. دعونا نرى من ربح وماذا ربح."
(تتقدم شخصية وزير المالية)
وزير المالية: "لقد ربحنا! الميزانية في فائض! البطالة انتهت! الفقراء إما ماتوا في الحرب أو يعملون في إعادة الإعمار! الضرائب تتدفق! الحياة جميلة!"
(يتقدم رجال الأعمال)
رجل أعمال: "وربحنا نحن أيضاً! أرباح قياسية! مصانع تعمل 24 ساعة! أسهمنا في الصعود! يمكننا شراء كل شيء! حتى الأحزاب السياسية!"
(يتقدم جنود مبتورو الأطراف)
جندي: "ونحن... نحن ربحنا أيضاً... (بتردد) ...ربحنا شهادات تقدير! وأوسمة! وكراسي متحركة مجانية! ودورات تدريبية لا تنتهي!"
(يتقدم أفراد عائلات الشهداء)
أم شهيد: "ونحن ربحنا... صور أبنائنا في الإطار! وزيارة وزير الدفاع مرة في السنة! ووعداً بأن تضحياتهم لن تنسى!"
(يتقدم الفقراء)
فقير: "ونحن ربحنا... (يفكر) ...لم نعد فقراء! لأن الفقراء إما ماتوا أو أصبحوا جنوداً أو عمالاً. من بقي حياً، لم يعد فقيراً. تحول إلى... (يبحث عن كلمة) ...إلى زبون!"
(يتقدم اللاجئون)
لاجئ: "ونحن ربحنا... وطناً جديداً! وطناً دمرناه ثم بنيناه! ونحن من بنيناه! بأيدينا! وبأقساطنا!"
(الكل يقف في صف واحد)
الراوي: "إذاً، الكل رابح! الحكومة ربحت، والشركات ربحت، والجنود ربحوا (ولو أن بعضهم فقد أطرافهم)، والعائلات ربحت (ولو أن بعضها فقد أبناءها)، والفقراء ربحوا (ولو أن بعضهم فقد حياتهم). الجميع رابحون! هذه هي النهاية السعيدة!"
وزير المالية (يتقدم): "وختاماً، أود أن أشكر الشعب البلجيكي على تفهمه ودعمه. بدون تضحياتكم، لما كنا نحقق هذه النجاحات. أنتم حقاً أفضل شعب في العالم!"
الجمهور (يصفق): "نحن الأفضل! نحن الأفضل!"
رجل أعمال (يهمس لوزير المالية): "هل أخبرتهم أن التضحيات تعني الموت ؟"
وزير المالية (يغمز): "لا تقل ذلك. دعهم يحتفلون."
(الجميع يرقصون على أنغام موسيقى مبهجة. في الخلفية، صور للدمار تعرض بسرعة، لكن أحداً لا ينظر إليها. الكل مشغول بالاحتفال)
الراوي: "وهكذا، في بلاد تلتهم أبناءها، تعلم الجميع أن الالتهام يمكن أن يكون جميلاً إذا تم تغليفه بشكل جيد. تعلموا أن الموت يمكن أن يكون تضحية ، والدمار يمكن أن يكون فرصة ، والفقر يمكن أن يكون إصلاحاً ، والحرب يمكن أن تكون حلاً اقتصادياً . تعلموا أن اللغة يمكنها أن تحول أي شيء إلى عكسه. تعلموا أن يبتسموا وهم يدفنون أبناءهم. تعلموا أن يشكروا وهم يدفعون ثمن موتهم. تعلموا أن يصوتوا وهم يعرفون أن أصواتهم لا تغير شيئاً. تعلموا أن يعيشوا وهم يموتون ببطء.
وهكذا، تستمر الحياة. والحرب. والضرائب. والظلال."
