عادل صالح الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 18:47
المحور:
الادب والفن
تتناول الدراسة الحالية العلاقة بين الشعر البريطاني الحديث والعلم. في دراسة سابقة تناولنا هذه العلاقة على الصعيد النظري والفلسفي والجمالي، أما في هذه الدراسة فسوف نتناول الجانب التطبيقي منها من خلال تبيان مواضع تأثر الشاعر الحديث بنظريات ومكتشفات العلم الحديث وتطبيقاته التكنولوجية فيما يكتب من شعر وكيف انعكس ذلك على موضوعات الشعر وأساليبه وفنونه.
*************
قبل ان نناقش شعر سبندر، تجدر الاشارة عند هذه النقطة الى ان معرفتنا بالكيفية التي كان الشعراء ينظرون فيها الى دور الشاعر في عالم يهيمن عليه العلم والتكنولوجيا تستدعي منا اعتبار سبندر ممثلا للمجموعة بهذا الخصوص وذلك لشدة اهتمامه بهذه المسألة في كل من شعره وكتاباته النقدية.
في مجموعة من ثلاث محاضرات بعنوان الخيال في العالم الحديث (1962) يقدم سبندر تحليلا لحالة الكتابة الخيالية في عالم يهيمن عليه العلم، محاولا فيه ان يبين انه خلال الفترة التي تبدأ بالثورة الصناعية حتى العصر الحالي حدث شيء كان له الأثر البالغ في الكتابة الخيالية: وهو ان "الشعراء شعروا بالتهديد الذي يشكله تحول الوعي من التفكير العضوي والمحسوس الى التفكير العلمي التجريدي. وقد فصلهم هذا عن الماضي الذي كان فيه الشعراء على تماس حميمي وفوري ان صح التعبير مع القوى الروحانية والذاتية والطبيعية التي كانت يوما ما طقس الحياة." وقد خلق هذا الموقف نظرة كانت تهيمن على الفكر الحديث منذ كارلايل ورسكن وموريس وآرنولد حتى تي. اي. هيوم وازرا باوند وييتس واليوت ولورنس واف. آر ليفيس، مفادها ان النهضة والثورة البيوريتانية (التطهرية) والثورة الفرنسية او الثورة الصناعية قد "اطلقت عليها تسمية الأوغاد،" وألقيت عليها مسؤولية خلق "انفصام شديد في الوعي الذي كان فيما مضى ملتحما وموصوفا بكونه كائنا-خالقا" بسبب هذا، "يظهر في النقد الحديث فكرة خيالية جامحة عن سقوط ثان للإنسان."(1) تبدو نبرة صوت سبندر في مناقشته كأنها تدعو الى اتخاذ موقف اكثر واقعية تجاه المسألة؛ انها تنم عن موقف من جانب سبندر يمكن وصفه عموما بكونه موقفا إيجابيا تجاه الموضوع، موقفا يرى في العلم والتكنولوجيا العاملين الذين شكلا الوعي الحديث بشكل كبير.
في كتاب آخر له عنوانه صراع الحديث (1963)، يتناول سبندر مسألة مهمة أخرى يواجهها الشاعر الحديث، وهي فكرة التقدم. باستخدامه مصطلح "الحديث" بمعناه الواسع، يقسم سبندر كتّاب العصر الحديث الى الزوجين الآتيين من المتضادات: "الحديثون" او "المدركون" كنقيض لـ"المعاصرين" او "غير المدركين." يرى في الزوج الأول أولئك الذين يسعون عن قصد الى اختراع ادب جديد، نتيجة لشعورهم بأن "عصرنا عصر غير مسبوق في أوجه عديدة، وانه خارج جميع تقاليد ادب وفن الماضي،" وينظر الى التغييرات التي حدثت في الحضارة على انها "نتيجة لتطورات التكنولوجيا العلمية." من جهة أخرى، يجد في الزوج الثاني أولئك الذين "يدركون جزئيا في الأقل الزعم القائل بان ثمة موقف حديث، الا انهم يرفضون اعتباره مشكلة خاصة بالفن،" ويعتقدون ان واجب الفنانين والكتاب هو "تكريس فنهم لدعم قضية التقدم." على الرغم من ان سبندر يقر بأن الكتاب الحديثين عموما لا يثقون بفكرة التقدم وينظرون الى النتائج التي توصل اليها العلم بوصفها كارثة على قيم حضارة الماضي، فهو مع ذلك يعتقد بأن هناك بعض الحديثين ممن على العكس من ذلك تعزز موقفهم الفكرة التي مفادها انه بدلا من الفن المكرس للتقدم، يمكن للفن ان يحول نتائج العلم الى رؤية جمالية حديثة من خلال التجاوب مع علاقة الفرد بالبيئة التي يقوم العلم بتغييرها بشكل مستمر، ومن خلال تسجيل هذا التغيير بوساطة "المتحسسات الاهتزازية للفنان." (2)
وعلى المستوى الأكثر تقنية للأسلوب والطريقة، يعبر سبندر عن وجهة نظر وثيقة الصلة بشعره هو (وكذلك بشعر جماعته) فيما يخص علاقة هذا الشعر بالعلم. انه يعتقد ان الطريقة التي ينبغي على الشاعر الحديث ان يتعامل بها مع حقائق العلم هي من خلال "فحص قيم العالم الحديث" بعرضها على ايّ من حقائق العلم تلك التي "قد يعرفها الشعراء معرفة مثمرة" ويستطيعون "اختبارها بحساسيتهم."
ليست اهمية ان يكون على الشعراء معرفة القانون الثاني للديناميكا الحرارية بقدر أهمية ادراكهم للتغيرات الحادة التي احدثتها في إيقاع اللغة البيئة الناتجة عن المخترعات وتأثيرها على السلوك البشري وانماط الشعور. فمن المؤكد ان جويس واليوت ولورنس يعكسون نتائج العلم في أعمالهم. (3)
بالتزامه بمبدئه هذا الى حد كبير، تفاعل سبندر في شعره مع العلم بطرق متنوعة: كتب قصائد غنائية عن جمال الآلات؛ استعمل مصطلحات وأفكار علمية في وصفه المشهد الحديث؛ استعمل حقائق ومخترعات علمية للتعبير عن نظرته المتفائلة بخصوص اليوتوبيات السياسية والدعوة اليها، أحيانا على طريقة الشاعر بيرسي بيش شيلي؛ وابتدع استعارات ورموزا وأحيانا صورا او مجازات متكلفة على طريقة الشاعر جون دَن.
يمكن ان نجد احدى صور سبندر "الدَنيّة"، على حد تعبير الناقدة بابيت دويتش، في احدى قصائده الغنائية الذاتية المبكرة، وهي قصيدة "انتظار" من مجموعته بعنوان قصائد (1933)، التي يختتمها بالفكرة التي تفيد بأنه لو كانت استجابات معينة تجاه الحبيبة "قطرات تمر عبر سد،" فحينئذ
لا بد ان يكون عندي من العشق ما يكفي لتشغيل مصنع
او توفير الطاقة الكهربائية لمدينة، او قيادة قطار. (4)
(الأبيات-8-9)
في قصيدته "القطار السريع" (قصائد مختارة، 31) يصف سبندر شيئا اصبح جزءا من المشهد الحديث واحد معالم نمط الحياة الجديدة. الا انه أيضا يربطه بإيحاء فلسفي وثقافي يلمح عنه في الأبيات الافتتاحية—ايحاءات عن فعل او حدث مباشر غير مسبوق بأي ضجيج، لكنه مصحوب بسلاسة وجمال:
بعد البيان الأول القوي الواضح
التصريح الأسود للمكابس، دونما مزيد من الجلبة
بل منزلقا مثل ملكة، يغادر المحطة.
(الأبيات 1-3)
بعد مروره عبر منازل البلدة المكتظة وعبر "صفحة الموت/الثقيلة، التي طبعتها شواهد القبور في المقبرة،" يتجاوز القطار البلدة ليصل الى الريف المفتوح حيث "مستجمعا سرعته، يكتسب غموضا،/ رباطة الجأش المتألقة لسفينة في المحيط،" وبنوع من الحرية التي تسمح له بالغناء "في البدء بصوت خفيض جدا/ ثم بصوت عال، وأخيرا بجنون غناء الجاز؛" في اغنيته،
يرسل بخارا عبر المشهد المعدني فوق خطوط سكته،
يلج عهودا جديدة من السعادة البيضاء.