(الستارة تسقط ببطء. موسيقى هادئة. ثم فجأة، يظهر وجه الطفل من الفصل الأول)
الطفل (للكاميرا): "أبي قال إن الحرب انتهت. لكن في الحقيقة، الحرب بدأت للتو. ليست الحرب التي تظهر في الأخبار. حرب أخرى. حرب البقاء. حرب الانتظار. حرب الأحلام التي لا تتحقق. هذه الحرب لا تنتهي أبداً. هذه الحرب اسمها... الحياة في أوروبا."
(الطفل يختفي. ظلام تام. دقيقة صمت. ثم تظهر عبارة)
"جميع الشخصيات والأحداث خيالية. أي تشابه مع الواقع هو من قبيل الصدفة المحضة. أو ربما ليس من قبيل الصدفة."
(الستارة النهائية)
---
الخاتمة (غير المذكورة في المسرحية)
كلمة أخيرة من الكاتب
عزيزي القارئ،
إن كنت قد وصلت إلى هنا، فأنت إما صبور جداً، أو غاضب جداً، أو يائس جداً. في كل الأحوال، شكراً لك.
هذه المسرحية الهزلية ليست مجرد تسلية. هي محاولة لقول الحقيقة بطريقة تجعلها قابلة للتحمل. لأن الحقيقة المرة، إذا قدمت مرة، قد تسبب الاختناق. لكن إذا قدمت مع قليل من السخرية، تصبح قابلة للبلع. ليس لأنها أقل مرارة، بل لأن السخرية تخدر قليلاً.
حكومة ائتلاف أريزونا (تحالف N-VA، MR، CD&V، Open Vld) هي مجرد مثال. أي حكومة أخرى في أي بلد آخر يمكن أن تحل محلها. لأن الآلية واحدة: الفقراء يدفعون، الأغنياء يربحون، والطبقة الوسطى تتقلص. الحرب تأتي كحل سحري: تخلق طلباً، تخلص من الفائض البشري، وتعيد توزيع الثروة... من الفقراء إلى الأغنياء.
هذا ليس تخييلاً. هذا تاريخ. هذا واقع. هذا ما يحدث عندما يترك الاقتصاد لقوانينه دون تدخل أخلاقي. هذا ما يحدث عندما تصبح الدولة مجرد أداة في خدمة رأس المال. هذا ما يحدث عندما ننسى أن الإنسان غاية، ليس وسيلة.
لكن السخرية وحدها لا تغير شيئاً. الضحك يخفف الألم، لكنه لا يشفي المرض. الشفاء يحتاج إلى فعل. إلى وعي. إلى تنظيم. إلى مقاومة. إلى خيار واعٍ بأننا لا نقبل هذا الواقع.
الخيار لنا.
تمت
بروكسل 2025
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
-
قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية،
...
-
كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
-
تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
-
دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب
...
-
كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب
...
-
دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
-
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون
...
-
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة
...
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
-
-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة
...
-
إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال
...
-
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم
...
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
-
افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
-
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن
...
المزيد.....
-
جولة ثالثة من المحادثات الأيرانية الأمريكية اليوم بغية الحصو
...
-
شاحنة مديح تجوب الشوارع.. غزة تحتفي برمضان رغم الجراح
-
بوليتيكو: مسؤولون أمريكيون يفضلون أن تبادر إسرائيل بمهاجمة إ
...
-
المخابرات الأميركية تطلق حملة لتجنيد إيرانيين
-
-ديب سيك- تحجب أحدث نماذجها عن شركات الرقائق الأميركية
-
الجنرال دان كين.. مصادر تكشف لـCNN كواليس -الخلاف- بين ترامب
...
-
أكبر عملية تستُّر.. الديمقراطيون يتهمون وزارة العدل بحذف ترم
...
-
عاجل | عمدة كييف: انفجارات في العاصمة وتفعيل الدفاعات الجوية
...
-
مدير FBI يُقيل موظفين مرتبطين بالتحقيق في قضية -سوء تعامل تر
...
-
ماذا تبقّى من البرنامج النووي الإيراني، وهل لا يزال يُشكّل ت
...
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|