(الأبيات 17-18)
انها اغنية فرح يبتهج بها الشاعر لأنها اغنية آلة لا يمكن لأغنية طبيعية ان تعادلها:
آه، مثل شهاب عبر اللهب، يتحرك منتشيا،
ملتفا بموسيقاه التي لن تعدلها ابدا تغريدة طائر،
لا ولا غصن يتفتح عن براعم حلوة.
(الأبيات 25-27)
كلمة "لن" هذه تشير الى المستقبل الذي يستشرفه الشاعر ويبدو انه يلمح الى انه مستقبل سيتأسس على اخضاع الانسان للطبيعة عن طريق العلم.
"منظور المستقبل السريع،" هي عبارة من قصيدة أخرى ذات نفس مشابه يجدها الشاعر، ولو انها قد تبدو سطحية ونثرية، في أشياء أخرى من عصر الآلة. انها أبراج الطاقة الكهربائية التي يصفها سبندر في قصيدته "أبراج الطاقة الكهربائية" (قصائد مختارة، 34). ان كان الشاعر يجد في القطار حركة من المدينة الى الريف، فانه يرى أعمدة الكهرباء تغزو الأرض كلها على الرغم من كونها لا تتحرك؛ فالطاقة التي تحملها هي التي تتحرك.
يتأسس التناقض بين الماضي والحاضر في المقطعين الأولين ويعبر عن استشراف المستقبل في بقية القصيدة. تفتتح القصيدة بمشهد يسبق نصب أعمدة الطاقة الكهربائية:
كان سر هذه التلال يكمن في الأحجار والأكواخ
المصنوعة من الحجر،
والطرق المتهاوية
التي تحولت الى قرى اختفت فجأة
(الأبيات 1-4)
ولكن الآن، وبعد ان تم نصب هذه "الأعمدة" المصنوعة من "الخرسانة التي تقتفي أثر سلك اسود"، فان المشهد يتطلب نوعا جديدا من الجمال، توصف فيه الأعمدة بكونها "جرداء مثل فتيات عملاقات عاريات لا يخفين سرا." هذا الجمال الجديد يفوق الجمال القديم؛ انه جمال الآلة، رمز هيمنة الانسان على الطبيعة. وفي اثناء نظره الى تلك الأعمدة العملاقة وهي تمتد "مرتفعة وبعيدة بقدر احتمال البصر،" يمكن للشاعر ان يرى انها بحركة جريها يرافقها "جريان آفاق المستقبل السريع." تتبلور الرؤيا التي يعبر عنها الشاعر أكثر وتتكثف رمزيتها في المقطع الأخير، حيث يقرن الشاعر بين أعمدة الطاقة وبين رؤى الانسان وتطلعاته نحو التقدم الذي سيحصل من خلال العلم:
هذا يقزّم ريفنا الزمردي برحلته
طويلا هكذا بالنبوءة
حالما بمدن
حيث غالبا ستلوي الغيوم اعناقها البيضاء بياض البجع.
(الأبيات 17-20)
يعبر سبندر عن رؤيا اشد تعقيدا حول المشهد الذي يهيمن عليه العلم والتكنولوجيا في قصيدته "المنظر الطبيعي قرب مطار" (قصائد مختارة، 32-33). على الرغم من ان القصيدة تؤسس في بدايتها تناقضا بين الطبيعي، او العضوي، وبين الميكانيكي، الا انها سرعان ما تتخذ منحى مختلفا مشحونة بطاقة رمزية أكبر.
تستهل القصيدة بصورة تقارن "طائرة مطفأة المحركات" في حالة هبوط بفراشة:
أجمل وارق من فراشة
ذات مجسات مغلفة بالفراء تدمدم متحسسة طريقها الضخم
في الغسق.
(الأبيات 1-3)
تنحدر الطائرة الجميلة والحرة برفق نحو المدينة، "لا تكاد تعكر تيارات الهواء المرسومة،" مهدهدة مسافريها الذين، بعد عبورهم البحر و"البر المؤنث،" يدعون اعينهم الآن
تخترق عند الغسق ضواحي هذه المدينة
هنا حيث يظهر التصنيع حاشية مهترئة.
هنا يمكن ان يشاهدوا ما يجري عمله.
(الأبيات 10-12)
عند هذا الموضع من القصيدة، يأخذ التناقض شكلا مختلفا. تكتسب صور التناقض بين الطيارة والمدينة معان رمزية: توضع الطائرة، التي هي رمز لهيمنة الانسان على الأجواء ولتقدمه العلمي، مقابل شواخص التصنيع: المداخن والمعامل، البنايات، الناس ومنازلهم—كل شيء يشكل تفاصيل مشهد جدير بالازدراء. في تحليلهما للقصيدة، يشير سي. بي. كوكس وأي. إي. دايسن الى ان صورة الطائرة في تناقضها مع مشهد التصنيع تعكس "جمالا هشا، يكاد ان يكون حلميا... تماما مثلما تتناقض تفاؤلية سبندر مع الواقع الاجتماعي لعصره،" وان صور التناقض هذه توازي ما في دواخل الشاعر من "صراع بين الايمان بالتقدم والنوستالجيا الرومانسية." (5) الا ان هذا الصراع، ان كان موجودا، لا توضحه الاستعمالات المتناقضة للصور الشعرية. قد يكون تحليل كوكس ودايسن للقصيدة متأثرا بفكرتهم عن ان سبندر لا ينجح تماما في محاولته رسم صورة "واقعية" لمشهد التصنيع. فهما يجدان غموضا او عدم دقة في بعض صور المقطعين الثالث والرابع للقصيدة، وان بعض المقارنات فيها تكلف وان بعض الأفكار تقرن ببعضها على نحو قسري او بدون دقة كافية.
صحيح ان التناقض الرئيس في القصيدة هو بين الطائرة والمنظر الطبيعي. الا ان ثمة بضع أفكار في التناقض صيغت صياغة رمزية لا ينبغي اغفالها. تجدر الإشارة الى ان قدرا كبيرا من الطاقة الرمزية التي يتضمنها هذا التناقض تتأتى من التشديد على بعض صفات الطائرة الجوهرية التي تكتسب أهميتها الرمزية في سياق هذا التناقض: رقتها، انسيابيتها، نعومتها، انعدام ضوضائها برغم حجمها الهائل (من هنا تتأتى مقارنتها بالفراشة في بداية القصيدة: كأن الطائرة اكثر نعومة ورقة وهدوءا من ذلك الكائن الضئيل الصامت). بمقابل ذلك وعلى النقيض منه، يوصف المشهد الطبيعي بكونه "مشهد هستيري" والمدينة بـ "ذات الضجيج." ان الشاعر مدرك تماما بأن العلم سلاح ذو حدين يمكنه ان يكون هداما وبناء في الوقت ذاته، وهو ما يجده الشاعر في مجريات الواقع في عصره. لذلك فانه يستعمل الطائرة رمزا أساسيا على الرغم من كونه اكثر اهتماما بالمشهد المحيط بها، كما يشير الى ذلك عنوان القصيدة بوضوح.
في ابيات خاتمة القصيدة، في نقطة التماس بين الطائرة والأرض، يسمع المسافرون نواقيس الكنيسة، الصوت الذي يعلو على كل الأصوات، ليصل الى
حيث ينتصب الدين، اعلى صوتا من جميع تلك البطاريات
وابراج الفحم الحجري التي تقف على خلفية تلك السماء المحتضرة،
الكنيسة حاجبة الشمس.
(الأبيات 29-30)
نواقيس الكنيسة والبيت الأخير في القصيدة يجعلان التناقض أكثر حدة ووضوحا ويصبح التوتر اشد بين فكرة سبندر عن التقدم وتفاصيل الواقع الحقيقي الذي يستطيع المسافرون مشاهدته. التوتر بين الواقع والمثال يخلق لدى الشاعر إحساسا بالرعب ممزوجا بالتوق الى الحرية.
--------------------------
هوامش
1. Stephen Spender, The Imagination in the Modern World (Washington: The Library of Congress, 1962), pp. 25, 17.
--------------------, The Struggle of the Modern (London: Hamish Hamilton, 1963), pp. X-xiii.
2. -------------------, The Imagination in the Modern World, p. 37.
3. --------------------, Selected Poems (London: Faber and Faber, 1965), p. 15. All quotations from Spender’s poetry are taken from this edition, hereafter cited as SP with page numbers.
4. C. B. Cox and A. E. Dyson, Modern Poetry: Studies in Practical Criticism (London: Edward Arnold, 1963), p. 82.
#عادل_صالح_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